من الشراكة إلى التحفظ: التحول الصيني في الاستثمار داخل إسرائيل
البرامج البحثية

من الشراكة إلى التحفظ: التحول الصيني في الاستثمار داخل إسرائيل

سجلت العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية بين الصين وإسرائيل تغيرات جوهرية بعد عمليات العسكرية غزة في أكتوبر 2023، إذ اتجهت السلطات التنظيمية الصينية، إلى إدراج مناطق داخل إسرائيل ضمن "الفئة الحمراء"، بما يُعد تصنيفًا إداريًا رسميًا لهذه الأماكن كمناطق استثمارية عالية المخاطر، مما يفرض قيودًا قانونية تمنع ضخ استثمارات مالية جديدة إليها، الأمر الذي أنتج أنتجت وضعًا قانونيًا تبنيه الشركات الصينية على بروتوكولات التحذير الأمني وسلامة الأفراد كمسوغ قانوني للتحكم في حركة رؤوس الأموال، وتبرير وقف تنفيذ بعض الالتزامات المالية في العقود المبرمة مسبقًا، مما يتطلب دراسة دقيقة لفهم آلية عمل هذه التقييمات وتأثيرها الفعلي على العلاقات الاقتصادية بين البلدين.   لذلك يتناول هذا التحليل النزاع التجاري والقانوني حول شركة عدسات حانيتا كحالة تطبيقية، وتفكيك آليات تصنيف المخاطر والرقابة في النظام الصيني، وانعكاساته على التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية المباشرة على السوق الإسرائيلي.
فجوة الردع: هل يغلق الدرع الشرقي سماء طهران في المواجهة القادمة؟
الإصدارات
1 مارس 2026

فجوة الردع: هل يغلق الدرع الشرقي سماء طهران في المواجهة القادمة؟

شكلت العمليات العسكرية التي دارت رحاها في يونيو ٢٠٢٥، والتي استمرت لمدة اثني عشر يوماً بين إيران وإسرائيل، نقطة انكسار حادة في مسار التوازن العسكري الإقليمي، حيث أسفرت المواجهة عن تآكل جوهري في البنية التحتية العسكرية لطهران وتكبدها خسائر مادية جسيمة، وقد تجلي عمق هذا الإخفاق العملياتي في الانهيار شبه التام لمنظومة الدفاع الجوي المتكاملة، حيث تشير التقديرات الاستخباراتية المؤكدة إلى نجاح إسرائيل في تحييد ما يربو على ٨٠ بطارية صواريخ "أرض-جو" وتدمير أكثر من ١٢٠ منصة إطلاق، الأمر الذي جرد المجال الجوي الإيراني من غطائه الحمائي وفرض حالة من السيادة الجوية الإسرائيلية المطلقة.   وفي خضم هذا التداعي، فقدت طهران فعلياً كامل ترسانتها من منظومة (S-300PMU2) "إس-300 بي إم يو-2" الروسية الصنع، التي كانت قد تسلمتها في عام ٢٠١٦ بعد مفاوضات مضنية وتكلفة مالية باهظة، إذ دُمرت هذه المنظومات بشكل ممنهج بين عامي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥. كما أثبتت الصناعات الدفاعية المحلية، المتمثلة في منظومتي "باور-373" (Bavar-373) و"خرداد-15" (Khordad-15)، عجزاً عملياتياً واضحاً عند اختبارها في بيئة قتالية حقيقية. مما كشف عن فجوة تقنية واسعة بين القدرات الهجومية الإسرائيلية ووسائل الدفاع الإيرانية فلم يسجل الدفاع الجوي الإيراني إسقاط أي مقاتلة إسرائيلية مأهولة، وقف سلاح الجو الإيراني عاجزاً بترسانته المتقادمة التي تعتمد على إرث ما قبل الثورة من طائرات "إف-14 تومكات" (Grumman F-14 Tomcat) و"فانتوم" و"تايغر"، مدعومة بطائرات (MiG-29) "ميغ-29" من حقبة التسعينيات. هذا العجز التام عن المنافسة أو الردع لم يثبت فشل التكتيكات فحسب، بل وجه ضربة قاضية للمسلمات الاستراتيجية التي قام عليها مذهب الدفاع الإيراني لعقود، والمتمثل في الاعتماد على "الردع الصاروخي غير المتكافئ" وشبكات الدفاع الطبقية الهجينة.   وأمام هذا الواقع الذي شهد تحييد القدرات الصاروخية وتفكيك المظلة الجوية، اضطرت القيادة الإيرانية إلى تبني استراتيجية إعادة ضبط ما بعد الحرب، مدشنة حملة استحواذ عاجلة تهدف إلى سد الفجوة التكنولوجية عبر التوجه شرقاً نحو روسيا والصين لترميم الردع المفقود، ويبقى السؤال الجوهري الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط هل ينجح هذا "الردع الهجين" -المكون من صواريخ محلية وأسلحة مستوردة غير مدمجة كلياً- في الصمود أمام خصم أثبت بالفعل امتلاكه الجرأة والقدرة على توجيه ضربات مدمرة في العمق الإيراني.
سياسة الإعفاء الجمركي الصيني لأفريقيا: الدوافع والمآلات
البرامج البحثية
24 فبراير 2026

سياسة الإعفاء الجمركي الصيني لأفريقيا: الدوافع والمآلات

أصدرت الحكومة الصينية في يوم ١٤ فبرابر ٢٠٢٦ قرارات تقضي بإلغاء التعريفات الجمركية بنسبة مائة بالمائة على صادرات 53 دولة أفريقية، لتشكل هذه الخطوة تحولاً في مسار العلاقات التاريخية بين بكين والقارة السمراء، التي كانت قد بدأت قبل سبعين عاماً بمشاريع بنية تحتية، مثل بناء سكة حديد تازارا في سبعينيات القرن العشرين، وتطورت بصورة متصاعدة لتصبح تكاملاً اقتصادياً متبادلاً ومعقداً، بما انعكس في تنامياً هائلاً في حجم التجارة الثنائية، حيث قفزت الأرقام لتسجل ذروة تاريخية بلغت 348.05 مليار دولار في عام 2025 بزيادة سنوية بلغت 17.7 بالمائة، لتتخلى بكين طوعاً بموجب القرارات الجديدة عن حوالي 1.4 مليار دولار من العائدات الجمركية السنوية بعد تفعيل هذا النظام الجديد، في خطوة تمثل استثماراً جيواقتصادياً طويل الأمد لضمان استقرار سلاسل التوريد، بما قد يُعيد تشكيل خريطة التجارة الدولية، ويزيد من وضع القارة الأفريقية في مركز التنافس العالمي على الموارد الصناعية وتكنولوجيا الطاقة النظيفة.   لذلك يتناول هذا التحليل الأبعاد الاستراتيجية لهذا النظام التجاري الجديد عبر التركيز على الديناميكيات الهيكلية المحدثة للتجارة الثنائية وتأثيرها الفعلي على الميزان التجاري الأفريقي، والتنافس العالمي لتأمين سلاسل توريد المعادن الحيوية وتداعيات ذلك على طموحات التصنيع المحلي، وأخيراً تقييم الاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية المضادة التي تتبناها الكتل الغربية لإعادة التموضع ومواجهة النفوذ المتمدد في القارة.
تحولات سوق تخصيب اليورانيوم ومُستقبل تحديات أمن الطاقة العالمي
البرامج البحثية
7 فبراير 2026

تحولات سوق تخصيب اليورانيوم ومُستقبل تحديات أمن الطاقة العالمي

يمر سوق تخصيب اليورانيوم مُنذ عام ٢٠٢٣ بأعمق تحول هيكلي منذ بداية العصر النووي المدني، فبعد ثلاثة عقود اتسمت بفائض المعروض وتكامل المخزونات الروسية مع المفاعلات الغربية، يواجه هذا القطاع - الذي قُدرت قيمته بنحو 15.5 مليار دولار في 2025 - واقعًا جيوسياسيًا مغايرًا، ينبع أساسًا من سيطرة أربعة كيانات فقط على قرابة 95% من قدرة التخصيب العالمية، بما يضع سلاسل الإمداد الغربية أمام تحديات لوجستية وسياسية معقدة، خصوصًا في ظل تحول ما يُعرف "بوحدة العمل الفاصلة" Separative Work Unit (SWU) من مجرد سلعة متاحة، إلى نقطة اختناق استراتيجية تعيد رسم خرائط الطاقة، حيث تتسارع وتيرة الأحداث لتنقل السوق من مرحلة هيمنة المشترين إلى نفوذ البائعين، وسط سباق محموم لتأمين الوقود للمفاعلات التقليدية والوحدات المعيارية الصغيرة التي تتطلب أنواعًا متقدمة من اليورانيوم تفتقر الأسواق الغربية لبنيتها التحتية التجارية.   لذلك يتناول هذا التحليل تفاصيل المشهد الجديد لقطاع التخصيب، مستعرضًا القوى الفاعلة وديناميكيات التسعير المتغيرة، مع استشراف التبعات العميقة لهذا التحول على أمن الطاقة العالمي.
تداعيات امتلاك الصين لمنظومة الطباعة الحجرية
البرامج البحثية

تداعيات امتلاك الصين لمنظومة الطباعة الحجرية

شهد شهر ديسمبر من عام 2025 تحولًا هيكليًا في ميزان القوى التكنولوجي العالمي، إذ صادق ائتلاف صناعي مدعوم من الدولة الصينية – وتُنسق أعماله شركة "هواوي" – على تشغيل نموذج أولي وظيفي لنظام الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) في منشأة بمدينة شينزين. يُسقط هذا الإعلان الفرضية الأساسية التي هيمنت على الدوائر الجيوسياسية في واشنطن وبروكسل وطوكيو طوال العقد الماضي، والتي راهنت على أن التعقيد الهندسي المفرط لهذه التقنية سيُبقي الصين معزولةً دائمًا خلف حاجز تقني يمنعها من تجاوز دقة تصنيع الرقائق الإلكترونية المتقدمة بمعمارية 7 نانومتر.   استندت استراتيجيات الاحتواء الغربية إلى قناعة راسخة بأن احتكار سلاسل التوريد المعقدة لشركة "ASML" الهولندية سيضمن إقصاء الاقتصاد الثاني عالميًا عن إنتاج الرقائق المتقدمة اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. بيد أن النموذج الصيني الجديد أبطل هذه الحتمية، لا عبر محاكاة الهندسة الغربية، بل بانتهاج مسار فيزيائي وهندسي مغاير فرضته ضرورات السيادة الوطنية ووفرته الموارد الرأسمالية الحكومية غير المحدودة.   يُثبت هذا النموذج الأولي، الذي يعتمد تقنية "تفريغ البلازما المُحفز بالليزر" (LDP)، تمكّن الكوادر الصينية من المبادئ الفيزيائية الأساسية للتحكم الضوئي عند طول موجي 13.5 نانومتر، مُتجاوزين بذلك مرحلة "الاستحالة العلمية" لينتقل الصراع الآن إلى مرحلة "التوسع الهندسي" والجدوى التشغيلية. يؤسس هذا الحدث لنهاية حقبة القطبية التكنولوجية الواحدة، ويُدشن عصرًا جديدًا من النظم البيئية المزدوجة في صناعة أشباه الموصلات، وهو ما سيستوجب إعادة تقييم شاملة للمسلمات الاقتصادية والأمنية التي حكمت هذا القطاع لعقود.
انهيار الجناح الغربي: تداعيات سقوط مادورو على إيران
البرامج البحثية

انهيار الجناح الغربي: تداعيات سقوط مادورو على إيران

شكلت عملية العزم المطلق التي أفضت إلى إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو وقرينته سيليا فلوريس في ٣ يناير ٢٠٢٦، حدثًا مفصليًا في تاريخ الحروب الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. فبينما تُشير المعطيات الأولية إلى تغيير محدود للنظام داخل فنزويلا، إلا أن التداعيات الاستراتيجية لهذه العملية قد ألحقت ضررًا بالغًا بقدرات العمليات الأمامية لإيران. فعلى مدى عقدين تقريبًا، لم تكن فنزويلا مجرد شريك دبلوماسي لطهران، بل كانت بمثابة رأس جسر لوجستي لا غنى عنه، وملاذًا آمنًا في نصف الكرة الغربي، مكّن النظام الإيراني من الالتفاف على العقوبات الدولية، وفرض نفوذ غير متكافئ، وحافظ على شريان حياة مالي عبر التجارة غير المشروعة.
تفكيك محور الضرورة: لماذا قد يقود سقوط فنزويلا إلى حربٍ مرجّحة مع إيران؟
البرامج البحثية
5 يناير 2026

تفكيك محور الضرورة: لماذا قد يقود سقوط فنزويلا إلى حربٍ مرجّحة مع إيران؟

نفذت القوات العسكرية للولايات المتحدة، في صبيحة الثالث من يناير لعام 2026، عملية عسكرية نوعية حملت اسم "العزم المطلق" (Operation Absolute Resolve)، أفضت إلى تحييد القيادة السياسية في فنزويلا واحتجاز الرئيس نيكولاس مادورو، لِتُدشّن بذلك مرحلة مفصلية في توظيف "القوة الصلبة" (Hard Power) ضمن النطاق الجيوسياسي لنصف الكرة الغربي . ويُؤسس هذا الإجراء لعقيدة سياسية مستحدثة تُعرف بـ "لازمة ترامب" (The Trump Corollary)، التي تُعيد صياغة محددات السيادة الوطنية بربطها بالامتثال للمصالح الأمنية العليا لواشنطن.     تتولى هذه الورقة البحثية تفكيك التداعيات البنيوية لهذا الحدث، وتفحص أثره المباشر على "العمق الاستراتيجي" (Strategic Depth) للجمهورية الإسلامية الإيرانية، باحثةً في مآلات التحالف الثنائي المعروف بـ "محور الضرورة" (Axis of Necessity) الذي ربط طهران وكاراكاس لسنوات خارج المنظومة المالية الدولية. ثم تناقش ما إذا كان إسقاط النظام في فنزويلا يؤدي حُكمًا إلى عزل إيران جغرافيًا ولوجستيًا، وإنهاء قدرتها على المناورة في الفناء الخلفي للولايات المتحدة.     لتنتقل المُعالجة بعد ذلك إلى تحليل "الاقتصاد السياسي للطاقة" (Political Economy of Energy)، حيث تختبر الفرضية القائلة بأن السيطرة الإدارية الأمريكية على الاحتياطيات الفنزويلية توفر ضمانة استراتيجية فورية تُغني الغرب عن إمدادات الخليج العربي في حال إغلاق "مضيق هرمز" (Strait of Hormuz) . وتستند هذه الجزئية إلى تقييم فني للفارق بين حجم الاحتياطيات النظرية وبين القدرة التشغيلية الواقعية لشركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) في ظل تهالك بنيتها التحتية.     ثم تستشرف أخيرًا احتمالات التصعيد العسكري المستقبلي عبر تحليل ما نُسميه بـ "مفارقة القوة" (Paradox of Power)؛ إذ يواجه صانع القرار الأمريكي تباينًا بين الحافز الذي يُولده نجاح استراتيجية "استهداف القيادة" (Decapitation Strategy) لتكرار النموذج ضد خصوم آخرين، وبين القيود المادية التي تفرضها استحقاقات "بناء الدولة" (Nation-building) وإعادة الإعمار، وذلك لتحديد احتمالية تطور الموقف إلى مواجهة نظامية شاملة مع إيران.
استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025: انسحاب أم ترسيخ للانخراط؟
البرامج البحثية
30 ديسمبر 2025

استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025: انسحاب أم ترسيخ للانخراط؟

تُرسِّخ استراتيجية الأمن القومي (NSS) الإطار الحاكم لرؤية القوة الأميركية، وتكشف عن الكيفية التي تفهم بها الولايات المتحدة طبيعة البيئة الدولية، وتُحدِّد من خلالها أولوياتها، وتختار الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي ستعتمد عليها في صون مصالحها الوطنية. ومن هذا المنطلق، تضطلع الاستراتيجية بدورٍ محوري في توجيه تخطيط الدفاع، وصياغة عقيدة السياسة الخارجية، وضبط آليات التنسيق بين الوكالات الحكومية، فضلًا عن إرسال رسائل واضحة إلى الحلفاء والخصوم على السواء بشأن اتجاهات الانخراط الأميركي في نظام دولي يشهد تحوّلات متسارعة.   تُشكّل استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، الصادرة عن إدارة ترامب في نوفمبر 2025، مقاربة واضحة لكيفية تموضع هذه الإدارة في عالم يتّسم بتصاعد التفكّك الجيوسياسي، واحتدام التنافس، وتزايد القيود الداخلية. ويتمثّل هدفها الجوهري في تحويل رؤية الإدارة للعالم إلى إطار متماسك يحدّد بدقّة ما ستمنحه الولايات المتحدة الأولوية، وما ستتراجع عنه، والظروف التي ستدفعها إلى توظيف رأسمالها السياسي، ونفوذها الاقتصادي، أو قوتها العسكرية.   بالنسبة إلى الشرق الأوسط، تكتسب قراءة استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 أهمية خاصة، إذ إنها تُجسِّد المبادئ التي تُشكِّل ملامح الموقف الأميركي المتحوّل تجاه المنطقة. ويعكس تركيز الاستراتيجية على تقاسم الأعباء، وتقليص الانخراط العسكري المباشر، والشراكات ذات الطابع التبادلي تحوّلًا في سقف التوقعات الموجّهة إلى الفاعلين الإقليميين، في حين يواصل تركيزها على أمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب، والتنافس الاستراتيجي مع القوى الخارجية رسم الإطار الناظم لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. وباعتبارها صياغة رسمية لكيفية إدراك الإدارة لمصادر التهديد وفرص الحركة، تُقدِّم استراتيجية الأمن القومي أوضح خارطة طريق متاحة لتوجّهات واشنطن، كما ترسم الإطار المرجعي الذي ستُصاغ في نطاقه قراراتها حيال الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.
صراعات بلا بصمات: الذكاء الاصطناعي ومستقبل التجسّس السيبراني
البرامج البحثية
19 ديسمبر 2025

صراعات بلا بصمات: الذكاء الاصطناعي ومستقبل التجسّس السيبراني

يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل أنماط المنافسة الدولية بطرق لم تبدأ الحكومات بعدُ في استيعاب تداعياتها الكاملة. فقد أفضى انتشار العمليات السيبرانية المعزَّزة بالذكاء الاصطناعي إلى نشوء بيئة استراتيجية جديدة تتّسم بتسارع الاختراقات، وسهولة عبورها للحدود، وقلّة الأدلة التي تسمح بتحديد الجهة المسؤولة على نحو موثوق. وفي هذا السياق، تجد الدول نفسها أمام مشهد تتراجع فيه قابلية تحديد المسؤولية بدقّة، بينما يصبح الحكم الاستراتيجي أكثر هشاشة وعرضة لسوء التقدير. فمع تآكل إشارات الإنذار التقليدية، وتعقّد عمليات تحديد الجهة المسؤولة، تتزايد مخاطر الخطأ في التقييم واتخاذ القرار، بما يوسّع هامش التصعيد غير المقصود في صراعات تعمل في الظل وتتحرّك دون بصمات واضحة.   لطالما تحرّكت الجاسوسية والعمليات السرّية في فضاءات ضبابية بطبيعتها، غير أنّ إدماج الذكاء الاصطناعي في هذه الممارسات سرّع وتيرة الأحداث وأضعف الإشارات التي اعتاد مسؤولو الأمن القومي الاعتماد عليها في تقدير المواقف. ويستدعي هذا التحوّل اهتمامًا استراتيجيًا مستدامًا، لا بسبب التسارع المتواصل في التطوّر التكنولوجي فحسب، بل لأن مخاطر سوء التفسير والتصعيد غير المقصود باتت أكثر حدّة، وأوسع أثرًا مما كانت عليه في السابق.
الصين والتحول التقني في الخليج: ملامح الشراكة ودوافعها المستقبلية
البرامج البحثية
4 نوفمبر 2025

الصين والتحول التقني في الخليج: ملامح الشراكة ودوافعها المستقبلية

تسعى الصين إلى تكريس موقعها كقوةٍ عالميةٍ مهيمنةٍ في قطاع التكنّولوجيا الرّقمّية، مطبّقةً سياساتٍ استراتيجيّةً متقدّمةً تعزّز بها حضورها الرّقمّي على الصّعيد الدّولي. وقد أطلقت مبادرة "طريق الحرير الرّقمّي" (Digital Silk Road - DSR) كامتدادٍ متطوّرٍ لمشروع "الحزام والطّريق" (Belt and Road Initiative - BRI) التّقليدي، حيث هدفت بكين من خلالها إلى تجاوز الاستثمار في البنى التّحتيّة المادّيّة (كالموانئ والسّكك الحديديّة) نحو تبنّي مشروعاتٍ رقميّةٍ فائقة التّطوّر ترسّخ مكانتها العالميّة في المجال التكنّولوجي. ورغم أنّ النّواة الأولى للمبادرة قد ظهرت في عام 2015، إلّا أنّها اكتسبت طابعها الرّسمي والزّخم الاستراتيجي الأكبر عقب إعلان الرّئيس "شي جين بينج" عنها صراحةً في افتتاح منتدى الحزام والطّريق الأوّل عام 2017، لتصبح منذ ذلك الحين ركيزةً رقميّةً محوريّةً ضمن الاستراتيجيّة القوميّة الصّينيّة الشّاملة.   تركّز المبادرة الرّقمّية الصّينيّة على إنشاء بنيةٍ تحتيّةٍ تكنّولوجيّةٍ متكاملةٍ تشمل شبكات الاتّصال العابرة للقارّات، خصوصًا تقنيّات الجيل الخامس (5G)، كما تتضمّن المبادرة مدّ كابلات الألياف الضّوئيّة البحريّة، بالإضافة إلى بناء مراكز بياناتٍ ضخمةٍ، وتوفير منصّات الحوسبة السّحابيّة (Cloud Computing)، وتطوير تطبيقات الذّكاء الاصطناعي. وقد توسّع نطاق المبادرة ليشمل قطاعات التّجارة الإلكترونيّة، وأنظمة الدّفع الرّقمّي، وتشييد "المدن الذّكيّة" (Smart Cities)، وتكثيف تطبيقات الرّقابة الرّقمّية. وفي هذا الإطار، كثّفت شركات التكنّولوجيا الصّينيّة الكبرى، مثل "هواوي" (Huawei) و"زد تي إي" (ZTE) في مجال البنية التّحتيّة للاتّصالات، و"علي بابا" (Alibaba) في مجال الحوسبة السّحابيّة والتّجارة الإلكترونيّة، من حضورها عبر تقديم دعمٍ ماليٍّ وتقنيٍّ مباشرٍ واستثماراتٍ ضخمةٍ في الدّول المستفيدة من المبادرة.   تسعى الصين، من خلال هذه المبادرة، إلى تعظيم نفوذها الرّقمّي عالميًّا عبر تنمية منظومة تعاونٍ تكنّولوجيٍّ واسعةٍ مع الدّول الشّريكة، وتدعيم الشّراكات الاستراتيجيّة بين شركات البرمجيّات الصّينيّة ونظيراتها العالميّة، بهدف قيادة التّحوّل الرّقمّي العالمي. وتغطّي أنشطة الطّريق الرّقمّي مشروعاتٍ واسعة النّطاق، تتراوح من تعميم شبكات الجيل الخامس إلى تقديم منصّات تجارةٍ إلكترونيّةٍ متطوّرةٍ. ويبرز في هذا السّياق سعي الصين للمنافسة في مجال نماذج الذّكاء الاصطناعي التّأسيسيّة المتقدّمة، مثل طرح نموذج (DeepSeek-V2) الّذي يقدّم كمنافسٍ فعليٍّ لنماذج غربيّةٍ كـ (GPT-4).   ولتعزيز هذه المصالح المشتركة، وقّعت الصين عشرات الاتّفاقيّات ومذكّرات التّفاهم مع دولٍ عديدةٍ في إفريقيا، والشّرق الأوسط، وأوروبا الشّرقيّة، وأمريكا اللّاتينيّة، وجنوب شرق آسيا. ترتكز هذه الشّراكات على التّعاون بين الخبراء والمهندسين في مشاريع بحثٍ وتطويرٍ مشتركةٍ، تشمل إنشاء مراكز تدريبٍ وبحثٍ، وإطلاق مبادراتٍ في قطاعات المدن الذّكيّة، والطّاقة النّظيفة، والرّوبوتات، وتوطين البيانات الرّقمّية (Data Localization). وتبرز دول مجلس التّعاون الخليجي كأحد الشّرّكاء الرّئيسيّين في مسار طريق الحرير الرّقمّي، مستفيدةً من الانسجام الواضح بين توجّهات التّحوّل الرّقمّي الطّموحة في هذه الدّول وبين رؤية الصين لقيادة الثّورة التّكنّولوجيّة العالميّة.
ثورة الروبوتات الصينية: هل تعيد تشكيل الخريطة الصناعية في الشرق الأوسط
البرامج البحثية
22 أكتوبر 2025

ثورة الروبوتات الصينية: هل تعيد تشكيل الخريطة الصناعية في الشرق الأوسط

لم تعد النهضة الصينية في مجال الروبوتات مجرّد مسعى لتحسين كفاءة الإنتاج، بل تحوّلت إلى ثورةٍ صناعيةٍ شاملة تُعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي. فمع نشر مئات الآلاف من الروبوتات الذكية سنويًا، ترسّخ الصين مكانتها في صدارة المشهد الصناعي العالمي وتُعيد توزيع الأدوار في سلاسل التوريد العالمية وتُبدّل موازين القوة التكنولوجية بين الدول.   أما في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن هذا التحوّل يطرح أسئلةً مصيريةً لا تحتمل التأجيل. فالأتمتة لم تَعُد تفصيلاً هامشيًا في العملية الاقتصادية، بل باتت المحرّك الأساسي للاستراتيجيات التنموية، فيما تُواجه الدول التي تتباطأ في بناء قدراتها الذاتية خطر الارتهان لأنظمةٍ صناعيةٍ وتقنيةٍ تُصمَّم وتُدار من الخارج، بما يُقوّض استقلال قرارها الاقتصادي والتكنولوجي.   ومن ثمّ، فإنّ مستقبل الروبوتات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا يتعلّق بمن يُسارع إلى تركيب الآلات أو توسيع نطاق استخدامها فحسب، بل بمن يمتلك القدرة على وضع المعايير الناظمة، والتحكّم في تدفّقات البيانات، ورسم قواعد المنافسة الصناعية في العقود المقبلة. فإمّا أن تتحوّل المنطقة إلى مُنتِجةٍ ومبتكِرةً للتقنيات التي سترسم ملامح هذا القرن، وإمّا أن تظلّ مستهلكةً لها، تُساق في ركبٍ تكنولوجيٍّ يُقرَّر مساره خارج حدودها.
الحرب الباردة لأشباه الموصلات: الولايات المتحدة في مواجهة روسيا والصين والهند
البرامج البحثية
23 سبتمبر 2025

الحرب الباردة لأشباه الموصلات: الولايات المتحدة في مواجهة روسيا والصين والهند

أضحى التنافس العالمي حول أشباه الموصلات والتقنيات العسكرية المرتبطة بها المحور المركزي في صراع القوى الكبرى. ولا تزال الولايات المتحدة تحافظ على موقعها الريادي في صناعة أشباه الموصلات عالميًا، حيث تستحوذ الشركات الأميركية على نحو نصف السوق العالمية. غير أن هذه الهيمنة تواجه تحديًا متناميًا من الصين، التي شكّلت مبيعاتها نحو 20% من السوق العالمية لأشباه الموصلات في عام 2024. وتمضي بكين بخطى ثابتة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال، على الرغم من استمرار التوترات التجارية والقيود المفروضة من واشنطن على حقوق الملكية الفكرية في إطار ما يُعرف بـ"الحرب التكنولوجية". وتطمح الصين إلى بلوغ مستوى 50% من الاكتفاء الذاتي في إنتاج أشباه الموصلات مع نهاية العام، مدعومةً باستثمارات ضخمة في مجال البحث والتطوير والتوسع السوقي لشركاتها الوطنية.   وفي المقابل، فإن موقع روسيا في الصناعات العسكرية المعتمدة على أشباه الموصلات بات يواجه قيودًا متزايدة. فعلى الرغم من احتفاظ موسكو بخبرة واسعة في مجال تصميم الأسلحة، إلا أنّ اعتمادها على المواد المستوردة ومعدات تصنيع الرقائق المتقدمة من الدول الغربية يكشف عن ثغرات حرجة في بنيتها التكنولوجية. وقد أدّت العقوبات الغربية المفروضة ردًّا على العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا إلى تقليص حاد في قدرة موسكو على الوصول إلى هذه المدخلات الأساسية. وفي مواجهة ذلك، سعت روسيا إلى إيجاد مصادر بديلة، لتبرز الصين كمزوّد رئيسي لمواد أشباه الموصلات. وتشكل هذه الديناميات جزءًا من الإطار الثلاثي الأوسع الذي يجمع روسيا والهند والصين (RIC)، والذي يرسّخ التحوّل الاستراتيجي لموسكو نحو شراكاتها الشرقية.   وفي الوقت ذاته، تشهد الهند تطورًا متسارعًا يجعلها لاعبًا بارزًا في قطاع أشباه الموصلات. وقد شكّل إعلانها في سبتمبر عن شريحة محلية الصنع تحمل اسم "فيكرام 32 - Vikram 32" محطة مفصلية في مساعي نيودلهي لتحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، كما يعكس مؤشّرًا على احتمال بروزها كمنافس للهيمنة الأميركية في هذا القطاع الحيوي. ويعكس تزايد انخراط الهند مع روسيا والصين حالة من الاصطفاف البراجماتي القائم على المصالح المتبادلة، لا سيّما في ظل تصاعد التوترات السياسية مع واشنطن. وتجدر الإشارة إلى أنّ الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على تجارة الهند في النفط الروسي قد شكّلت حافزًا إضافيًا لتعزيز هذا التعاون الثلاثي.   وعلى نحوٍ جماعي، تمثّل "الترويكا" المكوّنة من الصين وروسيا والهند ائتلافًا قائمًا على المصالح المشتركة أكثر من كونها تحالفًا أيديولوجيًا متكاملًا. وإذا ما تعزّزت هذه الشراكة، فقد يسهم ذلك في دعم قدراتها التصنيعية في مجال أشباه الموصلات بشكلٍ ملحوظ، ويمثل تحديًا جسيمًا للصناعة الأميركية. ومع ذلك، تبقى الخلافات العالقة — مثل النزاعات الحدودية غير المحسومة، وتباين الأولويات الاقتصادية، والفجوات التكنولوجية، فضلًا عن تأثير العقوبات — عائقًا أمام تحقيق اندماج تقني سلس. ولا تزال الولايات المتحدة تمتلك نفوذًا معتبرًا على الهند، من خلال فرص جذبها عبر زيادة الاستثمارات، وخفض الرسوم الجمركية، والتعاون في مجال التكنولوجيا المتقدمة. وفي نهاية المطاف، فإن مسار الشراكة الثلاثية في قطاع أشباه الموصلات يحمل انعكاسات عميقة على النظام الدولي. إذ إن نجاح دمج هذه "الترويكا" لصناعتها في مجال الرقائق مع تقنياتها العسكرية قد يفضي إلى تسريع بروز نظام متعدد الأقطاب، ويحدث ثورة في قدرات المراقبة والدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، إلى جانب القاعدة الصناعية الدفاعية الأوسع، الأمر الذي من شأنه إعادة تشكيل ديناميات القوة على الصعيد الدولي.