على مدى أكثر من عقدين، مثّلت خطة الرئيس الأمريكي الطارئة للإغاثة من الإيدز (بيبفار) المثال الأبرز على ما يمكن أن تصنعه قوة مانح واحد حين تتركز بهذا الحجم. فقد ترجمت دولة واحدة إرادتها السياسية إلى مليارات الدولارات من التمويل سنويًا، عبر برنامج يُنسب إليه إنقاذ أرواح أكثر من أي برنامج منفرد للصحة العالمية في التاريخ. لكن هذه الحقبة تقترب اليوم من نهايتها، لا عبر انتقال منظم ومدروس، بل بانسحاب مفاجئ وغير مخطط له إلى حد بعيد، بدأ بعد أيام من تولي إدارة ترامب الثانية السلطة في يناير 2025.
ولا تتعلق المسألة بمجرد خفض التمويل المخصص لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، بل بما يحدث حين تفقد منظومة تمويل الصحة العالمية ركيزتها المهيمنة. فمن يسارع إلى ملء الفراغ الناشئ؟ وهل تستطيع الدول التي تركها هذا التراجع أكثر انكشافًا بناء القدرات المالية والمؤسسية اللازمة للاعتماد على نفسها؟ والأهم، هل ستكون المنظومة التي تنشأ من هذا التحول أكثر هشاشة من سابقتها، أم أكثر قدرة على الصمود؟
بدأت كلفة هذا التحول تظهر بالفعل: عيادات أُغلقت، ومسارات علاج تعطلت، وإصابات عادت إلى الارتفاع في دول أمضت سنوات في احتواء أوبئتها. لكن التحول نفسه يسرّع، في الوقت ذاته، إصلاح منظومات التمويل، ويوسع التعاون الإقليمي، ويدفع نحو بناء قدرات التصنيع المحلي، وهي مسارات جعل الاعتماد على المانحين الحاجة إليها أقل إلحاحًا على مدى عقدين. وهنا تكمن المفارقة التي يتتبعها هذا التحليل: الانسحاب نفسه الذي يفرض كلفة فورية على النظم الصحية قد يدفعها أيضًا إلى تحولات تقلل اعتمادها على المانحين.
أُنشئت خطة الرئيس الأمريكي الطارئة للإغاثة من الإيدز (بيبفار) بموجب قانون أُقر عام 2003 في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، وتحولت خلال العقدين التاليين إلى أكبر التزام تقدمه دولة واحدة في التاريخ لمكافحة مرض بعينه. وبحلول نهاية عام 2024، كان يُنسب إلى البرنامج إنقاذ حياة أكثر من 25 مليون شخص، وتوفير العلاج لـ21 مليونًا، ومنع ولادة 7.8 مليون طفل مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية، فيما امتدت عملياته إلى أكثر من 50 دولة. ولم يقتصر أثر “بيبفار” على مكافحة الفيروس؛ إذ ربطت أبحاث مستقلة تمويله بمكاسب أوسع في الصحة والتنمية داخل الدول المستفيدة، شملت انخفاض معدلات الوفيات الناجمة عن جميع الأسباب، وارتفاع معدلات تحصين الأطفال، وتسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتحسن معدلات الاستمرار في التعليم.
لكن هذا الحجم الاستثنائي من الدعم رسخ، في المقابل، اعتمادًا عميقًا على التمويل الأمريكي. ففي عشرات الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، بُنيت منظومات الفحص وسلاسل الإمداد وشبكات العاملين في مجال الصحة المجتمعية على افتراض استمرار تدفق هذا التمويل، الذي أُدير في البداية عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ثم تولى لاحقًا تنسيقه مكتب الأمن الصحي العالمي والدبلوماسية التابع لوزارة الخارجية الأمريكية. وهكذا نشأ نموذج لحوكمة الصحة العالمية شديد الاعتماد على مركز تمويلي واحد، بما جعل استمراره عرضة لنقطة إخفاق شديدة التركز: حكومة مانحة واحدة، تتأثر بتقلبات السياسة الداخلية في بلد واحد، كانت تتكفل فعليًا بجانب كبير من تمويل جهود مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية في الدول التي تتحمل العبء الأكبر للوباء.
ولم يستغرق انكشاف هذه الهشاشة طويلًا. ففي غضون أيام من تولي إدارة ترامب الثانية السلطة، بدأ النموذج الذي استقر على مدى عقدين في التفكك. وفي 20 يناير 2025، صدر أمر تنفيذي بتجميد المساعدات الخارجية لمدة 90 يومًا، أعقبه بعد أربعة أيام توجيه من وزارة الخارجية أوقف التمويل الجديد لمعظم برامج المساعدات الخارجية، بما فيها “بيبفار”، وعطّل الأنظمة المرتبطة بها. وبعد أقل من أسبوع، صدر إعفاء يسمح باستمرار توفير الأدوية الأساسية، لكن التقديرات أشارت إلى أن نحو نصف برامج “بيبفار” فقط كانت قد استأنفت عملها بحلول فبراير. أما الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، التي كانت تتولى تنفيذ معظم منح البرنامج، فقد انهارت فعليًا بحلول أبريل، بعد عمليات تسريح جماعي للموظفين والسيطرة على أنظمتها المالية.
لم يكن ما حدث، إذن، مجرد خفض اعتيادي في الموازنة، بل انسحابًا مفاجئًا وغير مخطط له إلى حد بعيد للركيزة المركزية التي استند إليها النموذج بأكمله. ومن هنا يبرز السؤال الذي بات يرسم ملامح المرحلة التالية من حوكمة الصحة العالمية: ماذا يحدث لمنظومة بُنيت حول مانح مهيمن عندما يتراجع ذلك المانح؟
إذا كان انهيار “بيبفار” قد كشف هشاشة نظام يعتمد على مانح مهيمن، فإن السؤال التالي هو: كيف تبدو تداعيات انسحاب هذا المانح على الأرض؟
ولم تتأخر الإجابة. فقد امتدت الصدمة سريعًا إلى مختلف مكونات المنظومة؛ إذ أُغلقت أكثر من 1,700 عيادة ومركز لتقديم الخدمات، وفقد أكثر من 16,000 عامل صحي وظائفهم، وفق مسح أجرته مؤسسة “أمفار” وشمل 166 منظمة في 46 دولة. وبين السنتين الماليتين 2024 و2025، انخفض الإنفاق على الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية بنسبة 51%، وتراجعت اختبارات الكشف عنه عالميًا بنسبة 22%. وفي دول مثل زامبيا، كانت قد أمضت سنوات في احتواء الوباء وخفض معدلات الإصابة، عادت الإصابات الجديدة إلى الارتفاع.
وكانت المختبرات وسلاسل الإمداد وشبكات العمل المجتمعي التي تصل بخدماتها إلى العاملين في مجال الجنس وغيرهم من الفئات الأكثر عرضة للخطر من أشد مكونات المنظومة تضررًا، ومن أصعبها إعادةً للبناء. ولا تتوقف خطورة هذه الخسائر عند حدود مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية؛ فقد أسهم دعم “بيبفار” في بناء مختبرات وسلاسل إمداد وكوادر صحية وشبكات للعمل المجتمعي تخدم النظم الصحية على نطاق أوسع. ومن ثم، لا يهدد الانسحاب استمرارية علاج الفيروس فحسب، بل قد يقوض أيضًا قدرة هذه النظم على الصمود في مواجهة أزمات صحية أخرى.
لكن انكشاف حجم هذه التداعيات يطرح سؤالًا آخر: إذا كانت واشنطن تتراجع، فمن يملأ الفراغ؟ يأتي المانحون الأوروبيون على المستوى الثنائي، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، ووكالات الأمم المتحدة في مقدمة الأطراف المرشحة للتحرك، لكن أيًا منها لا يملك قدرة تمويلية تضاهي ما كانت توفره الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. وقد تبدو الصين مرشحًا آخر لسد جانب من هذه الفجوة، غير أن تباطؤ اقتصادها ومشكلات الديون المحلية يحدان من قدرتها على توسيع دورها.
غير أن الفراغ الذي خلّفه الانسحاب لم يبقَ تمويليًا فحسب؛ فقد سرعان ما تحول إلى مساحة للمنافسة الجيوسياسية. ففي جنوب أفريقيا، حيث يجري إنهاء برنامج “بيبفار” تدريجيًا على خلفية خلاف سياسي مع واشنطن، يرى محللون أن الصين وروسيا تقفان في مقدمة المستفيدين، مستثمرتين دبلوماسية الصحة لبناء نفوذ في مساحة تتخلى عنها الولايات المتحدة عمدًا. وهنا يتكشف جوهر التحول: فالانسحاب الأمريكي لا يترك فجوة في التمويل فحسب، بل يفتح أيضًا ساحة للتنافس على من يملأ هذا الفراغ، ومن يحصد رصيده السياسي، ومن يكتسب ما يتيحه من وصول ونفوذ.
ولم تعد المكاسب التي تحققها الصين وروسيا عبر دبلوماسية الصحة مجرد احتمال نظري. فمع انحسار التمويل الأمريكي لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية في جنوب أفريقيا خلال عام 2025، قدمت الصين حزمة دعم بقيمة 3.49 ملايين دولار على مدى عامين. ورغم محدودية قيمتها المالية، جاء توقيتها محسوبًا والتحرك نفسه مقصودًا. ويعيد ذلك إلى الأذهان النهج الذي اتبعته بكين وموسكو خلال جائحة كوفيد-19؛ إذ قدمت الصين لقاحات مجانية إلى 69 دولة، فيما باعت روسيا لقاح “سبوتنيك V” في أنحاء أفريقيا وأمريكا اللاتينية. وفي كثير من الحالات، لم يكن المقابل ماليًا بقدر ما كان دبلوماسيًا؛ فالجزائر، على سبيل المثال، تلقت جرعات مجانية من اللقاحات الصينية، بالتزامن مع إعلان تأييدها لمواقف بكين بشأن هونج كونج وشينجيانج. فعائد المساعدات الصحية لا يُقاس عادةً بما تسترده الدول المانحة ماليًا، بل بما قد تحصده لاحقًا من أصوات في الأمم المتحدة واصطفافات سياسية.
لكن السؤال الأبعد أثرًا لم يعد يتعلق بمن سيعوّض التمويل الأمريكي، بل بما إذا كانت الدول التي اعتمدت عليه قادرة على بناء نظم صحية تقل حاجتها إلى التمويل الخارجي مستقبلًا. وتكشف تقديرات المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها حجم التحدي وإلحاحه؛ إذ كان متوقعًا أن تتراجع المساعدات الصحية الخارجية لأفريقيا بنسبة 70% بين عامي 2021 و2025، في وقت ارتفعت فيه حالات تفشي الأمراض بنسبة 41%.
وفي مواجهة هذه الضغوط، تبنى المركز استراتيجية تمويل مرحلية تستهدف توسيع قاعدة الموارد المحلية وتنويع مصادرها. وشملت الاستراتيجية حتى الآن تحديث الخطط الوطنية لتمويل الصحة في 30 دولة، واختبار رسوم تضامنية على الرحلات الجوية والمشروبات الكحولية وخدمات الهاتف المحمول، فضلًا عن بحث إمكانية توجيه جزء، ولو محدودًا، من تحويلات الأفارقة المقيمين في الخارج، والبالغة نحو 95 مليار دولار سنويًا، إلى الموازنات الصحية. والهدف هو تمكين 20 دولة، بحلول عام 2030، من تمويل ما لا يقل عن نصف إنفاقها الصحي من مواردها الذاتية.
غير أن المسافة بين هذا الطموح والواقع لا تزال واسعة. ففي عام 2001، تعهدت دول الاتحاد الأفريقي، بموجب إعلان أبوجا، بتخصيص ما لا يقل عن 15% من موازناتها الوطنية للصحة. وبعد أكثر من عقدين، لم تحافظ على الوفاء بهذا التعهد بصورة مستدامة سوى رواندا وبوتسوانا والرأس الأخضر، فيما لا تزال أكثر من 30 دولة عضو تخصص أقل من 10% من موازناتها للقطاع الصحي.
لكن العقبة الأعمق لا تكمن في نسب الإنفاق وحدها، بل في قدرة الحكومات على تعبئة الإيرادات من الأساس. فمعظم الحكومات الأفريقية منخفضة الدخل تجمع إيرادات تعادل حصة من الناتج المحلي الإجمالي تقل عن نظيراتها في الدول متوسطة الدخل، ما يفرض سقفًا فعليًا على ما يمكن لوزارات الصحة الحصول عليه، حتى عندما تتوافر الإرادة السياسية لزيادة الإنفاق. وتحاول بعض الحكومات تجاوز هذا القيد عبر نماذج للتأمين الصحي الاجتماعي، تجمع اشتراكات العاملين في القطاع الرسمي للمساعدة في توسيع نطاق التغطية ليشمل بقية السكان. غير أن قاعدة المشتركين في هذه النظم لا تزال محدودة خارج عدد قليل من الدول.
ويمتد المسار نفسه إلى التصنيع الدوائي المحلي: تحرك حقيقي، لكنه يبدأ من قاعدة محدودة للغاية. فأفريقيا لا تزال تستورد نحو 80% من احتياجاتها من الأدوية. وفي هذا السياق، يمثل إنتاج شركة “كوديكس بيو” النيجيرية أدوات فحص فيروس نقص المناعة البشرية والملاريا محليًا أحد أبرز مؤشرات التحول، ويُطرح صراحةً بوصفه أحد السبل لسد الفجوة التي خلفها تراجع التمويل الأمريكي. لكن هذا التحول يكشف أيضًا أن الاعتماد على المساعدات لا يقتصر على التمويل. فهو يمتد إلى إنتاج الأدوية في الخارج، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، وأنظمة المشتريات. ومن هنا، تكتسب التحركات السياسية والدبلوماسية الجارية دلالة أوسع؛ ففي عام 2025، وقّع قادة الاتحاد الأفريقي “إعلان أكرا”، متعهدين بالحد من الاعتماد على الأدوية المستوردة والتمويل الخارجي. وفي الوقت نفسه، باتت وزارات الصحة تتجه إلى دول الخليج والجهات الأوروبية والمؤسسات متعددة الأطراف بالتوازي، في محاولة لتنويع مصادر التمويل بدلًا من انتظار مانح واحد يحل محل الولايات المتحدة.
ومع ذلك، سيكون من التبسيط النظر إلى هذه التحولات باعتبارها انتقالًا مباشرًا نحو الاستقلال. صحيح أن انسحاب المساعدات يدفع إلى استحداث أدوات تمويل جديدة وبناء قدرات تصنيع محلية، لكن تحمّل الدول مسؤولية أكبر عن نظمها الصحية لا يعني بالضرورة امتلاكها القدرة على النهوض بهذه المسؤولية. وهنا تظهر المفارقة: فالدول ذات الهوامش المالية الأضيق هي نفسها الأقل قدرة على استيعاب خسارة المساعدات، لأنها تملك منذ البداية أقل قدر من الموارد والأدوات المحلية التي يمكن تعبئتها لتعويض ما فُقد. ومن ثم، قد يدفع تراجع المساعدات بعض الدول خطوات إلى الأمام على طريق السيادة الصحية، بينما يكشف في دول أخرى حدود قدرتها على بلوغ هذه السيادة من الأساس. والفارق بين الحالتين جوهري: دول تحول الصدمة إلى فرصة لبناء قدرات حقيقية، وأخرى لا تملك سوى استيعاب الخسارة. وعلى هذا الفارق سيتوقف، إلى حد بعيد، أي المسارين ستسلكه حوكمة الصحة العالمية في المرحلة المقبلة.
في ظل التحولات الجارية، يلوح مساران محتملان لمستقبل حوكمة الصحة العالمية، ولم يُحسم بعد أيهما سيفرض نفسه.
السيناريو الأول هو التفكك، وتوحي المؤشرات الأولية بأن هذا المسار يتقدم بالفعل بدرجة يصعب تجاهلها. فقد بدأت فجوات التمويل تترجم إلى تراجع في قدرة البرامج الصحية على أداء وظائفها، كما يتضح من إغلاق العيادات وفقدان العاملين وظائفهم. ويقود ضعف هذه البرامج بدوره إلى ارتفاع أعباء المرض، وهو ما بدأت بوادره تظهر في زيادة الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشرية في دول مثل زامبيا، بعد سنوات من الاتجاه التراجعي. والأهم أن هذه الأعباء لا تتوزع بالتساوي؛ بل تتركز في الدول ذات الهوامش المالية الأضيق، أي في الدول الأقل قدرة أصلًا على استيعاب صدمة التمويل، بما يعمق أوجه عدم المساواة في الصحة العالمية.
وتقدم جنوب أفريقيا أوضح مؤشر مبكر على المآل الذي قد يقود إليه هذا المسار إذا استمر. فمع الإنهاء التدريجي لبرنامج “بيبفار” على خلفية خلاف سياسي مع واشنطن، بدأت الصين وروسيا في شغل الفراغ الناشئ، موظفتين دبلوماسية الصحة لاكتساب ما كانت واشنطن تتمتع به بحكم موقعها المهيمن من قدرة على الوصول ورصيد من حسن النية. وعند هذه النقطة، تتجاوز المسألة حدود التمويل؛ إذ تصبح المساعدات الصحية ساحة أخرى للتنافس بين القوى الكبرى، فيما تتجه حوكمة الصحة العالمية نحو التشظي إلى ترتيبات ثنائية متفرقة، تتحدد ملامحها تبعًا لقوة علاقة كل دولة بهذا الطرف الدولي أو ذاك.
السيناريو الثاني هو التكيف، وهو ليس مجرد احتمال نظري، بل مسار يتشكل بالفعل بالتوازي مع التفكك. فقد بدأت الدول في تنويع شراكاتها، والتوجه في الوقت نفسه إلى المانحين الأوروبيين والخليجيين والمؤسسات متعددة الأطراف، بدلًا من انتظار مانح واحد يحل محل الولايات المتحدة. وفي موازاة ذلك، بدأت جهود تعبئة التمويل المحلي تكتسب زخمًا، وإن بوتيرة بطيئة؛ من مساعي المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها لتمكين 20 دولة من تمويل نصف إنفاقها الصحي من مواردها الذاتية بحلول عام 2030، إلى اختبار الرسوم التضامنية، وصولًا إلى مستهدفات إعلان أبوجا التي بدأت قلة من الدول أخيرًا في الوفاء بها.
ويمتد هذا التحول من التمويل إلى بناء قدرات أكثر استدامة. فالتعاون الإقليمي بات يستند إلى أساس ملموس أرساه “إعلان أكرا” لعام 2025، فيما يمضي التصنيع المحلي في الاتجاه نفسه، من إنتاج أدوات الفحص في نيجيريا إلى المساعي القارية الرامية إلى رفع حصة الإنتاج المحلي من اللقاحات إلى 60% بحلول عام 2040. وتكمن أهمية هذه القدرات في أنها، متى ترسخت، لا تظل رهينة لدورات موازنات المانحين وتقلب أولوياتهم. وإذا أصبح التكيف هو المسار الغالب، فقد تفضي صدمة تراجع “بيبفار” إلى مفارقة لافتة: أن يكون الانسحاب الذي كشف هشاشة منظومة شديدة الاعتماد على المانحين هو نفسه ما يدفعها إلى بناء أسس أكثر متانة وقدرة على الصمود.
لكن بيانات العام ونصف العام الماضيين لا تشير حتى الآن إلى انتصار أحد المسارين؛ بل تكشف أن التفكك والتكيف يتقدمان بالتوازي، وإن بدرجات متفاوتة، بين دولة وأخرى، بل وأحيانًا داخل الدولة نفسها في مراحل مختلفة. وأيهما سيفرض نفسه في نهاية المطاف قد يتوقف بدرجة أقل على الخطوة التالية التي تتخذها واشنطن، وبدرجة أكبر على ما إذا كانت الحكومات التي باتت تمتلك الإرادة السياسية لتحقيق السيادة الصحية تمتلك أيضًا الحيز المالي اللازم لتحويل هذه الإرادة إلى واقع.
ومن هنا، لا يكمن السؤال الأهم في ما إذا كان الانسحاب الأمريكي مفيدًا أم ضارًا للصحة العالمية، بل في المآل الذي ستفضي إليه الصدمة التي أحدثها: هل ستُذكر بوصفها اللحظة التي بدأت فيها منظومة الصحة العالمية تزداد ضعفًا، أم اللحظة التي بدأت فيها تتخلص من اعتمادها على دولة واحدة لإبقائها متماسكة؟
Africa CDC. “Africa CDC Unveils Strategic Plan to Transform Health Financing and Advance Self-Reliance.” April 11, 2025. https://africacdc.org/news-item/africa-cdc-unveils-strategic-plan-to-transform-health-financing-and-advance-self-reliance/.
Africa CDC. “Africa’s Health Financing in a New Era.” April 3, 2025. https://africacdc.org/news-item/africas-health-financing-in-a-new-era-april-2025/.
amfAR. “Trump Administration’s PEPFAR Funding Cuts Cause Widespread Disruption to Global HIV Services, New Report Finds.” MedPath, n.d. Accessed August 16, 2026. https://trial.medpath.com/news/trump-administration-s-pepfar-funding-cuts-cause-widespread-disruption-to-global-hiv-services-new-report-finds.
Brookings Institution. “The New ‘America First Global Health Strategy’ Could Erode Years of Progress under PEPFAR.” Accessed August 16, 2026. https://www.brookings.edu/articles/the-new-america-first-global-health-strategy-could-erode-years-of-progress-under-pepfar/.
Burundi Times. “African Leaders Back Local Drug Manufacturing as Foreign Aid Shrinks.” Accessed August 16, 2026. https://www.burunditimes.com/african-leaders-back-local-drug-manufacturing-as-foreign-aid-shrinks/.
Global Policy Journal. “Consequences and Implications for the International Development Assistance Sector from the Closure of USAID.” March 20, 2025. https://www.globalpolicyjournal.com/blog/20/03/2025/consequences-and-implications-international-development-assistance-sector-closure.
KFF. “The Trump Administration’s Foreign Aid Review: Status of PEPFAR.” Accessed August 16, 2026. https://www.kff.org/global-health-policy/the-trump-administrations-foreign-aid-review-status-of-pepfar/.
NBC News. “Russia and China Are Beating the U.S. at Vaccine Diplomacy, Experts Say.” Accessed August 16, 2026. https://www.nbcnews.com/news/world/russia-china-arebeating-u-s-vaccine-diplomacy-experts-say-n1262742.
The Hill. “Cutting AIDS Relief Hands South Africa to Russia, China.” Opinion. Late July 2026. https://thehill.com/opinion/international/5988719-trump-pepfar-south-africa/.
Think Global Health. “Africa’s Push for Health Sovereignty.” December 18, 2025. https://www.thinkglobalhealth.org/article/africas-push-for-health-sovereignty.
تعليقات