كتب بواسطة

تصاعدت مؤخراً موجة عارمة من الاحتجاجات في الداخل الإسرائيلي رداً على اعلان وزير العدل الإسرائيلي ياريف ليفين عن خطة تعديل السلطة القضائية التي طرحها في 4 يناير 2023 لتستمر الاحتجاجات بشكل أسبوعي منذ اعلان ياريف. وقد حذَر الرئيس الإسرائيلي- إسحاق هرتسوغ- في خطاب استثنائي 12 فبراير 2023 من تداعيات هذه الخطة وخطورتها على المجتمع والاقتصاد والأمن الإسرائيلي ودعا إلى الوساطة بين المعارضة والائتلاف الحاكم لرأب الصدع بينهما لكنه فشل في تحقيق ذلك. وقد بدأ الائتلاف في تنفيذ خطته حيث صادقت الكنيست في 20 مارس 2023 بأغلبية 63 عضو على القراءة الأولى من الاقتراح المتعلق بأهلية الوزراء ونواب الوزراء، والذي يقضي بأن المحاكم ومنها المحكمة العليا لن يكون بإمكانها النظر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في القضايا التي تتعلق بتعيين وزير أو تنحيته عن منصبه، ويعد هذا الاقتراح أحد أهم العناصر في خطة التعديلات القضائية.

كما يسعي الائتلاف الحاكم إلى إدخال تعديلات على سلطة المحكمة العليا بحيث تتمكن حكومة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو اليمينية من تمرير التشريعات التي أبطلتها المحكمة العليا في الماضي أو تمرير أي تشريعات جديدة بعد موافقة الكنسيت بأغلبية بسيطة (61 عضواً من أصل 120 عضواً) مما يعني تمكين السلطة التشريعية في إسرائيل من سن القوانين. كما تتطرق التعديلات إلى تركيبة المحكمة العليا مما يمنح أعضاء الكنسيت نفوذاً أكبر في لجنة اختيار وتعيين قضاتها. وتحد من صلاحيات المستشارين القانونيين داخل الوزارات بحيث تصبح توصياتهم غير ملزمة. وقد أعلن نتنياهو في 27 مارس 2023 تعليق تشريع التعديلات القضائية للدورة البرلمانية المقبلة بعد تعرضه إلى العديد من الضغوط الداخلية والخارجية.

 

وستمكن هذه التعديلات – في حال المصادقة عليها – الأحزاب الدينية المتطرفة في الائتلاف الحاكم من اقتراح المزيد من القوانين والقرارات التي تساهم في شل نظام القضاء وإعادة ترتيب العلاقة مع الفلسطينيين بما يمهد لتوسيع المشروع الاستيطاني، شرعنه البؤر الاستيطانية، وفرض القوانيين الإسرائيلية في الضفة الغربية لتهميش الفلسطينيين وسلبهم حقوقهم في الأرض، كما ستمكن هذه الخطة من فرض سيطرة المتطرفين على المنطقة “ج”. وعليه سيسعى التحليل الراهن إلى توضيح انعكاسات التعديلات القضائية المقترحة- في حال تطبيقها- على مستقبل السياسة الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس.

 

مصالح شخصية أم ضغوط ائتلافية

مثلت التعديلات القضائية محور رئيسي في حملة نتنياهو الانتخابية الأخيرة بسبب قضايا الفساد التي يٌحاكم فيها ورغبته في الخروج منها، ما دفعه إلى بناء تحالفه مع أحزاب اليمين المتطرف لتشكيل حكومته بناءً على وعود يأتي في مقدمتها تعديل القضاء. ونجح نتنياهو بالفعل في استقطاب حركات وأحزاب تُوصف بأنها الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل وتشكيل حكومة ائتلافية ضمت حركات تنتمي إلى التيار الحريدي المعروف بتشدده الفقهي وتيار الحردلي المعروف بالتشدد الفقهي والتطرف القومي، والتي ترى أن حسم الصراع مع الشعب الفلسطيني يكون بحسم السيطرة على الأرض.

 

ويأتي تحيز نتنياهو لهذه الإصلاحات خاصة بعد القرار الذي أصدرته المحكمة العليا في إسرائيل بعدم أهلية الحاخام أرييه درعي -رئيس حركة شاس- لتولي مناصب وزارية بسبب بجرائم تهرب ضريبي، ومطالبة نتنياهو بسحب وزارتي الصحة والداخلية، اللتين كانتا مخصصتين له. ويسعي نتنياهو بالإصلاحات القضائية إلى تعويض حركة شاس الحليف الأكبر، ودرعي بشكل خاص نتيجة تشابك العلاقات بينهما، ليضمن بقاءه في الحكومة وضمان استمرار الائتلاف.

 

ومن أجل الخروج من مأزق قضايا الفساد وإقالة درعي. يسعي نتنياهو إلى سن ما يٌعرف ب “القانون الفرنسي” الذي يهدف إلى تعزيز حصانة النواب والوزراء في وجه أي تحقيقات أو ملاحقات قضائية أثناء تأديتهم مهامهم، ولكن من أجل تمرير القانون الفرنسي لابد من سن قانون أخر يقوض صلاحيات المحكمة العليا ويقيدها في كل ما يتعلق بإلغاء قوانين الكنيست أو قرارات الحكومة، وهو ما يطلق عليه ب “قانون التغلب” (התגברות על חוק פסקה) الذي سيؤدي إلى تمرير أي تشريعات جديدة بعد موافقة الكنسيت بأغلبية بسيطة (61 عضواً من أصل 120 عضواً). بالإضافة إلى منح نواب الكنيست نفوذ أكبر في لجنة تعيين قضاة المحكمة العليا. ومن هنا تلاقت مصالح نتنياهو الشخصية مع أجندة الأحزاب والحركات اليمينية الإيدلوجية التي تسعي إلى حسم الصراع مع الفلسطينيين من خلال تمرير قوانين وقرارات تمكنهم من السيطرة على أراضيهم دون رقابة أو تشريع يحد من توجهاتهم الإيديولوجية.

 

وظهر ذلك جلياً في الاتفاق الائتلافي الذي عقده حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو مع حزب الحركة الصهيونية بقيادة بتسلئيل سموتريتش حيث ضغطت الحركة الصهيونية على الليكود من أجل شرعنه ضم أراضي من الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها في سابقة هي الأولى في تاريخ إسرائيل. كما ألزام الاتفاق الحكومة الجديدة على أن تقنن جميع البؤر الاستيطانية الغير قانونية في الضفة الغربية. وهو ما حدث بالفعل حيث تمت الموافقة على بناء 7 آلاف منزل استيطاني جديد وتقنين 9 بؤر استيطانية جديدة في فبراير 2023. وشمل الاتفاق مع الحركة الصهيونية تولي سموتريتش حقيبة المالية لتوجيه الموازنات اللازمة لتطوير المشروع الاستيطاني، وتمثيل؛ حقيبة الهجرة والاستيعاب” من الحركة لنقل أكبر عدد من المهاجرين في المستوطنات وإحداث تغيير ديمغرافي في الضفة لصالح المستوطنين اليهود. بجانب استحداث وزارة خاصة داخل وزارة الدفاع تتولي الإشراف على مشروع الاستيطان ومنح التراخيص وتسوية أوضاع البؤر الاستيطانية كما ستشرف الوزارة الجديدة على مراقبة بناء الفلسطينيين في الضفة الغربية وإصدار الأوامر بالهدم في المنطقة (ج).

الضفة الغربية والقدس... انعكاسات محتملة

تؤكد الأحزاب المشاركة في الحكومة الجديدة على دعمها لعمليات الاستيطان والتهويد في الضفة الغربية والقدس، وتدعو إلى إضفاء شرعية لجميع المستوطنات التي أقيمت في الضفة الغربية دون إذن جيش الاحتلال، كما تعارض إقامة دولة فلسطينية وتمنع الفلسطينيين من الحصول على أي شكل من أشكال السيادة على الأراضي. فضلاً عن تبني الأحزاب مواقف تطرفية، حيث تدعو حركة “المنعة اليهودية” إلى مواجهة النضال الفلسطيني بإجراءات قاسية تشمل التصفية الجسدية وطرد عوائل المنفذين للعمليات الفلسطينية كأحد آليات مواجهة المقاومة، وتطالب “الحركة الصهيونية” بضم المنطقة “ج” التي تشكل على مساحة واسعة في الضفة الغربية. كما تدعو حركة “المنعة اليهودية” إلى تهجير الفلسطينيين في الضفة والقدس والداخل الإسرائيلي وفرض السيطرة على كل الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل عام 1967.

 

ويخطط الائتلاف الحاكم لمنع المحاكم من التدخل في الإجراءات القانونية للبناء الاستيطاني على الأراضي الخاصة. حيث سبق أن ألغت المحكمة العليا عام 2020 قانون أصدرته حكومة نتنياهو فبراير 2017  يسمح بالبناء الاستيطاني على أراض فلسطينية خاصة بهدف تشريع جميع البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية وفتح المجال أمام الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية الخاصة والبناء عليها.

 

كما تتضمن أحد الأهداف الرئيسية للتعديلات القضائية إنشاء آليات جديدة لتوسيع الاستيطان في الأراضي الخاصة. وفي نفس السياق، صادق الكنيست في 20 مارس 2023 على مشروع قانون دعمه حزب القوة اليهودية (عوتسماه يهوديت) -أحد أحزاب الائتلاف الحاكم- لإلغاء قانون فك الارتباط مع التركيز على منطقة الضفة الغربية دون قطاع غزة، وقد سبق إقرار قانون فك الارتباط في عام 2005 والذي تضمن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وأربع مستوطنات غير قانونية ضمن المنطقة (ب) في شمالي الضفة الغربية، وسيفتح هذا القانون إعادة الاستيطان في المستوطنات الأربع كبداية لخطة تهويد المزيد من الأراضي في الضفة الغربية. سيكون للتعديلات القضائية – إذا استطاع الائتلاف الحاكم تمريرها- تأثيرات سلبية على مستقبل القضية الفلسطينية من خلال تعزيز موقف الأحزاب اليمينية في إسرائيل، وزيادة قوتها وتأثيرها في صنع القرارات السياسية، وخاصة فيما تخطط له من تهويد القدس واتساع دائرة الاستيطان الغير قانوني في الضفة الغربية مما يقلص من حقوق الفلسطينيين في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، ويزيد من تعقيد القضية الفلسطينية ويعيق الجهود الدولية لإيجاد حل سلمي للصراع. كما ستؤدي إلى تفاقم الصراع القانوني وتؤثر على المفاوضات السياسية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وتعيق إمكانية التوصل إلى حل سلمي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

 

ختاماً: يلاحظ المراقب للوضع الحالي في إسرائيل أن حكومة نتنياهو لن تنتهي أجندتها عند ما يسمي بتعديلات القضاء، بل سترافقها عملية السيطرة على كافة مؤسسات الدولة بداءً من الشرطة مروراً بالتربية والتعليم ووسائل الإعلام وكل مفاصل الدولة، ومن الصعب أن يحقّق نتنياهو وائتلافه كل ما يصبون إليه في فترة قصيرة نتيجة لقوة المعارضة داخلياً وخارجياً بالإضافة إلى ضغط الولايات المتحدة وغيرها من الدول الداعمة للنموذج الديمقراطي. وستكون التعديلات القضائية- في حال تطبيقها- فرصة لسن مزيد من التشريعات والقوانين لضم أراضي الضفة الغربية بهدف توسيع الاستيطان وتهويد القدس مما يزيد حدة الاحتقان الذي قد يصل إلى حد اشتعال انتفاضة ثالثة. إلا أن ذلك يظل رهناً بصلابة إرادة نتنياهو وقدرته على الالتفاف حول المعارضة الداخلية الهائلة التي واجهها وسيواجهها.

المراجع

أ ف ب، المحكمة العليا تلغي قانون ’ تسوية الأراضي’ في الضفة الغربية، تايمز أوف إسرائيل، (9 يونيو2020)، تاريخ الاطلاع: (20 مارس 2023)، متاح على الرابط التالي: https://rb.gy/be37x
جرابعة محمود. “صراع التعديلات القضائية وتداعياته على الإسرائيليين والفلسطينيين”، مركز الجزيرة للدراسات، (12 يناير2023)، تاريخ الاطلاع (10 مارس 2023) متاح على الرابط التالي: https://studies.aljazeera.net/ar/article/5584
جيريمي شارون، قانون إلغاء فك الارتباط في شمال الضفة الغربية يتجاوز القراءة الأولى، تايمز أوف إسرائيل، (14 مارس،2023) تاريخ الاطلاع (22 مارس 2023(، متاح على الرابط التالي: https://rb.gy/ps2t3
جيريمي شارون. هرتسوغ يحذر من “الانهيار المجتمعي” الذي يلوح في الأفق، ويقترح تسوية بشأن الإصلاح القضائي. تايمز أوف إسرائيل. (13فبراير 2023). تاريخ الاطلاع (25 فبراير 2023)، متاح على الرابط التالي: https://tinyurl.com/ycxs83yh
الكنيست تصادق بالقراءة الأولى على عدم السماح لمحكمة العدل العليا بفرض الرقابة القضائية على تعيين الوزراء. الموقع الرسمي للكنسيت الإسرائيلي (21 مارس 2023). https://main.knesset.gov.il/ar/news/pressreleases/pages/press21032023_5.aspx
النعامي صالح. “حكومة إسرائيل الجديدة: تحولات في السلطة وبيئة الصراع”. مركز الجزيرة للدراسات، (12 يناير 2023)، تاريخ الاطلاع (1 مارس 2023)، متاح على الرابط التالي:  https://studies.aljazeera.net/ar/article/5532
ووتليف راؤول. “لأول مرة في تاريخها، إسرائيل تمرر مشروع قانون لشرعنه البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية.” تايمز أوف إسرائيل، (7 فبراير 2017)، تاريخ الاطلاع: (22 مارس 2023). متاح على الرابط التالي: https://rb.gy/chgno
Shany, Yuval, and Amichai Cohen. “The New Israeli Government’s ‘Constitutional Law Reforms’: Why Now? What Do They Mean? and What Will Happen next?” Lawfare, )February 14, 2023(.Access date (25 March 2023). Available on: https://www.lawfareblog.com/new-israeli-governments-constitutional-law-reforms-why-now-what-do-they-mean-and-what-will-happen.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *