كتب بواسطة

حازت انتخابات البرلمان الأوروبي تاريخيًا على درجة أقل* من اهتمامات الناخب الأوروبي، حيث مالت دومًا القضايا المحلية إلى الهيمنة على الاهتمامات الأوروبية ، الأمر الذي جعل قضايا مثل الدفاع والأمن، تستغرق قدر أقل من النقاش والجدل أثناء الحملات الانتخابية الأوروبية، لكن هذا الوضع تغير جذريًا خلال دوري الانعقاد السابق والحالي بسبب موجات اللاجئين التي باتت تجتاح سواحل الإتحاد الأوروبي، وسُحب الحرب الكثيفة التي أمطرت سماءه وتكد الأقدام الأوروبية على إثرها تنزلق في مُستنقع غير ذي قاع يودي بكل جهود التنمية والإعمار التي جرت خلال السبعين عامًا الماضية.

 

لذلك بدأ تسييس القضايا الإقليمية واستغلالها في انتخابات البرلمان الأوروبي ، بعدما باتت قضايا الأمن والدفاع أكثر إلحاحًا، وانكفئت الأحزاب تناقش سياسات الاتحاد تجاهها، حيث أصبح لهذه القضايا دورًا أكثر أهمية في تشكيل تفضيلات الناخبين بما يجعلها أكثر تأثيرا في تشكيل النتائج الانتخابية على مختلف مستويات الحكم المحلي وصولًا لمُستوى الاتحاد.

 

يتناول هذا التقرير مواقف واتجاهات التجمُعات الأساسية داخل البرلمان من قضايا الدفاع الرئيسية المطروحة أمام الاتحاد، وكيفية انعكاس هذه المواقف على الصياغة السياسية لهذه المواقف.

التجمُعات الأساسية في البرلمان الأوروبي

يُمكن تعريف التجمع بأنه رابطة رسمية لأعضاء البرلمان الأوروبي (MEPs) الذين يشتركون في أيديولوجيات وأهداف سياسية متشابهة. لا يعتمد هذا التجمع على الجنسية، بل على الانتماء السياسي، ويجب أن تتوافر في التجمع ثلاث شروط رئيسية وهي:

 

  • الحد الأدنى لعدد أعضاء التجمع: لتشكيل مجموعة، يلزم وجود ٢٣ عضوًا على الأقل.
  • التمثيل الجغرافي: يجب أن يأتي هؤلاء الأعضاء من ربع دول الاتحاد الأوروبي على الأقل (حاليًا ٧ من ٢٧).
  • التقارب السياسي: يجب أن يتشارك أعضاء التجمع في التوجه السياسي وأن يقدموا إعلانًا سياسيًا يوضح غرضهم وقيمهم وأهدافهم.

 

وتتمثل أهمية هذه التجمعات في قُدرتها الفائقة على تشكيل تشريعات الاتحاد الأوروبي، حيث تلعب الدور الأساسي في تشكيل تشريعات الاتحاد الأوروبي، لا سيما في عمليتي المفاوضات وعمليات صنع القرار داخل أروقته، وبالتالي تحظى الاتجاهات السياسية التي تُمثلها تجمعات بميزة الدفاع عن مصالحها، وفرض وجهات نظرها على أجندة الاتحاد، إذا ما توفر لها الأعداد المطلوبة من الأعضاء، وبهذا التعريف يتكون البرلمان الأوروبي في دورته التاسعة ٢٠١٩- ٢٠٢٤ من سبع تجمُعات سياسية رئيسية، هي:

 

مجموعة حزب الشعب الأوروبي (EPP): هي المجموعة الأكبر وهي بشكل عام تتكون من يمين الوسط، مع التركيز على مبادئ الديمقراطية المسيحية والليبرالية الاقتصادية.

مجموعة التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين (S&D): ثاني أكبر المجموعات وتنتمي أساسًا إلى يسار الوسط، وتروج لقيم الديمقراطية الاجتماعية.

مجموعة تجديد أوروبا (Renew): وهي مجموعة وسطية تدعم الليبرالية والإصلاح الاقتصادي.

مجموعة الخضر/التحالف الحر الأوروبي (Greens/EFA): تركز هذه المجموعة على حماية البيئة، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية التشاركية.

مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين (ECR): مجموعة محافظة تؤكد على السيادة الوطنية والأسواق الحرة.

مجموعة الهوية والديمقراطية (ID): هذه مجموعة يمينية إلى يمينية متطرفة مع التركيز على القومية والتشكك في أوروبا.

مجموعة اليسار في البرلمان الأوروبي (GUE/NGL): هذه مجموعة يسارية إلى يسارية متطرفة تدافع عن الاشتراكية ومعاداة الرأسمالية وحماية البيئة.

 

على مدار الدورات التسع السابقة ظلت المجموعتين الأولى والثانية القوى المهيمنة في البرلمان، وغالبًا ما امتلكتا أغلبية مُشتركة من المقاعد، وفي كُل الأحوال لم تحصل أي مجموعة على الأغلبية المطلقة على الإطلاق، مما أدى إلى الحاجة إلى التعاون وبناء التحالفات لتمرير التشريعات، ويوضح الشكل التالي توزيع مقاعد البرلمان على المجموعات الأوروبية:

 

 

تختلف أراء هذه المجموعات من قضايا الدفاع بحسب مواقفها السياسية الأساسية، حيث تأتي مجموعة الملفات الأساسية في الأمن والدفاع ضمن قائمة الأولويات الأوروبية التي يجري إعادة ترتيبها في ظل المُتغيرات الجارية في سياقين أساسيين:

 

  • أولهما الحرب الروسية الأوكرانية التي قسمت الرأي العام الأوروبي حول ما يتعلق بفرص أوكرانيا في الفوز بالحرب، وفي حين يتوقع كثيرون التوصل إلى تسوية، فإن أغلب الأوروبيين لا يؤيدون مزيد من الاسترضاء لروسيا، وسوف يشعرون بخيبة أمل عميقة إذا ما انتصرت روسيا أو فرضت أجندتها بأي شكل من الأشكال، بالتالي بات على القادة الأوروبيين منع بوتن من تحقيق أهدافه، لهذا اعتبر هؤلاء القادة الحرب عدوانية وأتت بتغيرات جوهرية في الوضع الجيوسياسي في أوروبا، ليتعبر روسيا تحدياً استراتيجياً رئيسياً، وهو ما أتي بعدد من التغيرات أهمها تغيير أنماط الإنفاق العسكري، والتسُلح.
  • ثانيًا احتمالية إعادة انتخاب دونالد ترامب، والتي من المُرجح أن تعيد عدم اليقين إلى العلاقات الأوروبية الأمريكية، حيث تنصب أجندة سياسته الخارجية على أمريكا وحدها دون النظر إلى أيًا من شُركائها. وهذا يمكن أن يجعل المفاوضات التجارية أكثر صعوبة ويؤثر على التعاون في قضايا مثل الأمن، خصوصًا أنه من المرجح أن تؤدي رئاسة ترامب إلى مطالبة أوروبا ببذل المزيد من الجهد وتحمل المزيد من النفقات من أجل أمنها، بالتالي دفع ذلك في اتجاه التعجيل بتطوير استراتيجية دفاعية أكثر قوة للاتحاد الأوروبي وزيادة الاستثمار في القدرات الاستخباراتية المضادة لمواجهة التحديات التي تفرضها الحرب الروسية في أوكرانيا.

أهم قضايا الدفاع المطروحة على أجندة الاتحاد الأوروبي

في ظل الوضع الجيوسياسي سياسي السابق، باتت موضوعات الدفاع والأمن تتصدر أجندة الاتحاد بشكلٍ عامٍ، فيما يحوذ مُعظمها اتفاق تام بين جميع الأطراف، فيما تتلخص أشد نُقط الخلاف في الموضوعات التالية:

 

  • تعزيز دور الاتحاد الأوروبي كمزود عالمي لخدمات: يحاول الاتحاد الأوروبي تعزيز قُدراته على العمل بشكل مستقل في إدارة الأزمات وعمليات منع نشوب الصراعات، داخل وخارج أوروبا، بما يشمل نشر بعثات مدنية وعسكرية للتصدي للتهديدات المُتنامية على الأراضي الأوروبية وفي مُحيطها مثل الإرهاب والقرصنة وعدم الاستقرار.
  • تطوير القدرات الدفاعية الأوروبية: يهدف الاتحاد من خلال ذلك إلى تشجيع السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في المسائل الدفاعية، بما في ذلك الشراء المشترك للمعدات العسكرية، والبحث والتطوير في التقنيات الجديدة، وتدريب الأفراد، وذلك بغرض تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية والمرونة في أوروبا في مواجهة التحديات الأمنية المتطورة.
  • تعزيز الإنفاق والاستثمار في مجال الدفاع: يحاول الاتحاد تشجيع الدول الأعضاء على زيادة ميزانياتها الدفاعية والاستثمار في المشاريع التعاونية لتجنب ازدواجية الانفاق وتعظيم الموارد عبر اقتصاديات الحجم، ويشمل ذلك مبادرات مثل الصندوق الأوروبي للدفاع، الذي يدعم البحث والتطوير المشترك لتقنيات الدفاع.
  • دعم الصناعة الدفاعية الأوروبية: يعمل الاتحاد الأوروبي على تعزيز قاعدة الصناعة الدفاعية من خلال تعزيز الابتكار وتعزيز القدرة التنافسية وتسهيل التعاون بين الشركات المُختلفة في بلدانه المُختلفة، بما يهدف لإنشاء سوق دفاع أوروبي أكثر تكاملاً وكفاءة يمكنه تلبية احتياجات القوات المسلحة الأوروبية بشكل أفضل.

المواقف المُتوقعة لأهم التجمعات

في إطار ما سبق يُمكن توقع أن تنتهج التجمعات الأساسية داخل البرلمان الأوروبي المواقف التالية بالنسبة للمواضيع الخلافية في الأمن والدفاع:

 

  • حزب الشعب الأوروبي (EPP): يدعو حزب الشعب الأوروبي بقوة إلى توسيع القدرات الدفاعية للاتحاد الأوروبي، بما في ذلك توسيع منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وحلف شمال الأطلسي، ولقيادة هذا التوسع يُطالب بإنشاء منصب المفوض الأوروبي للأمن والدفاع وإنشاء لجنة دفاع مخصصة في البرلمان، ويعطي حزب الشعب الأوروبي الأولوية للدفاع والأمن كقضية رئيسية، وبالتالي يتوقع أن يزيد اهتمامهم بتعزيز الدفاع باعتبارهم المجموعة الأكبر، لذلك من المتوقع تصعيد أجندة الدفاع لأعلى اهتمامات الاتحاد.
  • الاشتراكيون والديمقراطيون (S&D): يدعم الاشتراكيون والديمقراطيون تعميق قطاع الدفاع في الاتحاد الأوروبي وتوسيع الشراكات الأمنية الدولية، يتبنون مقاربة شاملة للأمن تتضمن المساواة الاجتماعية والبيئية، ويحتفظ الاشتراكيون والديمقراطيون بموقف مؤيد للاتحاد الأوروبي ويسار الوسط فيما يتعلق بالمسائل الدفاعية، لكن لا تزال التجمع متردد بشأن ما إذا كان سيدعم إنشاء لجنة دفاع مخصصة في البرلمان.
  • تجديد أوروبا (Renew): يسعى هذا التجمع إلى توسيع القدرات الدفاعية لعموم أوروبا وإنشاء مفوض أوروبي للدفاع، في ذات الوقت يدعون إلى إجراء إصلاحات في الاتحاد الأوروبي لجعله أكثر كفاءة وسليمًا من الناحية المالية، مما قد يؤثر على تمويل الدفاع، وتشجع المجموعة على دفع الاتحاد لأكبر قدر من التكامل الأوروبي، بما في ذلك التصويت العابر للحدود الوطنية، وهو ما يمكن أن يعزز الدور الأمني للاتحاد الأوروبي.
  • الخُضر/التحالف الحر الأوروبي (Greens/EFA): من المرجح أن يدعم الخُضر مبادرات الدفاع والأمن التي تتماشى فقط مع أجندتهم البيئية التقدمية، لذلك قد يكونون أكثر حذراً بشأن زيادة الإنفاق الدفاعي والإمكانيات مقارنة بالمجموعات الأخرى، ويركز الحزب على معالجة التهديدات الأمنية الناشئة مثل تغير المناخ والحرب المختلطة.
  • الهوية والديمقراطية (ID): من المتوقع أن يعطي التجمع الأولوية للدفاع والأمن، مع التركيز على تعزيز القدرات الدفاعية لحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يدعموا السياسات المناخية، وبدلاً من ذلك يركزون أكثر على النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
  • المحافظون والإصلاحيون الأوروبيون (ECR): من المرجح أن تعطي مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين الأولوية للدفاع والأمن، وتدعو إلى تعزيز دفاعات حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، لكنهم أقل ميلا إلى إعطاء الأولوية للسياسات المناخية، بدلا من التركيز على النمو الاقتصادي.

 

باختصار، يعد حزب الشعب الأوروبي الذي ينتمي إلى يمين الوسط وحزب تجديد أوروبا الليبرالي أقوى المؤيدين لتوسيع دفاعات الاتحاد الأوروبي، في حين يتخذ حزب الخضر نهجا أكثر حذرا في الموازنة بين الأمن وأولويات أخرى مثل تغير المناخ، لم يتخذ حزب الاشتراكيين والديمقراطيين قرارًا بشأن إنشاء لجنة دفاع، في حين أن المجموعات اليمينية مثل ID و ECR تدعم الدفاع، ولكنها أقل تركيزًا على سياسات المناخ.

المراجع

*ارتبطت نواتج الانتخابات الأوروبية -تقليديًا- بالأحداث على المستوى الوطني، حيث يميل التركيز فيها على القضايا الداخلية بدلاً من الاهتمامات الأوروبية، مما يؤدي إلى اعتبارها أقل أهمية مقارنة بالانتخابات الوطنية أو العامة.

 

Clark, N. and Rohrschneider, R. (2009). Second‐order elections versus first‐order thinking: how voters perceive the representation process in a multi‐layered system of governance. Journal of European Integration, 31(5), 645-664. https://doi.org/10.1080/07036330903145906

 

Braun, D. and Grande, E. (2021). Politicizing europe in elections to the european parliament (1994–2019): the crucial role of mainstream parties. JCMS: Journal of Common Market Studies, 59(5), 1124-1141. https://doi.org/10.1111/jcms.13168

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *