يبدو أن تحوّل الحرب في أوكرانيا من مواجهة ميدانية مباشرة إلى استراتيجية متعددة الأبعاد تستهدف استنزاف المجهود الحربي الروسي بصورة منهجية، بدأ يترك أثرًا متزايدًا على تماسك النخبة الحاكمة في موسكو، مع تعمّق الانقسامات وتصاعد التوترات داخل دوائر السلطة. وقد عزز هذا المسار التقديرات بشأن احتمال حدوث انشقاقات داخل النخبة المحيطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بل وفتح الباب أمام سيناريوهات تتعلق بإمكانية إبعاده عن السلطة. ووفق هذا التصور، فإن استمرار الحرب وما يرافقه من استنزاف متراكم قد يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف الاستقرار الداخلي لروسيا وتقويض ثقة النخبة في صلابة النظام، بما قد يفضي في نهاية المطاف إلى تحولات أوسع في المشهد السياسي، وربما إلى تغيّر جذري في بنية النظام نفسه.
غير أن تعقيد بنية النظام الروسي يفرض مسارًا مغايرًا لفهم كيفية انعكاس تنامي استياء النخبة على مسار الأحداث، كما يعيد تشكيل العلاقة بين تصدّع النخبة واستقرار النظام. فمن منظور أكثر عمقًا، لا يقود تصاعد الاستياء داخل النخبة بالضرورة إلى انهيار النظام، بل قد يفضي إلى أنماط أكثر تعقيدًا من التآكل الداخلي مع بقاء النظام قائمًا. وعليه، لم يعد السؤال الاستراتيجي يتمحور حول ما إذا كانت روسيا قادرة على تحمّل الخسائر في ساحة المعركة، بل حول ما إذا كان الكرملين قادرًا على مواصلة الصمود أمام الضغوط التراكمية الناجمة عن تصاعد الإحباط داخل أوساط النخبة الحاكمة، وإلى متى يمكنه احتواء هذا التآكل قبل أن يمتد أثره إلى الركائز التي يقوم عليها النظام نفسه.
أربك اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الجهود الممتدة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، في وقت كانت فيه مسارات التهدئة والتفاوض بين موسكو وكييف تواجه أصلًا تعقيدات عميقة وفرصًا محدودة للتقدّم. فقد أسهمت الضربات التي استهدفت إيران، وما تبعها من ارتدادات إقليمية واسعة في الشرق الأوسط، في زيادة الضغوط على بيئة دولية مثقلة بالأزمات، بما انعكس سلبًا على مسار التسوية في أوروبا الشرقية. وفي هذا الإطار، تثير هذه الحرب تساؤلات جوهرية بشأن حجم تأثيرها في التوازنات الجيوسياسية الأوسع، ولا سيما في ظل احتمال أن تؤدي إلى تحويل الاهتمام الدولي بعيدًا عن الحرب الروسية الأوكرانية، وإعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى، بما قد ينعكس بصورة مباشرة على مسار الصراع بين موسكو وكييف واتجاهاته المقبلة.
تُرسِّخ استراتيجية الأمن القومي (NSS) الإطار الحاكم لرؤية القوة الأميركية، وتكشف عن الكيفية التي تفهم بها الولايات المتحدة طبيعة البيئة الدولية، وتُحدِّد من خلالها أولوياتها، وتختار الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي ستعتمد عليها في صون مصالحها الوطنية. ومن هذا المنطلق، تضطلع الاستراتيجية بدورٍ محوري في توجيه تخطيط الدفاع، وصياغة عقيدة السياسة الخارجية، وضبط آليات التنسيق بين الوكالات الحكومية، فضلًا عن إرسال رسائل واضحة إلى الحلفاء والخصوم على السواء بشأن اتجاهات الانخراط الأميركي في نظام دولي يشهد تحوّلات متسارعة.
تُشكّل استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، الصادرة عن إدارة ترامب في نوفمبر 2025، مقاربة واضحة لكيفية تموضع هذه الإدارة في عالم يتّسم بتصاعد التفكّك الجيوسياسي، واحتدام التنافس، وتزايد القيود الداخلية. ويتمثّل هدفها الجوهري في تحويل رؤية الإدارة للعالم إلى إطار متماسك يحدّد بدقّة ما ستمنحه الولايات المتحدة الأولوية، وما ستتراجع عنه، والظروف التي ستدفعها إلى توظيف رأسمالها السياسي، ونفوذها الاقتصادي، أو قوتها العسكرية.
بالنسبة إلى الشرق الأوسط، تكتسب قراءة استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 أهمية خاصة، إذ إنها تُجسِّد المبادئ التي تُشكِّل ملامح الموقف الأميركي المتحوّل تجاه المنطقة. ويعكس تركيز الاستراتيجية على تقاسم الأعباء، وتقليص الانخراط العسكري المباشر، والشراكات ذات الطابع التبادلي تحوّلًا في سقف التوقعات الموجّهة إلى الفاعلين الإقليميين، في حين يواصل تركيزها على أمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب، والتنافس الاستراتيجي مع القوى الخارجية رسم الإطار الناظم لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. وباعتبارها صياغة رسمية لكيفية إدراك الإدارة لمصادر التهديد وفرص الحركة، تُقدِّم استراتيجية الأمن القومي أوضح خارطة طريق متاحة لتوجّهات واشنطن، كما ترسم الإطار المرجعي الذي ستُصاغ في نطاقه قراراتها حيال الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.
تشهد الحرب الروسية–الأوكرانية الممتدة منذ ما يقرب من أربع سنوات سلسلة متعاقبة من المحاولات غير المجدية لإنهائها، عبر خطط سلام متعددة لم تُفلح في إحداث اختراق حقيقي في مسار الصراع. وفي المرحلة الراهنة، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عازمًا على الدفع نحو تسوية سياسية، عبر طرح مبادرة سلام خلال الأشهر الأخيرة، والانخراط في مسار تفاوضي مباشر مع كلٍّ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في محاولة لإعادة تشكيل مآلات الحرب ووضع حدٍّ لاستمرارها.
تتعدد السيناريوهات المحتملة لما بعد الحرب الروسية–الأوكرانية، غير أنّ مسار المفاوضات الجارية يفتح المجال أمام تحوّلات أكثر عمقًا في مآلات الصراع. ففي ظلّ الدفع المتواصل نحو التسوية، ولا سيّما من جانب الولايات المتحدة وروسيا لتبنّي خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات النقاط الثماني والعشرين، مقابل المقترح الأوكراني المضاد القائم على الخطة المعدّلة ذات النقاط التسع عشرة، تزداد احتمالات التوصّل إلى تسوية تميل لمصلحة موسكو. وهو ما يطرح تساؤلًا محوريًا: إذا ما جرى اعتماد مثل هذه التسوية، كيف سيُعاد تشكيل المشهد الأوراسي، وما التحوّلات التي ستترتّب عليها في موازين القوى الإقليمية والدولية؟
في 14 فبراير 2025، استهدفت طائرة مُسيّرة الدرعَ الواقي الذي يغطي المفاعل رقم 4 في محطة تشيرنوبل النووية بأوكرانيا، ما أدى إلى اندلاع حريق وتضرّر هيكل العزل الفولاذي. وبحلول 6 ديسمبر 2025، كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد استكملت تقييمًا رسميًا للموقع، مؤكدةً أن حاجز الاحتواء الآمن الجديد قد فقد الآن "وظائفه الأساسية المتعلقة بالسلامة، بما في ذلك قدرة الاحتواء"، وهو ما يعني أنه لم يعد قادرًا على ضمان بقاء المواد المشعّة محصورة بالكامل.
وتحمّل أوكرانيا روسيا مسؤولية الضربة، وهو ما تنفيه موسكو، بينما يحذّر المراقبون الدوليون من أن المخاطر التي تهدد منظومة السلامة النووية العالمية آخذة في التفاقم.
شهدت الحرب الرّوسيّة-الأوكرانيّة منعطفًا استراتيجيًّا مهمًّا في أكتوبر 2025، حين منح الرّئيس الأمريكي دونالد ترامب موافقةً استثنائيّةً لتزويد أوكرانيا بمعلوماتٍ استخباراتيّةٍ عالية الحساسيّة. تُمَكِّنُ هذه المعلومات كييف من استهداف البنية التّحتيّة الحيويّة داخل العمق الرّوسي، وتحديدًا منشآت الطّاقة. وتزامن هذا التّطوّر مع دراسة الإدارة الأمريكيّة إمكانيّة تزويد كييف بصواريخ "توماهوك" (Tomahawk) بعيدة المدى، الّتي يصل مداها إلى 2,500 كيلومتر، وتمتلك القدرة على ضرب ما يزيد عن 1,900 هدفٍ عسكريٍّ ومنشأةٍ حيويّةٍ روسيّةٍ. وبالتّوازي مع ذلك، حثّت واشنطن حلفاءها في منظّمة حلف شمال الأطلسي (النّاتو) على اعتماد سياساتٍ مماثلةٍ داعمةٍ لكييف. ويهدف ترامب، عبر هذه الخطوات، إلى استنزاف موارد روسيا وتقويض قدرتها على تمويل الحرب، وهو ما يمثّل تمهيدًا لفرض تسويةٍ سياسيّةٍ جديدةٍ تضمن مصالح واشنطن وحلفائها.
ورغم أنّ الولايات المتّحدة واصلت تقديم دعمٍ استخباراتيٍّ منتظمٍ لأوكرانيا منذ اندلاع النّزاع، إلّا أنّ إشارة الرّئيس ترامب إلى تصعيد مستوى ونوعيّة المعلومات المقدّمة تعكس تحوّلًا في الاستراتيجيّة الأمريكيّة. ويكتسب هذا القرار أهمّيّةً خاصّةً كون ترامب قد تعهّد، منذ تنصيبه لولايةٍ رئاسيّةٍ ثانيةٍ، بإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا. وبذلك، يثير هذا التّصعيد تساؤلاتٍ جوهريّةً حول مدى انسجام هذا القرار مع طموح الرّئيس الأمريكي المعلن في التّوسّط لإبرام اتّفاق سلامٍ بين موسكو وكييف، وكيفيّة انعكاس ذلك على موقفي الطّرفين الرّوسي والأوكراني في الميدان ومسار المفاوضات.
تعود أوروبا إلى أجواء التوتّر التي ظنّت أنها طوتها منذ عقود. ففي تحذيرٍ صريح، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إنّ "بولندا اليوم في أقرب نقطةٍ من اندلاع صراعٍ مفتوح منذ الحرب العالمية الثانية"، وذلك عقب انتهاكٍ مفاجئٍ للمجال الجوي البولندي من قِبل روسيا أثار قلقًا واسعًا داخل البلاد وخارجها. ففي التاسع من سبتمبر، اخترقت أسرابٌ من الطائرات المسيّرة الروسية الأجواء البولندية، ما دفع طائرات حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى الإقلاع لاعتراض عددٍ منها، في أول مواجهةٍ مباشرةٍ بين الحلف وموسكو منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 24 فبراير 2022. ورغم أنّ الحادثة قد تُفسَّر بوصفها اختبارًا من الرئيس فلاديمير بوتين لمدى جاهزية الناتو واستجابة أوروبا، فإنّها تُسلّط الضوء على هشاشة المشهد الأمني الإقليمي واحتمال انزلاق القارّة نحو مواجهةٍ جديدة. وبالنظر إلى الدور المحوري الذي تؤدّيه بولندا ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وهو دور يتجاوز في وزنه وتأثيره موقع أوكرانيا، فإنّ اندلاع صراعٍ مباشرٍ بينها وبين روسيا قد يضع الأمن الأوروبي بأسره أمام اختبارٍ وجودي غير مسبوق. والسؤال المطروح اليوم: إلى أيّ مدى تقترب أوروبا من هذه المواجهة؟ وهل تملك القدرة على احتواء تداعياتها؟
في خضم لقاءات ترامب مع نظرائه الروس والأوكرانيين بهدف التوصل إلى وقفٍ طويل الأمد لإطلاق النار، تبرز تساؤلات حول إمكانية نجاح خطة سلام بين موسكو وكييف بوساطة أميركية. غير أنّ مطالب بوتين من جهة، ووعود ترامب الغامضة لزيلينسكي من جهة أخرى، تثير الشكوك حول ما إذا كانت الحرب في أوكرانيا ستصل إلى نهايتها حقاً.
من المتوقع خلال الأشهر القليلة المقبلة أن تدفع إدارة ترامب كلًّا من رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (الكونغو) نحو توقيع اتفاق سلام، يُفترض أن يعقبه اتفاق ثنائي بين الولايات المتحدة والكونغو بشأن المعادن. ويمنح هذا الاتفاق بعض الأطراف مكاسب سياسية واقتصادية كبيرة، بينما يترك أطرافًا أخرى في وضع أقل حظًا. من المنتظر أن تحقق الولايات المتحدة مكاسب اقتصادية وسياسية من هذا الاتفاق، خصوصًا في إطار منافستها المتصاعدة مع الصين. أما جمهورية الكونغو الديمقراطية، فستستفيد على المدى القصير عبر توظيف رواية "المعادن في مناطق النزاع"، لكن العواقب بعيدة المدى قد لا تصب في مصلحتها.
في المقابل، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في موقف لا يُحسد عليه، إذ سيكون مضطرًا إما إلى تعديل سياساته تجاه معادن الكونغو أو مواجهة احتمالية التصادم مع إدارة ترامب. ورغم أن المواجهة العسكرية المباشرة بين الطرفين لا تزال غير مرجحة، فإن اندلاع حرب بالوكالة يُعد احتمالًا قائمًا، وقد تكون حركة 23 مارس "إم 23" المسلحة هي الطرف الأبرز فيها. ومع تزايد الأهمية الجيواقتصادية للمعادن، تضع إدارة ترامب نصب أعينها عددًا من الدول، منها أوكرانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، كأهداف محتملة في استراتيجيتها المقبلة.
قطع الرئيس المنتخب دونالد ترامب عهدًا على نفسه بإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، لكنه لم يكشف بعد عما سيفعله للوفاء بهذا العهد. ويبدو أن التوصل إلى تسويةٍ عن طريق المفاوضات هو السبيل الوحيد الممكن لتحقيق هذه الغاية لأنه من غير المرجح أن يحقق أي من الجانبين نصرًا عسكريًا حاسمًا. وتواجه معظم الدول الغربية، وخاصةً الأوربية منها، العديد من التحديات الداخلية التي تُضعف موقفها ونفوذها على طاولة المفاوضات. وفي الوقت نفسه، تجد روسيا نفسها أيضًا في وضعٍ لا تُحسد عليه، ما يخلق فرصة سانحة لترامب لتشجيع الطرفين على التوصل إلى حلٍ للصراع الدائر بينهما، ولكن يلزم تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا حتى يؤدي أي اتفاق إلى سلامٍ دائم، ومن المرجح أن تكون تلك الضمانات بمنزلة المقايضة الرئيسية لأي تنازلات من المتوقع أن تقدمها أوروبا.
تدخل الحرب الروسية الأوكرانية شهرها الثامن عشر، دونما حسم واضح في اتجاه أحد الطرفين، أو حتى سيطرة استراتيجية أو عملياتية من أحدهما، تقربه من فرض موقفه على طاولة المفاوضات، الأمر الذي يُشير إلى أن الصراع قد يستمر لعدة أشهر أخرى على أقل تقدير قبل أن يتجه الطرفين إلى التهدئة، الوضع ذاته في غزة التي تدخل الحرب فيها شهرها الثامن -كأحد أطول الحروب في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي رُبما باستثناء حربي تأسيس إسرائيل، والاستنزاف مع مصر- دونما اقتراب من أي حسم، أو حتى أفق يشير إلى أن طرفي الحرب على وشك الذهاب إلى التهدئة أو حتى أن أحدهما أو كلاهما بات راغب فيها، قد يكتمل عقد الحروب المُمتدة إذا اشتعلت الحرب بين الصين مع أحد جيرانها سواء في مضيق تايوان أو في بحر الصين الجنوبي، الأمر الذي بات غير مُستبعد في ظل انخراط الولايات المُتحدة في مُناوشات سياسية واقتصادية إقليمية ودولية تستهدف المصالح الصينية مُباشرة.
تجمع الحربين القائمتين وتلك المُتوقعة، خصيصتين -بالإضافة إلى أنها استغرقت أو قد تستغرق وقتًا أطول في الحسم مما كان متوقعًا- أولهما أنها تدور في مناطق ذات أهمية استراتيجية فائقة للعالم، سواء في السهل الأوروبي العظيم أحد أخصب أقاليم العالم وأغزر مناطق انتاج الحبوب فيه، أو في قلب الشرق الأوسط عند مُفترق طُرق التجارة العالمية ومسارات الطاقة. ثم أنهما أخيرًا لا تدوران بين دول أو أطراف مُنفردة، بل ضمن تحالفات أوسع، حيث ينخرط في الحرب الروسية الأوكرانية بشكل غير مُباشر كُلا من كوريا الشمالية وإيران إلى جانب روسيا، وحلف شمال الأطلسي إلى جانب أوكرانيا، فيما انخرط في حرب غزة إلى جانب إسرائيل كُلًا من الولايات المُتحدة وبريطانيا وفرنسا، وإلى جانب حماس إيران، حزب الله، الحوثيين، وعدد كبير من الجماعات الشيعية في العراق وسوريا.
هاتين الخصيصتين طبعتا الحربين الجاريتين بخصائص تُشبه جُزئيًا وبشكل مُصغر خصائص الحربين العالميتين الأولى والثانية من حيث كثافة الاستهلاك النيراني وما يُصاحبه من كثافة الوفيات بين الأطراف المُتصارعة، أو من حيث طول خطوط الاشتباك، وبالتالي باتت الحربين تستهلكان كميات هائلة من الذخائر والأسلحة التقليدية وخصوصًا دانات المدافع، حتى استنزفت أو كادت مخزونات القوى المُنخرطة في الصراع، وبالتالي بات الإحلال محلها حتميًا، ما أوصل حرارة المعارك الدائرة إلى خطوط الإنتاج في المصانع، التي -في أغلب الأوقات- كانت غير قادرة على الوفاء باحتياجات الجبهة أو أغراض إعادة استيفاء المخزون، ما أسفر في النهاية عن نُدرة شديدة في الذخائر على كل الجبهات لدى كُل الأطراف.
حولت هذه النُدرة الحرب إلى سلسلة من المعارك الصناعية يتفوق فيها الطرف ذا القُدرة الصناعية الأكبر، حيث يكون قادر على إمداد قواته بمزيد من الذخيرة التي تعطيها اليد الأعلى في المعركة، وبالتالي تحولت الصناعة بشكل مُباشر إلى أحد مُقومات الأمن القومي بمعناه شديد الضيق، لذلك تُحلل هذه الورقة انعكاسات القُدرة الصناعية على الحرب الروسية الأوكرانية من خلال سلاح المدفعية لدى الطرفين.
شهد القرن الحادي والعشرون عودة الوساطة كأداة محورية لحل النزاعات الدولية، ويرجع هذا الظهور إلى التعقيدات التي فرضتها الصراعات المعاصرة، و توسع نطاق التهديدات لتتخطي الشكل التقليدي للنزاعات الإقليمية، والحروب الأهلية، والأزمات السياسية، فقد شهد العالم تزايد التهديدات الأمنية غير التقليدية لتشمل قضايا جديدة على رأسها تغير المناخ، والأمن السيبراني، والجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية.
وسبق أن تقدمت دول مختلفة للعب أدوار مهمة في هذا المجال، مستفيدة من فطنتها الدبلوماسية ونفوذها السياسي ومواردها الاقتصادية لتسهيل الحوار ووقف التصعيد، ومن بين أبرز الوسطاء، النرويج التي أثبتت باستمرار التزامها تجاه قضايا بناء السلام من خلال مشاركتها الفعالة في حلحلة العديد من الصراعات، من سريلانكا إلى كولومبيا إلى تسهيلها لاتفاقيات أوسلو ليجسد قدرتها على تعزيز الحوار بين خصوم يبدو أنه لا يمكن التوفيق بينهم.
كما قدمت فنلندا، المشهورة بنهجها المتعدد الأطراف، وتأكيدها على بناء الإجماع عدة مبادرات أبرزها مجموعة أصدقاء الوساطة في سبتمبر 2010، والتي لعبت دورًا رئيسيًا في عمليات بناء السلام في القرن الأفريقي، كما وفرت سويسرا، مستفيدة من تقاليدها الطويلة الأمد المتمثلة في الحياد، مكانًا آمنًا ومحايدًا لعدد لا يحصى من محادثات السلام والمفاوضات، مما عزز بيئة مواتية للتسوية والحل.
ووسط كل هذا الزخم شهدت العشرية الأخيرة ظهور جهات فاعلة غير غربية في مجال الوساطة. وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب مهم في الشرق الأوسط وخارجه. فمنذ تأسيسها، التزمت دولة الإمارات بنهج يجمع بين القيم العربية التقليدية والممارسات الدبلوماسية الحديثة للتعامل مع التعقيدات الثقافية للصراعات الإقليمية، كما تبنت سياسة تعزيز السلام والأمن والاستقرار في منطقتها والعالم، وتجلى هذا الالتزام في مبادراتها العديدة التي ساهمت في تهدئة الصراعات والأزمات، وأبرزها التوسط في الصراع الدائر في اليمن، والتوفيق بين الهند وباكستان، دورها المحوري في اتفاق السلام التاريخي بين إثيوبيا وإريتريا في عام 2018، وتسهيلها لعمليات تبادل أسرى الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والوساطة بين روسيا والولايات المتحدة، كما نشطت في الساحة متعددة الأطراف من خلال استضافتها لمؤتمر المناخ "كوب 28" في دبي.
ومع الرغم من ذلك، فإن طريق الوساطة لا يخلو من التحديدات. فالتعقيدات المتأصلة في العديد من الصراعات الإقليمية، والمصالح المتضاربة للأطراف المعنية، والحاجة إلى تحقيق التوازن بين جهود الوساطة والمصالح الوطنية، كلها عوامل يمكن أن تعيق تحقيق حلول مستدامة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحفاظ على الحياد في المواقف المستقطبة، ومحدودية النفوذ على الجهات الفاعلة من غير الدول، والقيود المحتملة على القدرات، كلها تحديات يجب على دولة الإمارات التغلب عليها لضمان استمرار نجاح جهودها في الوساطة. لذا يسعي هذا التحليل إلى استعراض دور دولة الإمارات كوسيط دولي صاعد، مع التركيز على العوامل التي مكنتها من الصعود، والاستراتيجيات التي تستخدمها، وتأثيراتها على الصراعات الإقليمية والدولية.