كتب بواسطة

تُعدّ الصين الفاعل المهيمن في صناعة العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، بما يرسّخ موقعها في صلب واحدة من أكثر الصناعات حساسية في الاقتصاد العالمي المعاصر. فبحلول عام 2025، كانت تسيطر على "نحو 61% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة و92% من عمليات معالجتها"، وهو ما يعكس تركيزًا ملحوظًا في سلاسل الإمداد المرتبطة بهذه الموارد الاستراتيجية. وفي مواجهة هذا الواقع، سارعت دول وقوى اقتصادية عدة إلى تعزيز قدراتها الوطنية في هذا القطاع، سعيًا إلى تقليص اعتمادها على الصين، سواء في المواد الخام أو المنتجات المعالجة. وفي هذا السياق، كثّفت دول مجلس التعاون الخليجي، انسجامًا مع رؤاها الوطنية لعام 2030، استثماراتها في استخراج هذه العناصر ومعالجتها، في مسعى إلى تنويع قواعدها الاقتصادية وتعزيز حضورها في سوق ما تزال الصين تمسك بمفاصله الرئيسية. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تقييم فرص صعود الخليج كمورّد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، من خلال تحليل دوافع هذا التوجه، ومدى قابليته للتحقق، فضلًا عن التحديات التي قد تواجه دول المجلس في مسار الانخراط في هذا السوق الاستراتيجي.

دوافع التحول الخليجي إلى مورّد

ينبع توجه دول مجلس التعاون الخليجي نحو التحول إلى مورّد في سوق العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة من اعتبارات تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر، لتشمل رهانات جيوسياسية واستراتيجية أوسع. ويمكن ردّ هذا التوجه إلى دافعين رئيسيين: أولهما سعي الخليج إلى ترسيخ موقعه بوصفه مساحة موثوقة ومحايدة ضمن سلاسل الإمداد العالمية، وثانيهما طموحه إلى التمركز كقوة صاعدة في اقتصاد الطاقة النظيفة.

 

وفيما يتعلق بالدافع الأول، برزت دول الخليج في الحسابات الأمريكية كشريك ملائم في قطاع العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، في ظل المساعي الأمريكية لإعادة توزيع شبكات التوريد وتقليص الاعتماد على الصين. فالدافع الأساسي وراء التعاون الأمريكي الخليجي في هذا المجال يتمثل في رغبة واشنطن في تنويع شراكاتها الاستراتيجية بعيدًا عن الهيمنة الصينية، بما يخفف من درجة الارتهان لمورد واحد، ويعزز في الوقت ذاته قدرتها على بناء منظومة أكثر صلابة لأمن المعادن الحرجة.

 

أما من الجانب الخليجي، فلا يقتصر الأمر على الاستجابة لطلب خارجي، بل يرتبط أيضًا بحسابات تنموية واستثمارية خاصة بالمنطقة. إذ تنظر دول المجلس إلى هذا القطاع باعتباره مدخلًا لتعزيز حضورها في سلاسل القيمة العالمية، من خلال الاستثمار في “أصول التعدين والتكرير والمعالجة على المستوى العالمي”، بما يتيح لها تنويع سلاسل الإمداد الإقليمية وتوسيع دورها كمورّد صاعد في واحدة من أكثر الصناعات الاستراتيجية تنافسًا خلال العقود المقبلة.

 

ولا يقتصر الدور الخليجي المحتمل في هذا القطاع على الشراكة مع الولايات المتحدة، بل يمتد أيضًا إلى إمكانية التموضع كمساحة محايدة في سوق العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة من خلال الانفتاح على التعاون مع الصين. وتكتسب هذه الفرضية وجاهتها في ضوء اتجاه بكين إلى تنويع استراتيجيتها المعدنية عالميًا، بالتوازي مع استمرارها في تقييد الانخراط الأجنبي داخل قطاعها التعديني المحلي، حمايةً لاحتياطاتها الوطنية من ضغوط المنافسة الخارجية.

 

وفي ظل هذا التوجه، تتزايد حاجة الشركات الصينية إلى التوسع الخارجي عبر الاستثمار في تطوير المعادن الحرجة خارج السوق المحلية، بما يسمح لها بتأمين مصادر إضافية للإمداد دون استنزاف قاعدتها الداخلية. وهنا تبرز دول الخليج بوصفها مساحة وسيطة قابلة للتموضع بين مراكز التنافس الكبرى، بما يتيح لها استيعاب هذا النوع من الشراكات ضمن مقاربة تقوم على المصالح المتبادلة لا الاصطفاف الحاد. ومن هذا المنظور، يمكن لشراكة خليجية صينية محتملة أن تفتح المجال أمام مسارات متعددة للتعاون في تطوير المعادن الحرجة، تشمل تبادل المعرفة، وتطوير القدرات التكنولوجية، وتعميق تكامل سلاسل الإمداد. كما قد يسهم هذا المسار في دعم الطموح الخليجي للتحول إلى مورّد فاعل في اقتصاد الطاقة النظيفة، في الوقت الذي يمنح الصين منفذًا إضافيًا لتوسيع حضورها الخارجي في قطاع العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة.

 

وفي المقابل، ورغم ما تبديه دول مجلس التعاون الخليجي من طموح للتموضع كمورّد محايد للعناصر الأرضية النادرة المكررة، فإن هذا التوجه لا يمكن فصله عن هدف استراتيجي أوسع يتمثل في السعي إلى التحول من مُنتج تقليدي للطاقة إلى قوة فاعلة في اقتصاد الطاقة النظيفة. فانتقال الخليج من النفط إلى الطاقة النظيفة لا يعبّر فقط عن رغبة في تنويع القاعدة الاقتصادية، بل يعكس، في جوهره، محاولة لإعادة تثبيت موقعه داخل منظومة الطاقة العالمية في مرحلة ما بعد النفط. وتتجلى هذه المقاربة بوضوح في اتجاه دول الخليج إلى بناء قواعد صناعية متخصصة في القطاعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، وهي قطاعات تعتمد بطبيعتها على تدفقات مستقرة من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة. وفي هذا السياق، تبرز عناصر مثل الليثيوم بوصفها مكوّنًا حاسمًا في تصنيع بطاريات المركبات الكهربائية، التي تمثل إحدى الركائز الأساسية في البنية الصناعية والتكنولوجية للتحول العالمي في مجال الطاقة.

 

وعلى هذا الأساس، لا ينفصل السعي الخليجي إلى أن يصبح مورّدًا للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة عن رغبته في الحفاظ على موقعه الاستراتيجي داخل خريطة الطاقة العالمية الجديدة. فمع تزايد الاعتقاد بأن بعض هذه العناصر، وفي مقدمتها الليثيوم، مرشحة لاكتساب أهمية جيوسياسية ومكانة استراتيجية تضاهي، في كثير من جوانبها، المكانة التي احتفظ بها النفط خلال العقود الماضية، يبدو هذا التوجه أقرب إلى إعادة تموضع استراتيجي منه إلى مجرد تنويع اقتصادي.

 

فرص تحقق هذا التوجه

تبدو المملكة العربية السعودية، من بين دول مجلس التعاون الخليجي، الطرف الأكثر تأهيلًا لقيادة الانخراط الخليجي في سوق العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، بحكم ما تمتلكه من قاعدة معدنية هي الأكبر إقليميًا. ويزداد هذا الاحتمال واقعية في ضوء التحول المتسارع الذي يشهده قطاع التعدين السعودي، والذي لم يعد يُنظر إليه بوصفه قطاعًا هامشيًا، بل كأحد الرهانات الرئيسية في إعادة تشكيل البنية الاقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة. وتنسجم هذه المقاربة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تتوقع ارتفاع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 17 مليار دولار إلى 75 مليار دولار، في وقت عززت فيه الاكتشافات الجديدة تقديرات القيمة الإجمالية للثروات المعدنية إلى نحو 2.5 تريليون دولار.

 

وتزداد أهمية هذا المسار بالنظر إلى ما تشير إليه التقديرات المتداولة بشأن امتلاك المملكة احتياطيات من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة والخفيفة على السواء، بما يمنحها قاعدة موارد ذات قيمة متزايدة في صناعة تتصاعد أهميتها عالميًا. وتورد بعض التقديرات الحديثة أن السعودية تمتلك نحو 3.2 مليون طن متري من العناصر الأرضية النادرة، بما يعادل قرابة 1.5% من الاحتياطيات العالمية، كما تنسب إلى رواسب جبل صايد احتياطيات تُقدَّر بنحو 552 ألف طن متري من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة و355 ألف طن متري من العناصر الخفيفة. غير أن المراجع الجيولوجية الدولية التي راجعتها تدعم بوضوح توصيف جبل صايد بوصفه رواسب معدنية حاوية للعناصر الأرضية النادرة، بينما لا تثبت بنفس الصيغة التفصيلية جميع هذه الأرقام؛ لذلك يبقى الأدق عرضها باعتبارها تقديرات حديثة متداولة لا حقائق جيولوجية نهائية محسومة.

 

كما تسعى المملكة العربية السعودية إلى توسيع شراكاتها الخارجية، ولا سيما في أفريقيا والصين، في المجالات المرتبطة بالتعدين والمعالجة. ويتضح ذلك في خططها لاستثمار نحو 15 مليار دولار في قطاع التعدين داخل دول أفريقية مثل غينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وناميبيا، إلى جانب تفاوضها مع شركة BYD الصينية بشأن مشروع لإنشاء أكبر مركز لتخزين البطاريات النظيفة في العالم. ومن خلال هذه الشراكات الخارجية، تعزز السعودية قدرتها على ترسيخ موقعها كفاعل مؤثر في صناعة العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، ضمن رؤية تستهدف التحول إلى مورّد موثوق لهذه الموارد الاستراتيجية.
غير أن الصورة الخليجية لا تبدو متجانسة بالدرجة نفسها، فبينما تمتلك السعودية قاعدة واعدة من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة غير المستغلة، لا ينطبق الأمر ذاته على بقية دول مجلس التعاون، وهو ما يرتبط بدرجة كبيرة بمحدودية التكوينات الجيولوجية في معظمها. ومع ذلك، لم تتحول هذه القيود إلى عائق، بل إلى محفّز لاعتماد مقاربة بديلة تقوم على تأمين المواد الخام من الخارج ومعالجتها محليًا.

 

ويبرز هذا التوجه بوضوح في حالة دولة الإمارات العربية المتحدة، التي استثمرت نحو 1.1 مليار دولار في أنشطة تعدين مرتبطة بالنحاس في زامبيا، إلى جانب امتلاكها حصصًا في مناجم داخل جمهورية الكونغو الديمقراطية لتأمين مدخلات سلاسل الإمداد الخاصة بها. كما وسّعت الإمارات حضورها الاستثماري في مواقع تعدين متعددة حول العالم، شملت زيمبابوي في الليثيوم، وبيرو في النحاس، وكينيا في التنتالوم، فضلًا عن باكستان في البوكسيت، بما يعكس استراتيجية واضحة لتأمين مصادر خارجية للمواد الخام، تمهيدًا لإعادة توظيفها ضمن أنشطة المعالجة والتصنيع محليًا.

 

وفي المقابل، تراهن الإمارات على تعزيز تموضعها في هذه الصناعة عبر حلقة المعالجة، تعويضًا لمحدودية احتياطياتها المحلية من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة. ويتجسد هذا التوجه في خططها لتشييد مصنع لمعالجة الليثيوم داخل المنطقة الحرة التابعة لمناطق خليفة الاقتصادية أبوظبي، وهو مشروع تزداد أهميته بالنظر إلى الدور المحوري لليثيوم في تصنيع بطاريات المركبات الكهربائية.

 

ولا يقتصر التحرك الإماراتي على توسيع قاعدته الصناعية، بل يمتد أيضًا إلى الاستثمار في تقنيات معالجة متقدمة تتيح فصل العناصر الأرضية النادرة بكفاءة أعلى وبأثر بيئي أقل، بما يحدّ من النفايات الناتجة ويخفض احتياجات التشغيل. ويمنح هذا المسار الإمارات أفضلية نسبية داخل الخليج في مجال المعالجة، ويعزز قدرتها على شغل موقع متقدم في إحدى أكثر حلقات هذه الصناعة قيمة، رغم محدودية مواردها الخام.

 

ولا يقتصر الحراك الخليجي في هذا القطاع على السعودية والإمارات، إذ تسعى كلٌّ من عُمان وقطر أيضًا إلى بناء موضع لها في سباق العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، وإن عبر مسارات متفاوتة. ويعكس هذا التباين اختلافًا في مقاربة كل منهما؛ فبينما تميل قطر إلى التركيز على الاستثمار الخارجي في الأصول والاحتياطيات، على نحو يقترب من النموذج الإماراتي، تتجه عُمان إلى إعطاء أولوية أكبر لأنشطة الاستكشاف والتعدين داخل حدودها، في مسار أقرب إلى المقاربة السعودية.

 

وفي هذا السياق، وقّعت قطر شراكة بقيمة 180 مليون دولار مع شركة TechMet الأمريكية بهدف توسيع قدراتها الإنتاجية، في حين خصّصت عُمان نحو 500 مليون دولار لقطاع التعدين، مع تركيز واضح على أنشطة الاستكشاف والتطوير. ويعكس هذا المسار المزدوج أن الانخراط الخليجي في هذا السوق لا يتحرك وفق نموذج واحد، بل يتشكل عبر مقاربات متعددة تتراوح بين تأمين الموارد من الخارج وبناء القاعدة الاستخراجية محليًا.

 

وتتفاوت قابلية تحقق الطموحات الخليجية في مجال العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة من دولة إلى أخرى، تبعًا لاختلاف قاعدة الموارد ومسارات الاستثمار والبنية الصناعية المتاحة. ووفقًا لهذه المعطيات، تبدو الطموحات السعودية الأكثر قابلية للتحقق، بالنظر إلى امتلاك المملكة أكبر احتياطيات ورواسب من هذه الموارد على مستوى المنطقة. فوجود هذه الاحتياطيات والرواسب يمنح السعودية قاعدة معدنية غير مستغلة بعد على نحو كامل، وهو ما يوفّر لها أفضلية واضحة، سواء على مستوى توريد المواد الخام أو على صعيد تطوير قدراتها في إنتاج المواد المعالجة. ومن ثم، تبدو المملكة الأقرب خليجيًا إلى الجمع بين المقومات الجيولوجية والإمكانات الصناعية اللازمة للتموضع كمورّد مؤثر في هذا القطاع.

 

ومع ذلك، فإن هذه القابلية لا تنسحب بالدرجة نفسها على بقية دول مجلس التعاون. فبينما تبدو الطموحات السعودية الأكثر قابلية للتحقق، تظل جدوى هذا المسار أكثر محدودية في حالات مثل الإمارات وقطر وعُمان، وإن بدرجات متفاوتة. وفي حالتي الإمارات وقطر تحديدًا، تصطدم إمكانية التحول إلى مورّد للمواد الخام بقيود جيولوجية واضحة، ما يعني أن استدامة طموحاتهما في هذا القطاع ستظل مرتبطة، إلى حد كبير، بالاعتماد على عمليات التعدين الخارجية ومصادر الإمداد القادمة من الخارج. ومن ثم، فإن قدرة هاتين الدولتين على التمركز في هذا السوق لا تنبع من قاعدة موارد محلية واسعة، بقدر ما تستند إلى القدرة على بناء شبكات توريد واستثمار عابرة للحدود.

 

أما في حالة عُمان، فتبدو قابلية تحقق هذا المسار أكثر تقييدًا، بالنظر إلى أن انخراطها في الاستثمار في التعدين ورسم الخرائط المعدنية لا يزال حديث العهد نسبيًا، وهو ما قد يبطئ من تقدمها كفاعل محتمل في هذا القطاع. ومع ذلك، فإن تباين مستويات الجاهزية بين دول الخليج لا يعني بالضرورة غياب إمكانية العمل المشترك، بل قد يفتح المجال أمام مقاربة تكاملية أكثر واقعية.

 

وفي هذا السياق، يمكن للسعودية أن تشكّل نقطة الارتكاز الخليجية في هذا المسار، بما يسمح بتنسيق جهود دول المجلس في مجال العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة ضمن مقاربة جماعية أكثر تماسكًا. ومن شأن هذا التنسيق أن يعزز من جدوى هذا التوجه، عبر توزيع الأدوار بين الدول الأعضاء والاستفادة من المزايا النسبية التي تمتلكها كل دولة، بدلًا من مقاربة هذا الطموح بوصفه مسارًا وطنيًا منفصلًا لكل طرف.

حدود الصعود الخليجي في سوق العناصر الأرضية النادرة

وفي هذا السياق، يمكن للسعودية أن تشكّل نقطة الارتكاز الخليجية في هذا المسار، بما يسمح بتنسيق جهود دول المجلس في مجال العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة ضمن مقاربة جماعية أكثر تماسكًا. ومن شأن هذا التنسيق أن يعزز من جدوى هذا التوجه، عبر توزيع الأدوار بين الدول الأعضاء والاستفادة من المزايا النسبية التي تمتلكها كل دولة، بدلًا من مقاربة هذا الطموح بوصفه مسارًا وطنيًا منفصلًا لكل طرف.

 

ورغم التحركات الخليجية المتسارعة لترسيخ مكانته كمورّد محتمل للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، فإن الانتقال إلى هذا القطاع لا يخلو من تحديات بنيوية وتقنية قد تُبطئ مساره أو تحدّ من زخمه. ومن بين أبرز هذه التحديات مسألة رسم الخرائط المعدنية، التي تمثل إحدى العقبات الأساسية أمام الطموحات الخليجية في هذا المجال. وتتمثل الإشكالية الرئيسية هنا في أن أجزاء من دول الخليج ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال غير مكتشفة جيولوجيًا على نحو كافٍ، فضلًا عن محدودية التقنيات اللازمة لاستكشاف هذه المناطق بكفاءة تمكّن من تحديد مواقع العناصر الأرضية النادرة واستخراجها بصورة مجدية. ومن ثم، فإن التقدم في هذا القطاع لا يرتبط فقط بوجود الموارد المحتملة، بل أيضًا بالقدرة على اكتشافها وتقييمها وتحويلها إلى فرص إنتاج فعلية.

 

وفي غياب التكنولوجيا اللازمة لرسم الخرائط المعدنية بكفاءة، ستظل دول الخليج، عمليًا، معتمدة على شركاء خارجيين، وفي مقدمتهم الصين، في ما يتعلق باستكشاف العناصر الأرضية النادرة وتطويرها، وهو ما قد يبطئ طموحاتها في التحول إلى مورّد مستقل في المستقبل. فضعف القدرة الذاتية على تحديد مواقع الموارد وتقييمها واستغلالها يفرض قيودًا مباشرة على سرعة التقدم في هذا القطاع. ويُضاف إلى ذلك تحدٍّ آخر لا يقل أهمية، يتمثل في المخاطر المرتبطة بتركّز الإمدادات العالمية من العناصر الأرضية النادرة. فعدد الدول التي تمتلك تركّزًا مرتفعًا من هذه الموارد يظل محدودًا، وهو ما يزيد من هشاشة سلاسل الإمداد ويُبقيها عرضة للاختناقات والضغوط الجيو-اقتصادية. ويتجسد هذا التحدي بوضوح في الحالة الصينية؛ إذ لا تنبع أفضلية الصين من حجم احتياطياتها الطبيعية فحسب، بل من سيطرتها العميقة على حلقات المعالجة والتكرير، وهي الحلقة الأكثر حساسية في هذه الصناعة. ويفضي هذا التركّز المزدوج إلى إبقاء أي صعود خليجي محتمل عرضةً لمخاطر هيكلية تتعلق بهشاشة الإمداد، والقيود التجارية، وقابلية السوق للتأثر بقرارات عدد محدود من الفاعلين المهيمنين.

 

كما يظل خطر الأثر البيئي حاضرًا بقوة، في تناقض واضح مع طموحات دول الخليج في مجالي المناخ والاستدامة ضمن رؤاها لعام 2030. إذ تنطوي عمليات التعدين والاستخراج والمعالجة للعناصر الأرضية النادرة على تداعيات بيئية مباشرة، تشمل تلوث الهواء وإمكانية تلويث مصادر المياه. غير أن نطاق هذه التأثيرات، في سياق الخليج ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قد يتجاوز هذه الأبعاد المباشرة. فعمليات الحصول على هذه العناصر قد تؤدي إلى فقدان التنوع البيولوجي نتيجة تدمير الموائل الطبيعية، وهو ما يتعارض مع الجهود القائمة في دول الخليج للحفاظ على الحياة البرية والنظم البيئية.

 

ولا تقتصر التداعيات البيئية لهذه الصناعة على تدمير الموائل الطبيعية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى توليد كميات ضخمة من النفايات السامة وإلحاق أضرار واسعة بالأراضي. ويتضح ذلك في حالات مثل استنزاف الغابات المطيرة في دول كمدغشقر، فضلًا عن الآثار البيئية العميقة التي خلّفتها هذه الصناعة في الصين. وفي هذا السياق، يشير غونتر هيلبرت، الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، إلى أن إنتاج طن واحد فقط من العناصر الأرضية النادرة يخلّف نحو 2,000 طن من النفايات السامة، وقد تسبب في تدهور مساحات واسعة من الأراضي في الصين. لذا، يصبح من الضروري أن تستثمر دول الخليج بكثافة في أساليب أكثر استدامة لاستخراج العناصر الأرضية النادرة ومعالجتها، إذا أرادت الحفاظ على صورتها بوصفها قوة دافعة للتحول البيئي والاستدامة، لا أن تتحول إلى مصدر جديد للأعباء البيئية في هذا المسار.

 

ورغم أن هذه التحديات قد تُربك المسار الخليجي نحو دخول صناعة العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، فإن ذلك لا ينفي إمكانية تحوّل دول الخليج، على المدى الأبعد، إلى مورّد مؤثر وربما أساسي في هذا القطاع. غير أن تحقق هذا الاحتمال سيظل مرهونًا بقدرتها على توظيف موقعها كحلقة وسيطة بين القوى الكبرى، بالتوازي مع توظيف هذه الصناعة في دعم تحولها إلى فاعل رئيسي في مجال الطاقة النظيفة، بما ينسجم مع أهداف الاستدامة والمناخ التي تطرحها رؤاها الوطنية لعام 2030. غير أن نجاح هذا المسار لن يتحدد فقط بامتلاك الموارد أو جذب الاستثمارات، بل بقدرة الخليج على ترسيخ موقع مستدام داخل سلاسل الإمداد العالمية. فإذا لم تنجح دوله في بناء هذا الحضور على أسس بيئية راسخة، فقد تجد نفسها، بدلًا من الإسهام في احتواء الأزمة المناخية، منخرطة في إعادة إنتاج العوامل التي تفاقمها.

المراجع

Al-Bloushi, Marwan . 2025. “Gulf Countries and Prospects of Forming a ‘Global System for Rare Earth Metals’: Opportunities and Challenges.” Epc.ae. December 8, 2025. https://epc.ae/en/details/featured/gulf-countries-and-prospects-of-forming-a-global-system-for-rare-earth-metals-opportunities-and-challenges.

 

Ali, Abdalftah Hamed. 2025. “Localizing Renewable Energy Supply Chains in the Gulf: Ambitions, Challenges, and Strategic Pathways.” Middle East Council on Global Affairs. May 23, 2025. https://mecouncil.org/publication/localizing-renewable-energy-supply-chains-in-the-gulf-ambitions-challenges-and-strategic-pathways/.

 

Ali, Abdalftah Hamed, and Monged Abdalla. 2025. “Energy Transitions Era: Geopolitical Characteristics and Connotations in the Arab Gulf States.” Sustainable Futures 10 (December): 100808. https://doi.org/10.1016/j.sftr.2025.100808.

 

Bandyopadhyay, Somshankar. 2025. “UAE Likely to Play Key Role in Global Rare Earths Supply Chain.” Khaleej Times. August 10, 2025. https://www.khaleejtimes.com/business/uae-likely-to-play-key-role-in-global-rare-earths-supply-chain?_refresh=true.

 

Baskaran, Gracelin. 2024. “Partnering with Middle Eastern Countries to Boost U.S. Minerals Security.” Csis.org. September 2024. https://www.csis.org/analysis/partnering-middle-eastern-countries-boost-us-minerals-security.

 

Calabrese, John . 2025. “The Gulf’s Mineral Gambit: Shaping the Global Race for Critical Resources.” Gulf International Forum. August 25, 2025. https://gulfif.org/the-gulfs-mineral-gambit-shaping-the-global-race-for-critical-resources/.

 

Earth.org. 2020. “How Rare-Earth Mining Has Devastated China’s Environment.” Earth.org. July 14, 2020. https://earth.org/rare-earth-mining-has-devastated-chinas-environment/

 

Ganapathy, Cauvery. 2025. “UAE’s Critical Minerals Dilemma.” ORF Middle East. May 29, 2025. https://orfme.org/research/uae-critical-minerals-strategy/.

 

Ge, Jianping, Yibo Wang, Ruihua Ren, and Dongmei Chen . 2024. “The Unfolding Potential of GCC China Collaboration on Critical Minerals.” Kapsarc.org. Saudi Arabia: King Abdullah Petroleum Studies and Research Center. https://www.kapsarc.org/our-offerings/publications/the-unfolding-potential-of-gcc-china-collaboration-on-critical-minerals/

 

Kumar, Pramod. 2025. “Oman’s Mining Sector to Receive $500m Investment.” AGBI. August 13, 2025. https://www.agbi.com/mining/2025/08/omans-mining-sector-to-receive-500m-investment/.

 

Lu, Christina. 2024. “The Middle East’s Oil Giants Have Entered the Critical Minerals Race.” Foreign Policy. April 16, 2024. https://foreignpolicy.com/2024/03/21/saudi-arabia-uae-critical-mineral-energy-transition/.

 

Miniaoui , Héla . 2023. “Challenges of GCC Investment in the Energy Transition.” Economic Research Forum (ERF). December 25, 2023. https://theforum.erf.org.eg/2023/12/25/challenges-of-gcc-investment-in-the-energy-transition/.

 

Mobility Foresights. 2025. “UAE Rare Earth Minerals Market Size, Share, Trends and Forecasts 2031.” Mobility Foresights. September 19, 2025. https://mobilityforesights.com/product/uae-rare-earth-minerals-market.

 

Pasquali, Valentina. 2024. “Critical Minerals Become a Middle East Battleground.” AGBI. December 4, 2024. https://www.agbi.com/analysis/mining/2024/12/critical-minerals-saudi-arabia-uae-mining-industry/.

 

Penke, Michel. 2021. “Toxic and Radioactive: The Damage from Mining Rare Elements | DW | 13.04.2021.” DW.COM. April 13, 2021. https://www.dw.com/en/toxic-and-radioactive-the-damage-from-mining-rare-elements/a-57148185.

 

Perera, Ayeshea. 2025. “Why China Curbing Rare Earth Exports Is a Huge Blow to the US.” BBC, October 16, 2025. https://www.bbc.com/news/articles/c1drqeev36qo.

 

Schulze, Meike, and Mark Schrolle. 2024. “Saudi Arabia Strives to Become Major Player in Mineral Supply Chains.” Swp-Berlin.org. Stiftung Wissenschaft und Politik. November 2024. https://www.swp-berlin.org/publications/products/comments/2024C52_SaudiArabia_MineralSupplyChains.pdf.

 

SMM. 2025. “From Traditional Oil to Rare Earth Smelting: The Middle East’s Pursuit of Industrial Transformation【SMM Analysis】.” SMM. November 25, 2025. https://www.metal.com/en/newscontent/103634549.

 

Sultan, Dr. Ahmed. 2024. “ Drivers of Increasing Gulf Investments in Critical Minerals.” Futureuae. July 15, 2024. https://futureuae.com/.tar/Mainpage/Item/9473/green-transformations-drivers-of-increasing-gulf-investments-in-critical-minerals.

 

United Nations Economic and Social Commission for Western Asia. 2023. “The Role of Minerals and Raw Materials in Supporting the Energy Transition in the Arab Region.” Unescwa.org. Beirut: UNESCWA. https://www.unescwa.org/sites/default/files/pubs/pdf/role-minerals-raw-materials-energy-transition-arab-region-english.pdf.

 

Wajid, Asna. 2025. “The Geopolitics of the Gulf States’ Push for Critical Minerals.” IISS. July 31, 2025. https://www.iiss.org/online-analysis/charting-middle-east/2025/07/the-geopolitics-of-the-gulf-states-push-for-critical-minerals/.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *