يحظى مضيق هرمز باهتمام عالمي واسع بوصفه أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة في العالم، إذ يعبره يوميًا ما يقارب عشرين مليون برميل من النفط الخام. غير أن هذا التركيز الدولي المكثف على أمن تدفقات النفط غالبًا ما يحجب تطورات أخرى لا تقل أهمية، بل قد تكون أكثر عمقًا وتأثيرًا داخل إيران نفسها. فبحلول مارس 2026، أفضت الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ما يمكن وصفه بتشكّل اختناق حاد في منظومة الإمدادات الغذائية الإيرانية، وهو تأثير يتجاوز في طبيعته المجال العسكري، ولا يمكن تعويضه أو موازنته عبر أي مستوى من القدرات القتالية التقليدية. وفي هذا السياق، تشير تقديرات الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى أن مكمن الضعف البنيوي الأبرز للدولة في القرن الحادي والعشرين لا يكمن في قدراتها العسكرية، بل في البنية اللوجستية التي تقوم عليها وارداتها الغذائية، وعلى رأسها مرافق تخزين الحبوب العميقة المرتبطة بشبكة الإمدادات البحرية. وتمثل هذه المرافق إحدى الركائز الأساسية التي يعتمد عليها الأمن الغذائي الإيراني، ما يجعلها نقطة حساسة في معادلة الاستقرار الداخلي في أوقات الأزمات والصراعات.
تنطوي منظومة الإمدادات الغذائية في إيران على هشاشة لوجستية بنيوية، إذ تقوم في جوهرها على افتراض أن موانئ الجنوب ستظل متاحة وتعمل بصورة طبيعية ودون انقطاع. غير أن انسحاب شركات التأمين من تغطية مخاطر الحرب وتوقف حركة الشحن عبر ميناء بندر عباس يقوّضان هذا الافتراض الذي تقوم عليه منظومة الإمداد بأكملها. وعليه، فإن توصيف الوضع الراهن بوصفه مجرد اضطراب في حركة التجارة لا يعكس طبيعته الفعلية؛ إذ إن ما يجري في جوهره يمثل بداية عدٍّ تنازلي بيولوجي يرتبط بقدرة المجتمع على الحفاظ على الحد الأدنى من الإمدادات الغذائية.
ومع تراجع المخزونات التشغيلية من الأعلاف إلى مستوى لا يتجاوز أربعة عشر يومًا، يتحول النقص الناتج في الإمدادات البروتينية إلى مصدر ضغط خطير على الاستقرار الداخلي. فمثل هذا النقص لا يقتصر أثره على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشكل عامل توتر اجتماعي وسياسي محتمل، وهو تأثير يُرجَّح أن يفوق في حدته التداعيات التي قد تُحدثها الضربات العسكرية التقليدية.
شهدت البيئة العملياتية في الخليج العربي تحولًا ملحوظًا أسهم في إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي للمنطقة خلال عام 2026. فبينما يتركز الاهتمام الدولي بصورة متكررة على التطورات في مضيق هرمز، الذي يعبره يوميًا ما يقارب عشرين مليون برميل من النفط الخام، تتكشف في المقابل تطورات أخرى داخل إيران نفسها قد تكون أكثر عمقًا وتأثيرًا دون أن تحظى بالقدر ذاته من الانتباه. فالإغلاق الفعلي للممر البحري، الناتج عن تهديدات الحرس الثوري الإيراني للملاحة وتصاعد التوترات الإقليمية، إلى جانب انسحاب شركات التأمين العالمية من تغطية مخاطر الحرب، أدى إلى تعطيل القناة الرئيسية لإمدادات الغذاء التي يعتمد عليها نحو ثلاثة وتسعين مليون نسمة داخل إيران. وفي هذا السياق، لم يعد الأمر يقتصر على اضطراب في حركة التجارة البحرية، بل أصبح يعكس اختناقًا متزايدًا في منظومة الإمدادات الغذائية للدولة.
يتسم الأمن الغذائي في إيران بكونه نتاج بنية لوجستية معقدة لإدارة الواردات الغذائية، أكثر مما يعتمد على حجم الإنتاج الزراعي المحلي. ففي هذا السياق، يقوم النظام على افتراض استمرار التشغيل الكامل لموانئ الجنوب بوصفها الركيزة الأساسية لتدفق الإمدادات الغذائية إلى الداخل. غير أن انهيار هذا الافتراض أو تعثره قد يفضي إلى اندلاع اضطرابات داخلية خلال أسابيع، لا خلال أشهر، نظرًا لاعتماد منظومة الأمن الغذائي بدرجة كبيرة على استمرار عمل هذه الموانئ دون انقطاع.
تكمن إحدى أبرز نقاط الضعف البنيوية في إيران في اعتمادها الكبير على استيراد السلع الغذائية الأساسية والمدخلات الزراعية، وهو اعتماد يتجاوز بدرجة واضحة ما تعلنه الحكومة من تحقيق الاكتفاء الذاتي. وفي ضوء ذلك، يظل الأمن الغذائي الإيراني هشًا ومعرضًا للصدمات الخارجية، نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل البنيوية التي شكّلت هذه الهشاشة على مدى سنوات، من بينها القيود الجغرافية، والضغوط المناخية المتزايدة، والاعتماد المتنامي على التجارة الخارجية لتأمين الاحتياجات الغذائية الأساسية.
ورغم أن الاستهلاك السنوي من الحبوب يبلغ ملايين الأطنان، فإن الإنتاج المحلي من القمح، وهو المحصول الغذائي الأكثر أهمية في البلاد، شهد اضطرابات متكررة بفعل تذبذب معدلات الأمطار، وندرة الموارد المائية، وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية. وتشير بيانات حديثة صادرة عن وزارة الزراعة الأمريكية إلى أن إنتاج القمح السنوي في إيران تراوح خلال السنوات الأخيرة بين نحو 12 و16 مليون طن، في حين يتجاوز الاستهلاك المحلي هذه المستويات، ما يفرض الاعتماد على الواردات بشكل دوري، ولا سيما من روسيا وكازاخستان. ويهدف هذا النمط إلى تعزيز الاحتياطيات الوطنية بما يضمن استقرار الأسعار والحفاظ على التوازن الداخلي.
لا يتمثل الخطر الأكبر على الأمن الغذائي في إيران في القمح، بل في الإمدادات البروتينية، إذ يعتمد القطاعان الداجني والحيواني، اللذان يشكّلان المصدر الرئيس للبروتين الحيواني في المناطق الحضرية، اعتمادًا شبه كامل على مكونات أعلاف مستوردة. وتشير تقديرات مستمدة من بيانات التجارة الدولية إلى أن إيران تستورد سنويًا ما بين 7 و9 ملايين طن من الذرة، إضافة إلى نحو 2 إلى 3 ملايين طن من فول الصويا. كما تُظهر بيانات مركز التجارة الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة أن البرازيل برزت خلال السنوات الأخيرة بوصفها أحد أبرز موردي هذه السلع إلى إيران. وتُنقل هذه الشحنات عبر المسارات البحرية، ما يجعل تدفقها مرهونًا بأمن الملاحة واستمرارية العبور عبر مضيق هرمز، ويضع منظومة الإمدادات البروتينية تحت تأثير مباشر لأي اضطراب في هذا الممر الحيوي.
وفي هذا السياق، تمثل هذه السلع حلقة محورية في سلسلة إمدادات البروتين، وقد أدى الحصار إلى تعطّل تدفقات الحبوب القادمة من أميركا الجنوبية، حيث بقيت ملايين الأطنان عالقة في عرض البحر أو جرى تحويل مسارها عبر خطوط شحن أطول وأكثر كلفة. ونتيجة لذلك، تتراكم أعباء مالية متزايدة تتجاوز قدرة الخزانة الإيرانية على التحمل على المدى المتوسط، بما يعمّق الضغوط على منظومة الإمداد الغذائي ككل.
وتتفاقم هذه الهشاشة بفعل التركّز الجغرافي للبنية التحتية البحرية، إذ تمر نحو 85 إلى 90 في المئة من واردات البلاد من السلع الزراعية السائبة عبر عدد محدود من موانئ الخليج العربي، وعلى رأسها بندر عباس وميناء الإمام الخميني. وقد صُمِّمت هذه المرافق وزُوِّدت بأرصفة عميقة ومصاعد حبوب متخصصة تمكّنها من التعامل مع السفن العملاقة من فئتي “باناماكس” و”كابسايز”، وهما عنصران أساسيان في تجارة الحبوب العالمية. وتشير بيانات استخبارات التجارة إلى أنه من أصل نحو 30 مليون طن من الحبوب المستوردة سنويًا إلى أسواق الخليج، يتجه ما يقارب 14 مليون طن منها إلى إيران، وجميعها يعتمد بصورة مباشرة على العبور البحري الآمن عبر مضيق هرمز، ما يكرّس مستوى مرتفعًا من التعرض للمخاطر في حال تعطل هذا الممر الحيوي.
على خلاف الدول التي تمتلك منافذ بحرية متعددة ومتنوعة، تواجه إيران قيودًا واضحة في عدد الموانئ العميقة القادرة على استقبال سفن الشحن السائبة الكبيرة. ورغم تطوير ميناء تشابهار بدعم هندي على امتداد ساحل مكران، فإن البنية اللوجستية الداخلية للميناء وعمق أرصفته لا يزالان غير كافيين لتلبية سوى جزء محدود من الاحتياجات الوطنية. وبالمثل، لا تمتلك المسارات البرية عبر تركيا أو أرمينيا أو باكستان القدرة الاستيعابية اللازمة لتعويض التدفقات المنتظمة للنقل البحري، ما يكرّس اعتمادًا هيكليًا على الموانئ الجنوبية ويحدّ من قدرة الدولة على تنويع قنوات الإمداد في أوقات الأزمات.
ورغم أن البنية التخزينية للحبوب تبدو كبيرة من الناحية النظرية، إذ تمتلك البلاد مجمعات صوامع قادرة على استيعاب ما يصل إلى نحو 20 مليون طن، فإن هذه القدرة لا توفر عمليًا سوى غطاء محدود لأسابيع قليلة من الاستهلاك التشغيلي، وذلك بفعل دورات الحصاد وتوقيتات الواردات. وعليه، فإن أي تعطّل في حركة العبور عبر مضيق هرمز لا يقتصر أثره على قطاع الطاقة، بل يؤدي في الوقت ذاته إلى شلل متزامن في صادرات النفط وسلاسل إمداد السلع الزراعية، وهو ما يفاقم الضغوط التضخمية ويُضيّق هامش المناورة أمام الحكومة في الاستمرار في برامج الدعم.
تتجلى التداعيات الاقتصادية المباشرة لهذه الصدمة في التآكل السريع للمخزونات التشغيلية. فعلى الرغم من أن البنية التخزينية للحبوب في إيران كانت تُقدَّر نظريًا بنحو 20 مليون طن، فإنها تعاني، حتى مطلع عام 2026، من وجود مخزون راكد غير قابل للتداول الفعلي. وتشير التقديرات الميدانية إلى أن المخزونات التشغيلية الفعلية، أي الكميات المتاحة للطحن والتوزيع، لا تتجاوز سبعة إلى ثمانية ملايين طن. وفي ضوء معدل استهلاك شهري من القمح يبلغ نحو 1.4 مليون طن، تتكشف بوضوح فجوة متنامية بين العرض المتاح والطلب الفعلي، بما يعكس تسارع الضغوط على منظومة الإمدادات الغذائية ويقربها من حدودها التشغيلية.
في المقابل، يعمل قطاع الثروة الحيوانية وفق نموذج إمداد فوري شديد الهشاشة، إذ لا تستطيع مطاحن الأعلاف ومزارع الدواجن في إيران الاحتفاظ إلا بمخزون تشغيلي يتراوح بين 14 و21 يومًا. وقد أدى توقف تدفقات الذرة وكسب فول الصويا إلى إطلاق عدٍّ تنازلي بيولوجي مباشر داخل هذه المنظومة. وبحلول منتصف مارس 2026، يُرجَّح أن يضطر منتجو الدواجن إلى تنفيذ عمليات إعدام مبكر واسعة للقطعان، ما سيؤدي في المرحلة الأولى إلى فائض مؤقت في المعروض من اللحوم داخل الأسواق الحضرية، يعقبه لاحقًا فراغ ممتد في إمدادات البروتين. أما على المستوى الكلي، فمن المتوقع أن تكون التداعيات الاقتصادية لهذا الحصار شديدة الوطأة، إذ قد تفضي إلى تآكل ما تبقى من قيمة الريال الإيراني وتقويض قدرته على الصمود أمام الضغوط التضخمية المتصاعدة.
وفي محاولة للحد من انعكاسات هذه الضغوط على السوق المحلية، سعى البنك المركزي الإيراني إلى حماية القدرة الشرائية للسكان من تقلبات الأسعار العالمية عبر اعتماد سعر صرف تفضيلي يبلغ 285 ألف ريال مقابل الدولار الأمريكي للواردات الغذائية الأساسية على مدى فترة ممتدة. غير أن استمرار الحصار وتعطّل صادرات النفط، بوصفها المصدر الرئيس للعملات الأجنبية للدولة، أدّيا إلى تقويض قدرة الحكومة على تمويل هذا الترتيب. وبذلك، تحوّل الدعم من أداة لتحقيق الاستقرار إلى عبء مالي متصاعد يضغط على المالية العامة، في ظل تراجع الموارد الدولارية واتساع الفجوة بين الكلفة الفعلية للاستيراد وسعر الصرف المدعوم.
وفي هذا السياق، تشير التقديرات المستندة إلى معطيات الأسبوع الأول من مارس 2026 إلى أن تضخم أسعار الغذاء، الذي بلغ بالفعل نحو 90 في المئة قبل الضربات العسكرية، مرشح للارتفاع إلى مستويات ثلاثية الرقم. وفي الوقت نفسه، أسهم تسارع الطلب الاستهلاكي الاستباقي في تفاقم الضغوط على السوق، إذ سارعت الأسر إلى تحويل العملة المتآكلة قيمتها إلى مخزونات غذائية قابلة للتخزين، في محاولة للتحوط من تدهور القوة الشرائية. وقد أدى هذا السلوك إلى استنزاف سريع لرفوف متاجر التجزئة بوتيرة تفوق قدرة نظام التوزيع الحكومي المرهق على إعادة التزويد، ما عمّق اختلال التوازن بين العرض والطلب داخل السوق المحلية.
وعلاوة على ذلك، لا تقتصر تداعيات الأزمة على الاستهلاك الآني، بل تمتد لتقويض القدرة الإنتاجية للمواسم الزراعية المقبلة، نتيجة مفاضلة استراتيجية واضحة تبنّتها الدولة. فإيران، التي تُصنَّف ضمن كبار منتجي اليوريا عالميًا، تمثّل حلقة محورية في سوق الأسمدة الدولية. غير أن النظام الإيراني أعاد ترتيب أولوياته لصالح الاعتبارات الدفاعية ذات الطابع العسكري على حساب استمرارية النشاط الزراعي، إذ جرى تحويل إمدادات الغاز الطبيعي بشكل متكرر من المجمعات البتروكيميائية في منطقة عسلوية إلى المنشآت العسكرية وشبكات الكهرباء الطارئة. وقد أفضى هذا التحول عمليًا إلى تعطيل إنتاج الأسمدة محليًا، بما ينذر بتداعيات ممتدة لا تقتصر على الحاضر، بل تطال دورة الإنتاج الزراعي في المدى المنظور.
ومن خلال إعادة توجيه مواردها لتغذية المجهود الحربي على حساب القاعدة الزراعية، تكون إيران قد حوّلت مدخلاتها الإنتاجية الزراعية إلى ساحة ضغط موازية داخل معادلة الصراع. وفي هذا الإطار، يُرجَّح أن يؤدي النقص في الموارد الحيوية، ولا سيما أسمدة التسميد التكميلي خلال المرحلة الحرجة لنمو القمح الشتوي، إلى ترسيخ فجوة إنتاجية ملموسة في حصاد الصيف المقبل. ومن شأن هذا التطور أن يطيل أمد الاختلالات في منظومة الأمن الغذائي، بما يدفع بأزمة عام 2026 إلى الامتداد البنيوي نحو عام 2027.
في سياق إقليمي أوسع، لا تقتصر تداعيات “صدمة هرمز” على إيران وحدها؛ إذ تتسم البنية اللوجستية في الخليج بدرجة عالية من الترابط، ما يجعل مراكز العبور الرئيسية في كل من الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، التي تضطلع بدور محوري في إعادة شحن الحبوب إلى دول هشة مثل اليمن والصومال، عرضة للتعطل بدورها. غير أن رهانات الأزمة، من منظور القيادة الإيرانية، تتخذ طابعًا وجوديًا خاصًا، في ظل ارتباط استقرار الدول في المنطقة تاريخيًا بأسعار الخبز وتوافره. وفي هذا السياق، أسهم تزامن الحصار البحري الصارم مع استنزاف مخزونات الأعلاف وانهيار نموذج الاستيراد المدعوم في تشكيل بيئة ضاغطة مركّبة، أفضت إلى نشوء وضع تتآكل فيه ركائز العقد الاجتماعي الداخلي بوتيرة متسارعة وغير مسبوقة.
ولتوضيح التداعيات الاقتصادية المحتملة لتعطّل الملاحة البحرية، يمكن تصور سيناريوهين مبسّطين. في السيناريو الأول، يُفترض حدوث اضطراب في حركة الشحن لمدة شهر واحد، وهو ظرف يُرجَّح أن يعتمد فيه النظام الإيراني بدرجة كبيرة على احتياطيات القمح المتاحة والمخزونات التجارية القائمة. وخلال هذه الفترة، قد تبقى إمدادات الغذاء في أسواق التجزئة مستقرة نسبيًا، وإن كان ذلك مصحوبًا بضغوط تضخمية محتملة ناجمة عن الشراء بدافع الهلع وتراجع قيمة العملة. غير أن الضغوط ستتجه بصورة أكثر حدة نحو قطاع الثروة الحيوانية، إذ قد تواجه مطاحن الأعلاف، التي تعمل بمستويات مخزون محدودة، نقصًا متسارعًا في الإمدادات خلال أسابيع قليلة، ما سيدفع منتجي الدواجن إلى تقليص الإنتاج تدريجيًا.
ورغم أن المعروض من اللحوم قد يشهد زيادة مؤقتة نتيجة الذبح المبكر للقطعان، فإن القدرة الإنتاجية الهيكلية للقطاع ستبدأ في التآكل تدريجيًا. وعلى هذا الأساس، ستجد الحكومة الإيرانية نفسها في المدى القريب أمام مفترق استراتيجي ضاغط: إما تأمين سلامة الملاحة في مضيق هرمز بما يسمح باستئناف تدفقات الحبوب والأعلاف السائبة، أو الاستعداد لمواجهة نقص غذائي هيكلي تتسع معه التداعيات الاجتماعية على نحو متسلسل. فانقطاع شحنات الأعلاف لأسابيع كفيل بإطلاق موجة ممتدة من نقص البروتين قد تستمر لأشهر، بما يقود بدوره إلى ارتفاع أسعار القمح وتدهور مستويات التغذية في المناطق الحضرية وقطاع الثروة الحيوانية على حد سواء، في وقت يهدد فيه نقص الأسمدة بترسيخ تراجع إنتاجية المحاصيل خلال المواسم الزراعية المقبلة.
في السيناريو الثاني، يُفترض استمرار تعطّل الملاحة البحرية لأكثر من شهرين، وهو ما يرجّح انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر حدة وعمقًا. ففي هذه الحالة، سيتعرض إنتاج الدواجن لضغوط شديدة نتيجة نقص الأعلاف، بما يفضي إلى عجز ملموس في إمدادات البروتين داخل الأسواق الحضرية. وفي موازاة ذلك، ستتآكل احتياطيات القمح بوتيرة متسارعة مع استمرار تعطل تدفقات الواردات، الأمر الذي يفاقم الاختلال بين العرض والطلب ويدفع بالأزمة نحو مستوى أكثر اتساعًا واستدامة.
ومن ناحية أخرى، يُرجَّح أن يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء إلى تصاعد الضغوط التضخمية، بما يفرض أعباء إضافية على نظام الدعم الحكومي. كما أن تزامن نقص الإمدادات مع تراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم قد يدفع نحو اضطراب اقتصادي أوسع نطاقًا. ولا تقتصر تداعيات الحصار على الداخل الإيراني، بل تمتد إلى أسواق السلع العالمية، إذ قد يؤدي انسحاب المشترين الإيرانيين من تجارة القمح والذرة وفول الصويا إلى ضغوط هبوطية مؤقتة على الأسعار العالمية. غير أن هذا الأثر يتقاطع مع اختلالات موازية، تتمثل في انكماش السعة الملاحية في ممرات الخليج، ما يفضي إلى ارتفاع العلاوات الإقليمية وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وبالتالي تعميق الضغوط اللوجستية والاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي.
ومع تحوّل “عملية الغضب الملحمي” فعليًا إلى أداة تُوظِّف الغذاء ضمن معادلة الصراع، باتت تستهدف الاستقرار الداخلي في إيران بدرجة من الدقة تتجاوز أثر الضربات العسكرية التقليدية، ما يجعل فترة الستين يومًا المقبلة اختبارًا حاسمًا لكلٍّ من متانة البنية اللوجستية وقدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه الداخلي.
وفي هذا السياق، ورغم ما أظهره النظام الغذائي في إيران من قدرة على الصمود خلال سنوات طويلة من العقوبات، فإنه لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة البحرية لتأمين المدخلات الزراعية الأساسية. ومع مطلع عام 2026، كشفت الاضطرابات التي شهدها هذا الممر عن الأثر التراكمي لضغوط بنيوية متداخلة، من بينها تركّز البنية التحتية للاستيراد، والاعتماد المرتفع على أسواق الحبوب والأعلاف الخارجية، وتذبذب الإنتاج الزراعي المحلي، فضلًا عن تصاعد الضغوط الاقتصادية الكلية.
وتُفضي تأخيرات شحنات القمح والأعلاف إلى تقييد القدرة على تلبية الطلب على السلع الأساسية، فضلًا عن خفض مستويات الإنتاج في قطاع الثروة الحيوانية، في حين يهدد محدود توافر الأسمدة إنتاجية المواسم الزراعية المقبلة. ومع تآكل المخزونات وتسارع معدلات التضخم، تصبح حتى الاضطرابات اللوجستية قصيرة الأجل عرضة للتحول إلى نقص ممتد في الإمدادات.
وعلى هذا الأساس، لا تنحصر آثار هذه الضغوط في أسواق الغذاء فحسب، بل تمتد لتولّد تداعيات اقتصادية وسياسية أوسع نطاقًا، بما يبرز الأهمية الاستراتيجية لتأمين طرق التجارة البحرية بوصفها ركيزة أساسية لضمان استقرار الإمدادات الغذائية على المستوى الوطني.
AP News. 2026. “Global Supply Chains Braced for Disruption Amid Iran Conflict.” Associated Press, March 5, 2026. https://apnews.com/article/iran-war-supply-chain-disruption-8f262bb210710b7509221a3dccf787c9
Financial Times. 2026. “The Economic Toll of Escalation in the Middle East.” Financial Times, March 2, 2026. https://www.ft.com/content/1ede5591-54f3-4589-8aec-109772635262.
GIEWS. 2024. “Country Brief: Islamic Republic of Iran.” ReliefWeb, November 22, 2024. https://reliefweb.int/report/iran-islamic-republic/giews-country-brief-iran-islamic-republic-22-november-2024
ING Think. 2026. “The Commodities Feed: Persian Gulf Disruptions Start Impacting Upstream Oil Production.” ING Group, March 4, 2026. https://think.ing.com/articles/the-commodities-feed-persian-gulf-disruptions-start-impacting-upstream-oil-production040326/
Iran International. 2025. “Iran’s Economic Outlook Amid Growing Regional Tensions.” Iran International, August 13, 2025. https://www.iranintl.com/en/202508139629
Iran International. 2025. “Inside Iran’s Maze of Multiple Exchange Rates.” April 30, 2025. https://www.iranintl.com/en/202504309977
IranWire. 2026. “Highest Inflation Rate Recorded in Iran Since World War II.” IranWire, March 6, 2026. https://iranwire.com/en/features/149636-highest-inflation-rate-recorded-in-iran-since-world-war-ii/
Trade Finance Global. 2026. “Global Food Insecurity Risk Looms Amid Hormuz Disruption.” TFG, March 3, 2026. https://www.tradefinanceglobal.com/posts/global-food-insecurity-risk-looms-amid-hormuz-disruption/
Trend News Agency. 2024. “Iran’s Non-Oil Trade Performance Analysis.” Trend.az, June 15, 2024. https://www.trend.az/business/economy/3855594.html
Worldometer. 2026. “Iran Population (Live).” Accessed March 8, 2026. https://www.worldometers.info/world-population/iran-population/
تعليقات