منذ منتصف عام 2025، بدأت أعداد متزايدة من المؤسسات التي اندفعت نحو أتمتة الأعمال التي يؤديها البشر بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إعادة النظر في قراراتها. وتكشف تجارب بارزة، من بينها فورد موتور، وبنك الكومنولث الأسترالي (CBA)، وآي بي إم، وكلارنا، عن نمط متكرر: فقد أثبتت أنظمة الذكاء الاصطناعي كفاءة عالية في إنجاز المهام الروتينية ذات الأحجام الكبيرة، لكنها واجهت صعوبات في المهام التي تتطلب فهم السياق، والخبرة الضمنية، والتقدير الأخلاقي، والتعامل مع تفاعلات العملاء المعقدة. ولم يدفع ذلك هذه المؤسسات إلى التخلي عن الذكاء الاصطناعي، بل إلى إعادة إدماج العنصر البشري أو إعادة تصميم أدواره بما يحقق التكامل مع الأنظمة المؤتمتة.
وتذهب هذه الورقة إلى أن هذه التطورات لا تعني فشل الذكاء الاصطناعي، ولا تشير إلى انحسار موجة الأتمتة واسعة النطاق. بل إن البيانات الكلية لسوق العمل ترسم صورة معاكسة، إذ يواصل الذكاء الاصطناعي دفع الشركات إلى تقليص قواها العاملة في العديد من القطاعات. وما تكشفه التجارب السابقة، في المقابل، هو أن كثيرًا من المؤسسات التي بادرت إلى تبني هذه التقنيات بالغت في تقدير إمكانية أتمتة الوظائف بأكملها بأمان، بدلًا من أتمتة مهام محددة داخل تلك الوظائف. وهكذا، دخلت الشركات مرحلة من المراجعة وإعادة ضبط نماذجها التنظيمية، تعيد فيها رسم الحدود بين ما يمكن إسناده إلى الآلة بكفاءة، وما يظل بحاجة إلى الحكم والخبرة البشريين.
واستنادًا إلى دراسات حالات هذه الشركات، إلى جانب قاعدة أوسع من الأدلة التجريبية المستقاة من أورجفيو، وفورستر، وروبرت هاف، وكيرمايندز، وجارتنر، وماكينزي، تطرح هذه الورقة إطارًا تحليليًا يقوم على مفهوم "التكامل المشروط بطبيعة المهام". ووفق هذا الإطار، يتولى الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة المهام المعيارية والمتكررة والقابلة للتنبؤ، فيما يتركز الدور البشري في الإشراف المتخصص، ومعالجة الحالات الاستثنائية، والتحسين المستمر للأنظمة.
وفي الوقت نفسه، تبحث الورقة حدود انطباق هذا الإطار، إذ لم تمر جميع المؤسسات بمرحلة مماثلة من المراجعة وإعادة الضبط. فشركات مثل أمازون وسيلزفورس وشوبيفاي لم تشهد، وفق ما هو معلن، تراجعات مماثلة عن قرارات الأتمتة، وهو ما يشير إلى أن نتائجها قد تتباين تبعًا لخصائص القطاع، وتصميم سير العمل، ودرجة النضج المؤسسي، وسرعة تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما تقدم دولينجو وجي بي مورجان نموذجين لاستجابات مؤسسية مختلفة عن إعادة التوظيف المباشر، من بينها مراجعة السياسات وإعادة توزيع الموظفين داخل المؤسسة.
وتخلص الورقة في جوهرها إلى أن مستقبل العمل لن تحسمه، على الأرجح، أي من رؤي بين متطرفتين: إحلال الذكاء الاصطناعي محل البشر على نطاق واسع، أو مقاومة تبنيه. بل ستتوقف الميزة التنافسية، بصورة متزايدة، على قدرة المؤسسات على التمييز بدقة بين المهام التي يمكن أتمتتها وتلك التي تظل بحاجة إلى خبرة بشرية مستمرة، ثم إعادة تصميم العمل على نحو يحقق التكامل الفعّال بين الإنسان والآلة. ومن هذا المنطلق، ستكون المؤسسات الأقدر على النجاح هي تلك التي تتعامل مع تطبيق الذكاء الاصطناعي باعتباره مدخلًا لإعادة تصميم العمل والنموذج التنظيمي، لا مجرد وسيلة لخفض أعداد العاملين.
تعليقات