في 17 يونيو 2026، أصدرت الصين أول كتاب أبيض شامل حول الحوكمة العالمية بعنوان "حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها"، في خطوة تعكس سعيًا صينيًا متواصلًا إلى إعادة صياغة رؤيتها للنظام الدولي، وتعزيز دورها في رسم قواعده المستقبلية. ويطرح الكتاب تصورًا متكاملًا للحوكمة العالمية، يقوم على إعادة صياغة المبادئ والمؤسسات الناظمة للنظام الدولي، مع التأكيد على التعددية وتعزيز دور الأمم المتحدة بوصفهما الركيزتين الأساسيتين لهذا التصور. غير أن القراءة المتأنية للوثيقة تكشف أن بكين تراهن على نموذج للقيادة يستمد نفوذه من صياغة القواعد والمعايير الدولية، أكثر مما يستند إلى تحمل الأعباء المالية والعسكرية التي ارتبطت تاريخيًا بقيادة النظام الدولي. ويأتي صدور هذا الكتاب الأبيض في وقت تواجه فيه الصين متغيرات داخلية متسارعة، وفي مقدمتها التحديات الهيكلية التي تضغط على اقتصادها. ويوفر هذا السياق مفتاحًا لفهم تركيز بكين على القوة المعيارية بوصفها بديلًا عن أنماط القيادة التقليدية الأعلى كلفة. ومن هنا يبرز السؤال المحوري الذي تنطلق منه هذه الدراسة: هل يستطيع النموذج الصيني، القائم على تقليص كلفة القيادة العالمية، تحويل نفوذه المعياري إلى قيادة جيوسياسية مستدامة؟
تكشف مواطن الهشاشة التي تواجهها الصين جانبًا مهمًا من التحول في تصورها للقيادة العالمية. فاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط يمثل إحدى أبرز نقاط الضعف الكامنة في مشروعها لإعادة تشكيل النظام الدولي. وبصفتها أكبر مستورد للوقود الأحفوري في العالم، وأحد أكبر مشتري النفط الإيراني، تبقى بكين شديدة التأثر بأي اضطراب يصيب الملاحة في مضيق هرمز، وما يترتب عليه من انعكاسات مباشرة على استقرارها الاقتصادي.
وقد أظهر إغلاق المضيق، في أعقاب الضربات الأمريكية على إيران، حدود القوة الصينية بوضوح. فرغم ما حققته بكين من صعود اقتصادي لافت، فإنها لا تزال تفتقر إلى القدرات البحرية التي تمكنها من تأمين الممرات المائية الحيوية بصورة مستقلة. وبذلك، يظل أمن الطاقة الصيني رهين استقرار الشرق الأوسط، والترتيبات الدبلوماسية، وسياسات القوى الإقليمية، وهو ما يكشف عن فجوة واضحة بين الوزن الاقتصادي العالمي الذي راكمته الصين، وقدرتها المحدودة على حماية طرق التجارة التي يستند إليها هذا الوزن.
ولا تقتصر هذه الهشاشة على أمن الطاقة. فقد كشفت المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين في مجالي التجارة والتكنولوجيا عن استمرار اعتماد بكين على منظومة اقتصادية دولية أسهمت واشنطن في بنائها لعقود. فالرسوم الجمركية المتصاعدة، والقيود المفروضة على صادرات أشباه الموصلات المتقدمة، والإجراءات المقيدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أبرزت كيف يمكن تحويل الاعتماد الاقتصادي المتبادل إلى أداة ضغط فعالة في سياق التنافس الجيوسياسي.
ويؤكد مسار التصعيد الجمركي بين البلدين هذا التحول. فمنذ بداية الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رفعت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية بمقدار 26.8 نقطة مئوية، مقابل زيادة لم تتجاوز 10.7 نقاط مئوية في الرسوم الصينية. وقد عزز هذا الواقع قناعة بكين بأن أمنها القومي لم يعد ينفصل عن قدرتها على تقليص اعتمادها على سلاسل الإمداد، والمنظومات المالية، والبيئات التكنولوجية التي يهيمن عليها الغرب، بعدما أثبتت التجربة أن الترابط الاقتصادي يمكن أن يتحول، في لحظات التنافس الحاد، إلى أداة فعالة للضغط الاستراتيجي.
ويمتد هذا الإدراك إلى المجال الأمني. فبالنسبة إلى بكين، لا تزال قضية تايوان دليلًا على أن ترتيبات الأمن الدولية القائمة تخضع، إلى حد كبير، للاعتبارات الاستراتيجية الأمريكية. وتنظر الصين إلى استمرار الدعم العسكري الأمريكي لتايوان بوصفه امتدادًا لتدخل واشنطن في شؤونها الداخلية، وهو ما يفسر إصرارها المتزايد على مبادئ مثل المساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وإصلاح منظومة الحوكمة العالمية، بما يحد من قدرة أي دولة منفردة على صياغة البيئة الأمنية للدول الأخرى وفقًا لأولوياتها الخاصة.
غير أن هذا التوجه لم يبدأ مع الكتاب الأبيض الأخير. ففي عام 2025، أصدرت الصين كتابًا أبيض بشأن الأمن القومي، أكدت فيه أن “خمسة آلاف عام من الحضارة المتواصلة أكسبت الأمة الصينية ثقافة استراتيجية عميقة وثرية في مجال الأمن القومي”.
وأوضح الكتاب أن الأمن القومي الصيني يقوم، في المقام الأول، على الحفاظ على نموذج الحكم الذي يقوده الحزب الشيوعي الصيني، ومنع أي تحدٍ قد يهدد استمراره. وانطلقت الوثيقة من اعتبار صون النظام الاشتراكي، وقيادة الحزب الشيوعي الصيني، والنظام الدستوري الاشتراكي، ركائز أساسية للأمن القومي، وبذلك ربطت بكين أمنها السياسي ارتباطًا وثيقًا باستمرار هذا النموذج الحاكم.
وفي ضوء ذلك، يصبح الكتاب الأبيض للأمن القومي الصادر عام 2025 والكتاب الأبيض للحوكمة العالمية الصادر عام 2026 وثيقتين متكاملتين تعبران عن استراتيجية واحدة، لا وثيقتين منفصلتين. فالأول يحدد الأسس الداخلية التي يرتكز إليها أمن الدولة الصينية، وفي مقدمتها الحفاظ على قيادة الحزب الشيوعي الصيني وصون النظام الدستوري الاشتراكي، بينما ينقل الثاني هذه الرؤية إلى المستوى الدولي، من خلال طرح تصور لإصلاح الحوكمة العالمية يهدف إلى تقليص هيمنة الغرب على النظام الدولي وإعادة توزيع النفوذ داخل مؤسساته.
لا يطرح الكتاب الأبيض الصيني التعددية بوصفها بديلًا للنظام الدولي القائم أو دعوة إلى تقويضه، بل باعتبارها مدخلًا لإعادة تشكيل المؤسسات التي يقوم عليها، بما يعزز قدرة الدول النامية على المشاركة في إدارة شؤونه. وانطلاقًا من هذا المنظور، تسعى بكين إلى توسيع نفوذها داخل تلك المؤسسات عبر الدفع نحو إصلاحها، لا استبدالها.
وتستند الرؤية الصينية لإعادة صياغة الحوكمة العالمية إلى خمسة مبادئ معيارية رئيسة. يتمثل أولها في المساواة في السيادة بين جميع الدول، بصرف النظر عن مستوى تقدمها، بما يضمن تكافؤ فرص المشاركة في إدارة الشؤون الدولية. ويقوم ثانيها على ترسيخ سيادة القانون على المستوى الدولي، باعتبارها الضامن لتطبيق ميثاق الأمم المتحدة تطبيقًا سليمًا. أما المبدأ الثالث، فيؤكد التمسك بالتعددية القائمة على صنع القرار الجماعي، وتعزيز دور الأمم المتحدة بوصفها الإطار الرئيس لهذا التعاون. ويركز المبدأ الرابع على تبني نهج يضع الإنسان في صميم عملية التنمية، مع التصدي للتحديات العابرة للحدود، مثل تغير المناخ، والصحة العامة، والأمن السيبراني. ويختتم هذا الإطار بالتأكيد على ضرورة الانتقال من المبادئ إلى الممارسة، عبر توسيع التعاون بين الشمال والجنوب، وتعزيز التعاون بين بلدان الجنوب.
ولا تقتصر وظيفة هذه المبادئ على توفير إطار معياري للحوكمة العالمية، بل تؤدي أيضًا دورًا في إعادة صياغة قواعدها. فالمساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واعتماد آليات اتخاذ القرار الجماعي، تؤسس لنموذج يحد من التدخلات الأحادية، ويعزز مبدأ سيادة الدول في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية. وفي المقابل، تعيد هذه المقاربة ترتيب أولويات الشرعية الدولية، بما يقلص من مركزية المعايير التي يروج لها الغرب، وفي مقدمتها الديمقراطية وحقوق الإنسان، بوصفها المرجعية الرئيسة للحكم على شرعية النظم السياسية.
ولا يأتي تمسك الصين بدور محوري للأمم المتحدة، وفقًا لما تذهب إليه الدراسة، انطلاقًا من التزام مبدئي بالقانون الدولي، بقدر ما يعكس قراءة استراتيجية لموازين القوة داخل النظام القائم. فالدفع نحو إصلاح هذا النظام، بدلًا من استبداله، يمنح بكين فرصة لتعزيز نفوذها داخل المؤسسات الدولية التي تمتلك فيها أدوات تأثير مهمة، سواء من خلال حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، أو عبر التأييد الذي تحظى به بين الدول النامية في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، تؤكد بكين أن تعزيز دور الأمم المتحدة يقتضي، في الوقت نفسه، إصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية بما يجعلها أكثر كفاءة وتمثيلًا. ولذلك تدعو إلى إصلاح نظام الحصص في صندوق النقد الدولي، وتوسيع تمثيل الدول داخل مجلس الأمن، وتحسين آليات الحوكمة في البنك الدولي، وتعزيز فعالية منظمة التجارة العالمية.
وفي هذا السياق، تمثل زيادة تمثيل دول الجنوب العالمي داخل مؤسسات الحوكمة الدولية إحدى أبرز أولويات السياسة الصينية، انطلاقًا من كون هذه الدول أصبحت تمثل أحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي العالمي. غير أن هذا التوجه لا يقتصر على تصحيح اختلالات التمثيل داخل النظام الدولي، بل يخدم أيضًا أهدافًا جيوسياسية أوسع لبكين. فمع توسع شراكاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع الدول النامية، عبر أطر مثل مجموعة “بريكس” ومبادرة “الحزام والطريق”، تسعى الصين إلى تحويل هذه الشراكات من روابط اقتصادية إلى روافع سياسية، من خلال تعزيز حضور شركائها داخل المؤسسات متعددة الأطراف، وتوسيع قاعدة الدول المؤيدة لرؤيتها لإصلاح الحوكمة العالمية.

وتطرح بكين مبادرة “الحزام والطريق”، ومبادرة التنمية العالمية، والتعاون بين بلدان الجنوب، بوصفها الأدوات الرئيسة لتجسيد هذه الرؤية، وبناء نظام دولي يجعل التنمية محورًا للحوكمة العالمية. غير أن تحويل هذه المبادئ إلى واقع عملي يظل مرهونًا بتوافر موارد مالية ضخمة، وبالقدرة على تحمل الكلفة المستمرة التي يتطلبها هذا المشروع. إلا أن المؤشرات الراهنة توحي بأن القوى الكبرى، بما فيها الصين، لم تعد مستعدة لمواصلة تمويل المشروعات العملاقة ضمن مبادرة “الحزام والطريق” بالزخم الذي طبع مراحلها الأولى، بل باتت تميل إلى توجيه استثماراتها نحو مشروعات أكثر انتقائية، ترتبط على نحو أوثق بأولوياتها الاستراتيجية ومصالحها الوطنية.
ومن هنا تبرز المفارقة الجوهرية التي تقوم عليها هذه الرؤية؛ فالدعوة إلى المبادئ المعيارية أقل كلفة بكثير من تحويلها إلى التزامات مالية وسياسية مستدامة. ذلك أن إصلاح المؤسسات الدولية القائمة، ودعم جهود التنمية في دول الجنوب العالمي، لا يتحققان بمجرد تبني المبادئ، بل يتطلبان موارد مالية هائلة والتزامات طويلة الأجل، وهي أعباء لا تبدو سوى قلة من الدول مستعدة، أو حتى قادرة، على تحملها.
ارتبطت قيادة النظام الدولي، تاريخيًا، بقدرة القوى الكبرى على تحمل الأعباء المالية والعسكرية اللازمة لترسيخ نفوذها. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، لم تكتف بإطلاق مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا الغربية، بل أسهمت أيضًا في إنشاء نظام بريتون وودز، وشاركت في تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهي جميعها ترتيبات تطلبت استثمارات مالية وعسكرية وسياسية هائلة. أما الصين، فتسعى إلى إعادة تعريف معادلة القيادة الدولية عبر تقليص الاعتماد على أدوات القوة مرتفعة الكلفة، واستبدالها بأدوات مؤسسية ومعيارية أقل كلفة، تقوم على توسيع النفوذ من خلال إصلاح المؤسسات الدولية، وصياغة القواعد، وبناء التوافقات، بدلًا من الاعتماد على الإنفاق المالي والالتزامات الأمنية واسعة النطاق.
ولا يعكس الكتاب الأبيض الصيني تحولًا في تصور بكين للحوكمة العالمية فحسب، بل يكشف أيضًا عن تحول أعمق في أولوياتها الداخلية. فبعد مرحلة اعتمدت فيها الصين على ضخ موارد مالية هائلة لتمويل مشروعاتها الخارجية، ولا سيما عبر مبادرة “الحزام والطريق”، باتت تواجه واقعًا اقتصاديًا مختلفًا، يتسم بتباطؤ النمو، وتصاعد الضغوط الديموغرافية، وتزايد الحاجة إلى توجيه الموارد نحو متطلبات التنمية الداخلية.
وفي ظل هذه المتغيرات، يصبح الاستمرار في نموذج القيادة التقليدي، القائم على التمويل واسع النطاق، أكثر كلفة وأقل قابلية للاستدامة. ومن ثم، تتجه بكين إلى توسيع نفوذها عبر إصلاح المؤسسات الدولية، وإطلاق مبادرات للحوكمة العالمية، وتعزيز حضورها المعياري، بدلًا من الارتباط بالتزامات مالية وعسكرية مفتوحة الأجل.
ويُعد تباطؤ النمو الاقتصادي أحد أبرز العوامل التي تفسر هذا التحول الاستراتيجي. فالحفاظ على معدل نمو يقارب 5%، في ظل تحديات هيكلية وضغوط داخلية متزايدة، يفرض على بكين إعادة ترتيب أولوياتها المالية، وتوجيه حصة أكبر من مواردها إلى الداخل. ونتيجة لذلك، تتراجع قدرتها، وربما رغبتها أيضًا، في تمويل التزامات خارجية واسعة النطاق، على غرار المشروعات العملاقة التي ميزت المرحلة الأولى من مبادرة “الحزام والطريق”، بما تطلبته من موارد مالية هائلة. وبذلك، لم يعد تصدير النفوذ الصيني يعتمد، بالدرجة نفسها، على تصدير رؤوس الأموال، بقدر ما بات يرتكز على تصدير المبادرات، وإعادة صياغة قواعد الحوكمة، وتوسيع النفوذ داخل المؤسسات الدولية.
أولًا، تفضي التعددية القطبية التي تدعو إليها الصين إلى بروز مراكز قوة جديدة، ولا تقتصر آثارها على تقليص النفوذ الأمريكي. فهذه القوى تمتلك مصالحها الوطنية وحساباتها الاستراتيجية الخاصة، الأمر الذي يجعلها لا تمثل تحديًا للهيمنة الأمريكية وحدها، بل قد تتحول أيضًا إلى قيد يحد من قدرة بكين على إعادة تشكيل النظام الدولي وفق رؤيتها. وتجسد الهند هذه المفارقة بوضوح. فقد رسخت خلال السنوات الأخيرة مكانتها بوصفها واحدة من أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا في العالم، وباتت تُعد على نطاق واسع مرشحًا جادًا للانضمام إلى نادي القوى العظمى. ويستند هذا التحول إلى حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، وتزايد تدفقات الاستثمار الأجنبي، إلى جانب مبادرات حكومية طموحة، من أبرزها “صنع في الهند”، و”الهند الرقمية”، و”الشركات الناشئة في الهند”، و”مهارات الهند”. وقد أسهمت هذه السياسات في ترسيخ مكانة الهند كإحدى أكثر الوجهات العالمية جذبًا للاستثمار. وتشير معظم التقديرات إلى أنها ستواصل الحفاظ على موقعها بين أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا، مع توقعات بارتقائها إلى المرتبة الثالثة عالميًا من حيث حجم الاقتصاد بحلول عام 2027. وإذا ما تحقق ذلك، فمن المرجح أن تصبح الهند أحد أبرز محركات الاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل، بما يعزز مكانتها بوصفها قوة صاعدة تمتلك أجندتها الاستراتيجية المستقلة، لا مجرد شريك في النظام الذي تسعى الصين إلى إعادة تشكيله.
ثانيًا، شهدت تركيا خلال العقدين الماضيين تحولًا نوعيًا جعلها واحدة من أبرز القوى الصاعدة في الصناعات الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو). فبعد أن كانت تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المعدات العسكرية، أصبحت اليوم من أسرع الدول نموًا في صادرات السلاح عالميًا. ويعكس هذا التحول تطورًا هيكليًا في قدراتها الصناعية؛ إذ ارتفعت صادراتها الدفاعية من نحو 248 مليون دولار في مطلع الألفية الجديدة إلى نحو 10.1 مليار دولار بحلول عام 2025، مدفوعة بتوسع قاعدتها الصناعية من 56 شركة إلى أكثر من 3500 شركة، وارتفاع نسبة المكونات المحلية في إنتاجها الدفاعي إلى ما يزيد على 80%. ويتجاوز أثر هذا التطور مجرد نمو صادرات الصناعات الدفاعية. فمع توجيه أكثر من نصف هذه الصادرات إلى أسواق حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، بالتوازي مع توسع حضورها في أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، أخذت تركيا تكرس مكانتها بوصفها فاعلًا جيوسياسيًا مؤثرًا، قادرًا على توظيف قدراته الصناعية وشراكاته التكنولوجية وصادراته الدفاعية لتعزيز نفوذه في البيئة الأمنية الإقليمية والدولية.
ثالثًا، تقوم السياسة الخارجية البرازيلية على طموح استراتيجي طويل الأمد يتمثل في ترسيخ مكانة البرازيل بوصفها قوة عالمية، لا مجرد قوة متوسطة. ولهذا تضع برازيليا استقلال قرارها الاستراتيجي، والتمسك بالتعددية، والدفع نحو إصلاح المؤسسات الدولية، في صدارة أولوياتها، مع الحرص على تجنب الارتهان لمنطق التحالفات التقليدية. وانسجامًا مع هذا التوجه، تنتهج سياسة خارجية تقوم على تنويع شراكاتها الدولية، بما يتيح لها الحفاظ على توازن علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين وغيرهما من القوى الكبرى، من دون الانحياز الدائم إلى أي محور دولي. ويتعزز هذا الدور بما تمتلكه البرازيل من مقومات متزايدة للنفوذ الدولي، وفي مقدمتها مكانتها المتنامية في قطاع الطاقة، سواء بوصفها منتجًا رئيسًا للنفط والطاقة المتجددة، أو بفضل احتياطياتها الكبيرة من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ورغم أن ثقلها الدولي لا يزال أقل من ثقل الصين، فإن صعودها يرسخ قطبًا مستقلًا داخل النظام الدولي، وهو ما يجعل تحقيق الرؤية الصينية لنظام متعدد الأقطاب تتبوأ فيه بكين موقع القيادة أكثر تعقيدًا.
رابعًا، أصبحت دول الخليج تمتلك من مقومات القوة الاستراتيجية ما يجعلها أحد أبرز الفاعلين الصاعدين في تشكيل النظام الدولي متعدد الأقطاب. فقد أدى تنامي ثقلها الاقتصادي، واتساع حضورها الدبلوماسي، إلى تعزيز قدرتها على التأثير في التحولات الجيوسياسية بعيدة المدى، بما رسخ مكانتها بوصفها قوة إقليمية ذات امتدادات دولية متزايدة. ويزداد هذا الدور رسوخًا مع تبنيها استراتيجيات وطنية طموحة، من أبرزها “رؤية السعودية 2030″، و”رؤية الإمارات 2031″، و”رؤية قطر الوطنية 2030”. وقد أسهمت هذه الرؤى في إعادة تعريف الدور الاقتصادي والاستراتيجي للمنطقة، عبر تسريع تحولها من اقتصاد يعتمد بصورة رئيسة على النفط إلى مركز عالمي للتكنولوجيا، والتمويل، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والذكاء الاصطناعي. ومن شأن هذا التحول أن يعزز ثقلها الاستراتيجي على المدى الطويل، ويوسع قدرتها على التأثير في التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية الدولية. وفي الوقت نفسه، أخذت دول الخليج ترسخ مكانتها بوصفها شريكًا متزايد الأهمية في الاستراتيجية الأوروبية للصناعات الدفاعية، وفي البنية الأمنية الأوسع للقارة. فلم تعد تقتصر على دور المستورد للمعدات العسكرية، بل أصبحت شريكًا في تمويل الصناعات الدفاعية الأوروبية، ومستثمرًا فيها، وطرفًا ذا مصلحة مباشرة في مستقبلها وتطورها.
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في سياق النظام الدولي الذي تسعى الصين إلى إعادة تشكيله. فكلما تعاظمت الأوزان الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية للقوى الإقليمية الصاعدة، ازدادت صعوبة تمحور النظام متعدد الأقطاب حول قيادة واحدة. كما أن اتساع هامش المناورة الذي باتت تتمتع به هذه القوى يعزز قدرتها على إعادة تشكيل أنماط التجارة والاستثمار، والتأثير في توازنات القوة العالمية. وفي الوقت ذاته، تنظر أعداد متزايدة من الدول إلى الاستقطاب المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين بوصفه واقعًا مرشحًا للاستمرار، الأمر الذي يدفعها إلى تجنب الاصطفاف الكامل مع أي من القوتين، واعتماد سياسات تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز استقلال القرار الاستراتيجي، وتقليص الاعتماد التكنولوجي والأمني على القوى الكبرى التقليدية.
يطرح الكتاب الأبيض أربع مبادرات رئيسة بوصفها الركائز التي تقترحها بكين لبناء نموذج بديل للحوكمة العالمية، وهي: مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية. ويقوم هذا النموذج، في جوهره، على ترسيخ المبادئ المعيارية، وتعزيز التعاون الرقمي، والحوار، والدبلوماسية، والعمل الجماعي، أكثر من اعتماده على أدوات التمويل والإنفاق واسعة النطاق. ويعكس ما بات يُعرف بـ”المبادرات العالمية الأربع” (4GIs) تحولًا تدريجيًا في الاستراتيجية الصينية، من الاستثمار المكثف في مشروعات البنية التحتية مرتفعة الكلفة إلى توسيع النفوذ عبر إعادة صياغة المؤسسات والقواعد والمعايير المنظمة للنظام الدولي، بما يسمح لبكين بالحفاظ على حضورها وتأثيرها العالميين بكلفة أقل.
غير أن انخفاض كلفة هذا النموذج لا يعني بالضرورة قدرته على سد الفجوات في مجالي الأمن والتنمية. فهذه المبادرات، مهما بلغت فاعليتها في ترسيخ المبادئ أو تعزيز الحوار والتعاون، لا تستطيع أن تحل محل الأدوات المالية والعسكرية والمؤسسية التي شكلت، تاريخيًا، الأساس العملي لقيادة النظام الدولي. فعندما يندلع نزاع إقليمي، ولا سيما في إحدى دول الجنوب العالمي، لا يمكن للحوار الدبلوماسي وحده أن يكون بديلًا عن قوات حفظ السلام أو الضمانات الأمنية. وبالمثل، فإن معالجة أزمات الديون أو انعدام الأمن الغذائي لا تتحقق عبر مبادئ الحوكمة وحدها، وإنما تتطلب التزامات مالية طويلة الأجل، وآليات تمويل فعالة، وسيولة طارئة قادرة على الاستجابة السريعة للأزمات.
ومن ثم، يظل التمويل الركيزة الحاسمة لنجاح أي مبادرة دولية تسعى إلى إحداث أثر مستدام. أما بناء نظام دولي يستند أساسًا إلى المبادئ والمعايير، من دون أن تدعمه التزامات مالية كافية، فيظل مشروعًا محدود القدرة على الاستمرار. فالمبادرات المعيارية، مهما بلغت جاذبيتها، لن تتحول إلى آليات تنفيذية متكاملة، أو إلى مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات العالمية والتخفيف من آثارها، ما لم ترتكز إلى موارد مالية مستدامة تحول هذه المبادئ إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وأدوات مؤسسية قادرة على إحداث أثر فعلي.
يقوم التصور الصيني لبديل النظام الدولي الأحادي القطبية، الذي تقوده الولايات المتحدة، على بناء نظام متعدد الأقطاب يرتكز إلى احترام سيادة الدول، وتعزيز التعاون بين بلدان الجنوب، والدفع نحو إصلاح منظومة الحوكمة العالمية. ومن هذا المنطلق، قد يتيح هذا النموذج لدول الجنوب العالمي هامشًا أوسع لتعزيز استقلال قرارها الوطني، وتوسيع خياراتها في إدارة سياساتها الداخلية والخارجية، بعيدًا عن ضغوط الاصطفافات التقليدية. غير أن هذا الهامش الأوسع من الاستقلال لا يلغي القيود الاقتصادية التي لا تزال تكبل مسارات التنمية في كثير من دول الجنوب العالمي. فضعف الموارد المحلية يحد من قدرة العديد من الدول النامية على تمويل مشروعاتها التنموية الكبرى، ويجعلها، بدرجات متفاوتة، معتمدة على مصادر التمويل الخارجية. ولذلك، ستظل هذه الدول في حاجة إلى تدفقات مالية كبيرة توفرها المؤسسات الدولية والقوى الكبرى. إلا أن النظام متعدد الأقطاب الذي تدعو إليه الصين قد لا يكون أكثر قدرة على الاستجابة لهذه الاحتياجات، في ظل الضغوط المالية التي تواجه القوى الرئيسة، وتراجع استعدادها للانخراط في التزامات تمويلية مفتوحة الأجل.
وفي هذا الإطار، قد تسهم الاستراتيجية الصينية في تسريع الانتقال إلى نظام دولي أقل خضوعًا للأحادية القطبية، عبر دعم المؤسسات البديلة، وتعزيز الحضور السياسي لدول الجنوب العالمي داخل مؤسسات الحوكمة الدولية. غير أن نموذج القيادة الذي تتبناه بكين، والقائم على التزامات مالية محدودة، والاعتماد بصورة أكبر على المبادرات المعيارية، قد يحد من قدرتها على ترسيخ موقعها بوصفها القوة القيادية للجنوب العالمي. فالقوى الصاعدة، في ظل تنامي أوزانها الاقتصادية والاستراتيجية، تبدو أكثر ميلًا إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي من الانضواء تحت قيادة أي قوة كبرى. ومن ثم، يُرجح أن تواصل انتهاج سياسات تقوم على الموازنة بين علاقاتها مع كل من واشنطن وبكين، بما يخدم مصالحها الوطنية، ويعزز قدرتها على المناورة في بيئة دولية تتجه بصورة متزايدة نحو تعدد مراكز القوة.
وخلاصة القول، تبدو استراتيجية الصين “منخفضة الكلفة” قادرة على تسريع تفكك النظام الأحادي القطبية الذي تقوده الولايات المتحدة، لكنها تبدو أقل قدرة على بناء نظام بديل تتبوأ فيه بكين موقع القيادة. فالمستفيد الرئيس من مبادرة الحوكمة العالمية الصينية قد لا يكون الصين نفسها، بقدر ما سيكون القوى المتوسطة الصاعدة التي ستستثمر الأطر المعيارية التي تطرحها بكين لتوسيع هامش استقلالها الاستراتيجي، وتعزيز قدرتها على المناورة في البيئة الدولية. ومع استمرار صعود الهند، والبرازيل، وتركيا، ودول الخليج، وتعاظم أوزانها الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية، يُرجح أن تنتهج هذه القوى سياسات أكثر استقلالًا، بعيدًا عن الارتهان لقيادة صينية أو أمريكية. كما ستعتمد، بدرجة متزايدة، على مواردها وقدراتها الذاتية في تمويل مشروعاتها الوطنية الكبرى، وتعزيز حضورها داخل المؤسسات متعددة الأطراف، بما يرسخ تعددية مراكز القوة، ويحد من قدرة أي دولة على الانفراد بقيادة النظام الدولي.
وعليه، فمن غير المرجح أن يقود هذا التحول إلى نظام دولي جديد يتسم بالأحادية القطبية، أو إلى نظام تتمحور قيادته حول الصين. والأقرب أن يتبلور نظام متعدد المراكز، تتوزع فيه القوة والنفوذ بين عدد من القوى الإقليمية الصاعدة، في ظل تحالفات أكثر مرونة، وشراكات تحكمها المصالح المتبادلة أكثر مما تحكمها الاصطفافات التقليدية. وفي مثل هذا النظام، لن تكون القيادة حكرًا على قوة بعينها، بل ستنشأ من توازنات بين مجموعة من الدول المؤثرة، يسعى كل منها إلى تعظيم مصالحه الوطنية، وتعزيز استقلال قراره الاستراتيجي. وبذلك، لن يكون العالم مقبلًا على انتقال من أحادية أمريكية إلى أحادية صينية، بل على نظام دولي تتوزع فيه مراكز القوة بين عدد متزايد من الفاعلين، ويغدو فيه الاستقلال الاستراتيجي السمة الحاكمة لسلوك الدول.
Abdel-Fattah, Pacinte. “Will India Become the Next Global Superpower?.” Al Habtoor Research Centre. April 16, 2023. https://www.habtoorresearch.com/programmes/will-india-become-the-next-global-superpower/
Ahmed, Mostafa. “Ankara’s Defensive Rise: A New NATO Path?.” Al Habtoor Research Centre. June 29, 2026. https://www.habtoorresearch.com/programmes/ankara-defensive-rise-nato/
Al-Jaber, Khalid. “Post-War Dynamics: The Gulf at the Center of a New World Order.” Middle East Council on Global Affairs. (April, 2026) https://mecouncil.org/publication/gulf-post-war-strategy-security-alliances/
Amin, Sherif. “US-China Summit: Not Peace, Rivalry Management.” Al Habtoor Research Centre. May 15, 2026. https://www.habtoorresearch.com/programmes/us-china-summit/
Bharadwaj, Aparna et al. “In a Multipolar World, the Global South Finds Its Moment.” Boston Consulting Group (BCG). April 22, 2025. https://www.bcg.com/publications/2025/in-a-multipolar-world-global-south-finds-its-moment
Baloch, Bilal. “The new non-alignment: How the Middle East is carving out room to maneuver in AI.” Atlantic Council. June 29, 2026. https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/the-new-non-alignment-how-the-middle-east-is-carving-out-room-to-maneuver-in-ai/
Barata, Pedro Monzón. “China, the construction of multipolar world, and the pursuit of sovereignty.” Al Mayadeen. November 8, 2025. https://english.almayadeen.net/articles/analysis/china–the-construction-of-multipolar-world–and-the-pursuit
Bown, Chad P. “US-China Trade War Tariffs: An Up-to-Date Chart.” Peterson Institute for International Economics. November 14, 2025. https://www.piie.com/research/piie-charts/2019/us-china-trade-war-tariffs-date-chart
Diaaeldin, Habiba. “Are Europe’s Capability Gaps Choosing Its Defence Partners?.” Al Habtoor Research Centre. July 3, 2026. https://www.habtoorresearch.com/programmes/europes-capability-gaps-defence-partners/
Duchâtel, Mathieu. “Reading China’s White Paper on National Security in the New Era.” Institut Montaigne. May 13, 2025. https://www.institutmontaigne.org/en/expressions/reading-chinas-white-paper-national-security-new-era
Jie, Yu. “China sets out its vision for a new global order – but will it commit the resources to match its ambition?.” Chatham House. June 24, 2026. https://www.chathamhouse.org/2026/06/china-sets-out-its-vision-new-global-order-will-it-commit-resources-match-its-ambition
Prime Minister’s Office. “G7 leaders’ statement on geopolitical issues: 17 June 2026.” GOV. UK. June 17, 2026. https://www.gov.uk/government/news/g7-leaders-statement-on-geopolitical-issues-17-june-2026
SCSP. “Xi’s Four “Global Initiatives”: China’s Blueprint for a Parallel World Order.” SCSP.AI. September 17, 2025. https://scsp222.substack.com/p/xis-four-global-initiatives-chinas
Stuenkel, Oliver. “Multi-Alignment as Strategy: How Brazil Navigates Between Washington, Beijing, and the Global South.” Belfer Center. November 20, 2025. https://www.belfercenter.org/research-analysis/multi-alignment-strategy-how-brazil-navigates-between-washington-beijing-and
Xinhua. “Full text: More Just and Equitable Global Governance: China’s Principles, Proposals and Actions.” (The State Council Information Office of the People’s Republic of China, June 17, 2026). https://english.www.gov.cn/archive/whitepaper/202606/17/content_WS6a326192c6d00ca5f9a0bab7.html
تعليقات