من يحكم الممرات البحرية؟ صعود عصر العبور المشروط
البرامج البحثية

من يحكم الممرات البحرية؟ صعود عصر العبور المشروط

ماذا لو لم يعد عبور الممرات البحرية مفتوحًا أمام الجميع؟ على مدى سبعين عامًا، استندت التجارة العالمية إلى افتراض بدا من رسوخه أقرب إلى البديهيات: أن السفن تستطيع عبور المضائق الاستراتيجية في العالم من دون إذن مسبق، أو رسوم، أو موافقة سياسية. وقد ترسخت هذه القاعدة إلى حد أنها نادرًا ما احتاجت إلى التصريح بها، ناهيك عن الدفاع عنها. لكن عام 2026 بدأ يقوض هذا اليقين. ففي أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، لم يعد العبور حقًا متاحًا على قدم المساواة، بل بات يخضع للفرز والتقييد وتحديد التكلفة تبعًا للاصطفاف السياسي. وفي ممر مائي آخر، أُعلن صراحة عن ثمن للعبور الآمن. أما على امتداد المسارات القطبية، فقد أصبحت التصاريح والرسوم بالفعل جزءًا من القواعد المنظمة للملاحة، فيما تتسع بهدوء أنظمة أقدم لإدارة الممرات البحرية والتحكم في العبور عبرها.   ولا تبدو هذه التطورات، عند جمعها في مشهد واحد، مجرد أزمات منفصلة أو استجابات مؤقتة لظروف استثنائية. بل قد تكون إشارات مبكرة إلى تحول أعمق يمس إحدى القواعد التي قام عليها الاقتصاد العالمي لعقود: انتقال نقاط الاختناق البحرية من فضاءات مشتركة مفتوحة أمام التجارة العالمية إلى أصول سيادية تستطيع الدول التحكم في الوصول إليها، وتحديد كلفة المرور عبرها، وتوظيفها أدواتٍ للنفوذ والضغط والمساومة. وإذا كان هذا التحول قد بدأ بالفعل، فإن ما يتغير لا يقتصر على قواعد الملاحة أو كلفة الشحن، بل يمتد إلى القيمة الاستراتيجية للجغرافيا نفسها. فحين يصبح المرور عبر المضائق والممرات الحيوية قابلًا للمنع أو التقييد أو التسعير وفق اعتبارات سياسية، تبدأ خريطة التجارة العالمية بدورها في اكتساب أسعار جديدة. إنها، بعبارة أخرى، بداية إعادة تسعير هادئة للجغرافيا التي تقوم عليها التجارة العالمية.