شهدت المواقف الأوروبية تجاه إسرائيل خلال السنوات الأخيرة تحوّلًا ملحوظًا، مدفوعًا في الأساس بالحرب على غزة في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023. وقد بدأ هذا التحول في صورة حالة من التوجّس المتصاعد، قبل أن يتبلور تدريجيًا في تراجع واضح في مستويات التأييد الشعبي لإسرائيل عبر القارة الأوروبية، حيث اتجه قطاع متزايد من الرأي العام إلى اعتبار ردّها العسكري مفرطًا في حدّته. غير أن هذا التحول في المزاج العام لم يواكبه انتقال موازٍ على المستوى السياسي، إذ واصل القادة الأوروبيون تبنّي مقاربة حذرة ذات طابع دبلوماسي، ساعين إلى تحقيق توازن دقيق بين التعبير عن القلق والحفاظ على التزامات راسخة، في مقدمتها التأكيد المستمر على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". غير أن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجيًا في الآونة الأخيرة. فقد أدّى التصعيد الإقليمي المرتبط بإيران إلى فرض ضغوط اقتصادية واستراتيجية مباشرة على أوروبا، ما دفع صُنّاع القرار إلى تبنّي استجابة أكثر حزمًا، وإن ظلت مضبوطة ضمن إطارها العام. وفي الوقت ذاته، تعكس التحولات السياسية داخل القارة، بما في ذلك بروز قيادات أقل انحيازًا تقليديًا لإسرائيل، مثل رئيس الوزراء المجري بيتر ماجيار، مسارًا تدريجيًا لإعادة معايرة المواقف، لا قطيعة مفاجئة في السياسة.
وقد تجلّى هذا التحول بوضوح لافت في أواخر أبريل 2026، عندما برزت داخل الاتحاد الأوروبي مناقشات حول تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ورغم أن المقترح لم يحظَ بالتوافق اللازم للمضي فيه، في ظل عرقلة دول محورية مثل ألمانيا وإيطاليا، فإنه كشف في الوقت ذاته عن انتقال خيارات كانت تُعد سابقًا خارج نطاق التصوّر إلى صلب النقاش السياسي. وفي حين أن تعليق الاتفاقية قد يترتب عليه آثار اقتصادية ملموسة بالنسبة لإسرائيل، فإن تفعيله يظل محكومًا بتوازنات داخلية معقّدة داخل الاتحاد الأوروبي. غير أن تعذّر المضي في هذا المسار لا يعني غياب أدوات التأثير؛ إذ لا يزال الاتحاد الأوروبي يحتفظ بطيف من الآليات البديلة القادرة على إحداث ضغط فعّال على إسرائيل.
بلغت المواقف الأوروبية تجاه إسرائيل أدنى مستوياتها منذ تأسيس الدولة في أواخر أربعينيات القرن الماضي، في انعكاس لتحوّل واضح ومستمر في المناخين السياسي والمجتمعي عبر القارة. وفي هذا السياق، بدأ هذا التحوّل يتبلور مع اندلاع الحرب على غزة، التي نظر إليها قطاع واسع من الأوروبيين باعتبارها مفرطة في حدّتها، ما دفع إلى إعادة تقييم مواقف كانت راسخة لعقود. ومع تتابع التطورات، تكرّس هذا الاتجاه في صورة تراجع أوسع في مستويات التأييد، الأمر الذي يشير إلى أن التحوّل لم يعد ظرفيًا، بل يعكس تغيرًا أعمق وأكثر استدامة في بنية الاتجاهات السائدة.
غير أن تطوّر القيادة السياسية لم يعكس هذا التحوّل المجتمعي بالوتيرة ذاتها. فعلى مدار معظم العام الماضي، واصل غالبية القادة الأوروبيين تبنّي الخطاب الحذر المألوف، مع التعبير عن القلق إزاء السياسات الإسرائيلية، بالتوازي مع التأكيد المتكرر على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". وفي هذا الإطار، ظل هذا التوازن الخطابي، الذي شكّل سمة راسخة في الدبلوماسية الأوروبية لعقود، قائمًا إلى أن بدأ يتصدّع في الآونة الأخيرة. ومع ذلك، وبينما خرج عدد محدود من القادة عن هذا النمط في وقت مبكر، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بقيت الغالبية متمسكة بالمواقف التقليدية إلى أن برز عامل أكثر مباشرة دفع نحو إعادة التموضع. وفي هذا السياق، جاء هذا العامل المحفِّز مع التصعيد المرتبط بإيران. فعلى خلاف الحرب على غزة، التي أعادت تشكيل الرأي العام في المقام الأول، بدأت المواجهة الإقليمية الأوسع تؤثر بصورة مباشرة في المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لأوروبا. وتكتسب هذه المفارقة أهمية محورية في فهم مسار التحوّل، إذ بينما تحرّك المزاج العام بدوافع إنسانية وأخلاقية، تبدو استجابات القيادات السياسية مدفوعة بضغوط ملموسة تمس الاستقرار وأمن الطاقة والمرونة الاقتصادية. وعلى هذا الأساس، يشير التحوّل في مواقف القادة الأوروبيين إلى أن تغيّر السياسات يرتبط بدرجة أوثق بحسابات المصالح المادية، لا بالقيم العامة وحدها.
وقد تجلّى هذا التحوّل بوضوح أكبر تحت وطأة البعد الاقتصادي للأزمة، الذي برز بوصفه عاملًا حاسمًا في توجيه مسار التفاعلات. ففي هذا السياق، تفاعلت أسواق الطاقة سريعًا مع التصعيد، حيث ارتفعت أسعار النفط من نحو 72–73 دولارًا للبرميل قبل اندلاع المواجهة إلى ما يقارب 120 دولارًا عند ذروتها، قبل أن تستقر لاحقًا عند حدود 93 دولارًا عقب التوصل إلى وقف إطلاق النار. وعلى المنوال ذاته، سلكت أسعار الغاز مسارًا مماثلًا، إذ صعدت من نحو 35.5 يورو لكل ميجاواط/ساعة إلى مستويات تجاوزت 60 يورو، قبل أن تستقر عند قرابة 44 يورو. ورغم أن أوروبا لا تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة المباشرة عبر مضيق هرمز، فإن ارتباطها الأوسع بأسواق الطاقة العالمية يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار.
وفي امتداد لهذه الضغوط، أسهمت تقلبات أسعار الصرف، بحكم تسعير النفط بالدولار الأمريكي، في تضخيم الكلفة الإجمالية، ما فرض أعباء إضافية على الاقتصادات الأوروبية والمستهلكين على حد سواء. ولم تقتصر هذه التداعيات على قطاع الطاقة فحسب، بل امتدت إلى قطاعات أخرى، من بينها الطيران. فقد بدأت بالفعل ارتفاعات كلفة وقود الطائرات والقيود على الإمدادات في إرباك العمليات التشغيلية، حيث اتجهت شركات الطيران إلى تعديل الأسعار، بل وإلغاء بعض الرحلات في حالات معينة قبيل فترات الذروة السياحية. وفي المحصلة، تعزّز هذه التطورات إدراك صُنّاع القرار الأوروبيين بأن عدم الاستقرار الإقليمي يخلّف آثارًا داخلية مباشرة، ما يسرّع بدوره الحاجة إلى إعادة تقييم مواقف السياسة الخارجية.
وبالتوازي مع ذلك، تكشف التحولات السياسية داخل أوروبا عن مسار تدريجي لإعادة ضبط المواقف. ففي المجر، يعكس انتخاب رئيس الوزراء بيتر ماجيار انتقالًا نحو تبنّي مقاربة أكثر توازنًا مقارنة بالموقف الداعم لإسرائيل دون تحفظ، الذي طبع مرحلة سلفه. ومع تأكيده استمرار اعتبار إسرائيل شريكًا اقتصاديًا مهمًا، أوضح ماجيار أن قرارات الاتحاد الأوروبي ستُقيَّم مستقبلًا على أساس كل حالة على حدة، بدلًا من عرقلتها بصورة تلقائية. وفي هذا الإطار، تعكس مواقفه الداعية إلى إعادة الانخراط في الأطر القانونية الدولية توجّهًا نحو مواءمة سياسات هنغاريا بشكل أوثق مع المعايير الأوروبية الأوسع، بدلًا من مواصلة النهج الانعزالي الذي ساد في المرحلة السابقة.
وفي امتداد لهذه التحولات، أسهمت التوترات الإقليمية في توسيع الفجوة السياسية داخل المواقف الأوروبية. فقد اتسمت ردود الفعل الأوروبية تجاه الضربات الإسرائيلية في لبنان، ولا سيما في دول مثل فرنسا وبلجيكا، بقدر أكبر من النقد، بما يعكس تنامي حالة عدم الارتياح داخل العواصم الأوروبية. ويشير ذلك إلى أن هذا التحول لم يعد محصورًا في الاعتبارات الاقتصادية وحدها، بل بات يتعزز بصورة متزايدة بفعل تطورات جيوسياسية تضع التوازنات الدبلوماسية القائمة أمام اختبارات متصاعدة.
وفي المحصلة، تعكس هذه الديناميكيات مسار تحوّل يقوم على مستويين متداخلين ومتوازيين. فقد بادر الرأي العام الأوروبي إلى التغيّر أولًا، مدفوعًا بتداعيات الحرب على غزة وأبعادها الإنسانية، بينما جاءت استجابة القيادات السياسية لاحقًا، تحت وطأة الانعكاسات الاستراتيجية والاقتصادية للتصعيد الإقليمي الأوسع. ومن خلال هذا التفاعل، يتبلور اتجاه نحو إعادة توجيه تدريجية لكنها واضحة في موقف أوروبا تجاه إسرائيل، تتشكل عبر تراكم ضغوط مجتمعية، وتزايد الهشاشة الاقتصادية، وإعادة تموضع جيوسياسي، بما يجعل هذا التحول أقرب إلى مسار تراكمي متدرّج منه إلى قطيعة مفاجئة في السياسة.