تكشف بورصة تل أبيب (Tel Aviv Stock Exchange – TASE) عن واحدةٍ من أكثر الحالات إثارةً للاهتمام في الاقتصاد السياسي المعاصر، إذ تحوّلت خلال أقل من ثلاثة أعوام من سوقٍ محلية مكبوحة إلى أداةٍ مالية بالغة الحساسية تُسعّر مخاطر الشرق الأوسط لحظةً بلحظة. إذ شهدت الفترة الممتدة من أكتوبر 2023 إلى يونيو 2026 أعنف صدمة أمنية في تاريخ إسرائيل الحديث، ومع ذلك سجّلت مؤشراتها الرئيسية عوائد قياسية جعلتها الأسرع صعودًا في العالم خلال عامي 2024 و2025، قبل أن تنقلب فجأة نحو تصحيحٍ حاد في منتصف 2026. يطرح هذا المسار المتناقض سؤالًا جوهريًا: عن كيفية استجابة رأس المال — المحلي والأجنبي على السواء — حين تتشابك فوهات البنادق مع المؤشرات المالية والاقتصادية؟ ولماذا تباعدت إشارات سوق السندات عن سوق الأسهم في اللحظة ذاتها؟ يتتبّع هذا التحليل العلاقة الدقيقة بين الأحداث العسكرية والدبلوماسية من جهة، وحركة التدفقات الرأسمالية وعلاوة المخاطر السيادية من جهةٍ أخرى، ليكشف عن منطقٍ مالي جديد بات يحكم تسعير المخاطر الحالة.
لذلك، يهدف هذا التحليل إلى تفكيك ثلاثة مستوياتٍ متشابكة: أولها آليّة الصدمة الأولى وكيفية تدخّل السُلطات المالية والنقدية لاحتواء هروب رأس المال، وثانيها مفارقة اقتصاد الحرب التي اجتمع فيها تخفيض التصنيف الائتماني مع طفرةٍ غير مسبوقة في الأسهم، وثالثها انعكاس عام 2026 الذي أعاد تسعير المخاطر الجيوسياسية عقب التحوّلات الدبلوماسية، وصولًا إلى استشراف المسارات المُحتملة للسوق حتى عام 2028.
دخلت السوق الإسرائيلية الحربَ وهي منهكةٌ أصلًا، فطوال الأشهر التسعة التي سبقت أكتوبر 2023، أثقل مشروع التعديلات القضائية المثير للجدل كاهل الأسهم المحلية، حتى أن مؤشر TA-35 لم يرتفع — الذي يضم أكبر 35 شركة من حيث القيمة السوقية — سوى 1.9% مقابل قفزةٍ تجاوزت 13% لمؤشر ستاندرد آند بورز الأمريكي (S&P 500) في الفترة نفسها، بينما تراجعت استثمارات قطاع التكنولوجيا بنسبة 63%. يُضاف إلى ذلك أن بنية السوق نفسها تنطوي على «انحياز محلي» (Home Bias) واضح، إذ يهيمن عليها قطاعا المال والعقار لا التكنولوجيا، ما جعلها شديدة الحساسية للصدمات الداخلية رغم رفع بنك إسرائيل المركزي الفائدة إلى 4.75% آنذاك. ومع فتح التداول بعد أول أيام الحرب في الثامن من أكتوبر، تحوّل هذا الإنهاك إلى انهيار، حيث هبط TA-35 بنسبة 6.4% في جلسةٍ واحدة، وسقط مؤشر البنوك بنسبة 7.8%، فيما قفز مؤشر الخوف (VTA35) إلى 28 نقطة عند نهاية الشهر.
سارع المستثمرون الأجانب إلى تصفية أصولهم الأكثر سيولة، فباعوا من أذون الخزانة قصيرة الأجل (Makam) ما قيمته 1.6 مليار دولار بحلول نهاية العام، فيما نزفت صناديق الاستثمار المشتركة نحو 700 مليون شيكل في أول ثمانٍ وأربعين ساعةً من القتال وحدها، لتبلغ استرداداتها التراكمية 1.6 مليار شيكل بحلول مطلع نوفمبر. تزامن هذا النزيف مع هبوط الشيكل إلى 4.08 مقابل الدولار، وهو أضعف مستوى منذ منتصف 2012، ليبلغ مؤشر TA-125 قاعه في 31 أكتوبر بانخفاضٍ نسبته 9.7% بالدولار عن مستويات ما قبل الحرب، إذ ضاعف تراجع العملة من خسائر المستثمر الأجنبي على نحوٍ مركّب.
تدخّل بنك إسرائيل المركزي (Bank of Israel – BoI) بحزمٍ لمنع انهيار العملة، فأعلن برنامجًا لبيع العملات الأجنبية بسقف 30 مليار دولار، ونشر منه نحو 8.5 مليار دولار في أكتوبر وحده لامتصاص فائض الشيكل وتثبيت سعر الصرف. وفي موازاة ذلك، أرجأ المشرف على البنوك سداد القروض للمتضرّرين وقيّد توزيعات الأرباح حفاظًا على رأس المال، فحال ذلك دون قفزةٍ مفاجئة في القروض المتعثرة. غير أن العامل الحاسم في تفادي الانهيار الشامل كان تدخّل المؤسسات المحلية — صناديق التقاعد والتأمين — التي امتصّت المعروض الذي تخلّى عنه الأجانب الذين كانوا يملكون 19.7% من أسهم البورصة قبيل الحرب، فاشترت الأسهم القيادية بأسعارٍ مخفّضة على نحوٍ معاكس للدورة. وبذلك أرست هذه السيولة المحلية أرضيةً صلبة سمحت للمؤشرين الرئيسيين بإغلاق عام 2023 على مكاسب طفيفة بلغت 3.8% و4.1%، في مشهدٍ كشف مبكرًا عن الازدواجية التي ستحكم السوق لاحقًا: هروب أجنبي يقابله رسوّ مؤسسي محلي.
رسّخت سنوات التالية واقع «اقتصاد الحرب» بكل أثقاله، فقد قفز العجز المالي إلى 8.1% من الناتج المحلي بعدما كان 0.9% فقط قبل القتال، مدفوعًا بنفقات الدفاع وشراء الذخائر وتعويضات النازحين، ما استلزم إصدار ديونٍ ضخمة. ومع أول هجومٍ صاروخي إيراني مباشر في أبريل 2024، الذي نقل الصراع من عمليةٍ محلية إلى مواجهة إقليمية بين دولتين، وامتداد القتال إلى جبهاتٍ متعددة، أقدمت وكالات التصنيف الكبرى على خطواتٍ غير مسبوقة حيث: خفّضت وكالتا ستاندرد آند بورز وفيتش (Fitch) التصنيف من A+ إلى A، بينما نفّذت موديز (Moody’s) خفضًا مزدوجًا إلى Baa1. وانعكس ذلك مباشرةً على عقود التأمين ضد التخلف عن السداد (Credit Default Swap – CDS) لأجل خمس سنوات، وهي المقياس الأنقى لإدراك المخاطر المؤسسية، إذ قفزت من 55 نقطة أساس قبل الحرب إلى ذروةٍ بلغت 166 نقطة في سبتمبر 2024.
على النقيض تمامًا من منطق الأسواق التقليدي، شهدت الأسهم طفرةً صعودية معاكسة، فبنهاية 2024 كان TA-35 قد ارتفع بنسبة 28.39% ليُصبح أسرع سوقٍ صعودًا في العالم رغم احتدام القتال. وقد غذّت هذه المفارقة عوامل ثلاثة: أولها تدفّق طلبياتٍ قياسية على شركات الدفاع المحلية، حتى قفزت أسهم شركةٍ مثل «بيت شيمش للمحركات» بنسبة 153% خلال العام؛ وثانيها مرونة قطاع التكنولوجيا المرتبط بإيراداتٍ عالمية لا بالجغرافيا المحلية، ما عزله عن نقص العمالة وانكماش الاستهلاك الداخلي؛ وثالثها سيولةٌ محلية محتجزة دفعت صغار المستثمرين وحدهم إلى شراء أسهمٍ بقيمة 13.7 مليار شيكل. وأضاف بنك إسرائيل وقودًا إضافيًا حين بدأ خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في يناير 2024 لتبلغ 4.5%، فمنح متنفسًا لقطاعَي العقار والبنوك المثقلين بالديون.
بلغت هذه الديناميكية ذروتها في عام 2025، فبعد نجاح «عملية الأسد الصاعد» ضد أصولٍ إيرانية في يونيو، ثم إبرام هدنةٍ في غزة ولبنان وانهيار النظام السوري الذي قطع خطوط إمداد حزب الله، انكمشت علاوة المخاطر بحدّةٍ وعاد مؤشر الـCDS إلى 66 نقطة قرب مستواه الطبيعي قبل الحرب. بحلول هذا الوقت سجّل TA-35 عائدًا سنويًا مذهلًا بلغ 51.63%، وقاد قطاع التأمين الصعود بقفزةٍ تاريخية نسبتها 152%. والأهم أن المستثمرين الأجانب عادوا بقوةٍ فاشتروا أسهمًا بنحو 4.3 مليار شيكل، مدفوعين بقرارٍ هيكلي حاسم تمثّل في تحويل أسبوع التداول من نمط (الأحد–الخميس) إلى نمط (الاثنين–الجمعة) بما يوائم وول ستريت ولندن. لم يكن هذا التحوّل تفصيلًا إجرائيًا، بل أزال احتكاكًا في السيولة استمر عقودًا: فقد ارتفع متوسط حجم التداول اليومي إلى رقمٍ قياسي بلغ 3.4 مليار شيكل صعودًا من 2.2 مليار في 2024، حتى صار الأجانب يشكّلون 44% من تداول يوم الجمعة مقابل 15% فقط في أيام الأحد سابقًا، فاندمجت البورصة بعمقٍ في منظومة رأس المال العالمية، وبذلك اكتمل التحوّل من سوقٍ تُحرّكها السيولة المحلية إلى سوقٍ يقودها الطلب الأجنبي، وهو ما رفع عوائدها وعمّق في الوقت ذاته انكشافها على أي تبدّلٍ في المزاج الجيوسياسي العالمي.
اصطدمت نشوة 2025 بجدارٍ جيوسياسي صلب في النصف الأول من عام 2026. فبعد اشتباكاتٍ قصيرة في مارس ضمن «عملية الأسد الزائر» رفعت مؤشر الـCDS مؤقتًا إلى 95.8 نقطة قبل أن يستقر عند 68 نقطة في أبريل، جاء الحدث الأكثر تأثيرًا في يونيو متمثلًا في الإعلان عن مذكرة تفاهم (Memorandum of Understanding – MOU) أمريكية–إيرانية. فسّرت الأسواق المؤسسية هذه المذكرة باعتبارها ضارّةً بأمن إسرائيل طويل الأمد، إذ لم تُلزم طهران بتفكيك بنيتها النووية أو برامجها الصاروخية، وقيّدت في الوقت نفسه حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان، بل لوّحت بإعادة فتح مضيق هرمز بما يموّل إعادة بناء القدرات الإيرانية. والأخطر أن خطاب واشنطن أوحى بتغليب الاستقرار الاقتصادي العالمي على الانحياز الصريح للمطالب الإسرائيلية، في إشارةٍ إلى تآكلٍ طفيف في التحالف بين البلدين.
ترجمت السوق هذا الإدراك إلى موجة بيعٍ موضعية حادة. ففي منتصف يونيو هبط TA-125 بنسبة 4.9% في أسبوعٍ واحد ليصل تراجعه الشهري إلى نحو 8%، وبحلول الثالث والعشرين من يونيو كان قد فقد أكثر من 10% من ذروته — وهو أول تصحيحٍ رسمي منذ أكتوبر 2023. وبالتوازي، خسر الشيكل 5.2% من قيمته أمام الدولار خلال ثلاثة أسابيع ليتداول عند 3.71. واللافت أن هذه الموجة جاءت بينما كانت الأسواق العالمية ترتفع على وقع أنباء انتهاء الحرب وتطبيع تدفقات الطاقة، ما يؤكد أن الضغط كان محليًا خالصًا ومرتبطًا بإعادة تسعير الموقع الجيوسياسي لإسرائيل لا بدورةٍ مالية عامة.
يكمن الدرس الأعمق في التباعد اللافت بين سوقين، ففي حين ذُعر مُستثمري الأسهم وسجّلت أوسع فجوة أداءٍ مع نظيرتها الأمريكية منذ مارس 2025، تراجع عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات بهدوءٍ إلى 3.73% وبقي مؤشر الـCDS مستقرًا قرب 68 نقطة أساس. يعني ذلك أن مستثمري الدخل الثابت اطمأنّوا إلى ملاءة الدولة بفضل إجراءاتٍ ضريبية صارمة شملت رفع ضريبة القيمة المضافة من 17% إلى 18% وضريبة أرباح البنوك من 17% إلى 26%، في حين أدرك مستثمرو الأسهم أن هذه الضرائب ذاتها ستلتهم أرباح الشركات وتكبح النمو. والمفارقة أن أداة السيولة التي أشعلت صعود 2025 — التداول يوم الجمعة — تحوّلت إلى سيفٍ ذي حدّين، إذ منحت الصناديق العالمية القدرة على تصفية مراكزها آنيًا بالتزامن مع وول ستريت. وهكذا أثبت رأس المال الأجنبي أنه شديد المرونة، يتسعّر وفق تفاصيل الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة لا وفق ميدان القتال، فلم يكن نزوح يونيو 2026 وليد رصاصةٍ بل وليد تسعيرٍ بارد لهشاشةٍ جيوسياسية مستقبلية.
خلاصة القول إذن أن بورصة تل أبيب قد تحوّلت من سوقٍ محلية معزولة إلى المؤشر العالمي الأبرز لتسعير مخاطر الشرق الأوسط، بعدما امتصّت أعنف صدمةٍ في تاريخها وحقّقت عوائد هي الأعلى عالميًا. غير أن مرونة رأس المال الأجنبي تجعل المرحلة المقبلة رهينةً باستقرار الإطار الدبلوماسي الأمريكي–الإيراني أكثر من ميدان المعركة. واستنادًا إلى الارتباطات المرصودة، يُرجَّح أن يدخل السوق في سيناريو أساسي من التذبذب داخل نطاقٍ ضيّق تطالب فيه الأموال الأجنبية بعلاوة مخاطرةٍ أعلى. ففي حال انهيار مذكرة التفاهم وعودة التصعيد، يُمكن توقع موجة هبوطٍ فورية تتراوح بين 10% و15% في مؤشر TA-125، مع اختبار الشيكل حاجز 4.00 مقابل الدولار مجددًا واضطرار البنك المركزي الإسرائيلي لاستخدام جزءٍ من احتياطياته البالغة 228 مليار دولار. أما إذا تطوّر المسار نحو تطبيعٍ إقليمي أوسع، فمن المتوقع أن تتجاوز التدفقات الأجنبية بوضوحٍ مستوى 4.3 مليار شيكل المسجّل في 2025، مدفوعةً بانضغاط علاوة المخاطر القُطرية وإعادة تقييمٍ هيكلي صاعد عبر المؤشرات كافة خلال الفترة 2026–2028.
“Tel Aviv Shares Dive as Investor Concern over a Looming Constitutional Crisis Rises.” Times of Israel. Accessed June 24, 2026. https://www.timesofisrael.com/tel-aviv-shares-dive-as-investor-concern-over-a-looming-constitutional-crisis-rises/.
Tel Aviv Stock Exchange. The Best Israel Has to Offer: 2023 Annual Review. Tel Aviv: TASE, 2024. https://content.tase.co.il/media/nqmdjunw/2023_annual_review_eng_accessible.pdf.
“Attention to Israel’s War on Gaza and Stock Price Behavior: Evidence from the Tel Aviv Market.” Journal of Economic Studies 52, no. 8 (2025): 1519. https://www.emerald.com/jes/article/52/8/1519/1254159/.
“BoI Sells Dollars for First Time in Nearly Two Years.” Globes. Accessed June 21, 2026. https://en.globes.co.il/en/article-boi-sells-dollars-for-first-time-in-nearly-two-years-1001515165.
“War in Gaza: Israel Amends Its 2024 Budget.” FrontierView. Accessed June 21, 2026. https://frontierview.com/insights/war-in-gaza-israel-amends-its-2024-budget/.
S&P Global Ratings. “Israel Long-Term Ratings Lowered to ‘A’ from ‘A+’.” Accessed June 24, 2026. https://www.spglobal.com/ratings/en/regulatory/article/-/view/type/HTML/id/3260102.
Fitch Ratings. “Fitch Downgrades Israel to ‘A’; Outlook Negative.” August 12, 2024. https://www.fitchratings.com/research/sovereigns/fitch-downgrades-israel-to-a-outlook-negative-12-08-2024.
Government Debt Management Unit. Annual Report 2025. Jerusalem: Ministry of Finance, 2026. https://www.gov.il/BlobFolder/dynamiccollectorresultitem/annual-debt-report-2025/en/files-eng_Annual-Debt-Reports_annual-debt-report-2025-accessible-version-en.pdf.
“TA-125 Surges 51% in 2025 as Foreign Investors Pour Billions into Israeli Stocks.” Calcalist (Ctech). Accessed June 23, 2026. https://www.calcalistech.com/ctechnews/article/ehoa0yx7h.
Tel Aviv Stock Exchange. 2025 Annual Review. Tel Aviv: TASE, 2026. https://content.tase.co.il/media/fzcgh2rm/tase_2025annualreview_acc_eng_.pdf.
“Foreign Investors Flock to TASE.” Globes. Accessed June 23, 2026. https://en.globes.co.il/en/article-foreign-investors-flock-to-tase-1001538302.
“Knesset Plenum Approves Order Raising VAT Rate from 17% to 18%, Beginning in 2025.” Knesset. Accessed June 24, 2026. https://main.knesset.gov.il/EN/News/PressReleases/Pages/press12324w.aspx.
“Investors Sour on Israel as US Moves to End Fighting, Blunting Market’s Wartime Gains.” Times of Israel. Accessed June 24, 2026. https://www.timesofisrael.com/investors-sour-on-israel-as-us-moves-to-end-fighting-blunting-markets-wartime-gains/.
“Tue: TA-125 Down 10% from Peak.” Globes. Accessed June 25, 2026. https://en.globes.co.il/en/article-tue-ta-125-down-10-from-peak-1001546863.
تعليقات