كتب بواسطة

تتجه روسيا إلى انتخابات مجلس الدوما بين 18 و20 سبتمبر 2026، في لحظة تختلف جذريًا عن تلك التي أحاطت بآخر انتخابات تشريعية. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، تواجه الدولة الروسية تداعيات اقتصادية وسياسية وأمنية متشابكة، فيما تواصل الحرب إعادة تشكيل البيئة التي يعمل في ظلها النظام السياسي الروسي. وتتنافس في الانتخابات عدة أحزاب، في مقدمتها حزب "روسيا الموحدة" الحاكم، الذي يتولى السلطة منذ عام 2001. وعلى السطح، لا تبدو الانتخابات مفتوحة على قدر كبير من عدم اليقين، ولا توحي موازين القوى القائمة بأن صناديق الاقتراع ستأتي بمفاجأة كبرى. لكن التركيز على النتيجة الانتخابية وحدها قد يحجب التحول الأهم الذي يجري في خلفية المشهد.

 

فالكرملين يعيد بهدوء تشكيل الخريطة السياسية الروسية. ويكشف صعود جيل من البيروقراطيين الشباب الموالين، والدفع بمساعدي الرئيس إلى أدوار أكثر حضورًا، والتوسع في دمج المحاربين القدامى في مؤسسات الحكم، عن تغييرات يتجاوز مداها بكثير مجرد تحديد تركيبة مجلس الدوما المقبل. ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال عن الفائز في انتخابات 2026 أقل أهمية من السؤال عما تُمهّد له هذه الانتخابات. فالمسألة لا تتعلق فقط بمن سيشغل مقاعد البرلمان، بل بطبيعة النظام السياسي الذي تستعد روسيا للمضي به إلى المرحلة المقبلة. ومع استمرار الحرب في إعادة تشكيل الدولة والنخبة والعلاقة بين الكرملين والمجتمع، قد يتحول مجلس الدوما الجديد إلى قاعدة لنظام سياسي لا تزال مرحلته الأكثر حسمًا في طور التشكل.

حين تمتد الحرب إلى الداخل الروسي

باتت الحرب في أوكرانيا العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل المشهد المحيط بانتخابات مجلس الدوما لعام 2026. فمع امتداد أمدها، أخذت تداعياتها تكتسب حضورًا متزايدًا داخل روسيا نفسها، سواء من خلال الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة، واضطراب إمدادات الوقود، والضغوط التي تطال القدرات العسكرية والصناعية، أو عبر انعكاساتها على شبه جزيرة القرم والبحر الأسود.

 

ومع هذه التطورات، لم تعد الحرب شأنًا تدور فصوله بعيدًا عن الحياة اليومية للروس، بل أصبحت آثارها أكثر اتصالًا بواقعهم المباشر. وفي موازاة ذلك، يتصاعد الاستياء في الداخل، بما يفرض ضغوطًا متزايدة على الحكومة ويجعل تداعيات الحرب عاملًا حاضرًا بصورة مباشرة في البيئة السياسية المحيطة بالانتخابات.

 

ولا تقف هذه الضغوط عند حدود المجتمع. فداخل دوائر الحكم نفسها، يؤدي استمرار الحرب، مقترنًا بالعقوبات الدولية والتراجع الاقتصادي والقمع واشتداد المنافسة على الموارد الشحيحة، إلى تعميق التوترات بين مكونات النخبة الحاكمة.

 

غير أن أعباء الحرب لا تقع على هذه النخبة بالقدر نفسه، ولا تتطابق مصالح مكوناتها إزاء استمرارها. فبينما يسعى بعض أعضائها إلى الحفاظ على النظام الأمني الذي ترسخ في ظل الحرب، يتحمل آخرون كلفة قاسية للعقوبات، وتزداد مصالحهم عرضة للتأثر بكيفية توزيع الموارد، فضلًا عن الضغوط المالية المتنامية.

 

ومن هنا، تتحول الضغوط التي تفرضها الحرب إلى مصالح متباينة داخل النخبة بشأن قضايا تتجاوز إدارة الصراع نفسه، بدءًا من الموقف من أمد الحرب وتوزيع الموارد، وصولًا إلى شكل بنية السلطة السياسية في المستقبل. وفي هذا السياق، يكتسب “التصدّع الصامت للنخبة” أهمية خاصة في فهم دلالات الانتخابات المقبلة، إذ يتجسد في اتساع نطاق الخلافات الداخلية حول إدارة الحرب وتراجع الثقة في الكفاءة الاستراتيجية لبوتين.

 

وبذلك، أصبح استياء النخبة أحد العوامل الرئيسية التي تلقي بثقلها على الاستعداد للانتخابات المقبلة، تغذيه مخاوف من أن تؤدي تداعيات الحرب إلى إضعاف المنظومة التي تكفل لأفرادها حماية ثرواتهم ونفوذهم وأمنهم. وفي ظل هذه البيئة، لا تقتصر إدارة الكرملين للمنافسة السياسية على تحجيم المعارضة من خارج منظومة الحكم، بل تمتد إلى مهمة أكثر حساسية في الداخل: إدارة الانقسامات المتنامية بين مكونات النخبة الحاكمة نفسها.

 

وفي هذا السياق، وُجهت إلى الحزب اتهامات بتلقي تمويل من جهات أجنبية، وانتهاك قوانين حقوق الطبع والنشر، والترويج لـ”التطرف”، وهي اتهامات وفرت المبرر لاستبعاده من الانتخابات. غير أن فهم إقصاء الحزب لا يكتمل عند حدود هذه المبررات القانونية. فموقفه المعارض للحرب، واعتماده المشاركة الانتخابية أساسًا بوصفها قناة قانونية يستطيع الروس من خلالها التعبير عن رفضهم لها، يمثلان عنصرين محوريين في تفسير استبعاده.

 

ويكشف إقصاء حزب “يابلوكو” بوضوح أين يرسم الكرملين حدود المنافسة السياسية المقبولة. فالحزب لم يكن مرشحًا لحصد عدد من المقاعد يكفي لتهديد هيمنة “روسيا الموحدة”؛ وإنما تكمن أهميته في قدرته على تجميع المشاعر المناهضة للحرب ومنحها صوتًا سياسيًا يمكن التعبير عنه عبر الانتخابات.

 

ومن هذه الزاوية، يحمل استبعاده دلالة تتجاوز الوزن الانتخابي للحزب نفسه، إذ يشير إلى تضاؤل مساحة القبول بالبدائل السياسية، حتى عندما تظل هذه البدائل رمزية ولا تشكل تهديدًا فعليًا لموازين القوى القائمة. وهكذا، أصبحت الحرب عاملًا يعيد تشكيل ما هو أعمق من نتائج الانتخابات نفسها؛ فهي لا تؤثر في هوية الفائزين فحسب، بل تسهم أيضًا في رسم حدود المنافسة السياسية وتحديد من يُسمح له أصلًا بالبقاء داخلها. وتمتد أهمية الانتخابات إلى إحدى السياسات الرئيسية التي يسعى بوتين إلى مواصلتها، والمتعلقة بخطته تجاه أوكرانيا وإدماج المناطق المحتلة ضمن الدولة الروسية.

 

وفي الواقع، بدأت انتخابات مجلس الدوما بالفعل في إرساء الأساس المؤسسي لهذه الخطة. فمن المقرر أن تشارك دونيتسك ولوهانسك وزابوريجيا وخيرسون في الانتخابات، بما يضعها داخل البنية الفيدرالية الروسية ذاتها التي تنظم المشاركة السياسية في بقية أنحاء البلاد.

 

ويجري إدماج هذه المناطق في النظام الانتخابي الفيدرالي من خلال ترتيبات خاصة تنظم عملية التصويت في ظل الأحكام العرفية، إلى جانب آليات أخرى تشمل إجراء الاقتراع على مدى عدة أيام وإتاحة التصويت الإلكتروني عن بُعد. وتمنح هذه الترتيبات موسكو وسيلة لمد الإجراءات الانتخابية الفيدرالية إلى المناطق المحتلة، بحيث تظهر مشاركتها في الانتخابات باعتبارها جزءًا من العمل الاعتيادي للمؤسسات الروسية، لا وضعًا استثنائيًا منفصلًا عنها.

 

وبذلك، تمضي موسكو في تطبيع وضع الأراضي المحتلة مؤسسيًا باعتبارها مناطق روسية، في إطار ما يوصف بـ”الاندماج في مرحلة ما بعد الحرب”. فمن خلال منح هذه المناطق موقعًا داخل النظام الانتخابي الفيدرالي، تقدمها موسكو بوصفها أجزاءً قائمة وفاعلة ضمن أراضيها، وتكرس هذا الوضع عبر الممارسة المؤسسية نفسها.

عُقدة الانتخابات

تمثل الجمعية الفيدرالية الروسية السلطة التشريعية في البلاد، وتتألف من مجلسين: مجلس أعلى هو “مجلس الاتحاد”، الذي يضطلع بمهام تمثيلية، ومجلس أدنى هو “مجلس الدوما”، الذي تتركز فيه الوظائف التشريعية الأساسية، بما في ذلك إقرار مشروعات القوانين وتوجيه الاتهامات إلى الرئيس تمهيدًا لإجراءات عزله. ومن هذه الزاوية، يحتل مجلس الدوما موقعًا حيويًا داخل بنية النظام. فأهميته لا تقتصر على ما يضطلع به من وظائف مؤسسية وتشريعية، بل تمتد إلى دوره ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام السياسي نفسه.

 

وتُجرى انتخابات مجلس الدوما كل خمس سنوات، فيما تهيمن القوى الموالية للكرملين إلى حد بعيد على المشهد السياسي. ويتصدر حزب “روسيا الموحدة” بنية النظام القائم، إذ يسيطر على 310 مقاعد من أصل 450 مقعدًا في مجلس الدوما، ويحكم في ائتلاف مع “الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي” (LDPR)، الذي يشغل 22 مقعدًا. وفي المقابل، يشغل “الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية” (CPRF) المعارض 56 مقعدًا، بينما يشغل حزب “الشعب الجديد” (NPP) 15 مقعدًا.

 

 

ولا تكمن الآلية الأهم التي يمارس من خلالها الكرملين نفوذه في فرز الأصوات بالضرورة، بقدر ما تكمن في مرحلة تسبق التصويت نفسه: اختيار المرشحين. فمن خلال التحكم فيمن يصل أصلًا إلى السباق الانتخابي، يستطيع الكرملين التأثير في تركيبة مجلس الدوما المقبل قبل أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع.

 

ويظهر هذا التوجه بوضوح في المساعي الرامية إلى دمج المحاربين القدامى سياسيًا ضمن ملامح النخبة الجديدة. ويتجسد أحد أبرز أدوات هذا المسار في برنامج “زمن الأبطال” (Vremya Geroev)، الذي أطلقه الكرملين لتوفير مسار رسمي يتيح للمحاربين القدامى تلقي التدريب والانتقال إلى تولي مناصب حكومية وإدارية.

 

وتتضح أهمية هذا التوجه بصورة أكبر في قرار حزب “روسيا الموحدة” الحاكم منح المحاربين القدامى أفضلية بنسبة 25% في النتيجة النهائية للتصويت. فمثل هذه الأفضلية تشير إلى مسعى لتحويل المشاركة في الحرب إلى تمثيل سياسي، بما قد يسهم في بناء قاعدة انتخابية جديدة لنخب مؤيدة للحرب.

 

لكن التدقيق في هوية من يُدرجون تحت صفة “المحاربين القدامى” يكشف صورة أكثر تعقيدًا. فقد أفادت تقارير بأن كثيرًا منهم ينتمون أصلًا إلى النخب السياسية أو الإدارية القائمة، وأن خدمتهم العسكرية اقتصرت على فترات قصيرة نسبيًا، تراوحت في الغالب بين ثلاثة وستة أشهر، وفي وحدات عسكرية متمركزة في المناطق الخلفية.

 

ومن ثم، قد لا يعني مشروع “النخبة الجديدة” الذي يدفع به الكرملين إحلال أعداد كبيرة من المحاربين القدامى الذين خدموا فعليًا على خطوط المواجهة محل النخب القائمة، بقدر ما قد يعني إعادة تقديم بعض أفراد هذه النخب نفسها بعد إكسابهم رصيدًا عسكريًا يضفي عليهم صفة جديدة. وبهذا المعنى، يسعى الكرملين إلى استثمار الرصيد المرتبط بالمشاركة في الحرب وتحويله إلى رأس مال سياسي، بما قد يفضي إلى نشوء طبقة سياسية جديدة تستمد موقعها وشرعيتها من تجربة الحرب.

 

ويبدو، من ثم، أن ما يجري يتجاوز مجرد إدخال عدد من المحاربين القدامى إلى المؤسسات السياسية. فالكرملين يمهد لتكوين طبقة سياسية مرتبطة بالحرب، وإعادة تشكيل نخبة تظل مصالحها مرتبطة باستمرار نظام طالما حافظ على تلك المصالح. وهنا يفتح إضفاء الطابع المؤسسي على البعد الأمني والشرعية المستمدة من الحرب الباب أمام سؤال أوسع يتجاوز انتخابات 2026 نفسها: هل يصمم بوتين مجلس الدوما بما يلائم روسيا التي يحكمها اليوم، أم بما يلائم روسيا التي ستبقى بعد رحيله؟

نظام سياسي جديد أم روسيا نفسها بعد بوتين؟

آلية الخلافة: فاقمت التداعيات الممتدة للحرب، ومصادرة الأصول، واحتدام المنافسة بين مكونات النخبة على توزيع الموارد المحدودة، حاجة الكرملين إلى إدارة مسألة الخلافة على نحو يضمن انتقال السلطة من دون أن يهتز النظام السياسي الذي يحمي مصالح النخب القائمة. وفي هذا السياق، قد تتحرك مقاربة الكرملين عبر ثلاثة مسارات متداخلة، يجمع بينها هدف واحد: تمكين النظام من إعادة إنتاج نفسه والحفاظ على استمراريته.

 

يتمثل المسار الأول في “مسار التوريث النخبوي”، الذي يقوم على الدفع تدريجيًا بأبناء الجيل الثاني من العائلات والشبكات المنتمية إلى النخبة الراسخة نحو مواقع سياسية وإدارية وحكومية. وبهذه الآلية، تستطيع النخب الحالية نقل جانب من نفوذها وثرواتها وشبكات ارتباطها بالمؤسسات إلى الجيل التالي، بما يضمن استمرار حضورها عبر الأجيال.

 

أما المسار الثاني، فهو “مسار التكنوقراط الأمني”، ويقوم على ترقية شخصيات موثوقة وموالية من داخل الإدارة الرئاسية والأجهزة الأمنية، بما في ذلك جهاز الأمن الفيدرالي (FSB) والحرس الوطني الروسي (Rosgvardia)، والدفع بها إلى مواقع حكام الأقاليم والمناصب الوزارية، وربما إلى عضوية مجلس الدوما.

 

ومن شأن هذا المسار أن يتيح للكرملين إعادة إنتاج نموذجه السياسي عبر جيل أصغر سنًا، لا يستمد فرص صعوده من منافسة انتخابية مستقلة بقدر ما يستمدها من الثقة التي يحظى بها داخل النظام والولاء له. وبذلك، يكون التجديد في الأشخاص والأجيال، بينما تظل القاعدة التي تحكم الوصول إلى السلطة على حالها.

 

أما المسار الثالث، فهو “مسار ازدواج السلطة”، وفيه يحتفظ بوتين بقدر كبير من النفوذ الاستراتيجي، بينما ينقل المسؤوليات التنفيذية والإدارية الرسمية إلى جيل أصغر سنًا يحظى بثقته. وقد يتيح هذا الترتيب انتقالًا منضبطًا للسلطة، لكنه يحمل في الوقت نفسه بذور تنافس محتمل داخلها. فمع مرور الوقت، قد يبدأ الخلفاء في بناء شبكات مؤسسية خاصة بهم وتطوير مصالح مستقلة، بما يمهد لظهور مراكز قوى متنافسة. وفي مثل هذه الظروف، قد تتجاوز هذه المراكز حدود التنافس داخل النظام لتصبح قادرة على تحدي النظام السياسي القائم نفسه.

 

ومن ثم، تتركز جهود الحفاظ على استمرارية النظام على انتخابات مجلس الدوما بوصفها إحدى الأدوات التي يمكن من خلالها إعداد جيل جديد يتبنى القناعات والمبادئ ذاتها، بما يهيئ للنظام أسباب الاستمرار لعقود مقبلة. ويتمثل المؤشر الأبرز على هذا التوجه في توظيف انتخابات الدوما لإعادة تشكيل حزب “روسيا الموحدة” نفسه، عبر الدفع بالمحاربين القدامى والبيروقراطيين الشباب إلى صفوفه، بالتوازي مع حظر الأحزاب المناهضة للحرب. وبهذا المعنى، لا تقتصر أهمية الانتخابات على إعادة توزيع المقاعد، بل تمتد إلى إعادة تشكيل القاعدة البشرية والسياسية التي يستند إليها الحزب الحاكم.

 

وحتى إذا تراجعت شعبية حزب “روسيا الموحدة”، أو أصابه الضعف سياسيًا، أو انتهى به الأمر إلى الحل، فقد تبقى نواته الموالية ومبادئ الحكم التي يقوم عليها حاضرة داخل كيان سياسي يعاد تقديمه تحت هوية جديدة. ففي مثل هذا السيناريو، قد يتغير اسم الحزب أو هيكله أو صورته أمام الجمهور، بينما يظل جانب كبير من نخبته السياسية ومرتكزاته الأيديولوجية قائمًا.

 

وعلى هذا الأساس، لا يبدو أن الكرملين يعد فقط لترتيبات تضمن بقاء حزب بعينه، بل يعمل على بناء هيكل مؤسسي أوسع يتيح للنظام القائم إعادة إنتاج نفسه بعد بوتين. فالأسماء والهياكل الحزبية قد تتغير، بينما تظل آليات الحكم والنخب الموالية والمبادئ التي يقوم عليها النظام قابلة للاستمرار.

 

وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة لعدة اعتبارات. فهي أول انتخابات برلمانية تُجرى منذ اندلاع الحرب مع أوكرانيا، كما أنها تأتي في وقت يجري فيه توظيف العملية الانتخابية لترسيخ النظام السياسي لمرحلة ما بعد بوتين، أو لإعادة تشكيل ترتيبات السلطة بما يتلاءم مع تلك المرحلة.

 

ومن هذه الزاوية، تصبح انتخابات مجلس الدوما جزءًا من آلية إدارة الخلافة داخل نظام بوتين. فالمجلس الذي سينتخب في عام 2026 ستستمر ولايته حتى 2030 أو 2031، ما يعني أنه سيظل قائمًا خلال الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2030، وهي محطة تضعه في قلب المرحلة التي قد تتبلور خلالها ترتيبات الخلافة.

 

وفي هذا السياق، ليس مطلوبًا من مجلس الدوما أن يختار خليفة بوتين. لكن وظيفته الأكثر أهمية قد تتمثل في ضمان استمرارية المؤسسات والحفاظ على شرعيتها خلال مرحلة قد تشهد قدرًا من عدم الاستقرار.

 

ويمكن لمجلس الدوما كذلك أن يشكل إحدى الأدوات المؤسسية لاحتواء “التفكك الصامت للنخبة”. فقد راكمت دوائر “السيلوفيكي”، أي النخب المرتبطة بأجهزة الأمن والقوة، في عهد بوتين نفوذًا واسعًا ومتجذرًا داخل المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية الروسية. ومن ثم، يبدو من غير المرجح، في المدى القريب، أن يتمكن جيل جديد من الصعود بصورة مستقلة ثم تحدي مراكز النفوذ الراسخة لهذه الدوائر.

 

والأرجح أن يأتي التجدد الجيلي من داخل المنظومة الأمنية القائمة نفسها، لا من خارجها. فقد يتولى كبار المسؤولين الأمنيين إعداد شخصيات أصغر سنًا وأكثر ولاءً والدفع بها تدريجيًا إلى مواقع متقدمة، بحيث ترث بمرور الوقت مناصبهم وشبكاتهم ومصادر نفوذهم. وعلى المدى الطويل، قد يتيح هذا المسار انتقالًا سلسًا للسلطة بين الأجيال، من دون أن يعني ذلك تحولًا مماثلًا في طبيعة المنظومة نفسها. فالوجوه والأجيال قد تتغير، بينما تظل العقيدة المؤسسية والسياسية للمؤسسة الأمنية قائمة ومستمرة.

 

وفي هذا السياق، يمكن أن يصبح مجلس الدوما إحدى ساحات فرز وإعداد الجيل التالي من النخبة. فالمرشحون الذين يقع عليهم الاختيار أو يحظون بدعم النظام قد يشقون، على المدى الطويل، طريقهم من المجلس إلى الدائرة الداخلية للكرملين، بعد إثبات ولائهم المطلق لنظام بوتين. وبهذه الآلية، يمكن أن يتجدد شاغلو مواقع السلطة مع بقاء مصالح “السيلوفيكي” مصونة. غير أن هذا المسار لا يخلو من مصدر محتمل للصراع؛ فالحرب نفسها قد تتحول إلى نقطة خلاف داخل هذه الترتيبات.

 

فعلى الرغم من أن هذه العملية تسعى إلى الإسهام في تشكيل جيل جديد من “السيلوفيكي” المؤيدين للحرب، على غرار الجيل الحالي، فقد تجد بعض النخب نفسها، في نهاية المطاف، أكثر ميلًا إلى إنهاء الحرب إذا أخذ استمرارها يلحق مزيدًا من الضرر بمصالحها. ومن شأن ذلك أن يغذي مجددًا “التفكك الصامت للنخبة” الذي سعت هذه الاستراتيجية، في الأصل، إلى احتوائه.

 

ومع ذلك، يظل ولاء “السيلوفيكي” مرتبطًا بنظام يوفر لهم السلطة والنفوذ والأمن. ومن المرجح أن يقلل هذا الارتباط من احتمالات حدوث تصعيد كبير بين الجيلين القديم والجديد من هذه النخبة الأمنية. ومن ثم، لا تكمن الأهمية الأساسية لانتخابات مجلس الدوما في اختيار خليفة لبوتين، بل في بناء كتلة جديدة من النخب، تضم مساعدين شبابًا ومحاربين قدامى، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنظام بوتين وتدين له بالولاء. ومن هذه الزاوية، يمكن للانتخابات أن تضع أسس استقرار النظام واستمراريته على المدى الطويل.

 

وحتى إذا تغير الأشخاص الذين يشغلون المواقع المؤسسية في مرحلة ما، ولا سيما في ظل التقلبات التي تفرزها الحرب، فإن الأسس السياسية للسلطة تظل متمحورة حول بوتين والنظام الذي بناه. وبذلك، يصبح بقاء النظام ممكنًا حتى مع تغير الأشخاص الذين يتولون مواقع السلطة داخله.

معضلة الخلافة: تواصل الدائرة المقربة من الكرملين إدارة الحكم من خلال عملية مستمرة لتدوير النخب وتجديدها، يتولى فيها الجيل الأقدم من “السيلوفيكي” إعداد بيروقراطيين ومساعدين وشخصيات موالية من جيل أصغر، يجري اختيارهم بعناية ودعمهم تمهيدًا لتولي مواقع المسؤولية مستقبلًا. ومن داخل هذه العملية، قد يتبلور نموذجان مختلفان لانتقال السلطة وتداول النفوذ بين أجيال النخبة.

 

في النموذج الأول، يجري استقطاب نخبة جديدة وتصعيدها تدريجيًا حتى تصبح هي الدائرة المقربة الجديدة من الكرملين، ثم يخلف أحد أفرادها بوتين في نهاية المطاف، من دون أن يفضي تغير القيادة إلى تغيير النظام السياسي القائم. أما النموذج الثاني، فينطوي على مسار أكثر تعقيدًا. إذ تُدمج هذه الشخصيات في الأجهزة الأمنية أو ترتبط بها، لكنها قد تكتسب بمرور الوقت قدرًا متزايدًا من الاستقلال، إلى أن تنفصل عن الأجهزة القائمة أو حتى تتمكن من السيطرة عليها.

 

وعندئذ، قد تبدأ في بناء قاعدة مؤسسية مستقلة لقوتها، إلى جانب شبكاتها وعقيدتها الخاصة. وهنا تبرز معضلة أكبر: احتمال اندلاع صراع على السلطة بين جناح شاب ومستقل تحول إلى مركز قوة قائم بذاته، وبين ما تبقى من الولاءات المرتبطة بجناح بوتين. وهكذا، تنطوي استراتيجية الكرملين لإدارة النخب على مفارقة كامنة؛ فالآلية المصممة لضمان استمرارية النظام قد تفضي، من دون قصد، إلى نشوء جيل جديد من “السيلوفيكي” يتحول هو نفسه إلى مركز قوة مستقل عن نظام بوتين.

 

وبالنسبة إلى بوتين، لا يتعلق الأمر بالحفاظ على النظام فحسب، بل ببقائه السياسي أيضًا، وهو بقاء يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستمراره في السلطة واستمرار النظام الذي يقوم عليه. ومن هنا يبرز السؤال الحاسم في معضلة الخلافة: هل سيظل هؤلاء الموالون من الجيل الأصغر معتمدين على سلطة بوتين الشخصية، أم سيتمكنون بمرور الوقت من بناء قواعد مؤسسية مستقلة لنفوذهم، ولا سيما داخل الأجهزة الأمنية؟ فالاحتمال الثاني قد يحول انتقالًا للسلطة كان يراد له أن يظل منضبطًا إلى صراع فعلي على الخلافة.

 

وفي الختام، تكشف هذه القراءة أن أهمية مجلس الدوما لا تقتصر على وظيفته التشريعية أو على نتائج انتخابات 2026 في حد ذاتها، بل تمتد إلى الدور الذي قد يؤديه في تشكيل جيل من النخب تصبح السياسات الأمنية للنظام، بما فيها الحرب، أكثر رسوخًا واعتيادًا في أوساطه، بما يسهم في إضفاء الشرعية على السياسات التي يتبناها الكرملين على نطاق واسع.

 

ومن هذه الزاوية، قد يتحول مجلس الدوما إلى إحدى أدوات إدارة الخلافة داخل النظام، والتعامل مع الصراع بين النخب المرتبطة بالمؤسسات المدنية والأجهزة الأمنية، والحفاظ على الاستمرارية السياسية. ولذلك، تمثل انتخابات مجلس الدوما لعام 2026 حلقة ضمن عملية أوسع يعيد الكرملين من خلالها تنظيم النظام السياسي الروسي، ويعمل على ضمان بقاء المؤسسات الرئيسية موالية لمركز السلطة.

 

وفي ضوء ذلك، من غير المرجح أن تفضي هذه الانتخابات إلى انقسام سياسي جذري. والأرجح أن تعزز الأسس المؤسسية لنظام بوتين، وأن توفر منصة لدمج جيل جديد من الموظفين الحكوميين الشباب والمحاربين القدامى والشخصيات المرتبطة بالأجهزة الأمنية تدريجيًا في صفوف النخبة الحاكمة. وقد يجعلها ذلك أيضًا آلية مهمة للحفاظ على تماسك النخبة والاستمرارية السياسية خلال أي انتقال محتمل للسلطة في سياق الانتخابات الرئاسية لعام 2030.

 

غير أن الاستراتيجية التي يعتمدها الكرملين تنطوي في الوقت نفسه على مكمن ضعف بنيوي. فإقصاء القوى السياسية المعتدلة والمناهضة للحرب، مقابل تفضيل قوى تزداد تشددًا وتأييدًا لها، قد يقود إلى نخبة حاكمة أكثر جمودًا وأقل قدرة على التفاوض أو التطور. وإذا أصبحت تكاليف الحرب عصية على التحمل بصورة متزايدة قبل عام 2030، فقد يجد الكرملين نفسه أمام نخبة يحد جمودها من قدرته على التفاوض أو خفض التصعيد.

 

وهنا تبرز المفارقة الأعمق في عملية إعادة إنتاج النظام: فالآليات التي يراد منها ضمان بقائه واستمراريته قد تنتهي إلى إعادة إنتاج نظام هش، تتراجع قدرته على إدارة الضغوط المتصاعدة وإظهار ما يلزم من مرونة وقدرة على الصمود. وعندئذ، يصبح الحفاظ على عقيدة النظام ونموذج حكمه أولوية تتقدم على تجنيب البلاد مزيدًا من الأضرار.

المراجع

——. “Russian Supreme Court Bars Yabloko Party From State Duma Elections.” The Moscow Times. August 10, 2026. https://www.themoscowtimes.com/2026/08/10/russian-supreme-court-bars-yabloko-party-from-election-a93452

 

Elliott, Bethany. “Kremlin Uses ‘Time of Heroes’ Program to Ensure Loyalty of Ambitious Veterans.” Jamestown. May 22, 2025. https://jamestown.org/kremlin-uses-time-of-heroes-program-to-ensure-loyalty-of-ambitious-veterans/

 

NEST Centre. “Encountering turbulence: How war is shaping the Russian State Duma elections.” New Eurasian Strategies Centre. June 22, 2026. https://nestcentre.org/encountering-turbulence-how-war-is-shaping-the-russian-state-duma-elections/

 

NEST Centre. “What to expect from Russia’s 2026 elections.” New Eurasian Strategies Centre. February 1, 2026. https://nestcentre.org/how-the-kremlin-is-preparing-for-the-2026-state-duma-elections/

 

Noble, Ben, and Nikolai Petrov. “The meaning of September’s State Duma elections.” New Eurasian Strategies Centre. July 8, 2026. https://nestcentre.org/the-meaning-of-septembers-state-duma-elections/

 

Paneyakh, Ella, and Nikolai Petrov. “Power and Society in Russia: The Political Transformation Index.” New Eurasian Strategies Centre. July 7, 2025. https://nestcentre.org/power-and-society-in-russia-2025/

 

Pastukhov, Vladimir, and Nikolai Petrov. “Transition without a successor: The transformation of Putin’s regime.” New Eurasian Strategies Centre. September 16, 2025. https://nestcentre.org/transition-without-a-successor/

 

Prokopenko, Alexandra. “Loyal but Powerless: The Downgrading of Russia’s Elite.” Carnegie Russia Eurasia Center. June 17, 2026. https://carnegieendowment.org/russia-eurasia/research/2026/06/russia-elites-political-overview

 

REM. “Russian Election Monitor: Update on Preparations for the State Duma Vote.” European Platform for Democratic Elections (epde). June 15, 2026. https://epde.org/?news=russian-election-monitor-update-on-preparations-for-the-state-duma-vote

 

Rivera, David W., and Sharon Werning Rivera. 2018. “The Militarization of the Russian Elite under Putin: What We Know, What We Think We Know (but Don’t), and What We Need to Know.” Problems of Post-Communism 65 (4): 221–32. doi:10.1080/10758216.2017.1295812.

 

Storyev, Dan. “Russia’s State Duma Elections Are for Show. But They’re Still Worth Paying Attention To.” The Moscow Times. August 10, 2026. https://www.themoscowtimes.com/2026/08/10/russias-state-duma-elections-are-for-show-but-theyre-still-worth-paying-attention-to-a93448

 

The State Duma. “Factions.” Accessed August 25, 2026. http://duma.gov.ru/en/duma/factions/

 

Wiswesser, Sean. “After the War and After Putin: Three Potential Succession Scenarios for Russia’s Modern Tsar.” The CIPHER Brief. March 12, 2026. https://www.thecipherbrief.com/after-the-war-after-putin

 

Центральной избирательной комиссии Российской Федерации. “Постановление Центральной избирательной комиссии Российской Федерации от 17 июня 2026 г. № 9/89-9 “О проведении выборов депутатов Государственной Думы Федерального Собрания Российской Федерации девятого созыва на части территории Российской Федерации, на которой введено военное положение”.” Accessed August 25, 2026. https://base.garant.ru/414402161/

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *