تدخل مسارات التفاوض بين واشنطن وطهران منعطفاً استراتيجياً بالغ التعقيد مع انقضاء الجزء الأكبر من مهلة الستين يوماً التي أرستها "هدنة إسلام آباد" دون التوصل لأتفاق حاسم، وما صاحب ذلك من تجدد أعمال القتال و إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية مرة أخري. تتزامن هذه التطورات الميدانية مع مساعٍ دبلوماسية دولية حثيثة لاحتواء تداعيات الصراع العسكري المفتوح الذي استنزف بوضوح معدلات النمو الاقتصادي الإقليمي والعالمي. ويبرز في قلب هذا المشهد التفاوضي غياب واضح لملف الوكلاء الإقليميين عن مسودات الاتفاق الأولي وعن طاولات الحوار الراهنة، وهو غياب لا يعكس تهميشاً للقضية، بل يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذه الشبكة المعقدة التي شكلت لعقود طويلة ركيزة أساسية لعقيدة الردع الإيرانية.

 

تُظهر الديناميكيات السياسية الراهنة أن ملف الوكلاء لم يعد مجرد بند فرعي قابل للتأجيل أو التجاهل، بل تحول إلى عقدة بنيوية تمس تعريف كل طرف لمفاهيم الأمن والاستقرار وحدود التسوية الممكنة. يعكس استبعاد هذا الملف من الصياغات الأولية إدراكاً عميقاً بصعوبة إدراجه دون الاصطدام المباشر بخطوط حمراء تتقاطع مع عقيدة الردع الإيرانية، والرؤية الأمريكية للأمن الإقليمي، والسعي الإسرائيلي لترجمة الضغوط العسكرية إلى مكاسب تفاوضية غير قابلة للانعكاس. وتكتسب هذه المعضلة أبعاداً أعمق بالنظر إلى التحليلات الماكرو-اقتصادية الحديثة التي تؤكد أن كلفة انخراط الوكلاء تجاوزت الخسائر العسكرية المباشرة لتضرب عصب الاقتصاد العالمي؛ إذ تسببت العمليات المرتبطة بالوكلاء في الممرات البحرية الحيوية، وتحديداً في البحر الأحمر، في اضطرابات حادة لسلاسل التوريد، وكبدت التجارة الدولية خسائر تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات نتيجة القفزات غير المسبوقة في تكاليف الشحن ورسوم التأمين، فضلاً عن بروز تهديدات غير تقليدية طالت أمن البنية التحتية الرقمية، وعلى رأسها شبكات كابلات الألياف الضوئية المغمورة.

 

و يؤكد خبراء الأمن أن الاستنزاف البنيوي الذي تعرض له محور المقاومة خلال المواجهات العنيفة في عامي 2024 و2025، دفع القيادة في طهران إلى إعادة تقييم تكتيكاتها وأدواتها، ولكنه لم يدفعها مطلقاً نحو التخلي عنها. وتتجلى جذور الأزمة في التضارب الجذري للرؤى بين الفاعلين؛ ففي حين تتعامل إيران مع شبكة وكلائها باعتبارها خط دفاع أمني متقدم وجزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي القائم على دمج هذه الفصائل مع منظوماتها الصاروخية والمسيرة، تنظر واشنطن وتل أبيب، بدعم من قوى إقليمية، إلى تفكيك هذه الجماعات ونزع سلاحها كشرط إلزامي مسبق لأي هندسة أمنية جديدة. يفرض هذا الواقع مقاربة ملف الوكلاء كنقطة تقاطع حاسمة بين ثلاثة مستويات معقدة: المستوى الإيراني الباحث عن العمق الدفاعي، والمستوى الأمريكي الساعي لتجفيف منابع التهديد غير المتكافئ، والمستوى الإقليمي والدولي الذي يربط استقرار الأسواق وحرية الملاحة بإنهاء نشاط هذه الجماعات في مناطق الاختناق البحري وشرق المتوسط، مما يجعل أي تسوية تتجاهل تحديد موقع الوكلاء ووظائفهم أقرب إلى هدنة هشة قابلة للتآكل السريع.

 

يطرح هذا الجزء تفكيكياً لتباين وجهات النظر بين الفاعلين الأساسيين إزاء أزمة الوكلاء الإقليميين، وتستشرف كيف ستصطدم هذه الرؤى المتناقضة أو تتوافق داخل غرف التفاوض المغلقة. وتسعى الورقة إلى الإجابة عن تساؤل محوري: هل تترجم هذه المناقشات إلى مقايضات استراتيجية تؤسس لتسوية شاملة ومستدامة، أم أن تباعد الخطوط الحمراء سيحيل الاتفاق المرتقب إلى مجرد تجميد تكتيكي مؤقت يسبق جولة أشد عنفاً من الصراع؟

 
 تم كتابة هذا العدد بتاريخ ٢ أغسطس ٢٠٢٦

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *