كتب بواسطة

يبدو أن تحوّل الحرب في أوكرانيا من مواجهة ميدانية مباشرة إلى استراتيجية متعددة الأبعاد تستهدف استنزاف المجهود الحربي الروسي بصورة منهجية، بدأ يترك أثرًا متزايدًا على تماسك النخبة الحاكمة في موسكو، مع تعمّق الانقسامات وتصاعد التوترات داخل دوائر السلطة. وقد عزز هذا المسار التقديرات بشأن احتمال حدوث انشقاقات داخل النخبة المحيطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بل وفتح الباب أمام سيناريوهات تتعلق بإمكانية إبعاده عن السلطة. ووفق هذا التصور، فإن استمرار الحرب وما يرافقه من استنزاف متراكم قد يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف الاستقرار الداخلي لروسيا وتقويض ثقة النخبة في صلابة النظام، بما قد يفضي في نهاية المطاف إلى تحولات أوسع في المشهد السياسي، وربما إلى تغيّر جذري في بنية النظام نفسه.

 

غير أن تعقيد بنية النظام الروسي يفرض مسارًا مغايرًا لفهم كيفية انعكاس تنامي استياء النخبة على مسار الأحداث، كما يعيد تشكيل العلاقة بين تصدّع النخبة واستقرار النظام. فمن منظور أكثر عمقًا، لا يقود تصاعد الاستياء داخل النخبة بالضرورة إلى انهيار النظام، بل قد يفضي إلى أنماط أكثر تعقيدًا من التآكل الداخلي مع بقاء النظام قائمًا. وعليه، لم يعد السؤال الاستراتيجي يتمحور حول ما إذا كانت روسيا قادرة على تحمّل الخسائر في ساحة المعركة، بل حول ما إذا كان الكرملين قادرًا على مواصلة الصمود أمام الضغوط التراكمية الناجمة عن تصاعد الإحباط داخل أوساط النخبة الحاكمة، وإلى متى يمكنه احتواء هذا التآكل قبل أن يمتد أثره إلى الركائز التي يقوم عليها النظام نفسه.

استنزاف العمق الروسي: التحول الاستراتيجي لكييف

يبدو أن أوكرانيا تركّز في المرحلة الراهنة على إعادة تشكيل مسار الحرب باتجاه استنزاف قدرة روسيا على تمويل حربها بصورة منهجية، بدلًا من حصر جهودها في العمليات الدفاعية المرتبطة بالسيطرة الميدانية على الأراضي. وتشير المعطيات إلى أن كييف تسعى إلى توسيع النطاق الدفاعي الروسي بوتيرة تفوق قدرة موسكو على التكيّف المؤسسي مع هذا التوسع. وفي هذا السياق، استهدفت أوكرانيا محطات توليد الكهرباء، والقواعد العسكرية المرتبطة بإنتاج الأسلحة والمتفجرات، ومصافي النفط، وشبكات الطاقة، فضلًا عن مراكز الإمداد اللوجستي، بما في ذلك شبكات السكك الحديدية والمطارات. إضافة إلى ذلك، اعتمدت كييف على طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة لاستهداف منظومات الدفاع الروسية واستنزافها، بما يفرض على موسكو استخدام وسائل اعتراض مرتفعة الكلفة لمواجهة

 
div style=”min-height:464px” id=”datawrapper-vis-7Ecm4″>
 

وطوّرت أوكرانيا طائرات مسيّرة اعتراضية جديدة منخفضة التكلفة أثبتت فاعلية ملحوظة وأسهمت في رفع معدلات الاعتراض. ونتيجة لذلك، باتت منظومات الدفاع الأوكرانية قادرة على اعتراض طائرة مسيّرة واحدة من طراز “شاهد” باستخدام طائرة أو طائرتين اعتراضيتين، تبلغ كلفة الواحدة منهما نحو 3,000 دولار، في حين تصل كلفة أرخص صاروخ يُستخدم في أنظمة الدفاع الجوي التقليدية إلى نحو 30,000 دولار لكل عملية إطلاق. فعلى سبيل المثال، أسقطت الطائرات المسيّرة الاعتراضية التابعة للدفاعات الجوية الأوكرانية في مارس 2025 نحو 2,518 طائرة روسية مسيّرة مخصّصة للاستطلاع. وعلاوة على ذلك، وبعد عام من التحسينات التقنية والتكتيكية، شهدت هذه القدرات تطورًا ملحوظًا، إذ تمكنت أوكرانيا من تدمير أكثر من 33 ألف طائرة روسية مسيّرة خلال مارس 2026 وحده.

 

ويبدو أن استراتيجية كييف القائمة على فرض استنزاف اقتصادي وصناعي وعسكري طويل الأمد على روسيا بدأت تُلقي بظلالها على الدائرة الضيقة المحيطة بالكرملين، كما زادت من الضغوط الواقعة على الاستقرار الداخلي للبلاد، وثقة النخبة الحاكمة، وقدرة الاقتصاد على الصمود، فضلًا عن تآكل الحاجز النفسي الذي عزل الداخل الروسي عن تداعيات الحرب لفترة طويلة. وقد أسهم تدهور البنية التحتية، وتصاعد الضغوط الاقتصادية، وتنامي الإرهاق النفسي، في تغذية حالة من التصدّع داخل أوساط النخبة الحاكمة في موسكو.

 

ويؤدي تصاعد الضربات الأوكرانية في عمق الأراضي الروسية إلى تنامي مشاعر القلق والخوف بين السكان، بالتوازي مع إلحاق أضرار متزايدة بمصافي النفط والبنية التحتية للطاقة. وتشير أحدث بيانات هيئة الإحصاء الفيدرالية الروسية “روستات” إلى تصاعد الضغوط المالية على قطاع الشركات. فقد سجلت نحو 17,200 شركة خسائر في الأرباح بلغت 8.896 تريليون روبل، فيما ارتفع إجمالي الخسائر بنسبة 7.5%. وكان قطاعا النفط والغاز الأكثر تضررًا من بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.

 

 

وفي ظل هذه المعطيات، برز تصور مفاده أن هزيمة روسيا في الحرب قد تقود إلى انهيار نظام بوتين، انطلاقًا من أن هذه الحرب تُصوَّر بوصفها مسألة وجودية بالنسبة له، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بمشروع استعادة مجال النفوذ التاريخي لروسيا. ووفقًا لهذا التصور، فإن الانتكاسات الكبرى في مسار الحرب من شأنها أن تدفع النخبة الحاكمة إلى انشقاقات منسقة قد تفضي في نهاية المطاف إلى تغيير النظام. غير أن مثل هذه النتيجة لا يُرجّح أن تترجم إلى انهيار فوري للنظام. إذ تشير المعطيات إلى أن هزيمة روسيا لن تؤدي تلقائيًا إلى تمرد النخبة أو انهيار الدولة، بل ستفضي على الأرجح إلى حالة يمكن وصفها بـ”التصدّع الصامت للنخبة”.

استياء النخبة الحاكمة

يقوم نظام الكرملين على بنية تتيح له تحمّل الحروب الممتدة، والانتكاسات في ساحة المعركة، وحتى التسويات السياسية غير المواتية، شريطة بقاء أربع ركائز أساسية متماسكة: تماسك النخبة الحاكمة، واستمرار تدفقات الإيرادات، وولاء الأجهزة الأمنية، والسلبية السياسية للمجتمع. وفي ظل تماسك هذه الركائز، لا تؤدي الهزيمة العسكرية تلقائيًا إلى انهيار النظام، وإن كانت قد تُضعف إحدى أهم دعائمه، وهي تماسك النخبة. ويقود ذلك إلى سؤال تمهيدي يسبق بحث تصاعد التصدّع داخل دوائر الحكم في الكرملين: من هم النخبة في روسيا؟

 

لا ترتكز السلطة في روسيا على شخص واحد أو حزب بعينه، بل تتركز فعليًا داخل شبكة نفوذ تضم مسؤولين من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وتتجسد بصورة أساسية في النخبة الحاكمة المعروفة باسم “السيلوفيكي”. ويمثل “السيلوفيكي” تيارًا نخبويًا داخل بنية الحكم الروسية، يضم سياسيين ومسؤولين ينحدرون من خلفيات مرتبطة بأجهزة أمن الدولة، والمؤسسة العسكرية، وأجهزة الاستخبارات، أو أجهزة إنفاذ القانون.

 

وتضم بنية “السيلوفيكي” الحالية جهاز الأمن الفيدرالي، والإدارة الرئيسية لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وجهاز الاستخبارات الخارجية، إضافة إلى الحرس الوطني الروسي. وترتكز العقيدة الراسخة لهذه النخبة على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها مركزية الدولة، والتراتبية الصارمة، والولاء، وحماية الدائرة الداخلية، والحفاظ على استمرارية النظام. ومنذ تولي بوتين السلطة في تسعينيات القرن الماضي، وسّع “السيلوفيكي” نطاق نفوذهم عبر قطاعات الدولة المختلفة، ما أتاح لهم ترسيخ حضورهم داخل مراكز صنع القرار، وتعزيز سيطرتهم على قطاع الأعمال ووسائل الإعلام.

 

عندما أطلق بوتين عمليته العسكرية في أوكرانيا عام 2022، كان واثقًا من أن النخبة الحاكمة لن تقدم على تحدي قيادته، حتى مع تصاعد حدة الحرب وتفاقم الصعوبات الناجمة عن العزلة الدولية والضغوط الاقتصادية والمالية الحادة، بما في ذلك تجميد الأصول الخارجية التابعة للنخب الروسية. وفي ذلك الوقت، استند تقديره إلى حسابات عقلانية؛ إذ حرصت النخبة على تجنب أي سلوك قد يثير الشكوك حول ولائها، حفاظًا على بقائها السياسي ومصالحها الشخصية. ومع ذلك، فإن إطالة أمد الحرب، وما ترتب عليها من خسائر جسيمة مقابل مكاسب محدودة، أسهمت في تنامي حالة الاستياء داخل أوساط النخبة الحاكمة.

 

وقد بدأت الدائرة الضيقة المحيطة ببوتين تُبدي تساؤلات متزايدة بشأن طريقة إدارته للحرب، ولا سيما في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية، ومحدودية الإنجازات العسكرية، وتصاعد الضربات الأوكرانية في عمق الأراضي الروسية، وتكرار انقطاعات الإنترنت، واتساع نطاق القيود المفروضة داخليًا.

 

وتتجلى مؤشرات سوء الإدارة في تصاعد حالة الارتياب داخل دوائر الحكم، وهو ما انعكس في تشديد الإجراءات الأمنية المحيطة ببوتين ودائرته المقربة، إلى جانب فرض قيود على استخدامهم للهواتف الذكية خشية التعرض للمراقبة أو لهجمات استهداف مباشرة. ويتزامن ذلك مع تصاعد وتيرة القمع، وتراجع استعداد المجتمع للانخراط في تعبئة جماهيرية واسعة، وغياب آليات واضحة لانتقال السلطة، فضلًا عن تنامي حالة الإرهاق لدى النخبة والرأي العام على حد سواء، نتيجة الضغوط المالية المتفاقمة.

 

وازداد الاستياء داخل الدائرة الضيقة المحيطة ببوتين بصورة أكبر مع إخضاع أقارب مسؤولين كبار وأوليغارش نافذين للتحقيق أو الاحتجاز، في خطوة هدفت إلى ممارسة الضغط على أعضاء دائرته المقربة لدفعهم إلى تنفيذ سياسات غير مواتية لهم. وبدأ صدع أعمق يتشكل داخل النخبة الحاكمة، مع تزايد الانتقادات الصادرة عن بعض أعضائها تجاه قيادة بوتين وإدارته للحرب. ويبرز تمرد مجموعة فاجنر المسلحة في يونيو 2023، بقيادة حليف بوتين السابق يفجيني بريجوجين، بوصفه مثالًا واضحًا على ذلك، إذ وجّه انتقادات علنية للقيادة العسكرية وحمّلها مسؤولية الإخفاقات التي شهدها مسار الحرب. وكشف هذا التمرد عن أولى المؤشرات العلنية على وجود انقسامات عميقة داخل النخبة الحاكمة في روسيا. وفي أعقابه، شرع بوتين بصورة منهجية في تفكيك الدائرة المقربة من سيرجي شويجو، عقب إقالته من منصب وزير الدفاع في مايو 2024.

 

وبحلول مارس 2026، أُدخل المحامي الروسي إيليا ريميسلو، وهو حليف سابق للكرملين، إلى مستشفى للأمراض النفسية في سانت بطرسبورج قبل أن يُفرج عنه لاحقًا، وذلك عقب تراجعه عن موقفه الداعم لبوتين ومطالبته باستقالته ومحاكمته باعتباره مجرم حرب. وفي منشور مطوّل، وجّه ريميسلو انتقادات حادة للحرب في أوكرانيا، متهمًا بوتين بإفقار السكان، وتقويض حرية الإعلام، والقضاء على المعارضة السياسية. ومع اقتراب انتخابات مجلس الدوما، تشير المعطيات أيضًا إلى تصاعد الخلافات بين جهاز الأمن الفيدرالي والكتلة المحسوبة على سيرجي كيريينكو، نائب رئيس ديوان الإدارة الرئاسية، بشأن إدارة المشهد السياسي في الفترة التي تسبق انتخابات سبتمبر 2026.

 

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ظل تراجع معدلات التأييد الشعبي، رغم إحكام الكرملين قبضته على المسار الانتخابي. ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية، يظل من الضروري بالنسبة إلى بوتين والنظام على حد سواء أن تسفر هذه الانتخابات عن صورة تعزز الانطباع باستمرار الاستقرار السياسي.

 

ومع تصاعد حالة الاستياء داخل أوساط النخبة الحاكمة، يذهب بعض التقديرات إلى أن هذا المسار قد يفضي في نهاية المطاف إلى انشقاقات داخل النخبة، ولا سيما بين صفوف “السيلوفيكي”، بهدف إزاحة بوتين واستبداله بشخصية أخرى من الدائرة الضيقة نفسها، بما يضمن استمرار حماية مصالح هذه النخبة والحفاظ على نفوذها. غير أن نظام بوتين يواصل إظهار قدر كبير من الصلابة، تحديدًا لأنه نجح في تحويل الولاء إلى آلية للبقاء، وربط حماية المصالح بالتمسك بالسلطة والنفوذ. وعليه، يُرجَّح أن يتطور الوضع نحو شكل من أشكال التصدّع الصامت داخل النخبة مع بقاء النظام قائمًا، إذ إن تفكيك النظام نفسه من شأنه أن يفرض مخاطر أكبر على الفئات الأكثر استفادة من استمراره.

مسار التصدّع الصامت للنخبة

يقوم النظام الروسي على شبكات متداخلة من المحسوبية وتبادل المصالح، بما يجعل النخبة الحاكمة عاجزة عن التحرك كفاعلين مستقلين دون تعريض نفوذها الشخصي وأمنها للخطر. وكما أشرنا سابقًا، تتنامى حالة الاستياء داخل الدائرة الضيقة المحيطة ببوتين بصورة متزايدة، ولا سيما تجاه إدارته للأوضاع الراهنة. ويعود ذلك بشكل خاص إلى تداعيات الحرب الممتدة، بما في ذلك العقوبات والتضخم والقيود المتزايدة، وهي عوامل ألحقت ضررًا مباشرًا بمصالحهم الاقتصادية وأنشطتهم التجارية. غير أن رسوخ ثقافة الولاء والمحسوبية داخل بنية النظام يشير إلى أن هذا الاستياء يُرجَّح أن يتطور إلى حالة من التصدّع الداخلي غير المعلن داخل أوساط النخبة، بدلًا من أن يتحول إلى معارضة منظمة تسعى إلى إسقاط النظام.

 

ويعني التصدّع الصامت للنخبة أن حالة الاستياء داخل أوساطها من غير المرجح أن تتطور إلى معارضة منسقة، ما لم تبرز أزمة بنيوية أوسع نطاقًا تهز أسس النظام. فالنخبة الروسية تظل مندمجة في منظومة تحكمها علاقات اعتماد متبادل وهشاشة متبادلة، بما يجعل تحرك أي طرف ضد النظام محفوفًا بمخاطر تطال الجميع. ويظل احتمال إسقاط النظام مستبعدًا إلى حد كبير، في ظل غياب بديل واضح لما بعد بوتين يمكنه ضمان حماية ثروات النخبة ونفوذها السياسي وأمنها الشخصي. إضافة إلى ذلك، يشكل الخوف من الملاحقة القضائية، أو مصادرة الأصول، أو الإقصاء السياسي، بل وحتى الاغتيال، عامل ردع قويًا يحول دون أي انشقاق علني.

 

ويتمثل أحد المسارات المحتملة في أن تتجه أعداد متزايدة من أفراد النخبة، بصمت، إلى التشكيك في فرص تحقيق نصر حاسم، مع تصاعد استيائهم من الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب، وتنامي ميلهم إلى توزيع المسؤولية عن الإخفاقات على أطراف متعددة، إلى جانب سعيهم التدريجي إلى النأي بأنفسهم عن قرارات بوتين. والأهم من ذلك، قد تمارس هذه النخبة ضغوطًا على بوتين للمضي نحو مسار تفاوضي وقبول تسوية سلمية لا تحقق بالكامل أهدافه الأصلية، مقابل تجنب تعريض موقعه القيادي للخطر. وينبع هذا المسار من واقع روسي بالغ التعقيد. وتجد النخبة الروسية نفسها أمام معضلة بنيوية أفرزها التطور الذي شهده نظام بوتين. وتتمثل هذه المعضلة في أن كلاً من الإبقاء على النظام القائم ومحاولة الإطاحة به ينطوي على مخاطر جسيمة تهدد النخبة نفسها.

 

وقد وسّع النظام خلال الحرب نطاق سياساته القمعية، بما شمل تشديد الرقابة، وتعزيز المراقبة الأمنية، وفرض قيود على الإنترنت، وتوسيع أدوات السيطرة الأمنية بهدف الحفاظ على سلطة النخبة الحاكمة. غير أن إطالة أمد الحرب أضعفت مسارات التنمية الاقتصادية والمؤسسية، إذ أسهم تصاعد القمع والعزلة الدولية في تقليص جاذبية الاستثمار، وتجميد الأصول الخارجية، والحد من الفرص الاقتصادية المتاحة.

 

وفي حين استفادت قطاعات واسعة من النخبة سابقًا من الاندماج في الأسواق العالمية، واستقرار النمو الاقتصادي، وإمكانية الوصول إلى الأصول الخارجية، ووجود بيئة حكم تتسم بقدر من القابلية للتنبؤ، فإنها تجد نفسها اليوم في وضع بالغ الصعوبة. فالنظام بات، في الوقت ذاته، الضامن لاستمرار بقائها السياسي، ومصدرًا متزايدًا للإضرار بمصالحها الاقتصادية. إضافة إلى ذلك، باتت الانقسامات داخل النخبة الحاكمة أكثر وضوحًا، ولا سيما بين جهاز الأمن الفيدرالي والجهاز المدني التابع للإدارة الرئاسية. وفي الوقت نفسه، يواصل الكرملين إحكام قبضته على المنظومة الأمنية. ومع تراجع الموارد المتاحة خلال الحرب، اشتدت المنافسة بين أجنحة النخبة على إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، والأصول، والموارد المالية.

 

ومع استمرار حرب الاستنزاف في فرض ضغوط إضافية على الكرملين، تتواصل حالة التوتر بشأن إدارة المشهد السياسي والوجهة الاستراتيجية للنظام. فضلًا عن ذلك، يظل إظهار الولاء عاملًا حاسمًا للبقاء داخل المنظومة الحاكمة، لا سيما في ظل الرقابة المستمرة التي يفرضها جهاز الأمن الفيدرالي.

 

وفي ظل هذه الظروف، قد تسعى النخبة الحاكمة إلى التأثير في إدارة بوتين للحرب الممتدة بهدف وقف المزيد من مصادرة أصولها التجارية والحيلولة دون تفاقم التدهور الاقتصادي. ويدرك بوتين بدوره أنه لا يستطيع مواصلة الحرب دون الدعم السياسي والمالي الذي توفره له دائرته الضيقة.

 

ويزداد المشهد تعقيدًا بسبب عامل إضافي يتمثل في أن إنهاء الحرب من دون تحقيق نصر حاسم قد يعرّض النظام لانتقادات حادة على خلفية مقتل آلاف الجنود الروس، فضلًا عن الخسائر الاقتصادية والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية نتيجة الحرب. ومع ذلك، يُرجَّح أن يظل الحفاظ على النظام أولوية قصوى بالنسبة إلى النخبة الحاكمة، كما أن احتمال إقدامها على إزاحة بوتين يبقى محدودًا ما لم تبرز شخصية بديلة قادرة على ضمان حماية مصالحها وصون نفوذها.

 

وأخيرًا، يبرز سؤال مهم بشأن مدى فاعلية التصدّع الصامت داخل النخبة الحاكمة. فبوتين لا يزال يحتفظ بموقعه بوصفه مركز الثقل في منظومة السلطة، في وقت تتنامى فيه الانقسامات داخل النخبة بين “السيلوفيكي” والمسؤولين المدنيين حول توجهات السياسة الداخلية، بما في ذلك السياسات الاقتصادية والإجراءات القمعية، فضلًا عن التنافس المتصاعد على الموارد التي تزداد ندرة.

 

غير أن اعتماد النظام الكبير على المنظومة الأمنية يجعله أكثر هشاشة أمام التصدّع داخل النخبة، ولا سيما مع تصاعد التنافس بين جهاز الأمن الفيدرالي، والحرس الوطني، والمؤسسة العسكرية. وقد شجّع بوتين هذه التنافسات مرارًا بهدف الحيلولة دون تحول أي مؤسسة منفردة إلى مركز قوة قادر على تهديد سلطته.

 

وقد تدفع هذه الدينامية أجنحة النخبة إلى التنافس بصورة أكثر حدة فيما بينها على النفوذ والموارد، بما قد يفضي إلى ظهور ثغرات داخل المنظومة الأمنية. غير أن هذه التطورات، وعلى غرار المسار الرئيسي، لا يُرجَّح أن تنتهي إلى إسقاط النظام، إذ إن الإقدام على خطوة كهذه من شأنه أن يهدد السلطة والمكاسب والضمانات الأمنية لجميع الأطراف المنخرطة فيه، فضلًا عن أنه قد يفتح المجال أمام أحد الأجنحة لاحتكار السلطة والانفراد بها.

 

وخلاصة القول، قد تكون روسيا بصدد دخول مرحلة من “التصدّع الصامت للنخبة”، تتسم بتنامي حالة الاستياء دون توافر القدرة التنظيمية اللازمة لقيادة تمرد أو إسقاط النظام. وقد لا يتمثل التهديد الحقيقي الذي يواجه بوتين في انقلاب مباشر، بقدر ما يكمن في التآكل التدريجي لثقة النخبة في الكفاءة الاستراتيجية للنظام وقدرته على إدارة الأزمات. غير أن المستقبل السياسي للكرملين يظل مرهونًا بمنظومة معقدة من الفاعلين والعوامل المتداخلة، الأمر الذي يجعل من الصعب الوصول إلى استنتاجات حاسمة بشأن مساره.

المراجع

——. “Fortress Kremlin: Elite Fractures, Regime Security, and Coup Risk in Russia.” Robert Lansing Institute for Global Threats and Democratic Studies (RLI). May 4, 2026. https://lansinginstitute.org/2026/05/04/fortress-kremlin-elite-fractures-regime-security-and-coup-risk-in-russia/

 

——. “Meet the Russian Siloviki – Putin’s inner circle.” CaspianReport. April 17, 2022. https://www.youtube.com/watch?v=kO88kFvlE2k

 

——. “Putin arrests of relatives of elite en masse: dictator uses this method to keep officials in fear.” Kanal13. May 19, 2026. https://www.youtube.com/watch?v=KU6dcHw73FI

 

——. “Putin’s regime will ‘end suddenly’ – Why Russian victory is now impossible.” The Sun. May 10, 2026. https://www.youtube.com/watch?v=KBXGlfe9PW8

 

——. “Russians are getting tired. This is why.” Centre for Eastern Studies (OSW). May 13, 2026. https://www.youtube.com/watch?v=P3MLaZdjmxs

 

——. “Russian corporate profits fall 3.9% in 2025 – Rosstat.” Interfax. March 11, 2026. https://interfax.com/newsroom/top-stories/116565/

 

——. “Russian elites are irritated by Putin and war with Ukraine: “Enough already, we’ve fought enough”.” Kanal13. April 29, 2026. https://www.youtube.com/watch?v=ipcUGYgYM0g

 

——. “Russian elites have begun preparing for life after Putin; rapid preparations for the uprising.” Kanal13. May 21, 2026. https://www.youtube.com/watch?v=YkWfzeRONtw

 

——. “Russian Lawyer Who Lashed Out At Putin Released From Mental Hospital.” Radio Free Europe / Radio Liberty. April 17, 2026. https://www.rferl.org/a/russia-putin-criticism-remeslo-released-psychiatric/33734732.html

 

——. “Strikes on Russia worry Russians more than front for the first time; people curse Putin and his team.” Kanal13. May 17, 2026. https://www.youtube.com/watch?v=BBl-rpnVx3Y

 

——. “The Wagner uprising: 24 hours that shook Russia.” The Guardian. June 25, 2023. https://www.theguardian.com/world/2023/jun/25/prigozhins-march-on-moscow-chronology-of-an-attempted-coup

 

——. “Turning the tide on a budget: How Ukrainian interceptor drones learned to shoot down Shaheds and what it means for the war in Iran.” The Insider. June 4, 2026. https://theins.press/en/politics/293341

 

——. “Ukraine war latest: Drone strike reportedly hits major Russian fertilizer plant linked to explosives production.” The Kyiv Independent. May 17, 2026. https://kyivindependent.com/ukraine-war-latest-drone-strike-reportedly-hits-major-russian-fertilizer-plant-linked-to-explosives-production/

 

——. “What’s happening with the Russian elite? Is Putin under threat?.” Centre for Eastern Studies (OSW). May 15, 2026. https://www.youtube.com/watch?v=QDaPayfz10s

 

Aleksashenko, Sergey. “Cracks in the Kremlin walls: Threats to the stability of the Putin regime.” New Eurasian Strategies Centre. May 28, 2026. https://nestcentre.org/cracks-in-the-kremlin-walls/

 

Bondarev, Boris. “Kremlin Elites Have No Way to Remove Putin, Even if They Wanted To.” The Moscow Times. May 14, 2026. https://www.themoscowtimes.com/2026/05/14/kremlin-elites-have-no-way-to-remove-putin-even-if-they-wanted-to-a92759

 

Illarionov, Andrei. (2009). Reading Russia: The Siloviki in Charge. Journal of Democracy, 20(2). 69-72.  https://www.journalofdemocracy.org/wp-content/uploads/2012/03/Illarionov-20-2.pdf

 

Mizruchi, Mark S. and Johan S. G. Chu. (2025). The power of fragmented elites: the role of inadvertent robust action. Theory Society, 54. 475–506. https://doi.org/10.1007/s11186-025-09617-3

 

Omelicheva, Mariya. “Putin Is Not Trapped: Why Regime Survival Does Not Depend on Victory.” War on the Rocks. March 30, 2026. https://warontherocks.com/putin-is-not-trapped-why-regime-survival-does-not-depend-on-victory/

 

Stanovaya, Tatiana. “How War Would Change Russia.” Carnegie Moscow Center. Accessed May 20, 2026. https://carnegie.ru/commentary/86356

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *