تخوض إيران مواجهتها العسكرية الراهنة فوق أرضية اقتصادية تُعد من بين الأكثر هشاشة واختلالًا في الشرق الأوسط. فمنذ أكثر من عقد، فرضت العقوبات الدولية الواسعة طوقًا خانقًا على قدرة البلاد على النفاذ إلى الأسواق المالية العالمية، وقيّدت صادراتها من الطاقة، وقلّصت تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى اقتصادها. ومع تراكم هذه الضغوط، لم ينهَر الاقتصاد الإيراني بالكامل، بل أعاد تشكيل نفسه تدريجيًا ضمن نمط بقاء قسري يمكن فهمه بوصفه "اقتصاد التكيّف مع العقوبات"؛ وهو نمط يقوم على امتصاص الصدمات لا تجاوزها، ويستند إلى شبكات تجارة غير رسمية، وصادرات طاقة موازية، وقنوات مالية بديلة، مكّنته من الاستمرار تحت ضغط خارجي مزمن، من دون أن ينجح في تحقيق تعافٍ اقتصادي فعلي.
لكنّ الحرب، بخلاف العقوبات التي تُراكم القيود الاقتصادية تدريجيًا، تُدخل الاقتصاد في طور مختلف جذريًا من الصدمة؛ طور لا يقتصر على الضغط المالي أو الاختناق التجاري، بل يمتد إلى تعطيل شبكات الإمداد واللوجستيات، وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية الوطنية، وفرض إعادة توجيه الموارد العامة نحو الإنفاق الدفاعي تحت وطأة التصعيد العسكري. وفي حالة اقتصاد هشّ أصلًا ويعمل عند الحواف القصوى للاستقرار الكلي، لا تُقاس آثار هذه الصدمات بحجمها المباشر فحسب، بل بما تولّده من اختلالات متراكمة وتداعيات تتجاوز أثرها الأولي بكثير. ومن هذه الزاوية، يطرح الصراع الراهن سؤالًا اقتصاديًا حاسمًا: هل يستطيع الاقتصاد الإيراني، الذي طوّر على مدى سنوات آليات بقاء تحت ضغط العقوبات، أن يصمد أيضًا أمام منطق الحرب؟ أم أن التصعيد العسكري سيكشف هشاشة أعمق ظلّت كامنة داخل اقتصاد أبقاه نظام العقوبات حيًا، ولكن في حالة إنهاك مزمن؟
حتى قبل انفجار المواجهة الراهنة، كان الاقتصاد الإيراني يتحرك فوق أرضية شديدة الهشاشة، بعدما أفضت سنوات طويلة من العقوبات، واضطراب سعر الصرف، وضعف الاستثمار، إلى تقويض المقومات الأساسية للنمو وإضعاف قدرة الاقتصاد على توليد الاستقرار من داخله. وبحلول مطلع عام 2026، لم تعد مؤشرات الاختلال الاقتصادي مجرد إشارات تحذيرية، بل غدت تعبيرًا واضحًا عن بيئة كلية مأزومة أخذت تستنزف قدرتها على التكيّف تدريجيًا. وقد تجلّى ذلك في استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة على نحو مزمن، بالتوازي مع التراجع الحاد والمتواصل في قيمة العملة الوطنية؛ إذ ظلّ التضخم السنوي يتحرك عمومًا ضمن نطاق يتراوح بين 40% و50%، في وقت فقد فيه الريال الإيراني جزءًا كبيرًا من قيمته أمام الدولار الأمريكي في السوق الموازية، منذ إعادة فرض العقوبات الأمريكية عقب تقويض الاتفاق النووي عام 2018.
وزادت هذه الهشاشة حدّةً بفعل موجات متكررة من تراجع قيمة العملة، ولا سيما في الأسواق غير الرسمية التي اتّسعت فيها الفجوة بين أسعار الصرف الفعلية والمستويات الرسمية التي تعلنها الدولة، وهو ما انعكس مباشرة في ارتفاع كلفة الواردات، بما في ذلك الغذاء، والدواء، ومدخلات الإنتاج الصناعية الحيوية. وفي السياق نفسه، ظلّ النمو الاقتصادي مكبّلًا بقيود عميقة؛ إذ عجز الاقتصاد الإيراني، رغم ما يمتلكه من احتياطيات هيدروكربونية ضخمة وسوق داخلية واسعة، عن تحويل هذه المزايا الكامنة إلى مسار توسّع مستدام في ظل بيئة عقابية ممتدة فرضتها العقوبات. كما انعكست محدودية الاستثمار الصناعي، وضعف مكاسب الإنتاجية، وتقييد الوصول إلى رؤوس الأموال الدولية، بوضوح في أداء الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، الذي ظلّ يتحرك عمومًا ضمن نطاق نمو متواضع تراوح بين 2% و4%. ومع إعادة فرض العقوبات الأمريكية في عام 2018، تراجعت الاستثمارات الأجنبية بصورة حادّة بعد انسحاب عدد كبير من الشركات الدولية من السوق الإيرانية. ونتيجة لذلك، وجدت قطاعات صناعية محلية عديدة نفسها تعمل ببنية تحتية متقادمة، وبآفاق تحديث شديدة المحدودية، في ظل فقدان التمويل الخارجي والتكنولوجيا المتقدمة اللذين كانا يشكّلان شرطًا أساسيًا لأي مسار تحديث إنتاجي مستدام.
في المقابل، شهد الوضع المالي الإيراني تدهورًا متزايدًا، في ظل استمرار اعتماد الموازنة العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، رغم أن العقوبات قلّصت أحجام الصادرات بصورة ملموسة، وأجبرت النفط الإيراني على الوصول إلى الأسواق عبر شبكات تداول غير مباشرة وبخصومات سعرية كبيرة. وبهذا المعنى، لم تقتصر آثار العقوبات على خفض العائدات فحسب، بل امتدّت لتقويض قدرة الدولة على إدارة مواردها الخارجية بكفاءة واستقرار. وفي ظل هذا الواقع، ظلّت صادرات النفط الإيرانية تتحرك غالبًا ضمن نطاق يتراوح بين 1.1 و1.5 مليون برميل يوميًا، مقارنة بأكثر من 2.5 مليون برميل يوميًا قبل عام 2018، ما أدّى إلى تقليص المصدر الرئيس للعملة الأجنبية بصورة مباشرة. وأمام هذا الانكماش، اتجهت الحكومة بشكل متزايد إلى الاقتراض الداخلي والتوسع النقدي لتمويل الإنفاق العام، وهو ما عمّق الضغوط التضخمية، وأضعف الثقة في العملة الوطنية. وبحلول لحظة التصعيد العسكري، كانت هذه المسارات قد راكمت اقتصادًا مثقلًا بتضخم مرتفع، واستثمار ضعيف، وقدرة شرائية متآكلة، واضطراب مزمن في سعر الصرف. ومن ثمّ، فإن الحرب الراهنة لا تضغط على بنية اقتصادية مستقرة فتربكها، بل تكشف وتفاقم اختلالات تراكمت بصمت على مدى سنوات داخل اقتصاد أُجبر على التكيّف مع العقوبات، من دون أن ينجح يومًا في التحرر من آثارها العميقة والمتراكمة.
على الرغم من الضغوط التراكمية الهائلة التي فرضتها العقوبات، لم ينهَر الاقتصاد الإيراني بالكامل، بل تمكّن تدريجيًا من بناء آليات بديلة أتاحت استمرار النشاط الاقتصادي خارج المسارات التقليدية للتجارة والتمويل العالميين. غير أن هذا الاستمرار لم يكن تعبيرًا عن متانة اقتصادية بقدر ما كان انعكاسًا لقدرة اضطرارية على التكيّف مع بيئة حصار ممتدة. ولعلّ شبكة تصدير النفط الموازية تمثّل أوضح تجليات هذا التكيّف؛ إذ استندت إلى ترتيبات بحرية وتجارية معقّدة شملت سفنًا أُعيد تسجيلها تحت أعلام مختلفة، وعمليات نقل شحنات من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، إلى جانب شركات وساطة وتجارة تعمل عبر قنوات غير مباشرة. ومن خلال هذه الآليات، استطاعت إيران مواصلة ضخ جزء من نفطها إلى الأسواق الدولية، متجاوزةً بدرجات متفاوتة آليات الإنفاذ الرسمية للعقوبات. لكنّ هذا المسار ظلّ محفوفًا بكلفة مرتفعة؛ إذ جرى غالبًا عبر خصومات سعرية كبيرة، وتكاليف لوجستية أعلى، واعتماد متزايد على قنوات تشغيل أقل استقرارًا. ومن ثمّ، فإن هذا النمط من التكيّف لم يُلغِ مكامن الضعف في الاقتصاد الإيراني، بل أجّل انكشافها وعمّقها في الوقت نفسه.
وبالتوازي مع ذلك، شهدت مسارات التجارة عبر الدول المجاورة توسعًا ملحوظًا، إذ تحوّلت مراكز إعادة التصدير، في كثير من الأحيان، إلى محطات وسيطة لعبور السلع التي يتعذّر استيرادها مباشرة إلى إيران، بعد تعديل وثائقها أو هياكل ملكيتها قبل إعادة شحنها. وعلى المنوال نفسه، اتخذ التكيّف المالي مسارًا مشابهًا؛ فمع استبعاد البنوك الإيرانية إلى حدّ كبير من أنظمة المدفوعات العالمية مثل “سويفت”، باتت الشركات تعتمد بصورة متزايدة على قنوات مالية غير رسمية، شملت التجارة بالمقايضة، وتسوية المدفوعات بالعملات الإقليمية، وأنظمة التحويل التقليدية على نمط “الحوالة”.
وفي الأثناء، أخذت المؤسسات المرتبطة بمراكز النفوذ السياسي تؤدي دورًا أكبر داخل الاقتصاد المحلي. فقد تعاظمت أهمية الكيانات المرتبطة بـ الحرس الثوري الإيراني عبر طيف واسع من القطاعات، شمل التشييد، واللوجستيات، والاتصالات، والبنية التحتية للطاقة. ومع خروج الشركات الدولية من السوق الإيرانية تحت وطأة العقوبات، وجدت هذه الجهات المحلية نفسها في موقع يمكّنها من ملء الفراغ الاقتصادي الذي خلّفه هذا الانسحاب. وأفضى ذلك تدريجيًا إلى تشكّل بنية اقتصادية هجينة، يتداخل فيها الرسمي مع غير الرسمي، بما أتاح لإيران الحفاظ على حدّ أدنى من النشاط الاقتصادي رغم استمرار العزلة الدولية. غير أن هذا النمط لم يكن تعبيرًا عن اقتصاد استعاد توازنه، بقدر ما كان انعكاسًا لترتيب داخلي بديل أعاد توزيع الأدوار والموارد داخل بيئة اقتصادية تعمل تحت ضغط دائم.
لكنّ المفارقة الأساسية تكمن في أن الآليات نفسها التي منحت الاقتصاد الإيراني قدرًا من القدرة على التحمّل، هي ذاتها التي ولّدت في الوقت نفسه مواطن ضعف عميقة. فالكثير من الأدوات المستخدمة للالتفاف على العقوبات يعتمد على شبكات لوجستية تظلّ شديدة الانكشاف أمام الاضطرابات الجيوسياسية. فصادرات النفط الموازية ترتكز بدرجة كبيرة على النقل البحري ومسارات الشحن غير المعلنة، في حين تبقى الممرات التجارية غير الرسمية رهينة استمرار الاستقرار الحدودي، وكفاءة الأسواق الإقليمية المحيطة، وقدرتها على مواصلة أداء هذا الدور الوسيط.
وجميع هذه الآليات تبدو اليوم أكثر عرضة للاهتزاز تحت وطأة الحرب. فمع تصاعد التوتر العسكري في الخليج العربي، ترتفع المخاطر المحيطة بحركة الشحن التجاري وأسواق التأمين البحري، بما قد يعرقل المسارات البحرية التي تعتمد عليها صادرات النفط الإيرانية للوصول إلى المشترين الدوليين. وفي الوقت نفسه، تقوم الأنظمة المالية الموازية على قدر معقول من انتظام تدفقات العملات، وعلى وجود وسطاء متعاونين قادرين على إبقاء هذه القنوات عاملة عبر الإقليم. ومع اتساع نطاق الاضطراب، تصبح هذه المقومات نفسها أكثر هشاشة، بما يهدد بإرباك البنية غير الرسمية التي استند إليها الاقتصاد الإيراني في التكيّف مع العقوبات.
ومن بين أبرز العوامل التي تُفاقم هذا الانكشاف الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز. فهذا الممر، بوصفه أحد أهم شرايين عبور الطاقة في العالم، يتحوّل سريعًا إلى بؤرة حساسة في أوقات النزاع الإقليمي. ومن ثمّ، فإن أي تدهور أمني في بيئة الملاحة البحرية زمن الحرب، أو أي تشديد إضافي في عمليات الرصد والمراقبة، يمكن أن يقيّد بسرعة شبكة الصادرات النفطية الموازية التي تعتمد عليها إيران. وتزداد خطورة هذا الاحتمال بالنظر إلى استمرار الاعتماد الكبير للدولة على العائدات النفطية في تمويل الموازنة العامة. وعليه، فإن أي تعطّل في هذه التدفقات لن يقتصر أثره على تراجع الإيرادات فحسب، بل سيترجم مباشرة إلى كلفة مالية فورية، ويُضعف أكثر اقتصادًا مثقلًا أصلًا بالاختلالات والتآكل المزمن في قدرته على الاحتمال.
يتجلّى الانكشاف الاستراتيجي في نموذج التكيّف الإيراني مع العقوبات بوضوح في التركيز العسكري الأخير على جزيرة خرج. فهذه المنشأة، التي تتولى معالجة نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، تمثّل نقطة اختناق مركزية داخل منظومة يُفترض أنها قائمة على اللامركزية. وبذلك، تكشف خرج عن مفارقة حاسمة: نظام يبدو متشعّبًا في الظاهر، لكنه يظل معتمدًا فعليًا على عقدة تشغيلية شديدة الحساسية.
وإدراكًا لهذه الهشاشة قبيل اندلاع المواجهة، اتجهت طهران إلى تنفيذ استراتيجية تحميل مكثّف هدفت إلى تقليص المخاطر المحيطة بأصولها النفطية، عبر تسريع تدفق الشحنات قبل أن تتعرض هذه النقطة الحيوية لأي تعطيل محتمل. وأظهرت صور الأقمار الصناعية وبيانات الاستخبارات البحرية ارتفاعًا حادًا في النشاط داخل الجزيرة خلال الأسبوعين الأخيرين من فبراير 2026. وخلال هذه الفترة، جرى نقل نحو 20 مليون برميل من مرافق التخزين البرية إلى ناقلات النفط في غضون أيام معدودة، وهو معدل تدفق يقترب من ثلاثة أضعاف المتوسط اليومي المسجّل في يناير. ومن خلال هذا التحرك السريع، سعت إيران إلى تفريغ خزاناتها البرية ودفع الخام إلى مخزون عائم، في محاولة لتحويل أكثر أصولها المادية انكشافًا إلى احتياطي مالي بحري متحرّك، قبل بدء الضربات في 13 مارس.
ورغم أن إيران نجحت لسنوات في الالتفاف على العقوبات المالية عبر تحويلات “الحوالة” غير الرسمية، وشبكات “الأسطول المظلم” المستخدمة في نقل النفط، فإن هذا النمط من التكيّف ظلّ، في جوهره، معتمدًا على استمرار عمل المنافذ المادية التي تمرّ عبرها التجارة والطاقة فعليًا، وهي نقطة الضعف التي كشفتها الضربات الأمريكية في مارس 2026 بوضوح. فمن خلال استهداف الأطراف الدفاعية للجزيرة وبنيتها البحرية، مع الإبقاء في المرحلة الأولى على أرصفة التحميل خارج دائرة التدمير المباشر، بدت المقاربة العسكرية وكأنها لا تستهدف وقف التصدير فورًا، بل وضع الشريان المالي الأهم للدولة تحت ضغط حصار نفسي ولوجستي خانق. ويهدّد هذا التعطيل بحرمان إيران من عشرات المليارات من الدولارات سنويًا، بما يفتح فجوة مالية واسعة لا تستطيع العقوبات التشريعية، مهما اشتدّت، أن تُحدثها بهذا الأثر المباشر.
والأهم أن انكشاف جزيرة خرج يرسل إشارة حاسمة إلى المشترين الرئيسيين، وفي مقدمتهم الصين، مفادها أن الخصومات السعرية التي كانت تعوّض مخاطر العقوبات لم تعد كافية في ظل القفزة الحادّة في تكاليف التأمين، وتصاعد المخاطر المادية المرتبطة بالرسو في منشأة باتت مكشوفة وعاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحماية التشغيلية. وعند هذه النقطة، ينتقل الضغط من كونه قيدًا اقتصاديًا قابلًا للاحتواء إلى تعطيل مادي مباشر يفرض على الدولة إعادة توزيع مواردها على نحو قسري ومكلف. وفي ظل هذا التحول، تقترب طهران من حافة معادلة مالية حرجة: إما توجيه الموارد المحدودة نحو متطلبات البقاء العسكري، أو الحفاظ على منظومة الدعم الداخلي التي تمثّل خط الدفاع الأخير في مواجهة انزلاق الاقتصاد نحو تضخم جامح واضطراب اجتماعي واسع النطاق.
يُفضي الانتقال من اقتصاد مُثقل بضغوط العقوبات إلى اقتصاد يعمل في ظروف الحرب إلى التقاء حاد بين أعباء مالية فورية وتآكل اقتصادي متراكم. فالعمليات العسكرية، بما تتطلبه من إنفاق كثيف على منظومات التسليح، وسلاسل الإمداد، وعمليات التعبئة، تدفع التكاليف إلى مستويات تتسارع بوتيرة تتجاوز قدرة الحيز المالي المتاح للدولة على الاستيعاب. وفي ظل غياب الوصول إلى أسواق الائتمان الدولية أو أدوات إصدار الدين السيادي، تجد الدولة نفسها مضطرة للجوء إلى تمويل داخلي عالي المخاطر. ويتجسّد ذلك في مزيج من الاقتراض المحلي الذي يزاحم الاستثمار الخاص ويحدّ من نموه، إلى جانب التوسع النقدي الذي يضغط بقوة على قيمة العملة الوطنية ويدفعها إلى مزيد من التراجع. ومع استمرار النزاع، لا تعود هذه الضغوط مجرّد تحديات مالية حادة قابلة للإدارة، بل تتحوّل تدريجيًا إلى تهديد وجودي يطال قدرة الاقتصاد ذاته على الاستمرار.
ويتفاقم هذا الاستنزاف المالي بفعل التآكل الذي يصيب القاعدة الصناعية للدولة. فالأثر لا يقتصر على تعطّل التجارة في المدى المباشر، بل يمتد إلى الضربات التي تستهدف منشآت الطاقة، وشبكات النقل، والبنية التحتية للاتصالات، بما يولّد سلسلة من الأعطال المتداخلة داخل اقتصاد استُنزفت قدرته الإنتاجية أصلًا بفعل سنوات طويلة من ضعف الاستثمار. ولأن القطاع الصناعي الإيراني حُرم، على مدى سنوات، من التكنولوجيا الأجنبية ورؤوس الأموال اللازمة للتحديث، فإن الحرب تدفع الدولة إلى إعادة تخصيص مواردها ضمن معادلة صفرية قاسية؛ إذ تُسحب الموارد الشحيحة من مسارات التطوير الضرورية، لتُعاد توجيهها نحو إعادة الإعمار الطارئة، وتعويض المعدات والأصول المتضررة، بدلًا من توسيع القاعدة الإنتاجية أو رفع كفاءتها.
وفي نهاية المطاف، ينعكس تلاقي الضغوط المالية مع تضرّر البنية التحتية مباشرة على الأسرة الإيرانية. فمع تراجع القدرة الإنتاجية وفقدان العملة جزءًا متزايدًا من قيمتها، تتآكل قدرة الدولة على الحفاظ على منظومة الدعم الواسعة التي تمثّل خط الدفاع الأول في مواجهة الاضطراب الاجتماعي. ويقود هذا التآكل إلى انهيار ملموس في القدرة الشرائية للسلع الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والوقود، بما لا يقتصر أثره على إضعاف المجتمع فحسب، بل يهيّئ بيئة مواتية لعدم الاستقرار الداخلي على نطاق أوسع. وفي هذا السياق، لا يُعد التضخم الممتد في اقتصاد الحرب مجرد مؤشر اقتصادي، بل يتحوّل إلى محرّك رئيسي للمخاطر السياسية الداخلية.
لعلّ أحد أكثر الأسئلة الاقتصادية حساسية في هذا النزاع يتمثل في مدى قدرة نموذج التكيّف الإيراني مع العقوبات على الاستمرار تحت ضغط عسكري ممتد. فالعقوبات، في العادة، تُنتج مسارًا تدريجيًا من التآكل الاقتصادي، غير أن الدول المستهدفة تنجح غالبًا، بمرور الوقت، في تطوير آليات التفاف وتكيّف تسمح لها بامتصاص جزء من هذا الضغط عبر شبكات تجارة بديلة، وقنوات مالية غير رسمية، بما يفضي في النهاية إلى نشوء معادلة بقاء اقتصادية مستقرة نسبيًا، وإن كانت أقل كفاءة وأكثر هشاشة. غير أن الحرب تقوّض هذه المعادلة من جذورها؛ إذ لا تكتفي بإضافة ضغوط جديدة إلى البيئة العقابية القائمة، بل تستهدف مباشرة الشبكات اللوجستية والمالية التي يقوم عليها هذا التكيّف أصلًا. ومن ثمّ، فإن الأثر الحقيقي للحرب لا يتمثل فقط في تعميق الاختلالات القائمة، بل في كسر الصيغة التي مكّنت الاقتصاد الإيراني من الاستمرار ضمن حدّه الأدنى الوظيفي طوال سنوات العقوبات.
ومع تصاعد وتيرة التصعيد العسكري، تزداد هشاشة المسارات البحرية التي تعتمد عليها صادرات النفط الموازية، ما يدفع الوسطاء الإقليميين إلى إعادة حساباتهم، والتردّد في الاستمرار ضمن شبكات الالتفاف على العقوبات، في ظل تنامي مخاطر التعرّض لعقوبات ثانوية أو لارتدادات عسكرية مباشرة. وفي الوقت نفسه، يؤدي اتساع حالة عدم اليقين في الأسواق الإقليمية إلى انكماش التدفقات المالية غير الرسمية، كاشفًا حدود هذا النمط من التكيّف؛ إذ يمكن لهذه المنظومة أن تتحمّل ضغوطًا اقتصادية ممتدة، لكنها تُظهر قدرة أقل بكثير على الصمود عندما تتحول الضغوط إلى اضطراب مادي مباشر يطال بنيتها التشغيلية.
وتكشف الإسقاطات المستقبلية في ظل استمرار الاضطراب عن طيف واسع من المآلات المحتملة. ففي حال بقي النزاع قصير الأمد ومحدود التصعيد، ولم يتجاوز ثلاثة أشهر، يُرجّح أن تظلّ اضطرابات التصدير ذات طابع مؤقت، بما يفضي إلى صدمة اقتصادية عابرة يمكن للشبكات الموازية أن تستعيد بعدها قدرًا من الاستقرار النسبي مع انحسار العمليات العسكرية. أما إذا امتد النزاع لفترة تتراوح بين ستة واثني عشر شهرًا، فإن التداعيات الاقتصادية ستكون أشدّ وطأة بكثير، إذ لا يعود الأمر عندئذ مرتبطًا باهتزازات مؤقتة في التدفقات أو الأسعار، بل يتحول إلى ضغط ممتد يطال قدرة الاقتصاد نفسه على مواصلة التكيّف ضمن الشروط التي سمحت له بالبقاء خلال سنوات العقوبات.
ومن شأن استمرار الاضطراب في النقل البحري والممرات التجارية الإقليمية أن يدفع التداعيات إلى مستويات أشد حدّة؛ إذ يُرجّح أن تتراجع الإيرادات النفطية بنحو 30% إلى 50%، مع تصاعد الضغوط على العملة، واندفاع معدلات التضخم إلى ما يتجاوز نطاق 70% إلى 80%، وتعميق حلقة الانكماش الاقتصادي القائمة. أما في السيناريو الأكثر تطرفًا، حيث يستمر الاضطراب المنهجي لأكثر من عام، فإن تراكب خسائر الصادرات، والأضرار المادية التي تلحق بالبنية التحتية، واتساع العجز المالي، قد يدفع الاقتصاد إلى أزمة كلية شاملة، تُجبر الدولة على الشروع في إعادة تشكيل عميقة لاقتصادها، بدلًا من الاكتفاء بإدارة الضغوط ضمن الإطار القائم.
لقد أظهرت إيران، على مدى أكثر من عقد، قدرة معتبرة على التكيّف اقتصاديًا مع العقوبات، عبر تطوير آليات التفاف سمحت لها بتفادي الانهيار الكامل. غير أن النزاع الراهن يضع هذا النموذج أمام اختباره الأكثر صعوبة؛ إذ يكشف احتمال أن الأدوات التي مكّنت الاقتصاد من الصمود تحت الضغط الاقتصادي قد لا تكون قادرة على الصمود بالقدر نفسه تحت ضغط الحرب المستدامة. وبهذا المعنى، لا تكشف الحرب الراهنة فقط حدود قدرة إيران على مقاومة العقوبات، بل تكشف أيضًا أن نموذج البقاء الاقتصادي الذي حافظ على الحد الأدنى من الاستمرارية طوال السنوات الماضية قد لا يكون قابلًا للاستمرار عندما يتحول الضغط من التقييد الاقتصادي إلى التعطيل المادي المباشر.
Iran News Update. “Iran’s Economic Outlook Darkens as IMF Warns of Stagnation, Soaring Inflation, and Deepening Deficits.” 2025. https://irannewsupdate.com/news/economy/irans-economic-outlook-darkens-as-imf-warns-of-stagnation-soaring-inflation-and-deepening-deficits/
International Monetary Fund. Iran: Macroeconomic Outlook 2025. Washington, DC: IMF, 2025. https://www.iranintl.com/en/202505141830
Khatinoglu, Dalga. “Iran Set for Soaring Inflation and Near-Zero Growth, Grim IMF Outlook Finds.” Iran International, May 15, 2025. https://www.iranintl.com/en/202505141830
Khatinoglu, Dalga. “Iran’s Economy Shrank Even before UN Sanctions Hit.” Iran International, September 26, 2025. https://www.iranintl.com/en/202509263596
Kiani, Amir, and Leila Rahimi. “Economic Sanctions and the Iranian Economy: Exchange Rates, Inflation, and Output.” arXiv, October 2021. https://arxiv.org/abs/2110.09400
Laudati, Dario, and M. Hashem Pesaran. “Identifying the Effects of Sanctions on the Iranian Economy Using Newspaper Coverage.” arXiv, October 4, 2021. https://arxiv.org/abs/2110.09400
Reuters. “Iranian Oil Flows through Strait of Hormuz Even as Gulf Neighbors’ Exports Shut.” March 11, 2026. https://www.reuters.com/business/energy/iranian-oil-flows-through-strait-hormuz-even-gulf-neighbors-exports-shut-2026-03-11/
Reuters. “Kharg Island Struck by U.S.; Is Key Hub for Iran Oil Exports.” March 14, 2026. https://www.reuters.com/business/energy/kharg-island-struck-by-us-is-key-hub-iran-oil-exports-2026-03-14/
Shokri, Umud. “Iran’s Oil Exports: Resilience Amid Sanctions and ‘Snapback’.” Stimson Center, October 2, 2025. https://www.stimson.org/2025/irans-oil-exports-resilience-amid-sanctions-and-snapback/
Here’s How Much Oil Is Being Shipped From Kharg Island. Wall Street Journal, March 2026. https://www.wsj.com/livecoverage/iran-war-us-israel-latest-news-2026/card/here-s-how-much-oil-is-being-shipped-from-kharg-island-rTfPKC39nEMTuR9bV9gK.
World Bank. Iran Country Overview. Washington, DC: World Bank, 2025. https://www.worldbank.org/en/country/iran/overview
تعليقات