السادة القادة والمفاوضون وصناع القرار،

 

تحت شعار "نتحد، ونعمل، وننجز"، انطلق مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ COP28 هذا العام في دبي، وهو حدث محوري ضمن المساعى الدولية لمكافحة تغير المناخ. إن تصاعد وتيرة الكوارث المناخية هذا العام، والتي اتسمت بظواهر مناخية قاسية تتسبب في دمار عالمي، يؤكد على ضرورة اتخاذ إجراءات فورية. لقد عانت دول مثل الولايات المتحدة وهونج كونج واليونان وليبيا وتركيا وبلغاريا وإسبانيا وتايوان وباكستان والصين من تبعات الأعاصير والعواصف والجفاف والفيضانات. ومن بين هذه الكوارث، كانت الفيضانات في ليبيا وباكستان مدمرة بشكل خاص، حيث تسببت في أضرار جسيمة للبنية التحتية وخسائر في الأرواح، ناهيك عن ارتفاع منسوب مياه البحر وموجات ارتفاع درجات الحرارة التي شعر بها سكان العالم أجمع.

علاوة على ذلك، فإن التأثير السلبي لتغير المناخ على الأمن الغذائي والمائي على مستوى العالم تسبب في عدم إحراز تقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة. كما تعد النظم الغذائية على وجه التحديد مسؤولة عن ثلث انبعاثات الغازات الدفيئة حول العالم، ما أدى إلى تباطؤ الانتاج الزراعي على مدى السنوات الخمس الماضية، وهو ما يستلزم إجراء تعديلات على النظم الغذائية بهدف تحقيق صافي الانبعاثات الصفري.

 

ويأتي مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ أيضًا في وقت تندلع فيه حروب إقليمية غير مسبوقة على جبهات مختلفة لا يمكن فصلها تمامًا عن قضية العدالة المناخية. وتؤثر الحرب بالسلب على المناخ، ويتجلى ذلك في الدمار البيئي الكارثي والمعاناة الإنسانية الناجمة عن العمليات العسكرية في بلدان مثل فلسطين وأوكرانيا. ويقدر تقرير حديث عن الحرب الروسية الأوكرانية أنه في السنة الأولى وحدها، أُنتج ما يقرب من 120 مليون طن متري من انبعاثات الغازات الدفيئة، والتي لها تأثير كبير على تغير المناخ. وسوف يؤدي الدمار المستمر الناجم عن الصراعات المسلحة ومساعي إعادة الإعمار اللاحقة إلى تفاقم هذه الانبعاثات.

 

ويصطف مركز الحبتور للأبحاث مع هيئات عالمية مثل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (The International Panel on Climate Change)، ومنظمة السلام الأخضر(Greenpeace)، والصندوق العالمي للحياة البرية (World Wildlife Fund)، وشبكة العمل المناخي (Climate Action Network)، ومبادرة سياسات المناخ (Climate Policy Initiative)، جنبًا إلى جنب لدعوة القادة إلى اتخاذ تدابير شاملة وعادلة للتصدي لتغير المناخ وتداعياته على نظم الطبيعة والبشر. ونؤكد، واضعين هذا الهدف نصب أعيننا، على ضرورة تبني إرادة سياسية جادة لمعالجة القضايا الحاسمة التالية:

تعزيز استراتيجيات التكيف من خلال تعظيم دور صندوق التكيف:

لا مفر من أن يضع مؤتمر الأمم المتحدة الثامن والعشرين المعني بتغير المناخ (COP28) تعزيز استراتيجيات التكيف على رأس أولوياته من أجل حماية النظم البيئية والمجتمعات المستضعفة من الآثار الضارة لتغير المناخ. ويشمل ذلك تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وإنشاء بنية تحتية قادرة على الصمود أمام هذا التغير، بالإضافة إلى حماية التنوع البيولوجي. ويتأتى ذلك بمساعدة صندوق التكيف، الذي يساعد في جهود التكيف في البلدان النامية، الأمر الذي يتطلب تحسينات في عدة مجالات، منها:

 

    • توسيع نطاق مشروعات صندوق التكيف لمعالجة مجموعة أوسع من عواقب تغير المناخ، مثل تلك التي تؤثر على البنية التحتية، وصحة الإنسان، وسبل العيش. وينبغي للصندوق، بالإضافة إلى ذلك، أن يعطي الأولوية إلى المبادرات التي تعمل على دمج التكيف مع قطاعات التنمية الأخرى وتعزيز التنمية القادرة على مواجهة التغيرات المناخية.
    • ينبغي إعطاء الأولوية لدعم المبادرات التي تعود بالنفع في المقام الأول على المجتمعات الأكثر ضعفا، مع زيادة المساعدة أيضا لتطوير المؤسسات المحلية وقدرات المجتمعات المحلية على تصميم وتنفيذ والإشراف على مشروعات التكيف. ويشمل ذلك إتاحة الوصول إلى المعلومات والموارد والتدريب والدعم الفني.
    • تعزيز أنظمة الرصد والتقييم لضمان أن تقدم المبادرات فوائد ملموسة للمجتمعات وتحقق النتائج المرجوة منها.
    • زيادة الموارد المالية اللازمة لتلبية الحاجة المتزايدة للتكيف في البلدان النامية أمر يمكن تحقيقه عن طريق التماس مساهمات أكبر من البلدان المتقدمة وإجراء أبحاث عن آليات التمويل المبتكرة.

الحشد للتمويل المناخي من خلال صندوق الخسائر والأضرار:

كانت إحدى النتائج الرئيسية لمؤتمر الأمم المتحدة السابع والعشرين المعني بتغير المناخ (COP27) هي إنشاء صندوق الخسائر والأضرار بهدف مساعدة الدول النامية الأكثر تضررًا من تغير المناخ. وينبغي أن ينصب تركيز النسخة الثامنة والعشرين من المؤتمر على تفعيل دور هذا الصندوق لتحقيق الفعالية والإنصاف وحسن الاستجابة لآثار تغير المناخ. ومن الاعتبارات الرئيسية في هذا الصدد ما يلي:

 

    • شفافية الحوكمة في صنع القرار وتخصيص الموارد لضمان الوضوح، المسائلة، والشمولية أمام البلدان النامية والمجتمعات المهمشة.
    • وضع معايير حيادية وواضحة يتم صياغتها على أساس مدي قابلية الدول للتأثر وحاجاتها المالية ومقدار الخسائر التي تتكبدها.
    • وضع استراتيجيات لتخصيص الموارد المالية إلى الدول النامية عبر آليات تمويل حديثة مثل المنح المباشرة أو القروض أو منتجات التأمين أو ما شابهها من مبادرات.
    • إنشاء نظام رصد مرن وقابل للتكيف يضمن كفاءة استخدام الموارد وحسن الاستجابة وفقًا لتطور الاحتياجات.
    • إشراك مختلف أصحاب المصلحة، بالإضافة إلى المجتمع المدني والمنظمات والدول النامية وخبراء تمويل المناخ، لمساعدة الأفراد الأكثر تأثرًا  وذلك لصياغة آليات جديدة للحماية تتجاوز الآليات القائمة.

تحويل النظم الغذائية

يؤثر تغير المناخ على توفر الغذاء وإمكانية الوصول إليه على السواء، وهو أمر يشكل خطرًا كبيرًا على الأمن الغذائي العالمي. فالإنتاج الزراعي يتعطل بسبب الأحوال الجوية المتطرفة، وارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط هطول الأمطار، ما يؤدي إلى زيادة انعدام الأمن الغذائي، وتقلب الأسعار، ونقص الغذاء. وبالتالي، يجب أن ينصب تركيز مؤتمر الأمم المتحدة المعني الثامن والعشرين بتغير المناخ على تحويل النظم الزراعية من خلال:

 

    • دمج إجراءات تحويل النظيم الغذائية في اتفاقيات المناخ العالمية (على سبيل المثال، برنامج عمل شرم الشيخ المشترك وخطط التكيف الوطنية)، واعتماد إعلانات مثل “إعلان دولة الإمارات حول النظم الغذائية المرنة والزراعة المستدامة والعمل المناخي”، والتوقيع على اتفاقيات تشجع البلدان على إيلاء الأولوية للنظم الغذائية في استراتيجياتها المناخية.
    • يُظهر تقرير جديد صادر عن المعهد الدولي للبيئة والتنمية (the Institute for Environment and Development) أن صغار المزارعين ينفقون مليارات الدولارات على مستوى العالم للتكيف مع تغير المناخ بسبب عدم إمكانية الحصول على التمويل المناخي. ويمثل المزارعون من أصحاب الحيازات الصغيرة العمود الفقري للأمن الغذائي العالمي إذ ينتجون ثلث غذاء العالم، ويجب دعمهم لضمان الاستقرار والقدرة على الصمود في جميع أنحاء العالم. ونحن نوصي بوضع خطط قابلة للتنفيذ لمعالجة عيوب آليات تمويل التكيف مع المناخ الحالية قبل إنشاء آليات جديدة، أو الإضافة إليها.

تعزيز مشاركة أصحاب المصلحة

على الرغم من أهمية بناء توافق في الآراء للتوصل إلى اتفاقات ضمن حدود المفاوضات التي تجري في سباق مع الزمن، إلا أن هذا لا ينبغي أن يحدث على حساب الدمج الهادف لوجهات نظر الأشخاص الأكثر تأثراً بتغير المناخ:

 

    • نؤكد على أهمية عدم التوقف عند مجرد أخذ مشورة أصحاب المصلحة، بل تخطيها إلى تمكينهم من المشاركة في عمليات صنع القرار. ويشمل ذلك مشاركة مجموعات المصالح المختلفة، وليس المشاركة على مستوى الدولة فحسب.
    • إن التركيز على منظور يركز على أصحاب المصلحة أمر بالغ الأهمية بشكل خاص لمعالجة قضية مناخية محددة وهي التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. ويتعين على قادة مفاوضات المؤتمر استغلال الزخم وحضور جميع أصحاب المصلحة للتفاوض على السيناريوهات المحتملة للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. ورغم بدء اعتراف بعض الزعماء بحتمية الحاجة إلى التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، إلا أن هناك تردداً واضحاً في مناقشة الأمر من الناحية العملية، ومن هنا يمثل مؤتمر الأمم المتحدة الثامن والعشرين المعني بتغير المناخ (COP28) فرصة للاستفادة من مدخلات أصحاب المصلحة المتنوعين، واستكشاف مسارات عملية وقابلة للتطبيق نحو التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري وتحديد مواعيد نهائية واضحة لتحقيق هذا الهدف.

 

وتجدر الإشارة إلى أن تغير المناخ قضية معقدة ومتنوعة الجوانب تُخلف مجموعة واسعة من العواقب على مستوى العالم، كما أن التكيف مع آثاره والتخفيف منها أمر بالغ الأهمية لحماية الاقتصاد وصحة الإنسان والبيئة. وقد تأكدت هذه الضرورة من خلال تقرير حديث صادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، والذي يرسم صورة مثيرة للقلق لكوكب الأرض الذي يقترب من عتبة حرجة من الاحتباس الحراري العالمي في غضون العقد المقبل. ومن المرجح أن تتجاوز زيادة متوسط درجات الحرارة العالمية 1,5 درجة مئوية إذا واصلنا حرق الوقود الأحفوري بالمعدل الحالي. وبعد تخطي هذه العتبة، فإن إدارة العواقب الكارثية مثل موجات الحرارة الشديدة، والفيضانات، والجفاف، وتلف المحاصيل، وانقراض أنواع من الكائنات الحية تصبح أكثر صعوبة إلى حد كبير.

 

وأخيرًا، نحث القادة على أهمية التزامهم بمسؤوليتهم حيال هذا التهديد، خاصة تجاه الشباب، الذين ندين لهم بخلق مستقبل مستدام. لقد أثبتت الحركات الشبابية العالمية قدرتها على تعطيل الشركات التي تقوم بممارسات ضارة ضد البيئة وممارسة الضغط على القادة لاتخاذ إجراءات بشأن القضايا التي أٌهملت بسبب المصالح السياسية والاقتصادية، فضلاً عن الوضع الراهن الذي يمكن القول بأنه يعتمد على الحياد السلبي بين المواطنين. ويتجلى هذا الاتجاه داخل حركة المناخ، مع ظهور تكتيكات تعطيلية جديدة بين الناشطين الشباب، وكذلك داخل حركات العدالة الاجتماعية التي تستفيد في كثير من الأحيان من الضغوط العابرة للحدود الوطنية، مثل الحركة العالمية لتحرير فلسطين. فقد عطل المتظاهرون المطالبون بوقف إطلاق النار في غزة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وسائل النقل العام، وأغلقوا مكاتب مصنعي الأسلحة، وأخروا شحنات الأسلحة، وتحصنوا في حرم الجامعات واحتلوا مباني البرلمانات.

 

في الوقت الحالي، تعد مؤتمرات الأمم المتحدة المعنية بتغير المناخ بمثابة الآلية الوحيدة المتاحة للمجتمع الدولي للتوصل إلى اتفاقيات بشأن أهداف العمل المناخي. وتقديم التزامات أكثر جدية تجاه الأهداف المناخية، ووضع خطط عمل واضحة لمعالجة العوائق الأكثر استمرارية أمام التقدم في تحقيق أهداف الحد من التغيرات المناخية، قد تؤدي الجهود الأكثر جدية التي تبذلها منظمات المجتمع المدني والبلدان الأكثر تأثراً بتغير المناخ لمواجهة التهديد بنزع الشرعية عن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ والبحث عن وسائل بديلة لتحقيق التعويضات والعدالة المناخية، وهو تحول من شأنه أن يقوض العمل المناخي وربما يزعزع استقرار الأسواق العالمية والأمن الغذائي.

 
مركز الحبتور للأبحاث

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *