تظل التوقعات السياسية، مهما استندت إلى أدوات التحليل والاستشراف، رهينة بما ستكشف عنه الأحداث؛ فالواقع هو الاختبار الأكثر صرامة لمدى قدرتها على الصمود. وما يبدو في لحظة ما قراءة نافذة لمسارات المستقبل قد تثبت الأيام دقته، أو تكشف حدود الافتراضات التي قام عليها، أو تترك الحكم عليه معلقًا إلى أن يكتمل مسار الأحداث.
ومن هذه الفكرة تنطلق سلسلة "هل كانوا على صواب؟"، إذ تعود إلى السجل التحليلي للماضي لاستعادة ما توقعه الخبراء في حينه، ثم تضع تلك التوقعات في مواجهة ما تحقق فعليًا. والغاية ليست البحث عن إصابة كاملة أو خطأ مطلق، بقدر ما هي الوقوف على ما صمد من تلك التوقعات أمام اختبار الواقع، وما أخفقت الأحداث في تأكيده، وما لا يزال بعيدًا زمنيًا عن إمكان اختباره بصورة ذات دلالة.
وفي هذه الحلقة، يأتي الدور على جورج فريدمان وكتابه "المئة عام القادمة: توقعات للقرن الحادي والعشرين"، الصادر عام 2009. فبعد سبعة عشر عامًا على صدوره، باتت هناك مسافة زمنية كافية لموازنة عدد من توقعاته بالسجل الجيوسياسي الفعلي، واختبار مدى قدرة الافتراضات التي بنى عليها رؤيته للمستقبل على تفسير المسارات التي اتخذها العالم منذ ذلك الحين.
ولا يتعلق السؤال هنا بما إذا كان فريدمان قد نجح في التنبؤ بمستقبل قرن كامل؛ فذلك معيار لا يمكن، بطبيعته، تطبيقه على كتاب يمتد أفقه الاستشرافي إلى مئة عام. وإنما ينصب التقييم على ما يمكن للواقع اختباره حتى الآن: أي من افتراضاته الجوهرية أثبت قدرته على الصمود؟ وأيها خالفته التطورات بالفعل؟ وأيها لا يزال بعيدًا في الأفق الزمني إلى حد لا يسمح بعد بإصدار حكم ذي دلالة عليه؟
جورج فريدمان استراتيجي أمريكي متخصص في الجغرافيا السياسية، ومؤسس شركة “ستراتفور”، وهي شركة خاصة متخصصة في الاستخبارات الجيوسياسية. ويستند منهجه التحليلي إلى ما يمكن وصفه بالجغرافيا السياسية البنيوية، إذ ينطلق من مجموعة من المحددات الهيكلية التي يرى أنها ترسم حدود حركة الدول وتؤثر في خياراتها، وفي مقدمتها الجغرافيا، والاتجاهات الديموغرافية، وتوزيع القوة الاقتصادية والعسكرية، والقيود التي يفرضها الموقع الجغرافي لكل دولة.
ومن هذا المنطلق، لا يجعل فريدمان نوايا القادة الأفراد أو خياراتهم نقطة البداية في تفسير سلوك الدول، بل يتجاوزها إلى البحث عن الضغوط البنيوية الأعمق التي تقيد تلك الخيارات وتدفع الدول إلى التحرك في اتجاهات بعينها. فالأحداث، مهما بدت مضطربة أو عصية على الانتظام، لا تعني في نظره أن النظام الدولي يفتقر إلى نسق يمكن فهمه؛ إذ يفترض أن وراء الفوضى الظاهرة منطقًا جيوسياسيًا تحكمه قوى وضغوط يمكن رصدها واستقراء آثارها.
ويأتي كتاب “المئة عام القادمة”، الصادر عام 2009، بوصفه ربما أكثر تطبيقات فريدمان طموحًا لهذا المنهج. فهو يقر صراحة باستحالة معرفة تفاصيل المستقبل، لكنه يميز بين التنبؤ بتفاصيل الأحداث واستشراف مساراتها الكبرى؛ إذ يرى أن تعذر الأول لا ينفي إمكان الثاني، متى أمكن تحديد البنى الجيوسياسية المتكررة التي توجه المسارات العامة لتطور الأحداث.
وعلى هذا الأساس، تقوم الأطروحة المركزية للكتاب على أن القرن الحادي والعشرين سيظل، في جوهره، قرنًا أمريكيًا. ويرى فريدمان أن مجموعة من المقومات ستتيح للولايات المتحدة الاحتفاظ بموقعها بوصفها القوة العالمية المهيمنة لعقود مقبلة، في مقدمتها مزاياها الجغرافية، وسيطرتها على قارة أمريكا الشمالية، وثقلها الاقتصادي، وقوتها البحرية، فضلًا عن قدرتها على التدخل بصورة انتقائية في أنحاء أوراسيا.
لذلك، لا ينصب السؤال الرئيسي لديه على ما إذا كانت الهيمنة الأمريكية ستتراجع وتختفي، بقدر ما ينصب على هوية القوى الإقليمية التي يمكن أن تصعد لتحديها. وهنا تحديدًا يفترق فريدمان عن أحد أكثر التصورات شيوعًا بشأن مستقبل النظام الدولي. فبدلًا من النظر إلى الصين باعتبارها الوريث الحتمي للولايات المتحدة في صدارة النظام العالمي، توقع أن يتعثر صعودها تحت وطأة الاختلالات الديموغرافية، والتفاوتات الإقليمية، والتشرذم السياسي.
أما روسيا، فرأى فريدمان أن عودتها إلى القوة لن تكون سوى مرحلة مؤقتة، قبل أن يفقد هذا الصعود زخمه في نهاية المطاف تحت وطأة مواطن الضعف الديموغرافية والاقتصادية التي تعاني منها البلاد. وفي تصوره، سيترك انحسار القوة الروسية فراغًا جيوسياسيًا في أوراسيا، يفسح المجال أمام صعود ثلاث قوى على وجه الخصوص: بولندا وتركيا واليابان.
وتصبح توقعات فريدمان أكثر تحديدًا كلما اقترب أفقها الزمني من عقد العشرينيات. ففي هذه المرحلة، توقع تجدد المواجهة بين روسيا والغرب، وتعاظم قوة بولندا بصورة كبيرة، وتنامي القوة العسكرية لليابان، بالتوازي مع صعود تركيا بوصفها فاعلًا إقليميًا متزايد التأثير. وفي المقابل، رسم صورة أكثر حدة لمصير بعض القوى والمؤسسات القائمة، متوقعًا تفكك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتفكك السياسي لروسيا، وتفتت الصين.
وبعد عقد العشرينيات، تنتقل توقعات الكتاب إلى نطاق أكثر افتراضية وأبعد عن إمكان الاختبار. فقد تصور فريدمان اندلاع صراع عالمي واسع النطاق خلال خمسينيات القرن الحادي والعشرين، تكون الولايات المتحدة وبولندا وتركيا واليابان من أطرافه، على أن يعقب ذلك تجدد في القوة التكنولوجية والاقتصادية للولايات المتحدة.
ويمتد أفقه الاستشرافي إلى نهاية القرن، حيث ذهب إلى أن المكسيك قد تصبح منافسًا محتملًا للهيمنة الأمريكية. غير أن هذه السيناريوهات تظل بعيدة زمنيًا إلى حد لا يسمح بعد بإخضاعها لاختبار ذي دلالة. ومن هنا تكتسب توقعاته بشأن عقد العشرينيات أهمية خاصة؛ فهي تمثل أول محطة حقيقية يمكن عندها اختبار جانب مهم من رؤيته المستقبلية، إذ قدم فريدمان بشأن هذه المرحلة مجموعة من التوقعات الصريحة والمحددة التي بات من الممكن اليوم وضعها مباشرة أمام ما كشف عنه الواقع.
صمد عدد من توقعات فريدمان البنيوية بصورة لافتة أمام اختبار الواقع، وإن جاءت بعض النتائج الفعلية مختلفة عن الصورة التفصيلية التي رسمها لمسار الأحداث. وهنا تحديدًا تتجلى إحدى نقاط القوة في منهجه: قدرته على التقاط اتجاه التحولات الجيوسياسية الكبرى، حتى حين لا تصيب توقعاته مسارها أو مآلاتها بدقة.
عودة روسيا إلى قلب المواجهة مع الغرب: كان استشراف عودة روسيا إلى قلب المعضلة الأمنية الأوروبية من أبرز المواضع التي أصاب فيها فريدمان. فقد انطلق من أن القيود التي تفرضها الجغرافيا على روسيا ستدفع موسكو إلى السعي لتوسيع عمقها الاستراتيجي وتعزيز نفوذها على جيرانها الغربيين، ولا سيما أوكرانيا وبيلاروسيا. ومن هذا المنطلق، توقع صراحة أن تسعى روسيا إلى إعادة بسط نفوذها في أوروبا الشرقية، وأن يقود هذا المسار في نهاية المطاف إلى مواجهة مع الولايات المتحدة وأوروبا.
وجاء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 ليقدم ربما أوضح دليل على صواب هذا الجانب من إطار فريدمان التحليلي. فعلى خلاف كثير من افتراضات مرحلة ما بعد الحرب الباردة، لم تنكفئ روسيا عن المشهد الجيوسياسي الأوروبي أو تتراجع إلى هامشه، بل سعت موسكو بالقوة العسكرية إلى تغيير النظام الأمني الأوروبي، لتدخل القارة بذلك في أكبر حرب بين دول تشهدها منذ عقود. وحتى عام 2026، لا تزال الحرب دون حسم؛ إذ تواصل روسيا عملياتها الهجومية، في حين تعتمد أوكرانيا بصورة متزايدة على الدعم العسكري الأوروبي، إلى جانب إنتاجها المحلي من الأسلحة.
صعود بولندا إلى قلب المعادلة الأمنية الأوروبية: كان توقع فريدمان بأن تتحول بولندا إلى قوة عسكرية رئيسية في أوروبا لافتًا في استشرافه للمسار الذي ستسلكه البلاد لاحقًا. فقد بنى توقعه على موقع بولندا الجغرافي بين ألمانيا وروسيا، واعتمادها الاستراتيجي على الدعم الأمريكي، فضلًا عن تقديره أن الضغوط الروسية قد تدفعها إلى تسريع تطوير قدراتها العسكرية. وذهب إلى أبعد من ذلك، متوقعًا أن تصبح بولندا القوة الرئيسية في تحالف يتصدى لروسيا.
واليوم، باتت ملامح جانب مهم من هذا المسار واضحة. فقد ارتفع الإنفاق الدفاعي البولندي من 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2021 إلى نحو 4.5% عام 2025، وفق التقديرات، لتسجل بولندا بذلك أعلى نسبة للإنفاق الدفاعي إلى الناتج المحلي الإجمالي بين دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتحتل المرتبة الخامسة أوروبيًا من حيث إجمالي الإنفاق الدفاعي.
ولم يأت هذا الصعود بمعزل عن تحول أوسع في البيئة الأمنية الأوروبية، أخذ مركز ثقله يتحرك باتجاه الشرق. فقد رفعت دول الناتو إنفاقها الدفاعي بصورة كبيرة خلال عام 2025، فيما برزت بولندا ودول البلطيق بين أكثر أعضاء الحلف تسلحًا. وهكذا، التقط فريدمان مبكرًا اتجاه تحول استراتيجي مهم، وإن لم يتحقق حتى الآن توقعه بظهور تكتل تقوده بولندا في مواجهة روسيا. أما ما تحقق بالفعل، فهو أن الضغوط الروسية أسهمت بصورة ملموسة في تعزيز الوزن الاستراتيجي لبولندا داخل معادلة الأمن الأوروبي.
اليابان والتحول نحو إعادة التسلح الاستراتيجي: وعلى الجبهة الآسيوية، التقط فريدمان اتجاهًا استراتيجيًا آخر بدأت ملامحه تتبلور بوضوح. فقد توقع أن تجعل التحولات المتراكمة في البيئة الأمنية المحيطة باليابان القيود التي فرضتها طوكيو على قوتها العسكرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أكثر صعوبة في الاستمرار. واستند في هذا التوقع إلى جملة من الضغوط البنيوية، في مقدمتها التحديات الديموغرافية، والاعتماد على الموارد المستوردة، وصعود الصين، معتبرًا أن تفاعل هذه العوامل سيدفع طوكيو، في نهاية المطاف، إلى إعادة النظر في وضعها الاستراتيجي.
واليوم، لم يعد اتجاه هذا التحول خافيًا. فاليابان تمضي في أكبر عملية لتعزيز قدراتها الدفاعية منذ الحرب العالمية الثانية، بالتزامن مع وصول إنفاقها الدفاعي إلى مستويات قياسية، وتوسيع استثماراتها في قدرات الضرب بعيد المدى، والقوة البحرية، والتكنولوجيا الدفاعية.
ويكتسب هذا التحول بعدًا أوسع في السياسة الدفاعية اليابانية لعام 2026، التي تربط صراحة بين الاستثمار العسكري والتطور التكنولوجي والاقتصادي. وهنا أيضًا، تبدو قوة استشراف فريدمان أوضح في التقاط الاتجاه العام للتحول منها في توقع الآلية الجيوسياسية المحددة التي سيتخذها.
تركيا واتساع هامش النفوذ الإقليمي: أما تركيا، فقد اكتسب توقع فريدمان بصعودها إلى مصاف القوى الإقليمية الرئيسية قدرًا متزايدًا من المصداقية مع التحولات التي شهدها المشهد الجيوسياسي. فقد بنى توقعه على موقعها عند ملتقى البلقان والقوقاز والبحر الأسود والشرق الأوسط، معتبرًا أن هذه الجغرافيا ستتيح لأنقرة استثمار حالة عدم الاستقرار المحيطة بحدودها لتوسيع نفوذها وتعزيز موقعها الاستراتيجي.
صحيح أن تركيا لم تتحول إلى القوة العظمى ذات التوجه العثماني الجديد التي تصورها فريدمان، لكن وزنها الاستراتيجي النسبي ازداد بوضوح. فقد أسهم انخراطها العسكري في سوريا، واتساع شبكة علاقاتها الدفاعية، ونفوذها في سوريا ما بعد الأسد، فضلًا عن تنامي قدرتها على المناورة الدبلوماسية بين روسيا وأوروبا ودول الخليج والولايات المتحدة، في ترسيخ موقع أنقرة بوصفها فاعلًا محوريًا في النظام الإقليمي الآخذ في التشكل.
وهنا أيضًا، تحقق اتجاه التحول أكثر مما تحققت الصورة التي رسمها فريدمان لمآلاته. فقد برزت تركيا لاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط، ولكن عبر مسار يختلف عن نموذج القوة الإقليمية المهيمنة الذي تصوره. فالاستراتيجية التركية الراهنة تبدو أقل نزوعًا إلى فرض الهيمنة على الإقليم، وأكثر تركيزًا على إدارة بيئة إقليمية مضطربة أتاحت لأنقرة مساحة أوسع للحركة والنفوذ.
لم يكن موطن الإخفاق الأبرز في توقعات فريدمان هو تشخيص الضغوط البنيوية في حد ذاتها، بقدر ما كان في تقدير سرعة تحول تلك الضغوط إلى نتائج سياسية حاسمة. ففي أكثر من حالة، التقط فريدمان مواطن الضعف بدقة، لكنه بالغ في تقدير قدرتها على دفع الدول إلى التفكك، وفي سرعة حدوث ذلك.
الصين: ضغوط بنيوية لم تفض إلى التفكك: يعد توقع فريدمان بأن تشهد الصين خلال عقد العشرينيات تفككًا اقتصاديًا وسياسيًا حادًا أحد أكثر توقعات الكتاب أهمية وأبعدها أثرًا. فقد تصور تصاعد مقاومة المناطق الساحلية لسلطة بكين، واستغلال قوى أجنبية للانقسامات الإقليمية داخل البلاد، بالتزامن مع تزايد الصعوبات التي تواجهها الحكومة المركزية في الحفاظ على سيطرتها السياسية. لكن هذا السيناريو لم يتحقق. صحيح أن الصين واجهت ضغوطًا بنيوية فعلية، من بينها التراجع الديموغرافي، وتباطؤ النمو الاقتصادي، ومشكلات القطاع العقاري، والتوترات المرتبطة بنموذجها التنموي، لكن أيًا من هذه الضغوط لم يفض حتى الآن إلى التفكك السياسي الذي اعتبره فريدمان النتيجة الأكثر ترجيحًا.
وعلى العكس، حافظت بكين على سيطرتها السياسية المركزية، بالتوازي مع مواصلة توسيع قدراتها العسكرية وطموحاتها التكنولوجية. كما استمرت ميزانية الدفاع الصينية في النمو بوتيرة تفوق معدل النمو المتوقع للناتج المحلي الإجمالي، لتتجاوز 270 مليار دولار في عام 2026، وفقًا للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS). وهنا يتجلى أحد الفوارق الجوهرية التي سيعود إليها تقييم منهج فريدمان لاحقًا: الفارق بين القدرة على تشخيص مواطن الضعف والقدرة على استشراف مآلاتها السياسية. فقد أصاب في رصد جوانب مهمة من مواطن الضعف البنيوية التي تواجه الصين، لكنه أخطأ حين تعامل مع هذه الهشاشة باعتبارها مؤشرًا يمكن التعويل عليه للتنبؤ بالتفكك السياسي.
روسيا: مواطن ضعف عميقة بلا انهيار سياسي: وتتكرر المعضلة ذاتها، بصورة مختلفة، في الحالة الروسية. فقد توقع فريدمان أن يؤدي التراجع الديموغرافي، ومواطن الضعف الاقتصادي، والاستنزاف الناجم عن التمدد العسكري المفرط، إلى تفكك الاتحاد الروسي في مطلع عقد العشرينيات. بل رسم الكتاب سيناريو يتفكك فيه الاتحاد الروسي نفسه، وتنفض فيه مناطق مثل شمال القوقاز والشرق الأقصى الروسي عن سلطة موسكو. غير أن الواقع سلك مسارًا مختلفًا إلى حد بعيد. فقد تكبدت روسيا تكاليف عسكرية واقتصادية هائلة جراء الحرب في أوكرانيا، من دون أن يقود ذلك إلى انهيار الدولة. وعلى العكس، احتفظت الحكومة الروسية بسيطرتها على أراضي البلاد، وحشدت موارد عسكرية ضخمة، وكيّفت اقتصادها مع متطلبات مواجهة ممتدة.
ومن هذه الزاوية، تكشف الحرب المستمرة عن قدرة الدولة الروسية على الصمود تحت وطأة ضغوط متواصلة، في تناقض واضح مع الإطار الزمني الذي وضعه فريدمان لتفككها. ومع ذلك، لا ينفي هذا بالضرورة تشخيصه الأساسي لمواطن الضعف الروسية؛ إذ قد يثبت على المدى الطويل صواب تقديره بأن البنية الديموغرافية والاقتصادية للبلاد تفرض قيودًا على قدرتها على الحفاظ على قوتها.
ومن ثم، لم يكن الخلل في رصد مواطن الضعف البنيوية بقدر ما كان في القفز من تشخيصها إلى افتراض أنها ستفضي إلى انهيار سياسي وشيك. وهي المعضلة نفسها التي برزت في الحالة الصينية: فقد يصح تشخيص الضغوط التي تتعرض لها دولة ما، من دون أن يعني ذلك إمكان التنبؤ بدقة بالمآلات السياسية التي ستنتج عنها أو بالتوقيت الذي ستتحقق فيه.
إذا كانت بعض توقعات فريدمان قد تعثرت بسبب المبالغة في تقدير سرعة تحول الضغوط البنيوية إلى تفكك سياسي، فإن توقعات أخرى اصطدمت بمسار مغاير تمامًا لما افترضه نموذجه. ويظهر ذلك بوضوح في مستقبل حلف الناتو، ومدى الانكفاء الأمريكي، والموقع الذي ستحتله الصين في معادلة القوى الكبرى.
الناتو: من توقع التفكك إلى واقع أكثر تماسكًا: لعل أوضح إخفاقات فريدمان على المستوى المؤسسي تمثل في توقعه أن يفقد حلف شمال الأطلسي (الناتو)، خلال عقد العشرينيات، وجوده الفعلي بوصفه تحالفًا ذا معنى. فقد تصور أن ترفض ألمانيا وفرنسا، في نهاية المطاف، الدفاع عن دول البلطيق، بما يقوض عمليًا مبدأ الدفاع الجماعي الذي يقوم عليه الحلف.
لكن الواقع تحرك في الاتجاه المعاكس. فبدلًا من أن يؤدي الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تفكك الناتو، أسهم في تعزيز الحلف؛ إذ انضمت إليه فنلندا والسويد، بالتزامن مع زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي للدول الأوروبية الأعضاء. وفي عام 2025، اتفقت دول الحلف على رفع استثماراتها الدفاعية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، في وقت كانت فيه الدول الأوروبية الأعضاء وكندا قد رفعت بالفعل إنفاقها الدفاعي بوتيرة حادة.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد توقع خالفه الواقع، بل بأحد مواطن القصور في الإطار التحليلي الذي اعتمده فريدمان. فالمؤسسات لا تستجيب للضغوط الجيوسياسية بالتآكل والانحلال بالضرورة؛ إذ قد تعمل الصدمات الخارجية، على العكس، على دفعها إلى التكيف وتعزيز قدرتها على الاستمرار.
المبالغة في تقدير الانكفاء الأمريكي: وفي سياق متصل، افترض فريدمان، ضمن تصوره الأوسع للنظام الدولي، أن الولايات المتحدة ستتجه تدريجيًا إلى تقليص انخراطها في أمن أوراسيا، كلما ازدادت قدرة القوى الإقليمية على موازنة بعضها بعضًا. غير أن البيئة الأمنية التي تشكلت منذ عام 2022 أظهرت مرارًا استمرار الدور المركزي للقوة العسكرية الأمريكية.
فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الرئيسية داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فيما تواصل واشنطن أداء دور مؤثر في تشكيل معادلات الردع في أوروبا، والترتيبات الأمنية في آسيا، وموازين القوى العسكرية في الشرق الأوسط. وحتى حين سعى صانعو السياسة الأمريكيون إلى تقليص التزامات بلادهم الخارجية، لم يتحول هذا التوجه إلى الانسحاب الاستراتيجي الذي تصوره فريدمان. ومن ثم، لم يكن افتراض اتجاه الولايات المتحدة نحو تقليص انخراطها الخارجي بعيدًا تمامًا عن الواقع، لكن فريدمان بالغ في تقدير المدى الذي يمكن أن يبلغه هذا الانكفاء.
التنافس الصيني الأمريكي: صراع قوى كبرى لم يتراجع: أما أحد أكثر أوجه التباعد لفتًا للانتباه بين توقعات فريدمان والواقع، فيتعلق بموقع الصين في معادلة القوى الكبرى. فقد تعامل معها بوصفها قوة مرشحة للانكفاء تحت وطأة التفكك الإقليمي، في الوقت الذي كانت فيه تبدأ بالفعل في امتلاك القدرات اللازمة لخوض منافسة مستدامة على مستوى القوى الكبرى.
وبحلول عام 2026، اتسعت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين لتشمل طيفًا واسعًا من المجالات، من التجارة وأشباه الموصلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي إلى القوة العسكرية والتنافس البحري والمنظومات التكنولوجية المتنافسة. صحيح أن الصين لم تتحول إلى قوة مهيمنة بلا منازع، وهو السيناريو الذي رفضه فريدمان، لكنها لم تصبح كذلك “نمرًا من ورق” تمزقه الانقسامات الداخلية، كما تصورها الكتاب. وما أفرزه الواقع بدلًا من ذلك هو معادلة أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية: لا تزال الصين قوة كبرى متماسكة، ويواجه صعودها قيودًا تكبح زخمه من دون أن تعكس مساره.
بعد سبعة عشر عامًا على صدور كتاب جورج فريدمان “المئة عام القادمة”، تبدو حصيلة توقعاته أمام اختبار الواقع أكثر تعقيدًا من أن تختزل في حكم قاطع بالصواب أو الخطأ. فقد أظهر قدرة لافتة على استشراف اتجاهات عدد من التحولات الاستراتيجية الكبرى، لكنه كان أقل توفيقًا في توقع المآلات السياسية التي ستفضي إليها تلك التحولات، وفي تقدير توقيت تحققها. فقد أصاب فريدمان في توقع عودة روسيا إلى المواجهة مع الغرب، وتصاعد الثقل العسكري لبولندا، وابتعاد اليابان تدريجيًا عن سياسة ضبط قوتها العسكرية التي انتهجتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فضلًا عن تنامي الوزن الاستراتيجي لتركيا في محيطها الإقليمي.
في المقابل، لم يصمد عدد من أكثر توقعات الكتاب جرأة أمام اختبار الواقع. فلم تتفكك روسيا، ولم تتفتت الصين، ولم ينهَر حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما لم تنسحب الولايات المتحدة من النظام الدولي بالقدر الذي توقعه فريدمان. بل إن بعض الصدمات الكبرى التي شهدها عقد العشرينيات أفضت إلى نتائج معاكسة لما افترضه نموذجه؛ وكان الغزو الروسي لأوكرانيا المثال الأبرز، إذ أسهم في تعزيز عدد من التحالفات والمؤسسات التي توقع فريدمان أن تضعف.
وهذا التباين بين ما أصاب فيه فريدمان وما أخفق في توقعه هو المدخل الأهم للحكم على منهجه. فقد تمثلت أبرز نقاط قوته في قدرته على تحديد بؤر الضغط الجيوسياسي واستشراف الاتجاهات التي يمكن أن تدفع إليها. فالجغرافيا فرضت قيودًا على روسيا، والضغوط الروسية عززت الثقل الاستراتيجي لبولندا، وصعود الصين شجع اليابان على إعادة التسلح، فيما وسعت حالة عدم الاستقرار المحيطة بتركيا هامش المناورة الاستراتيجية أمام أنقرة. أما نقطة الضعف الأبرز، فكانت افتراضه أن الضغوط البنيوية ستفضي إلى نتائج سياسية وفق تسلسل يمكن التنبؤ به بدرجة كافية. وهنا أثبت الواقع أن الدول والمؤسسات والمجتمعات أكثر قدرة على التكيف مما أتاحه لها نموذج فريدمان التحليلي.
ومن هنا تتبلور المفارقة الأساسية في حصيلة فريدمان: لقد أصاب في تحديد مواطن تراكم الضغوط الجيوسياسية، لكنه أخطأ في كثير من الأحيان في تقدير الكيفية التي ستُحسم بها تلك الضغوط سياسيًا. وفي هذه المفارقة تكمن دلالة أوسع تتجاوز تقييم فريدمان نفسه إلى حدود الاستشراف السياسي عمومًا. فالقوى البنيوية قد تكشف الاتجاه الذي تدفع فيه النظام، لكنها لا تحدد بدقة توقيت التغيير، ولا الآلية التي سيحدث من خلالها، ولا النتيجة التي سينتهي إليها. قد تفرض الجغرافيا قيودًا على الدول، وقد تضعفها التحولات الديموغرافية، وقد تعيد الحروب تشكيل التحالفات، لكن المؤسسات والفاعلين السياسيين يحتفظون بقدرتهم على امتصاص الصدمات والتكيف معها، وإنتاج نتائج لا تستطيع النماذج البنيوية وحدها استشرافها.
وبعد سبعة عشر عامًا فقط من توقعات تمتد على مدى قرن كامل، فإن المستقبل الذي رسمه فريدمان لم يصل بعد، لكنه لم يتلاشَ أيضًا. فما يزال جانب كبير من توقعاته خارج نطاق الاختبار، فيما بات جانب آخر منها قابلًا للحكم في ضوء ما جرى بالفعل. أما ما كشفته السنوات السبع عشرة الأولى، فهو حكم أكثر تركيبًا من مجرد القول إن فريدمان كان على صواب أو على خطأ: لقد أصاب في تحديد عدد من القوى التي ستدخل ساحة المنافسة الجيوسياسية المقبلة، لكنه أخطأ في تقدير أي من القوى القديمة سيغادرها.
تعليقات