كتب بواسطة

تشهد السياسة الخارجية الأمريكية تغييراً واضحاً في الآونة الأخيرة؛ إذ تبتعد عن المبادئ الدولية التقليدية وتتجه نحو أسلوب عملي يعتمد على المصالح المباشرة. وفي ظل هذا التغيير، يزداد الاهتمام الاستراتيجي بالجزر والممرات البحرية الضيقة كأدوات أساسية لفرض النفوذ. فلم تعد الجزر مجرد مناطق جغرافية بعيدة، بل أصبحت مواقع حيوية تضمن التفوق في مجالات الطاقة، وتأمين خطوط الإمداد، والملاحة البحرية. ويعكس هذا التوجه رغبة في السيطرة الفعلية على المواقع الجغرافية لضمان التواجد العسكري والنفوذ الاقتصادي، والتحكم في الممرات الأساسية التي تمر عبرها حركة التجارة العالمية.

 

إن التركيز على الجزر في السياسة الأمريكية الحالية يعكس طريقة تفكير تربط بين الموقع الجغرافي، والتواجد العسكري، والسيادة. وتتعامل هذه السياسة مع المواقع الجغرافية كأدوات يمكن الاستفادة منها عبر الشراء، أو استخدامها للضغط والمساومة. وتُعتبر الجزر، وفقاً لهذه الاستراتيجية، نقاطاً جغرافية محددة يسهل السيطرة عليها أو حمايتها لضمان النفوذ في مناطق أوسع. ويظهر هذا التوجه من خلال التعامل مع مناطق مثل: غرينلاند، وجزيرة خَرْج الإيرانية، وأرخبيل تشاغوس، وجزر فوكلاند في فترة رئاسة دونالد ترامب. وتأسيساً على هذه التحولات، يهدف هذا التحليل إلى تفكيك المرتكزات الجيوسياسية والمنطلقات الاستراتيجية التي تحكم مقاربة إدارة ترامب لملف الجزر، بوصفها أدوات محورية في إعادة هندسة النفوذ الأمريكي.

الجزر في العقل السياسي لترامب

ينبع اهتمام الإدارة الأمريكية بالجزر والأرخبيلات من رؤية استراتيجية ترى في هذه المواقع نقاط ارتكاز مركزية لإعادة تعريف الهيمنة الأمريكية بعيداً عن القيود متعددة الأطراف أو الالتزامات المؤسسية الطويلة الأمد. في هذا العقل السياسي، تُعد الجزر وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى بأسلوب يتسم بالطابع الشخصي والتعاقدي، حيث يتم تقييم المواقع الجغرافية بناءً على قدرتها على توفير رافعة مالية وأمنية مركزة وسهلة التسويق لها محلياً كإنجازات ملموسة. إن التوجه نحو السيطرة على الجزر يعكس رغبة في تحويل السياسة الخارجية من إدارة معقدة للعلاقات الدولية إلى إدارة أصول مادية واضحة المعالم، حيث تصبح السيادة والسيطرة الميدانية هي المعيار الحقيقي للقوة والنجاح.

 

  • السيطرة على المراكز البحرية الحيوية ونقاط الاختناق العالمية

يستند اهتمام ترامب بالجزر إلى موقعها الجغرافي القريب من أبرز نقاط الاختناق البحرية عالمياً. وتربط النظرية الجيوسياسية الكلاسيكية، وتحديداً مبادئ ألفريد ثاير ماهان، بين الهيمنة العالمية وامتلاك القوة البحرية وإحكام السيطرة على مسارات النقل البحري.

 

 وحدّثت إدارة ترامب هذا المبدأ بناءً على إدراكها أن القدرة على السيطرة على المحاور البحرية، أو عرقلتها، أو استغلالها تمنح نفوذاً استراتيجياً غير مسبوق في ظل العولمة المتسارعة، ويتركز توجه الإدارة الأمريكية حالياً على الاستحواذ على نقاط التحكم في هذه المواقع الجغرافية، لتوجيه مسارات التجارة والطاقة بعيداً عن منافسيها الاستراتيجيين، ويتجاوز هذا التوجه سياسة الحفاظ على حرية الملاحة في المياه الدولية.

 

في علي سبيل المثال تشكل جزيرة خرج نموذجاً استراتيجياً في منطقة الشرق الأوسط وتمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الإيراني. حيث تدير موانئ المياه العميقة المتواجدة في الجزيرة، والتي تنفرد بتجهيزاتها على الساحل الإيراني، حوالي 90% من إجمالي صادرات النفط الخام الإيرانية. وحققت هذه المنشآت إيرادات صافية من صادرات النفط وصلت إلى 53 مليار دولار خلال عام 2025، وهو ما يعادل 11% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لإيران. كما تولد البنية التحتية للطاقة في الجزيرة عوائد سنوية تقدر بحوالي 78 مليار دولار. وتعتبر إدارة ترامب أن فرض السيطرة الفعلية على جزيرة خرج أو توجيه تهديد مباشر لها يترجم إلى سيطرة فعلية على حصة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية. علاوة على، توسط الجزيرة مضيق هرمز الذي يمثل ممراً مائياً استراتيجياً.

 

وبالمثل عكس إعلان ترامب فرض سيطرة أمريكية كاملة على غرينلاند، وتأكيده على منع دخول أو خروج أي سفينة دون موافقة البحرية الأمريكية، توجهاً استراتيجياً يعتمد على استخدام الجزر المجاورة كقواعد ارتكاز لفرض قوة بحرية شاملة حيث توفر غرينلاند مركزاً استراتيجياً مهماً في نصف الكرة الشمالي. وتقع الجزيرة ضمن مسار ممر غرينلاند-أيسلندا-المملكة المتحدة (GIUK) الاستراتيجي، والذي يوظف في عمليات مكافحة الغواصات لرصد وتقييد حركة القوات البحرية الروسية داخل مياه شمال المحيط الأطلسي كما تتغير مكانة غرينلاند الجغرافية مع استمرار ذوبان الجليد القطبي بسبب التغير المناخي بمعدل 30 مليون طن في الساعة، لتتحول إلى نقطة عبور رئيسية لطريق البحر العابر للقطب الشمالي والممر الشمالي الغربي. وتقلل هذه الطرق البحرية الجديدة من الاعتماد على الممرات التقليدية التي تقع تحت الحماية الأمريكية، كقناتي بنما والسويس.

 

وتهدف الاستراتيجية الجيوسياسية لإدارة ترامب، من خلال الاستحواذ على غرينلاند أو إخضاعها لسيطرتها، إلى استباق التحولات في بنية التجارة العالمية، وتأمين استمرار التحكم الأمريكي في حركة الملاحة البحرية العابرة للقارات خلال القرن الحادي والعشرين.

 

ويبرز بحر الصين الجنوبي ضمن هذا التوجه الاستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فاتجهت إدارة ترامب في عام 2025 إلى إرساء مناطق نفوذ وتقديم المصالح التجارية الثنائية على الالتزام الصارم بالقوانين الدولية المنظمة للمياه الإقليمية، بخلاف الإدارات السابقة التي اعتمدت على شبكة التحالفات لحماية حرية الملاحة بالقرب من الجزر الطبيعية والاصطناعية. وتدرك الإدارة الأمريكية في الوقت ذاته أهمية الاحتفاظ بقواعد عمليات متقدمة، وتصنف مواقع كالفلبين كمركز للإمداد العسكري والذخائر لفرض السيطرة على مسارات العبور الرئيسية في بحر الصين الجنوبي. وتسعى الصين بدورها إلى الهيمنة على هذه المسارات عبر عمليات التوسع العسكري وبناء جزر اصطناعية فوق الشعاب المرجانية، كما حدث في شعاب أنتيلوب المرجانية ضمن جزر باراسيل.

 

 ويحافظ هذا التوجه الأمريكي على اتساقه الاستراتيجي، إذ تمثل المواقع الجزرية المتقدمة قواعد ارتكاز حتمية لفرض القوة والسيطرة على الممرات البحرية التي تسيّر حركة الاقتصاد العالمي.

 

  •      تحويل النفوذ غير المباشر إلى سيطرة ميدانية

تتسم السياسة الخارجية لدونالد ترامب برفض التحالفات التقليدية وتفضيل السيطرة الأحادية المطلقة، وتعتقد الإدارة الأمريكية أن النفوذ غير المباشر الذي يتحقق عبر المعاهدات أو اتفاقيات الدفاع المشترك أو القوة الناعمة، يمثل أداة ضعيفة تضر بمصالح الولايات المتحدة. وتوجه هذه العقلية السياسية الإدارة نحو إقرار سياسات تحول النفوذ المجرد إلى سيادة فعلية أو سيطرة ميدانية ملموسة.

 

ويعكس السعي لشراء أو ضم إقليم غرينلاند هذا التوجه بوضوح. وتفترض إدارة ترامب أن الدول الأوروبية تستفيد من الضمانات الأمنية الأمريكية دون تقديم مقابل، رغم عضوية الدنمارك التأسيسية في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتعتبر الإدارة أن الإبقاء على قاعدة بيتوفيك الفضائية (قاعدة ثول الجوية سابقًا) عبر الاتفاقيات الثنائية مع كوبنهاغن لا يلبي متطلبات الأمن القومي الأمريكي. وصرح ترامب حول عملية الاستحواذ المحتملة أن الملكية توفر صلاحيات حصرية. وتضمن الملكية السيادية الكاملة نقل الثروات المعدنية لغرينلاند مباشرة إلى الميزانية الأمريكية، وتتجنب إخضاعها لقرارات برلمان أجنبي. وتشمل هذه الثروات 31 معدنًا حيويًا من أصل 34 معدنًا تلزم التقنيات المستقبلية، بالإضافة إلى احتياطيات الموارد التالية (خام الحديد، الجرافيت، التنغستن، البلاديوم، الفاناديوم، الزنك، الذهب، اليورانيوم، النحاس).

 

ويظهر التوجه نحو السيطرة المباشرة على الموارد عبر التركيز على منجمي كفانيفيلد وتانبريز، لتجاوز السيطرة شبه الكاملة للصين على معالجة العناصر الأرضية النادرة. وعينت الإدارة الأمريكية حاكم ولاية لويزيانا، جيف لاندري، مبعوثًا خاصًا إلى الجزيرة في ديسمبر 2025. وتجاوز هذا التعيين القنوات الدبلوماسية المعتادة والحكومة الدنماركية، ليؤكد الرغبة في فرض سيطرة أمريكية مباشرة على الإقليم. وافترضت الإدارة الأمريكية إمكانية التفاوض على مستقبل الإقليم، الذي يتمتع بحكم ذاتي ويبلغ عدد سكانه 56 ألف نسمة، عبر استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي المباشر، لتتعامل مع غرينلاند ككيان مستقل قابل للاستحواذ.

 

ويشمل هذا النموذج من السيطرة المادية مناطق العمليات العسكرية النشطة. وتتجاوز سياسة ترامب تجاه جزيرة خرج الإيرانية استراتيجيات الاحتواء العسكري التقليدية لتتجه نحو الاحتلال المباشر واستغلال الموارد. وصرح ترامب في أوائل عام 2026، خلال تنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران، أن السيطرة على الجزيرة تتطلب نشر قوات برية وبقاء الجيش الأمريكي فيها لفترة محددة. وأكد ترامب تفضيله لقرار الاستيلاء على النفط، في تكرار لموقف إدارته السابق تجاه النفط الفنزويلي. ويشكل هذا التوجه تغييراً أساسياً في العقيدة العسكرية الأمريكية المتبعة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي ركزت على حرمان الخصوم من الموارد أو ضمان استقرار الأسواق العالمية بدلاً من الاستيلاء الفعلي على الثروات السيادية. ويهدف ترامب، عبر إعلان رغبته في السيطرة على النفط الإيراني من خلال جزيرة خرج، إلى تحويل الانتصارات العسكرية إلى أصول مادية تحقق عوائد مالية.

 

وتؤكد أزمة أرخبيل تشاغوس هذا التوجه الاستراتيجي. وتدخلت إدارة ترامب لتعطيل مصادقة الحكومة البريطانية، برئاسة كير ستارمر، على معاهدة عام 2025 التي تنقل سيادة جزر تشاغوس إلى موريشيوس، رغم احتفاظ بريطانيا بعقد إيجار لمدة 99 عامًا للقاعدة العسكرية الأمريكية البريطانية المشتركة في دييغو غارسيا. ورفضت الإدارة الأمريكية إدخال طرف ثالث يمتلك السيادة، واعتبرته تنازلاً مرفوضاً عن السيطرة، متجاهلة الضمانات التي تؤكد استمرار القدرة على استخدام القاعدة ودفع بريطانيا رسوم إيجار سنوية تبلغ حوالي 100 مليون جنيه إسترليني.

 

وتصنف الإدارة الأمريكية دولة موريشيوس كدولة يزيد تقاربها مع الحزب الشيوعي الصيني، استناداً إلى إعلان رئيس وزراء موريشيوس، نافين رامغولام، عن عزمه تقوية العلاقات الدبلوماسية مع بكين. ودفع هذا التقييم مسؤولين أمريكيين، منهم وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيجسيث، إلى معارضة الاتفاقية بشكل حاسم. واستند هؤلاء المسؤولون إلى ضرورة احتفاظ الولايات المتحدة بحق الوصول القانوني الدائم إلى القاعدة دون تدخلات ترتبط بالسيادة الأجنبية، وذلك لضمان حماية المصالح الوطنية الأمريكية.

 

  • تعظيم القوة التفاوضية في النزاعات الكبرى

ترتبط “قضية الجزر” ارتباطاً وثيقاً بممارسة الإدارة الأمريكية للدبلوماسية القائمة على المعاملات. وتعتمد هذه الدبلوماسية في جوهرها على منطق المقايضة، حيث تتعامل مع كل خطوة تعاونية أو ضمان أمني أو وضع إقليمي كأصل قابل للاستبدال والتداول. وتُستغل الجزر، نظراً لقيمتها الاستراتيجية الكبيرة وأوضاعها السياسية المتنازع عليها غالباً، كأوراق تفاوض ذات عائد مرتفع لتعظيم القوة التفاوضية للولايات المتحدة عبر جبهات دبلوماسية متعددة ومختلفة.

 

وظهر التطبيق الأكثر تطرفاً لهذا التكتيك في سياق الحرب الأمريكية الإيرانية عام 2026. واستخدم ترامب التهديد الوجودي لجزيرة خرج كأداة ضغط قصوى لإجبار طهران على الاستسلام. وأمر ترامب، ضمن استراتيجية عُرفت باسم “الصفقة أو الموت”، بتنفيذ غارات قصف مكثفة دمرت الدفاعات العسكرية للجزيرة، والتي شملت الدفاعات الجوية والقواعد البحرية ومخازن الألغام، بينما استثنى عمداً البنية التحتية النفطية في المياه العميقة. وصرّح بوضوح أن هذا الامتناع مؤقت، حيث حذر قائلاً: “كلمة واحدة بسيطة وستختفي الأنابيب أيضاً”. وسعت الإدارة الأمريكية، من خلال احتجاز الاقتصاد الإيراني بأكمله كرهينة في موقع جغرافي واحد، إلى إجبار إيران على قبول خطة شاملة تتكون من 15 نقطة سُلمت عبر وسطاء باكستانيين. وتطالب هذه الخطة طهران بتفكيك مواقعها النووية الثلاثة، ووقف تخصيب اليورانيوم، وإنهاء دعم القوات الوكيلة، وإعادة فتح مضيق هرمز فوراً مقابل رفع العقوبات. ولم تمثل الجزيرة هدفاً عسكرياً فحسب، بل شكلت آلية للإكراه الشديد ضمن مفاوضات جارية. وأصبح بقاء البنية التحتية لجزيرة خرج الأداة الرئيسية التي تمتلكها الولايات المتحدة للضغط على ما تبقى من الدولة الإيرانية.

 

وأظهرت الإدارة الأمريكية، بالإضافة إلى ذلك، استعداداً لاستخدام السيادة الإقليمية لأقرب حلفائها كسلاح لانتزاع التنازلات. وكشفت مذكرة مسربة من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عام 2026 أن إدارة ترامب درست إعادة تقييم دعمها الدبلوماسي طويل الأمد لسيادة المملكة المتحدة على جزر فوكلاند، وهي إقليم بريطاني وراء البحار تتنازع عليه الأرجنتين بشدة. وحافظت الولايات المتحدة تاريخياً على موقف محايد تجاه النزاع على السيادة مع اعترافها بالإدارة البريطانية الفعلية، مما حمى المملكة المتحدة من جهود الأمم المتحدة القوية لإنهاء الاستعمار فيما يتعلق بـ “الإقليم غير المتمتع بالحكم الذاتي”. وأشارت المذكرة مع ذلك إلى أن سحب هذا الغطاء الدبلوماسي خضع لدراسة فعلية كإجراء عقابي ضد المملكة المتحدة بسبب فشلها في تقديم الدعم العسكري الكافي لحملة القصف الأمريكية في إيران. واستخدم ترامب جزيرة تبعد آلاف الأميال عن الشرق الأوسط كآلية لإجبار أوروبا على الامتثال لأهداف حربه في الشرق الأوسط، وذلك من خلال التهديد بترك بريطانيا معزولة دبلوماسياً على الساحة العالمية فيما يتعلق بجزر فوكلاند.

 

وخضعت تايوان بالمثل لهذا المنظور القائم على المعاملات بشكل متكرر. وتعامل ترامب غالباً مع أمن الجزيرة كمتغير يعتمد بشكل كبير على اقتصاديات التجارة، بينما تعتبر بكين تايوان قضية إقليمية جوهرية. وترسل الإدارة الأمريكية إشارات إلى بكين بأن الحدود الجيوسياسية قابلة للتفاوض في ظل الظروف الاقتصادية المناسبة، وذلك من خلال ربط الدفاع عن الجزيرة بجداول التعريفات الجمركية وحصص الاستثمار وهيمنة تايوان على تصنيع أشباه الموصلات. وأشار بعض مستشاري ترامب بوضوح إلى تركز إنتاج الرقائق في تايوان كـ “نقطة فشل واحدة” للاقتصاد العالمي، واقترحوا استراتيجية لتقليل الاعتماد على تايوان بسرعة لخفض تعرض أمريكا للأحداث في مضيق تايوان.

 

حيث يحول هذا التغيير الخطابي تايوان من موقع أيديولوجي متقدم للديمقراطية إلى أصل استراتيجي يمكن المراهنة عليه أو عزله بناءً على الاحتياجات الفورية للمعاملات في العلاقات الأمريكية الصينية. وأبرز الحادث، عندما أبلغت تايوان عن دخول طائرة استطلاع صينية بدون طيار مجالها الجوي فوق جزر باراسيل في أوائل عام 2026، كيف تختبر تكتيكات المنطقة الرمادية حدود مظلة أمنية أمريكية أصبحت الآن مشروطة بوضوح بالامتثال التجاري.

 

  •      إظهار صورة القوة الراسخة

يُحقق سعي الإدارة الأمريكية للسيطرة على الجزر أهدافاً سياسية داخلية محددة، إلى جانب الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية، وتتمثل هذه الأهداف في إظهار قدرة أمريكية صارمة على فرض الهيمنة. ويركز خطاب الإدارة الأمريكية على مفاهيم القوة الوطنية واستعادة النفوذ، لردع التقييمات التي تشير إلى تراجع الدور الأمريكي. وتوفر الجزر، بصفتها مواقع جغرافية محددة المعالم، نطاقاً مكانياً مناسباً لإظهار هذه القوة بوضوح وبشكل مادي.

 

وطرحت الإدارة الأمريكية مقترح شراء إقليم غرينلاند للمرة الأولى في عام 2019، ثم كثفت مساعيها لتحقيقه في عام 2025، وصنفته كإجراء استراتيجي يحدد مستقبل الولايات المتحدة. ويقيم ترامب عملية الاستحواذ على غرينلاند كإجراء مماثل لعمليات التطوير العقاري الكبرى، ويربطها تاريخياً بقرار وزير الخارجية ويليام إتش. سيوارد بشراء ألاسكا من روسيا في عام 1867، والذي ساهم في تحويل الولايات المتحدة إلى قوة عالمية. ويهدف هذا التوجه إلى إبراز قدرة الولايات المتحدة على التوسع الإقليمي وفرض النفوذ، للرد على التوجهات الدولية التي تدعم قيام نظام عالمي متعدد الأقطاب.

 

 وهو ما رفضته الحكومة الدنماركية، وأعلنت أن غرينلاند لا تخضع للتفاوض المالي. ودفع هذا الرفض الرئيس ترامب في أوائل عام 2026 إلى التلويح باستخدام القوة العسكرية أو فرض رسوم جمركية تصل إلى 25% على الواردات الأوروبية لإجبار الدنمارك على التنازل عن الإقليم. واستهدفت هذه الإجراءات إبلاغ الداخل الأمريكي والمجتمع الدولي بتخلي الولايات المتحدة عن الالتزام بالمعايير الدبلوماسية الأوروبية التقليدية. وأدت الأزمة الدبلوماسية الناتجة عن ذلك، خلال الفترة من أواخر عام 2025 حتى أوائل عام 2026، إلى تأكيد استعداد الإدارة الأمريكية لتغيير الأوضاع السياسية القائمة بهدف تأمين الهيمنة الأمريكية المطلقة.

 

ويظهر هذا النمط من فرض النفوذ بوضوح في التعامل مع قضية جزيرة خرج ومنطقة الشرق الأوسط. وهاجم ترامب المعارضين لخطته الرامية للاستحواذ على النفط الإيراني متهماً إياهم بضعف الإدراك، وأصدر أوامر مباشرة للبحرية الأمريكية باستهداف وتدمير أي قطعة بحرية تحاول زرع الألغام في مضيق هرمز. ونشر ترامب تصريحات علنية تضمنت تهديدات مباشرة، ووصف فيها الدولة الإيرانية بالضعف العسكري والانقسام الداخلي، واعتبر التباين بين التيارات السياسية الإيرانية صراعاً غير عقلاني. ووجه ترامب تهديداً بإنهاء وجود الدولة الإيرانية بالكامل في حال تجاوز المهل الزمنية المحددة للتفاوض.

 

 ووظفت الإدارة الأمريكية المواقع الجزرية كنطاق عملي لتطبيق هيمنتها، واعتمدت على تصنيف الخصوم بالضعف، وإعلان تحكم البحرية الأمريكية بشكل منفرد في مسارات التجارة العالمية. كما تضمنت استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 مبادئ مطابقة، حيث انتقدت السياسات السابقة واعتبرتها ضعيفة لاعتمادها على نقل التصنيع للخارج وإدارة نزاعات عسكرية تفتقر للتوجيه الحاسم، وقدمت السياسة الحالية كمسار إلزامي لاستعادة القوة الأمريكية الشاملة.

هوس شخصي أم رؤية استراتيجية؟

يطرح تقييم السياسة الخارجية لدونالد ترامب تساؤلاً رئيسياً حول مدى تأثير الدوافع الشخصية مقارنة بالرؤية الاستراتيجية على قراراته. ويعكس سلوك الإدارة الأمريكية تجاه قضية الجزر دمجاً بين هذين العنصرين. إذ يطبق ترامب استراتيجية جيوسياسية صريحة عبر منهج شخصي يعتمد على إبرام الصفقات، وهو ما يتوافق مع خلفيته المهنية السابقة في التطوير العقاري حيث يظهر تأثير الخلفية العقارية بوضوح على هذه السياسة.

 

وهو ما صرّح به ترامب في مقابلة سابقة حول غرينلاند بأنه يقيم المواقع بمنظور المطور العقاري الذي يسعى للاستحواذ على الأراضي اللازمة لمشاريعه، مضيفاً أنه يهتم بالخرائط ويرى أن مساحة غرينلاند الكبيرة توجب ضمها إلى الولايات المتحدة. ويدفع هذا التوجه الإدارة الأمريكية إلى تقييم الجغرافيا العالمية كأصول مادية قابلة للاستحواذ أو الاستغلال، ويتجاهل وضعها كدول ذات سيادة تخضع للقانون الدولي. متجاوزاً للمبادئ الأساسية لنظام وستفاليا، مثل سيادة الدنمارك وحق شعب الإنويت في تقرير المصير، بهدف تحقيق استحواذ مادي لصالح الولايات المتحدة.

 

ويخفي تصنيف هذا النهج كتوجه شخصي بحت المنطق الاستراتيجي الذي يوجهه. ويعالج تركيز الإدارة الأمريكية على الجزر نقاط ضعف هيكلية فعلية تواجه الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. وتستهدف الاستراتيجية الأمريكية الشاملة تحقيق تفوق في قطاع الطاقة وتقييد النفوذ الصيني.

 

أولاً، يرجع السعي الأمريكي للسيطرة على غرينلاند إلى ضعف سلاسل التوريد الحالية. وتتحكم الصين بشكل شبه كامل في معالجة العناصر الأرضية النادرة، والتي تدخل في صناعة المعدات العسكرية المتقدمة، وتقنيات الفضاء، ومشاريع الطاقة النظيفة. وأعلنت المفوضية الأوروبية عن وجود 25 مادة خام حيوية، من أصل 34 مادة تلزم الاقتصاد الأوروبي، داخل أراضي غرينلاند. وبالإضافة إلى ذلك، تمثل السيطرة على نقاط اتصال البيانات العالمية مصلحة أمنية قومية، خاصة بعد استهداف كابل “غرينلاند كونكت” وشبكات بحرية أخرى بعمليات تخريبية، وتحدد سياسة “أمريكا أولاً” الاعتماد على سلاسل توريد وبنية تحتية أجنبية للبيانات كتهديد استراتيجي يضر بمصالح الولايات المتحدة.

 

ثانياً، يتطلب تحقيق التفوق في مجال الطاقة تأمين الممرات البحرية الاستراتيجية. وتستهدف الإدارة الأمريكية نقاط الضعف الجغرافية لإيران والصين عبر التلويح باستهداف جزيرة خرج والسعي للسيطرة على مضيق هرمز. وتعتمد الصين على مضيق هرمز لتمرير أكثر من نصف وارداتها النفطية، وهو ما يمثل نقطة ضعف هيكلية تعرف بمصطلح “معضلة ملقا”. وحاولت بكين تقليل هذا الاعتماد عبر تشييد جزر اصطناعية في بحر الصين الجنوبي وتطوير مسارات برية ضمن مبادرة الحزام والطريق. ويولد ترامب أوراق ضغط استراتيجية على الرئيس الصيني شي جين بينغ قبل القمة الثنائية المرتقبة، عبر التلويح بقدرة بلاده على إيقاف إمدادات الطاقة العالمية من مصادرها، ويوظف الصراع في الشرق الأوسط لتقييد النمو الاقتصادي الصيني.

 

لذا يمثل اهتمام ترامب بالجزر تطبيقاً لمبدأ الواقعية النفعية، ولا يقتصر على كونه توجهاً شخصياً أو استراتيجية تقليدية. وتحدد هذه العقيدة متطلبات استراتيجية واضحة تشمل تأمين الموارد، وتحقيق التفوق في قطاع الطاقة، وضمان التواجد العسكري، وحماية سلاسل التوريد. وتسعى الإدارة الأمريكية إلى تلبية هذه المتطلبات عبر استخدام آليات مباشرة تعتمد على فرض السيطرة والاستحواذ المادي وتوظيف الأصول كأدوات ضغط، وتتجنب الاعتماد على المؤسسات الدولية متعددة الأطراف التي ميزت السياسة الخارجية الأمريكية خلال العقود الماضية.

 

 

وفي الختام، تمثل مقاربة دونالد ترامب لملف الجزر في عامي ٢٠٢٥ و٢٠٢٦ تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تم رفع الجغرافيا الجزرية من مجرد مواقع ثانوية إلى العملة الأساسية للدبلوماسية العالمية. ومن خلال دمج عقلية المطور العقاري في السعي وراء الأصول المادية مع عقيدة جيوسياسية لا ترحم، نجحت واشنطن في استخدام الجزر كرافعات قوية لتأمين سلاسل التوريد، وتهديد الاقتصادات المعادية، وممارسة ضغوط غير مسبوقة على الحلفاء.

 

وبينما منحت هذه الإستراتيجية الولايات المتحدة مزايا تكتيكية قصيرة المدى، إلا أنها تركت أثراً عميقاً من عدم اليقين في بنية التحالفات الدولية. إن تحويل الجزر والاختناقات البحرية إلى ساحات للابتزاز الدبلوماسي والمساومة الاقتصادية يهدد استقرار النظام التجاري العالمي الذي يعتمد على حرية الملاحة والتعاون المشترك. وفي ظل عالم يزداد اعتماداً على ممرات ملاحية وبنى تحتية بحرية هشة، فإن العقيدة الأمريكية الجديدة تضمن بقاء التفاعلات الجيوسياسية في حالة من التقلب المستمر، حيث تظل الجغرافيا المادية هي الجائزة الكبرى والوسيلة الفضلى لفرض الهيمنة في عصر الواقعية التعاقدية.

المراجع

—–. “Arctic Security in Flux: Why Greenland Has Become a Geopolitical Flashpoint.” India’s World, January 16, 2026. Accessed April 28, 2026. https://indiasworld.in/arctic-security-in-flux-why-greenland-has-become-a-geopolitical-flashpoint/.

 

Boffey, Daniel. “Could Trump Withdraw US Support for UK Sovereignty of Falklands?” The Guardian, April 24, 2026. Accessed April 28, 2026. https://www.theguardian.com/us-news/2026/apr/24/could-donald-trump-withdraw-us-support-uk-sovereignty-falklands.

 

Brookings Institution. “Breaking Down Trump’s 2025 National Security Strategy.” Brookings, February 22, 2026. Accessed April 28, 2026. https://www.brookings.edu/articles/breaking-down-trumps-2025-national-security-strategy/.

 

Chul-min, Lee . “Trump Reverses Stance on Diego Garcia Sovereignty Transfer.” The Chosun Ilbo, January 30, 2026. Accessed April 28, 2026. https://www.chosun.com/english/world-en/2026/01/30/Y6CHNKPT6NH5XC5AJ4EJLS6JOI/.

 

CLINE, SARAH and JACK BROOK. “Trump’s Envoy Gov. Jeff Landry Headed to DC to Discuss Greenland.” AP News, January 15, 2026. Accessed April 28, 2026. https://apnews.com/article/greenland-trump-landry-denmark-louisiana-9f120dade00849082a42556074ddf35a.

 

Dan Sabbagh, Peter Walker and Sam Jones.“UK Position on Falklands Will Not Change, No 10 Says after Leaked Pentagon Memo.” The Guardian, April 25, 2026. Accessed April 27, 2026. https://www.theguardian.com/uk-news/2026/apr/24/uk-position-falklands-unchanged-leaked-pentagon-memo.

 

Dodds, Klaus. “President Trump, Hemispheric Security and the Greenland Connection.” Groupe d’études géopolitiques, February 20, 2025. Accessed April 27, 2026. https://geopolitique.eu/en/2025/02/21/president-trump-hemispheric-security-and-the-greenland-connection/.

 

Ferragamo, Mariel. “Trump, Iran, and Diego Garcia: Inside the Fight over a Remote Military Base.” Council on Foreign Relations, March 23, 2026. Accessed April 27, 2026. https://www.cfr.org/articles/trump-iran-and-diego-garcia-inside-the-fight-over-a-remote-military-base.

 

Goldstein, Lyle. “Trump Takes Step Back from Philippines in South China Sea.” Defense Priorities, August 2, 2025. Accessed April 27, 2026. https://www.defensepriorities.org/opinion/trump-takes-step-back-from-philippines-in-south-china-sea/.

 

Hankyoreh. “Trump’s Bid for Energy Supremacy by Taking Maritime Choke Points Could Fuel US Decline.” The Hankyoreh English Edition, April 24, 2026. Accessed April 25, 2026. https://english.hani.co.kr/arti/english_edition/e_international/1255789.html.

 

Hass, Ryan. “America’s Narrative on Taiwan Needs an Update.” Brookings, February 18, 2026. Accessed April 24, 2026. https://www.brookings.edu/articles/americas-narrative-on-taiwan-needs-an-update/

 

Messingschlager, Stefan. “Trump’s Taiwan Gamble: How U.S. Transactionalism Reshapes Beijing’s Risk Calculus.” Columbia Journal of International Affairs, School of International and Public Affairs, Columbia University, February 13 , 2026. Accessed April 25, 2026. https://jia.sipa.columbia.edu/news/trumps-taiwan-gamble-how-us-transactionalism-reshapes-beijings-risk-calculus.

 

Miller, Saige. “Why Trump’s Attacks and Threats to Iran’s Kharg Island Are a Big Deal.” WBUR/NPR, 07, April 2026. Accessed April 25, 2026. https://www.wbur.org/npr/nx-s1-5750514/trump-iran-war-kharg-island-oil.

 

Rajghatta, Chidanand. “Deal or Die: Trump’s Iran Playbook Takes a Dark Turn.” The Times of India, 23, April 2026. Accessed April 26, 2026. https://timesofindia.indiatimes.com/world/middle-east/deal-or-die-trumps-iran-playbook-takes-a-dark-turn/articleshow/130475002.cms.

 

Schwartz, Meredith and Gracelin Baskaran.“Greenland, Rare Earths, and Arctic Security.” Center for Strategic and International Studies (CSIS), January 8, 2026. Accessed April 26, 2026. https://www.csis.org/analysis/greenland-rare-earths-and-arctic-security.

 

Sir Robin, Niblett. “Trump’s Greenland Ambition Is About U.S. Power, Not Alliances.” Center for Strategic and International Studies (CSIS), January 14, 2026. Accessed April 27, 2026. https://www.csis.org/analysis/trumps-greenland-ambition-about-us-power-not-alliances.

 

Sutherland, Callum. “What Trump Has Said About Seizing Iran’s Oil Hub Kharg Island.” Time, April 1, 2026. Accessed April 25, 2026. https://time.com/article/2026/03/30/trump-comments-about-seizing-iran-kharg-island-oil-hub/.

 

Sutherland, Callum. “Why Trump Is Threatening to Impose a ‘Big Tariff’ on the U.K.” Time, April 24, 2026. Accessed April 28, 2026. https://time.com/article/2026/04/24/trump-threatens-uk-with-big-tariff-iran-war-relationship-fractured/.

 

UK Parliament. “Diego Garcia Military Base.” Hansard, House of Lords debate, June 3, 2025. Accessed April 28, 2026. https://hansard.parliament.uk/Lords/2025-06-03/debates/43D3F1CD-9A56-4666-AE94-D08893CAC7BF/DiegoGarciaMilitaryBase.

 

Wachtel, Ileana. “Expert on Arctic Politics Explains Greenland’s Strategic Appeal.” USC Dornsife College of Letters, Arts and Sciences, April 11, 2025. Accessed April 25, 2026. https://dornsife.usc.edu/news/stories/why-trump-finds-greenland-strategically-appealing/.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *