أحدثت الانتخابات العامة في المملكة المتحدة عام 2024 تحوّلًا مفصليًا في المشهد السياسي البريطاني، حيث حقق حزب العمال، بقيادة السير كير ستارمر، انتصارًا كاسحًا على حزب المحافظين، منهياً سنوات من الاضطراب داخل صفوف الأخير. غير أن هذا الفوز الكاسح، وما رافقه من رهانات على إحداث تحوّل جوهري في مسار الحكم، لم يترجم إلى حالة من الاستقرار السياسي كما كان متوقعًا. ففي وقت وجيز، بدأت ملامح التعثّر تتكشف، إذ لم تمضِ رئاسة كير ستارمر للحكومة في المسار السلس الذي أوحت به نتائج الانتخابات. وعلى العكس، اتسمت هذه المرحلة بسلسلة من التراجعات في السياسات، إلى جانب أزمات سياسية متلاحقة، وتنامٍ ملحوظ في دعم الحركات الشعبوية. وفي هذا السياق، أفضى هذا المسار إلى تآكل تدريجي في مستويات الثقة بحكومة ستارمر وقدرته القيادية، حيث تصاعدت داخل مجلس العموم، كما في أوساط الرأي العام البريطاني، تساؤلات متزايدة بشأن سلامة قرارات الحكومة، ومدى اتساقها، وكفاءتها في إدارة الشأن العام.
وفي امتداد لهذا المسار، لم تعد التحديات مقتصرة على الأداء الحكومي فحسب، بل بدأت تمتد لتطال مواقع النفوذ التقليدية لحزب العمال. فقد خسر الحزب الانتخابات الفرعية في دائرتي جورتون ودنتون، وهما من معاقله التاريخية التي احتفظ بها لما يقارب قرنًا، في مؤشر واضح على تآكل قاعدته الانتخابية. وبالتوازي مع ذلك، ما تزال تداعيات "فضيحة ماندلسون" تلقي بظلالها على المشهد، بما عمّق أزمة الثقة داخل المنظومة السياسية. وفي هذا السياق، ومع اقتراب موعد الانتخابات المحلية واستمرار تراجع معدلات التأييد لرئيس الوزراء كير ستارمر، يفرض هذا المسار تساؤلًا حاسمًا: هل تمثّل هذه الانتخابات نقطة تحوّل فاصلة في مسار الحزب، أم أنها قد تتحول إلى ضربة قاصمة تُنهي رصيده السياسي وتُضعف موقع ستارمر في قيادة الحكومة؟
يمثّل احتمال تفكّك القاعدة التصويتية لحزب العمال مؤشرًا مفصليًا في تقدير ما إذا كانت هذه الانتخابات ستشكّل بالفعل الضربة القاضية للحزب. ولتقييم وجاهة هذا السيناريو، يقتضي الأمر تفكيك بنية هذا التحالف الانتخابي، واستجلاء مكوناته الداخلية، وقياس درجة تماسكه وحدود هشاشته. فقد ارتكز الزخم الانتخابي الذي أوصل الحزب إلى الحكم على تحالف واسع ومتعدّد الطبقات، يمكن تحليله إلى أربع مكونات رئيسية: الدوائر الجنوبية التقليدية، ومناطق “الجدار الأحمر”، والمراكز الحضرية الكبرى ذات الطابع المتعدد الثقافات، إلى جانب مدن الجامعات. وتعكس هذه البنية اتساع القاعدة الاجتماعية للحزب، لكنها تكشف في الوقت ذاته عن تباينات عميقة في المصالح والأولويات، بما يجعل هذا التحالف عرضة لاختبارات متزايدة في ظل التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة.
وفي هذا الإطار، تتكوّن القاعدة التصويتية في الدوائر الجنوبية في الغالب من شرائح الطبقتين العاملة والمتوسطة، التي منحت دعمها للحزب استنادًا إلى توقعات محددة، في مقدمتها خفض تكاليف السكن، ولا سيما الإيجارات. ولا ينفصل هذا المكوّن عن نظيره في مناطق “الجدار الأحمر”، التي تضم ناخبين من إقليمي ميدلاندز والشمال، وهي مناطق تُعد تقليديًا معاقل لحزب العمال. ويشترك هؤلاء أيضًا في الانتماء إلى الطبقتين العاملة والمتوسطة، غير أن أولوياتهم تميل بدرجة أكبر إلى القضايا المعيشية المباشرة، مثل تكاليف التدفئة، والمعاشات التقاعدية، والدعم المرتبط بالإعاقات. ومن ثمّ، يكشف هذا التداخل بين المكوّنين الجنوبي و”الجدار الأحمر” عن قاعدة اجتماعية متقاربة من حيث البنية الطبقية، لكنها متباينة في أولوياتها وتوقعاتها من الدولة، وهو ما يضفي مزيدًا من التعقيد على تماسك التحالف الانتخابي للحزب، ويجعله أكثر عرضة للتصدّع في ظل الضغوط الاقتصادية المتنامية.
وإلى جانب قواعد التصويت التقليدية، يضمّ هذا التحالف أيضًا ناخبين من المراكز الحضرية الكبرى ومدن الجامعات، وهي كتل تميل بطبيعتها إلى تبنّي توجهات أقرب إلى يسار الوسط أو اليسار، بفعل طابعها المتعدد الثقافات واحتضانها لشرائح شبابية واسعة. وفي هذا السياق، تجلّى ثقل هذه الفئات بوضوح في نتائج الانتخابات العامة لعام 2024، حيث حقق حزب العمال مكاسب لافتة في المدن الكبرى عبر المملكة المتحدة، إلى جانب أداء أقوى في المناطق الحضرية الداخلية، بما يعكس دورها الحاسم في ترجيح كفة الحزب انتخابيًا. وفيما يتصل بمدن الجامعات، برزت الكتلة الطلابية بوصفها أحد أعمدة هذا الدعم، إذ أظهر استطلاع أجرته YouGov حول انتخابات 2024 أن نحو 40% من الأفراد الذين عرّفوا أنفسهم كطلاب صوّتوا لحزب العمال. ويمكن تفسير هذا الميل بتركيز الحملة الانتخابية للحزب آنذاك على قضايا تمسّ هذه الفئة بشكل مباشر، وفي مقدمتها أزمة تكاليف المعيشة، وأوضاع هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، وجودة التعليم، وتمويل الدراسة. وعلى هذا الأساس، شكّلت هذه الكتل الحضرية والأكاديمية رافعة انتخابية أساسية لصعود الحزب، غير أن تباين أولوياتها مقارنةً بالقاعدة التقليدية يظل عاملًا إضافيًا قد يُسهم في تعقيد تماسك التحالف، لا سيما في حال إخفاق الحزب في الحفاظ على توازن دقيق بين هذه المصالح المتباينة.
وقد نجح حزب العمال في بناء هذا التحالف الانتخابي من خلال توجيه حملته نحو معالجة القضايا المحورية التي تواجه هذه المكونات الأربع، بما مكّنه من استثمار إخفاقات حزب المحافظين وتحقيق الفوز في انتخابات 2024. غير أن هذا التماسك بدأ يُظهر مؤشرات واضحة على التآكل، في ظل عجز حكومة كير ستارمر عن الوفاء بتعهداتها، وما صاحب ذلك من تراجعات متكررة في السياسات، الأمر الذي كشف عن تصدّعات آخذة في الاتساع داخل هذا التحالف. وفي امتداد لهذا المسار، يبرز احتمال تفكّك التحالف الانتخابي لحزب العمال كأحد السيناريوهات المرجّحة، وهو ما قد يعكس تراجعًا حادًا في مستويات الدعم للحزب ولرئيس الوزراء كير ستارمر. وينبع هذا الاحتمال، بدرجة كبيرة، من تنامي الانطباع بأن التقدّم المحرز في معالجة طيف واسع من القضايا السياساتية ظل محدودًا، الأمر الذي يضعف قدرة الحزب على الحفاظ على تماسك قاعدته الانتخابية.
وفي هذا السياق، وبحسب مؤسسة “More in Common”، يتمثّل العامل الأبرز الذي يدفع ناخبي حزب العمال إلى الابتعاد عنه في عجزه عن التخفيف من حدّة أزمة تكاليف المعيشة. ويلي ذلك سلسلة التراجعات التي أقدمت عليها حكومة ستارمر بشأن وعود سياسية رئيسية، إلى جانب الإخفاق في ضبط ملف الهجرة بصورة كافية، وعدم تحقيق تحسّن ملموس في أداء هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، فضلًا عن تقليص مخصّصات دعم الوقود الشتوي. وعليه، فإن العجز عن معالجة القضايا الجوهرية التي تمسّ مختلف مكوّنات القاعدة الانتخابية للحزب قد يفضي إلى تفكّك هذا التحالف، ويدفع شرائح منه إلى إعادة توجيه أصواتها نحو قوى سياسية أخرى، بما يعكس تنامي شعور بالتهميش السياسي داخل هذه الفئات، ويُسرّع من وتيرة إعادة اصطفافها الانتخابي.
يمكن مقاربة احتمال تفكّك التحالف الانتخابي لحزب العمال من خلال تفكيك مكوّناته التي أسهمت في إيصاله إلى السلطة عام 2024، وقراءة اتجاهات تحوّلها في السياق الراهن. فعلى المستوى المحلي، يبرز مسار مزدوج لإعادة التموضع الانتخابي، إذ قد تتجه هذه الكتل إمّا نحو اليمين عبر حزب إصلاح المملكة المتحدة، أو نحو اليسار عبر حزب الخضر. ولا يعكس هذا التحوّل مجرد إعادة توزيع للأصوات، بل يجسّد حالة من التململ المتنامي داخل شرائح متباينة، بما في ذلك قواعد تقدّمية وأخرى تقليدية، باتت ترى أن “الاقتصاد لم يعد يخدم الطبقات العاملة”، وأن حزب العمال لم ينجح في تقديم استجابة كافية لتخفيف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. وفي هذا الإطار، يفضي هذا الإدراك إلى إعادة توجيه السلوك التصويتي نحو بدائل ذات طابع شعبوي، تتخذ أشكالًا مختلفة بحسب موقعها على الطيف السياسي: من خطاب يميني يركّز على قضايا السيادة الاقتصادية والهجرة كما يطرحه حزب إصلاح المملكة المتحدة، إلى مقاربة يسارية تعيد تأكيد أولويات العدالة الاجتماعية والبيئية كما يجسّدها حزب الخضر. وبذلك، لا يقتصر الخطر على تآكل الدعم الانتخابي لحزب العمال، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية عبر تفكّك القاعدة التي شكّلت ركيزة صعوده في 2024.
وفي امتداد لهذه الديناميكيات، تبدو الكتلة الحضرية بدورها مرشّحة لإعادة تموضع انتخابي قد ينعكس سلبًا على حضور حزب العمال في المجالس المحلية داخل المدن الكبرى. إذ تشير التقديرات إلى احتمال خسارة الحزب لعدد من هذه المجالس لصالح قوى يسارية أو مرشحين مستقلين. ويُعزى ذلك، بدرجة ملحوظة، إلى تحوّلات في سلوك التصويت داخل بعض الدوائر الحضرية، حيث تميل شرائح من الناخبين، ولا سيما من خلفيات مسلمة، إلى دعم مرشحين مستقلين يركّزون على قضايا مثل فلسطين وخطابات ما بعد الاستعمار. وقد يترتب على هذا التحوّل فقدان الحزب نفوذه في مدن رئيسية مثل برمنجهام. وعلى هذا الأساس، فإن العجز عن التخفيف من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية لا يقتصر أثره على تآكل الدعم العام، بل يمتد ليغذّي تصدّعات داخلية عبر مكوّنات التحالف الانتخابي المختلفة، من القواعد التقليدية إلى التيارات اليسارية والكتل الحضرية الكبرى. وفي المحصلة، قد تتقاطع هذه المسارات لتقوّض تماسك القاعدة التي استند إليها الحزب في صعوده، بما يعزّز احتمال أن تتحوّل نتائج الانتخابات إلى لحظة فاصلة تمسّ شرعيته السياسية وتعيد تشكيل موقعه في المشهد العام.
وفي سياق قابلية التحالف الانتخابي لحزب العمال للتفكّك عقب هذه الانتخابات، يبرز الانقسام بين اليمين واليسار كعامل يمنح الأحزاب البديلة قدرًا متزايدًا من المصداقية، بما يهدّد بتقويض بنية الحزب وشرعيته السياسية. وتشير التقديرات الحالية إلى أن حزب العمال مرشّح لخسارة نحو 1,900 مقعد في المجالس المحلية، في حين يُتوقع أن يخسر حزب المحافظين نحو 1,010 مقاعد. وفي المقابل، يُرجّح أن يحقق حزب إصلاح المملكة المتحدة مكاسب تصل إلى نحو 2,260 مقعدًا، مقابل نحو 450 مقعدًا لحزب الخضر. وتعكس هذه الأرقام ملامح إعادة اصطفاف سياسي على المستوى المحلي، لا تقتصر دلالاته على تراجع أداء الأحزاب التقليدية، بل تمتد لتشير إلى تنامي مصداقية البدائل السياسية، سواء في صيغتها اليمينية التي يمثلها حزب إصلاح المملكة المتحدة، أو اليسارية التي يجسّدها حزب الخضر. وفي هذا الإطار، يلوح في الأفق احتمال إعادة تشكيل أوسع للخريطة السياسية، بما يتجاوز مجرد نتائج انتخابية ظرفية نحو تحوّل أكثر عمقًا في أنماط التمثيل السياسي.
وفيما يتصل بالتهديد المباشر لشرعية حزب العمال واستقراره، يُرجَّح أن يبرز حزب “إصلاح المملكة المتحدة” بوصفه البديل الأكثر قدرة على اختراق المنظومة الحزبية التقليدية. إذ يمتلك الحزب قابلية واضحة لاستقطاب شرائح من ناخبي العمال الذين أصابهم الإحباط، من خلال طرح منصة سياسية تركّز على القضايا التي تشكّل أولوية لهذه الفئات. ويتجلّى ذلك بوضوح في برنامج الحزب، الذي يركّز على تقديم معالجات لعدد من أبرز التحديات التي تواجه بريطانيا، وفي مقدمتها أوضاع هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، وملف الهجرة، والأداء الاقتصادي. ففيما يخص القطاع الصحي، يطرح الحزب خطة لزيادة الإنفاق بنحو 17 مليار جنيه إسترليني، مع التعهد بالقضاء على قوائم الانتظار عند تولّيه الحكم. وعلى الصعيد الاقتصادي، يتضمن البرنامج خفض الضرائب على الشركات الصغيرة والمؤسسات التعليمية، إلى جانب تجميد الهجرة المصنّفة “غير الأساسية”.
ومن الطبيعي أن يفضي هذا المسار إلى إعادة توجيه أصوات داخل الجناح الأكثر تقليدية من الطبقة العاملة ضمن تحالف حزب العمال، إلى جانب شرائح من ناخبي حزب المحافظين، نحو حزب “إصلاح المملكة المتحدة”، لا سيما مع سعيه إلى ترسيخ صورته بوصفه قوة تتحدّى النخب السياسية. ويتجلّى ذلك في نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، حيث لوحظ تحوّل ملموس في الدعم من حزب العمال إلى حزب “إصلاح المملكة المتحدة”، في ظل تصاعد الانطباع بأن “الحكومة رفعت الضرائب، وقلّصت المزايا المقدّمة لكبار السن، وطرحت إصلاحات واسعة لنظام الرعاية، بما أدّى إلى تنفير القاعدة التقليدية للحزب اليساري”. وفي هذا السياق، ومع استمرار حزب العمال في الإخفاق في معالجة القضايا التي تمسّ الطبقة العاملة والشرائح الأكثر تقليدية داخل تحالفه، يبرز احتمال صعود حزب “إصلاح المملكة المتحدة” كبديل يمكن الاعتماد عليه على مستوى المجالس المحلية، بما يعكس تحوّلًا تدريجيًا في موازين الثقة والتمثيل داخل القاعدة الانتخابية.
وعلى الرغم من قدرة حزب إصلاح المملكة المتحدة على استقطاب شرائح من ناخبي حزب العمال في هذه الانتخابات المحلية، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثّل في تمكّن حزب الخضر من انتزاع عدد من المجالس من معاقل الحزب التقليدية داخل المدن الكبرى، ولا سيما في لندن. ويأتي ذلك في ظل تحوّل ملحوظ في توجهات الحزب تحت قيادة زاك بولانسكي، الذي أعاد صياغة خطابه من التركيز الحصري على قضايا المناخ إلى مقاربة أوسع تربط بين القضايا البيئية وأبعاد العدالة الاجتماعية والاقتصادية. وقد تجلّى هذا التحوّل في تبنّي أسلوب تعبوي يقدّم الأجندة الاجتماعية الديمقراطية ضمن إطار قريب من الخطاب الشعبوي، بما يعزّز قدرته على الوصول إلى شرائح أوسع من الناخبين. وفي هذا السياق، يوفّر حزب الخضر ملاذًا سياسيًا للتيارات اليسارية التي أصابها الإحباط من حزب العمال، عبر طرح بديل يتجاوز تموضع حكومة ستارمر في الوسط، ويعيد التأكيد على أولويات العدالة الاجتماعية ضمن خطاب أكثر جاذبية وتعبئة.
وفيما يتصل بالمصداقية السياسية، أظهر حزب الخضر، تحت قيادة بولانسكي، قدرة متنامية على منافسة حزب العمال وطرح نفسه كبديل محتمل على المستوى المحلي. ويتجلّى ذلك بوضوح في فوزه في دائرة جورتون ودنتون، التي تُعد من المعاقل التقليدية لحزب العمال، حيث حققت مرشحة حزب الخضر هانا سبنسر نسبة 40.7% من الأصوات عبر حملة تقدّمية ركّزت على قضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في سياق الدورة الانتخابية المحلية الحالية، إذ تشير إلى تراجع فاعلية خطاب حزب العمال حتى داخل مناطقه التقليدية، وإلى تحوّل متزايد في توجهات الناخبين نحو مرشحين يضعون القضايا التقدّمية في صدارة أولوياتهم، بما يعزّز من موقع حزب الخضر كبديل تنافسي آخذ في الصعود.
وعلى نحو أكثر أهمية، قد تعكس هذه النتيجة بداية موجة صعود في دعم حزب الخضر وتعزيز الثقة العامة في برنامجه، بما يفتح المجال أمام ما يمكن وصفه بـ”موجة خضراء” في الانتخابات المحلية المقبلة. ويتجلّى هذا الاتجاه بوضوح في لندن، حيث يُظهر استطلاع أجرته مؤسسة Ipsos UK أن نحو 49% من سكان العاصمة يفكرون في التصويت لصالح حزب الخضر. ويعود ذلك، في المقام الأول، إلى عاملين رئيسيين: أولًا، كونه بديلًا مغايرًا لحزب العمال، وثانيًا، اعتباره وسيلة للتصويت المضاد في مواجهة نايجل فاراج وحزب “إصلاح المملكة المتحدة”. وفي امتداد لهذه المؤشرات، تتعزّز فرضية هذا التحوّل عبر التقديرات التي ترجّح تكبّد حزب العمال خسائر ملموسة داخل معاقله التقليدية في لندن، حيث يُتوقع أن “يحقق حزب الخضر اليساري أعلى حصة تصويتية في أربع سلطات محلية ظلّت لسنوات طويلة تحت سيطرة حزب العمال، وهي هاكني، ولامبث، ولويشام، ووالثام فورست”. وفي حال تحقّق هذا السيناريو، فإن دلالاته لن تقتصر على خسارة مقاعد محلية فحسب، بل ستمتد لتشير إلى أزمة أعمق في مصداقية حزب العمال، في مقابل تعزيز صورة حزب الخضر كبديل موثوق، لا سيما داخل المدن الكبرى حيث تتزايد قابلية الناخبين لإعادة توجيه خياراتهم السياسية.
في ظل احتمال تفكّك التحالف الانتخابي لحزب العمال، وتنامي مصداقية كلٍّ من حزب “إصلاح المملكة المتحدة” وحزب الخضر بوصفهما بدائل سياسية، يبرز تساؤل جوهري: إذا خسر حزب العمال هذه الانتخابات، فهل يعني ذلك نهاية فاعليته السياسية؟ وعادةً ما تُعدّ الانتخابات المحلية بمثابة مؤشّر مرحلي لأداء الحكومة القائمة، إذ توفّر قراءة مبكرة لاتجاهات المزاج الانتخابي، ويمكن النظر إليها بوصفها أداة استشرافية لما قد تؤول إليه نتائج الانتخابات العامة لاحقًا. فعلى سبيل المثال، حقق الديمقراطيون الليبراليون مكاسب لافتة في الانتخابات المحلية لعام 2023، وهو ما انعكس لاحقًا في أدائهم خلال الانتخابات العامة لعام 2024، حيث حصدوا 72 مقعدًا، وهو أعلى تمثيل برلماني في تاريخهم.
وفي هذا السياق، تؤدي الانتخابات المحلية أيضًا دور نظام إنذار مبكر للحكومات القائمة التي تُظهر أداءً ضعيفًا، إذ غالبًا ما تشكّل مؤشرًا على الحاجة إلى مراجعة السياسات العامة وإعادة توجيهها بهدف استعادة الدعم الشعبي والثقة العامة. غير أن حالة حزب العمال بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر تبدو مختلفة؛ إذ قد لا تؤدي هذه الانتخابات وظيفة التقييم المرحلي أو الإنذار المبكر بقدر ما تمثّل لحظة حاسمة للمساءلة السياسية. ففي ظل تآكل الثقة العامة إلى حدّ كبير، نتيجة الأزمات والتردّد في اتخاذ القرار وتراجع جودة الحكم، تتحوّل هذه الانتخابات إلى اختبار بقاء حقيقي لقيادة الحزب الحالية.
وفي هذا الإطار، تمثّل هذه الانتخابات اختبارًا حاسمًا لمدى قدرة التحالف الانتخابي الحالي لحزب العمال على الصمود أو التفكّك، بما قد يدفع شرائح من الناخبين إلى البحث عن بدائل لدى أحزاب مثل حزب إصلاح المملكة المتحدة وحزب الخضر، وهو ما من شأنه أن يعزّز من شرعيتهما ومصداقيتهما كقوى تنافسية فاعلة. وفي حال تكبّد حزب العمال خسائر بالحجم الذي تشير إليه التوقعات، فإن ذلك قد لا يقتصر على تراجع انتخابي عابر، بل قد يفضي إلى تقويض موقع رئيس الوزراء كير ستارمر في “10 داونينج ستريت”، كما قد يُلحق ضررًا بالغًا بصورة الحزب بوصفه قوة قادرة على إحداث التغيير، وهو ما قد ينعكس على مكانته السياسية على المدى الطويل.
Bloom, Dan. 2026. “Greens and Reform UK Both Set to Surge in London Elections, Poll Shows.” POLITICO. April 22, 2026. https://www.politico.eu/article/greens-reform-uk-populist-surge-london-elections-poll-polanski-farage-starmer-labour/.
Cecil, Nicholas. 2026a. “Labour ‘Risks Losing 600 Seats’ in London Local Elections in Worse Nightmare than Gorton Disaster.” The Standard. Evening Standard. March 4, 2026. https://www.standard.co.uk/news/politics/labour-local-elections-london-keir-starmer-greens-reform-b1273340.html.
———. 2026b. “‘Sea of Green’ Could Sweep London as Half of Voters Mull Backing Zack Polanski’s Party at May Elections – Poll.” The Standard. Evening Standard. April 22, 2026. https://www.standard.co.uk/news/politics/green-party-zack-polanski-vote-london-labour-reform-farage-b1279519.html.
Crowther, Zoe. 2024. “Labour’s Growing Suburban Support and Tactical Voting Could Deliver ‘Double Whammy’ Defeat to Tories.” Politics Home. May 8, 2024. https://www.politicshome.com/news/article/labours-vote-spread-efficient-appeal-broad-church.
Fisher, Stephen . 2026. “Local Election Seat Projections for 2026.” Elections Etc. March 25, 2026. https://electionsetc.com/2026/03/25/local-election-seat-projections-for-2026/.
Halliday, Josh. 2026. “Green Party Wins Gorton and Denton Byelection, Pushing Labour to Third Place.” The Guardian. The Guardian. February 27, 2026. https://www.theguardian.com/politics/2026/feb/27/green-party-wins-gorton-and-denton-byelection-in-blow-to-keir-starmer.
Hamilton , Carrie . 2026. “More than Just Polanski: The Green Surge in England and Wales.” Green European Journal. January 13, 2026. https://www.greeneuropeanjournal.eu/more-than-just-polanski-the-green-surge/.
Hillman, Nick. 2024. “How Influential Are Student Voters? The HE General Election Issues, Day 1 – HEPI.” HEPI. June 5, 2024. https://www.hepi.ac.uk/2024/06/05/how-influential-are-student-voters/.
Jazeera, Al. 2025. “Radical-Right Reform Party Makes Gains in UK Elections.” Al Jazeera. May 2, 2025. https://www.aljazeera.com/news/2025/5/2/radical-right-reform-party-makes-gains-in-english-elections.
Liberal Democrat History Group. n.d. “Our History Where We Come From.” Liberal Democrats. https://www.libdems.org.uk/history.
Martin, Daniel. 2026. “Divided Britain: Why Labour Is Losing Grip on Power in Birmingham.” The Telegraph. April 25, 2026. https://www.telegraph.co.uk/politics/2026/04/25/divided-britain-labour-losing-power-in-birmingham/.
McDonnell, Adam. 2024. “How Britain Voted in the 2024 General Election.” Yougov.com. YouGov. July 8, 2024. https://yougov.com/en-gb/articles/49978-how-britain-voted-in-the-2024-general-election.
McGregor, Matthew. 2026. “‘Labour Won’t Win Back Left Defectors with Squeeze Messaging Alone’ – LabourList.” LabourList. March 5, 2026. https://labourlist.org/2026/03/revolt-left-matthew-mcgregor-38-degrees/.
McKiernan, Jennifer, and Becky Morton . 2026. “Green Party Wins Gorton and Denton By-Election, Pushing Labour into Third Place.” BBC News, February 27, 2026. https://www.bbc.com/news/articles/cr453rvy6kvo.
More in Common . 2025. “How Can Labour Rebuild Its Electoral Coalition?” Moreincommon.org.uk. More in Common. September 2025. https://www.moreincommon.org.uk/media/mmwlugdh/lab_9-coalition.pdf.
Morton, Becky. 2025. “Act Now to Win Back Red Wall Voters, Labour MPs Say.” BBC News, May 7, 2025. https://www.bbc.com/news/articles/cpdzd29x8dno.
Sandford, Daniel, Simon Jack, Alison Holt, Ben Chu, Elaine Dunkley, Sophie Hutchinson, Katy Austin, Kevin Peachey, Dominic Casciani, and Katie Razzall. 2024. “Reform UK Manifesto 2024: 11 Key Policies Analysed.” Www.bbc.com. June 18, 2024. https://www.bbc.com/news/articles/cqll1edxgw4o.
Sowemimo, Matthew. 2024. “‘The Five Parts of Labour’s Electoral Coalition – and Why They’re All Fragile’ – LabourList.” LabourList. September 2, 2024. https://labourlist.org/2024/09/labour-electoral-coalition-election-2024/.
Swinney, Paul. 2024. “What Do the General Election Results Mean for Urban Britain? – Centre for Cities.” Centre for Cities. July 10, 2024. https://www.centreforcities.org/blog/what-do-the-general-election-results-mean-for-urban-britain/.
Travers, Tony. 2026. “UK Local Elections 2026: What Are the Prospects in London? – Economics Observatory.” Economics Observatory. April 27, 2026. https://www.economicsobservatory.com/uk-local-elections-2026-what-are-the-prospects-in-london.
تعليقات