حدود الأتمتة: لماذا تعيد الشركات توظيف البشر؟
الإصدارات
15 يوليو 2026

حدود الأتمتة: لماذا تعيد الشركات توظيف البشر؟

منذ منتصف عام 2025، بدأت أعداد متزايدة من المؤسسات التي اندفعت نحو أتمتة الأعمال التي يؤديها البشر بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إعادة النظر في قراراتها. وتكشف تجارب بارزة، من بينها فورد موتور، وبنك الكومنولث الأسترالي (CBA)، وآي بي إم، وكلارنا، عن نمط متكرر: فقد أثبتت أنظمة الذكاء الاصطناعي كفاءة عالية في إنجاز المهام الروتينية ذات الأحجام الكبيرة، لكنها واجهت صعوبات في المهام التي تتطلب فهم السياق، والخبرة الضمنية، والتقدير الأخلاقي، والتعامل مع تفاعلات العملاء المعقدة. ولم يدفع ذلك هذه المؤسسات إلى التخلي عن الذكاء الاصطناعي، بل إلى إعادة إدماج العنصر البشري أو إعادة تصميم أدواره بما يحقق التكامل مع الأنظمة المؤتمتة.   وتذهب هذه الورقة إلى أن هذه التطورات لا تعني فشل الذكاء الاصطناعي، ولا تشير إلى انحسار موجة الأتمتة واسعة النطاق. بل إن البيانات الكلية لسوق العمل ترسم صورة معاكسة، إذ يواصل الذكاء الاصطناعي دفع الشركات إلى تقليص قواها العاملة في العديد من القطاعات. وما تكشفه التجارب السابقة، في المقابل، هو أن كثيرًا من المؤسسات التي بادرت إلى تبني هذه التقنيات بالغت في تقدير إمكانية أتمتة الوظائف بأكملها بأمان، بدلًا من أتمتة مهام محددة داخل تلك الوظائف. وهكذا، دخلت الشركات مرحلة من المراجعة وإعادة ضبط نماذجها التنظيمية، تعيد فيها رسم الحدود بين ما يمكن إسناده إلى الآلة بكفاءة، وما يظل بحاجة إلى الحكم والخبرة البشريين.   واستنادًا إلى دراسات حالات هذه الشركات، إلى جانب قاعدة أوسع من الأدلة التجريبية المستقاة من أورجفيو، وفورستر، وروبرت هاف، وكيرمايندز، وجارتنر، وماكينزي، تطرح هذه الورقة إطارًا تحليليًا يقوم على مفهوم "التكامل المشروط بطبيعة المهام". ووفق هذا الإطار، يتولى الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة المهام المعيارية والمتكررة والقابلة للتنبؤ، فيما يتركز الدور البشري في الإشراف المتخصص، ومعالجة الحالات الاستثنائية، والتحسين المستمر للأنظمة.   وفي الوقت نفسه، تبحث الورقة حدود انطباق هذا الإطار، إذ لم تمر جميع المؤسسات بمرحلة مماثلة من المراجعة وإعادة الضبط. فشركات مثل أمازون وسيلزفورس وشوبيفاي لم تشهد، وفق ما هو معلن، تراجعات مماثلة عن قرارات الأتمتة، وهو ما يشير إلى أن نتائجها قد تتباين تبعًا لخصائص القطاع، وتصميم سير العمل، ودرجة النضج المؤسسي، وسرعة تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما تقدم دولينجو وجي بي مورجان نموذجين لاستجابات مؤسسية مختلفة عن إعادة التوظيف المباشر، من بينها مراجعة السياسات وإعادة توزيع الموظفين داخل المؤسسة.   وتخلص الورقة في جوهرها إلى أن مستقبل العمل لن تحسمه، على الأرجح، أي من رؤي بين متطرفتين: إحلال الذكاء الاصطناعي محل البشر على نطاق واسع، أو مقاومة تبنيه. بل ستتوقف الميزة التنافسية، بصورة متزايدة، على قدرة المؤسسات على التمييز بدقة بين المهام التي يمكن أتمتتها وتلك التي تظل بحاجة إلى خبرة بشرية مستمرة، ثم إعادة تصميم العمل على نحو يحقق التكامل الفعّال بين الإنسان والآلة. ومن هذا المنطلق، ستكون المؤسسات الأقدر على النجاح هي تلك التي تتعامل مع تطبيق الذكاء الاصطناعي باعتباره مدخلًا لإعادة تصميم العمل والنموذج التنظيمي، لا مجرد وسيلة لخفض أعداد العاملين.
من الطقس إلى مضيق هرمز: كيف يمكن أن تبدأ أزمة الغذاء القادمة؟
البرامج البحثية

من الطقس إلى مضيق هرمز: كيف يمكن أن تبدأ أزمة الغذاء القادمة؟

نادراً ما يواجه النظام الغذائي العالمي صدمتين هيكليتين متزامنتين بهذه الدرجة من التأثير. ففي فبراير 2026، أدى إغلاق مضيق هرمز، في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إلى تعطيل أحد أهم الشرايين العالمية لتدفقات الطاقة والأسمدة والسلع الغذائية، بما هدد سلاسل الإمداد التي يعتمد عليها عدد كبير من الدول المستوردة. وفي الوقت نفسه، كانت ظاهرة "النينيو" تتجه نحو مرحلة أكثر حدة، وهي ظاهرة مناخية دورية تنجم عن ارتفاع حرارة المياه السطحية في المحيط الهادئ الاستوائي، وتؤدي إلى اضطراب أنماط الطقس العالمية، بما في ذلك موجات الجفاف، وضعف الرياح الموسمية، وتراجع الظروف الملائمة للإنتاج الزراعي في مناطق واسعة من العالم. وتشير التقديرات المناخية إلى أن مسار تطورها الحالي قد يجعلها من بين أقوى موجات "النينيو" المسجلة منذ بدء الرصد المناخي.   ويكفي أي من هذين الاضطرابين، منفرداً، لفرض اختبار بالغ الصعوبة على منظومة الغذاء العالمية. غير أن تزامنهما يخلق نمطاً مختلفاً من المخاطر، إذ تتفاعل الصدمة الجيوسياسية مع الصدمة المناخية في وقت يعاني فيه الشرق الأوسط أصلاً من هشاشة هيكلية تحد من قدرته على امتصاص الاضطرابات الخارجية. ويزداد هذا المشهد تعقيداً في عام 2026 مع تراكب هاتين الصدمتين على أزمة ممتدة في أسواق الأسمدة العالمية، وهو اقتران لم تشهده موجات "النينيو" السابقة. ومن ثم، لم يعد التحدي يقتصر على تقدير الآثار المنفصلة لكل من اضطراب هرمز أو ظاهرة "النينيو"، بل أصبح يتمثل في فهم الكيفية التي قد يؤدي بها تفاعلهما إلى مضاعفة الضغوط على الأمن الغذائي الإقليمي، وإلى أي مدى تستطيع دول الشرق الأوسط احتواء تداعيات صدمة مركبة بهذا الحجم.
أزمة ثقة.. هل يتراجع دور المؤسسات الدولية؟
البرامج البحثية

أزمة ثقة.. هل يتراجع دور المؤسسات الدولية؟

لعبت المؤسسات الدولية لعقودٍ طويلة دور المرجعية الأساسية للأمن العالمي والمنسق الأول لإدارة الأزمات العابرة للحدود، غير أن إخفاقاتها المتتالية في احتواء الأزمات الراهنة كشف عن تصدعات هيكلية عميقة في بنيتها، مما ولّد حالة غير مسبوقة وملموسة من انعدام الثقة في دورها. ومع ذلك، فإن اختزال هذا المشهد في مجرد "حالة تراجع" يتجاهل تحولاً استراتيجياً أعمق تشهده أُطر حوكمة النظام العالمي؛ فهذه الأزمة، النابعة من التوزيع العتيق والتفاوت الممنهج في موازين القوى، ليست مجرد انهيار للنظام الليبرالي الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية، بل هي أشبه بـ "عملية تصحيح مسار" لواقع القوة. وأمام اتساع فجوة التمثيل داخل هذه المؤسسات والتطبيق الانتقائي للقانون الدولي، لم تعد القوى الناشئة والمتوسطة تكتفي بمناشدة الإصلاح من داخل المؤسسات ذاتها؛ بل انتقلت لتبني استراتيجية تُعرف بـ "التحوط المؤسسي" عبر بناء خيارات وبدائل موازية، وعليه، يخلص هذا التحليل إلى أن نظام العمل متعدد الأطراف لم يلفظ أنفاسه الأخيرة، بل يتحول إلى سوق تنافسي للحوكمة، تتجاوز فيه الدول بيروقراطية الكيانات القديمة لصالح تحالفات "مصغرة" مرنة وتكتلات براغماتية تلبي مصالحها المباشرة.
من البرمجة إلى المحاماة: كيف يصنع الذكاء الاصطناعي وهم الكفاءة؟
البرامج البحثية

من البرمجة إلى المحاماة: كيف يصنع الذكاء الاصطناعي وهم الكفاءة؟

في فبراير 2025، صاغ الباحث في الذكاء الاصطناعي أندريه كارباثي مصطلحًا لوصف ظاهرة كانت قد بدأت تترسخ بين المبرمجين، إذ يكتفون بصياغة ما يريدون بلغة إنجليزية بسيطة، ثم يتركون لنموذج الذكاء الاصطناعي مهمة توليد الشفرة البرمجية، بدلًا من كتابتها أو حتى فهمها بأنفسهم. وأطلق على هذا النهج اسم "البرمجة بالحدس" (vibe coding). وبعد عام واحد، بدأ النمط نفسه يظهر في مجال أقل تسامحًا بكثير مع الخطأ. فقد تناول تقرير حديث لمجلة "الإيكونوميست" ما سمّاه "المحاماة بالحدس" (vibe lawyering)، حيث أصبح غير المتخصصين، مستعينين بروبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي بدلًا من التدريب القانوني، يصوغون الشكاوى، ويديرون المنازعات، ويتابعون الدعاوى القضائية التي كان الاضطلاع بها، حتى وقت قريب، يتطلب الاستعانة بمحامٍ.   وأظهرت الدراسة التي استشهد بها التقرير، وأعدها أناند شاه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجوشوا ليفي من جامعة جنوب كاليفورنيا (USC)، بعد تحليل 4.5 مليون قضية مدنية فيدرالية، أن نسبة المتقاضين الذين يتولون تمثيل أنفسهم أمام المحاكم، والتي ظلت مستقرة عند نحو 11% على مدى عقدين، ارتفعت إلى 16.8% بحلول السنة المالية 2025، في حين تضاعف تقريبًا عدد الدعاوى التي رفعها أصحابها دون الاستعانة بمحامٍ. ولا تقتصر وظيفة روبوتات الدردشة المستخدمة في هذه الحالات على مساعدة الأفراد في إعداد الوثائق القانونية، بل تميل أيضًا إلى اختلاق سوابق قضائية من العدم، وتشجيع اللجوء إلى التقاضي، وتثبيط التسويات، وتعزيز ثقة المستخدمين، على نحو مبالغ فيه، بفرص نجاحهم في الدعوى. وقد بدأت المحاكم بدورها في التصدي لهذه الظاهرة؛ إذ أصدرت ما يقرب من ألف مذكرة توبيخ بسبب إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في المستندات القضائية المقدمة إليها، كما أوقفت إحدى محاكم الاستئناف الفيدرالية مؤخرًا محاميين بعد أن تضمّنت مذكراتهما استشهادات قانونية مختلقة.   يمثل المجال القانوني حالةً دراسيةً فريدة؛ إذ تحتفظ المحاكم بسجل علني قابل للبحث يوثق ما يحدث عندما تتجاوز ثقة الأفراد قدراتهم الفعلية. غير أن هذه ليست سوى حالة دراسية، وليست القصة بأكملها. فالنمط نفسه، حيث تحل إجابة سلسة يصوغها الذكاء الاصطناعي محل حكمٍ لا يمتلكه الشخص في الواقع، أخذ يظهر في كل مجال بات فيه الناس يعتمدون على الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات كانت تتطلب في السابق خبرة بشرية حقيقية. وهذا هو الموضوع الحقيقي الذي تتناوله هذه المقالة: ليس التقاضي في حد ذاته، بل الكيفية التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل تصور الإنسان لكفاءته الذاتية عندما يبدأ، في هدوء، بالقيام بجزء من عملية التفكير نيابةً عنه، وما قد يترتب على ذلك مع امتداد هذا النمط إلى مجالات تتجاوز بكثير حدود قاعات المحاكم.
الوجه الآخر لكأس العالم: كيف تشكل الأرباح قرارات الفيفا؟
البرامج البحثية

الوجه الآخر لكأس العالم: كيف تشكل الأرباح قرارات الفيفا؟

لم يعد النجاح التجاري للاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" وقراراته المتعلقة بالحوكمة يمثلان مسارين منفصلين، بل أصبحا، على نحو متزايد، وجهين لمنظومة واحدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع آليات إدارة اللعبة. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الدراسة الأطراف المستفيدة من النموذج التجاري الحديث لكأس العالم، وكيف باتت إيرادات "فيفا" تعتمد بدرجة متزايدة على حضور النجوم وإقامة المواجهات الجماهيرية الكبرى، وما إذا كان هذا الاعتماد يفضي إلى نشوء حوافز مؤسسية قد تثير تساؤلات بشأن بعض القرارات المتعلقة بأهلية المشاركة أو التحكيم.   وتزداد أهمية هذه الإشكالية في ضوء الحجم غير المسبوق لنسخة كأس العالم 2026، التي تمثل الأكبر والأعلى قيمة تجارية في تاريخ "فيفا". كما تستند منظومة رعاية البطولة إلى هيكل متعدد المستويات يضم علامات تجارية عالمية وشبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية مع الأندية، بما يعكس اتساع المصالح الاقتصادية المرتبطة بالبطولة. وفي الوقت نفسه، شهدت منافسات هذا العام تراجعات عن قرارات تأديبية، إلى جانب حالات أثارت جدلًا تحكيميًا، ربطها منتقدون بصورة مباشرة بالحوافز التجارية التي تمثل أحد المحركات الرئيسة لإيرادات "فيفا".   وتستند هذه الدراسة إلى الإفصاحات المالية الصادرة عن "فيفا"، وبيانات الرعاية، والتغطيات المعاصرة للبطولة، مع الالتزام بالفصل بوضوح بين الوقائع الموثقة والتفسيرات محل الجدل. كما تميز بين ما تثبته الأدلة وما يندرج في إطار القراءات والتحليلات الإعلامية، ولا سيما في الحالات التي طُرحت فيها قرارات تحكيمية أو تأديبية باعتبارها مثارًا للتساؤل والنقاش، لا بوصفها دليلًا على وجود تلاعب.
بيولوجيا السلطة: كيف تعيد تقنيات إطالة العمر رسم موازين القوة؟
البرامج البحثية

بيولوجيا السلطة: كيف تعيد تقنيات إطالة العمر رسم موازين القوة؟

في عرض عسكري أُقيم في بكين في سبتمبر 2025، التقط ميكروفون مفتوح حديثًا دار بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينج، قال فيه بوتين إن التطورات المتسارعة في التكنولوجيا الحيوية قد تتيح للبشر استبدال أعضائهم بصورة متواصلة، واستعادة الشباب، وربما حتى بلوغ الخلود. وردّ شي بالقول إن البشر قد يتمكنون من العيش حتى سن 150 عامًا بحلول نهاية هذا القرن. وبدا من السهل النظر إلى هذا التبادل باعتباره مجرد حديث عابر، بل وربما غريب، بين زعيمين يتقدمان في العمر. غير أن الأمر لم يكن عابرًا، ولم يكن غريبًا. فخلف هذه التصريحات تقف مبادرة روسية حكومية بقيمة 26 مليار دولار، إلى جانب فريق من العلماء يعمل على تطوير أعضاء بشرية بتقنية الطباعة الحيوية بحلول عام 2030، ضمن توجه أوسع تتعامل فيه الدول الكبرى والفاعلون من القطاع الخاص مع إطالة العمر البشري باعتبارها أولوية استراتيجية. ومع انتقال العلاجات الجينية، والطب التجديدي، وتقنيات استبدال الأعضاء تدريجيًا من المختبرات إلى البيئات السريرية، يبرز سؤال استراتيجي لم يحظَ حتى الآن بما يستحقه من اهتمام: ماذا يحدث لسلطة الدولة عندما تبدأ الساعة البيولوجية، التي ظلت دائمًا تفرض حدودها على القادة السياسيين ومؤسساتهم، في التباطؤ؟
أوروبا وحلم السيادة التكنولوجية: أين ينتهي الطموح ويبدأ الوهم؟
البرامج البحثية

أوروبا وحلم السيادة التكنولوجية: أين ينتهي الطموح ويبدأ الوهم؟

شهدت المخاوف الأوروبية بشأن السيادة التكنولوجية تصاعدًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت من هاجس محدود الحضور في النقاشات السياسية إلى قضية محورية تتصدر الأجندة الأمنية والاستراتيجية للقارة. ويعود هذا التحول إلى جملة من التطورات المتسارعة التي كشفت بوضوح حجم الهشاشة الأوروبية في المجال التكنولوجي. ففي يونيو 2026، أعلنت أجهزة الاستخبارات الفرنسية التخلي عن خدمات شركة "بالانتير" الأمريكية المتخصصة في تحليل البيانات، والتي ظلت لسنوات منخرطة بعمق في منظومات الدفاع والأمن الشرطي الأوروبية، لصالح مزود محلي، مبررة القرار صراحة بالحاجة إلى تعزيز "الاستقلال الاستراتيجي". ولا يقتصر هذا القلق على فرنسا وحدها. إذ تشير التقارير إلى أن الجيش الألماني يستبعد تمامًا الاعتماد على شركة "بالانتير"، في حين تشهد المملكة المتحدة نقاشات برلمانية متصاعدة بشأن عقد مع الشركة تبلغ قيمته ربع مليار جنيه إسترليني. ويستند جانب من هذا الجدل إلى حقيقة مقلقة أبرزتها إحدى الدراسات القانونية بوضوح، مفادها أن البيانات الأوروبية، حتى وإن كانت مخزنة داخل مراكز بيانات تقع في أوروبا، قد تظل خاضعة لإمكانية وصول السلطات الأمريكية إليها بموجب القانون الأمريكي، بصرف النظر عن الضمانات التعاقدية القائمة. وبذلك، لم يعد الحديث عن "سيادة البيانات" مجرد مصطلح متداول في دوائر السياسات العامة، بل أصبح يعكس معضلة استراتيجية حقيقية تتجاوز الاعتبارات التقنية إلى صميم توازنات القوة والسيادة في النظام الدولي.   وازدادت هذه المخاوف حدة قبل أيام قليلة من كتابة هذا التحليل، حين أمرت الحكومة الأمريكية شركة "أنثروبيك" بوقف إتاحة الوصول إلى أحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي، "ميثوس"، أمام أي مستخدم لا يحمل الجنسية الأمريكية، مبررة القرار باعتبارات تتعلق بالأمن القومي. وجاء رد الشركة لافتًا؛ إذ فضّلت تعطيل النموذج بالكامل أمام جميع المستخدمين، بمن فيهم الأمريكيون، بدلًا من تطوير آلية فورية للتحقق من الجنسية تسمح بتقييد الوصول خلال فترة زمنية قصيرة.   ورغم أن هذه الواقعة لم تستمر سوى بضعة أيام، فإنها لامست جوهر المخاوف الأوروبية بصورة مباشرة. فلم تعد الحدود المتقدمة للذكاء الاصطناعي تقع خارج نطاق السيطرة الأوروبية فحسب، بل أصبحت خاضعة عمليًا لسلطة حكومة واحدة تملك القدرة على تقييد الوصول إليها أو حجبه بقرار أحادي. ومع ذلك، لا يعني كل ما سبق أن على أوروبا الانجرار إلى رد فعل تحركه الهواجس، أو السعي إلى بناء بديل أوروبي كامل لكل شيء من الصفر وبوتيرة متسارعة. فكما تظهر تقديرات الكلفة، فإن محاولة تحقيق استقلال كامل عبر مختلف طبقات منظومة الذكاء الاصطناعي قد تتطلب إنفاقًا يُقدَّر بتريليونات اليوروهات، وهو ما يتجاوز بكثير حدود الواقعية العملية.   ومن ثم، لا تكمن الاستجابة الأكثر عقلانية لأوروبا في السعي إلى امتلاك جميع حلقات المنظومة التكنولوجية، بل في طرح سؤال أكثر جوهرية: ما المجالات التي تستلزم سيادة فعلية؟ وأين يمكن للشراكات أن توفر بديلًا كافيًا عن التملك المباشر؟ وكيف يمكن توظيف مصدر القوة الحقيقي لأوروبا، والمتمثل في ريادتها التنظيمية والتشريعية، بصورة مقصودة وفعالة بدلًا من التعامل معه بوصفه مجرد تعويض عن مواطن الضعف الأخرى؟ وبعبارة أخرى، لا تعني السيادة امتلاك كل شيء، بل تعني الإدراك الدقيق للمجالات التي لا يمكن تحمّل تبعات الاعتماد فيها على الآخرين.
خرافة البترودولار: لماذا يفشل الطموح وحده في كسر هيمنة الدولار؟
البرامج البحثية

خرافة البترودولار: لماذا يفشل الطموح وحده في كسر هيمنة الدولار؟

يُعد البترودولار أحد أكثر المفاهيم تداولًا وأقلها فهمًا في عالم التمويل الدولي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، شكّل هذا المفهوم عدسة رئيسية نظر من خلالها المحللون والصحفيون وصناع السياسات إلى مكانة الدولار بوصفه عملة الاحتياط العالمية، إذ جرى اختزال التفوق النقدي الأمريكي في ترتيباته المرتبطة بالطاقة. غير أن هذه المقاربة تُخفي من الحقائق أكثر مما تكشف. فهيمنة الدولار لم تكن يومًا نتاج صفقات النفط بقدر ما كانت حصيلة عمق الأسواق المالية الأمريكية، وصلابة بنيتها القانونية، ورصيد الثقة المتراكم في مؤسساتها عبر عقود. ومن ثم، فإن فهم مستقبل النظام المالي العالمي يقتضي تجاوز المشهد الجيوسياسي المرتبط بتسعير الطاقة، والتوجه نحو الأسس البنيوية الأكثر رسوخًا التي تُبقي الدولار الأمريكي في قلب المنظومة المالية العالمية.   ظهر مصطلح "البترودولار" في المعجم المالي العالمي خلال أوائل سبعينيات القرن الماضي، للدلالة على الدولارات الأمريكية التي تدفقت إلى الدول المصدرة للنفط عقب الحظر النفطي العربي عام 1973 وما أعقبه من ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام. غير أن جذور هذا المفهوم تعود في الواقع إلى تحول هيكلي أعمق في النظام النقدي العالمي. فعندما علّق الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قابلية تحويل الدولار إلى الذهب عام 1971، في خطوة أنهت فعليًا نظام بريتون وودز، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حاجة ملحة إلى مرتكز جديد يدعم استمرار الطلب العالمي على الدولار. وفي هذا السياق، تبلور لاحقًا ترتيب غير رسمي، تجسد بصورة أوضح في المفاوضات الأمريكية السعودية عام 1974، ضمن أن تُسعَّر صادرات النفط الخليجية حصريًا بالدولار، وأن يُعاد توظيف الفوائض المالية الناجمة عنها في سندات الخزانة الأمريكية والأسواق المالية في الولايات المتحدة.   وعلى مدى عقود، كرّس هذا الترتيب سرديةً شديدة الإقناع مفادها أن الهيمنة العالمية للدولار تستند في جوهرها إلى النفط. وكان المنطق الذي استندت إليه هذه السردية بسيطًا ومباشرًا: فطالما أن كل دولة مستوردة للنفط تحتاج إلى الدولار لشراء الطاقة، فإن الطلب العالمي على العملة الأمريكية يبقى مضمونًا بحكم بنية النظام نفسه. ووفقًا لهذا التصور، فإن أي تحدٍ لهذه المنظومة من شأنه أن ينعكس مباشرة على مكانة الدولار بوصفه عملة الاحتياط الرئيسية في العالم. وقد اكتسب هذا التصور زخمًا واسعًا، لا سيما في أوساط المحللين الجيوسياسيين والإعلام البديل، خصوصًا عقب قرار صدام حسين عام 2000 تسعير النفط العراقي باليورو، ثم مع تصاعد التكهنات لاحقًا بأن التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط كانت مدفوعة، ولو جزئيًا، بالرغبة في حماية منظومة البترودولار.   غير أن هذه السردية، رغم انتشارها الواسع، تقوم على سوء فهم جوهري للآليات الحقيقية التي تقوم عليها هيمنة الدولار. وقد فنّدت مجلة "ذا إيكونوميست" هذا الطرح بصورة مباشرة، مؤكدة أن البترودولار كثيرًا ما أُسيء فهمه، وأنه لم يعد يمثل الركيزة الأساسية لقوة الدولار. فرغم أهمية تجارة النفط العالمية، فإن حجمها لا يشكل سوى جزء محدود من إجمالي المعاملات المقومة بالدولار على مستوى العالم. ووفقًا لبيانات بنك التسويات الدولية (BIS)، يشارك الدولار في نحو 88% من إجمالي معاملات سوق الصرف الأجنبي عالميًا، وهي نسبة تعكس عمق الأسواق المالية ورصيد الثقة المتراكم في المؤسسات، أكثر مما تعكس أي اعتماد على الطاقة.   تاريخيًا، اكتسبت العلاقة بين النفط والدولار وزنًا أكبر في مرحلة كانت فيها الأسواق المالية العالمية أقل تكاملًا، وكانت سندات الخزانة الأمريكية تمثل الملاذ الآمن الافتراضي ضمن نطاق محدود من البدائل المتاحة. إلا أن هذا السياق البنيوي لم يبقَ على حاله، بل شهد تحولًا جذريًا. وتستند هيمنة الدولار اليوم إلى السيولة الاستثنائية لأسواق وول ستريت، وموثوقية إنفاذ العقود ضمن الإطار القانوني الأمريكي، فضلًا عن عقود من الثقة المتراكمة لدى المستثمرين العالميين، وهي أسس أكثر رسوخًا واستدامة بكثير من أي ترتيب ثنائي مرتبط بالطاقة. وباختصار، لم يكن البترودولار يومًا الركيزة الحاملة لهيمنة الدولار، بل كان، في أفضل الأحوال، مجرد عنصر داعم ضمن بنية أوسع وأكثر تعقيدًا بكثير.
اقتصاديات الأمن الجديدة: عندما يصبح الأمن أساسًا جديدًا للتسعير العالمي
البرامج البحثية

اقتصاديات الأمن الجديدة: عندما يصبح الأمن أساسًا جديدًا للتسعير العالمي

بعيدًا عن التداعيات قصيرة الأجل التي تفرضها الحروب والصراعات، يشهد قطاع الدفاع العالمي تحولًا عميقًا وواسع النطاق. فزيادة الإنفاق العسكري في السنوات الأخيرة، التي جرى التعامل معها في البداية بوصفها استجابة دورية للنزاعات الإقليمية، بات يُنظر إليها بصورة متزايدة باعتبارها جزءًا من تحول أوسع يتمثل في إعادة تسعير الأمن عبر الأسواق العالمية بوصفه متغيرًا طويل الأمد لا ظرفًا مؤقتًا. كما دفعت هذه التحولات إلى إعادة تقييم دور شركات الدفاع، إذ لم تعد تُنظر إليها باعتبارها مجرد متعاقدين صناعيين ترتبط قيمتهم بدورات المشتريات العسكرية، بل بوصفها أصولًا استراتيجية تتموضع في صلب ديناميات التفتت الجيوسياسي والتنافس السيادي المتصاعد.   ونتيجة لذلك، أسهم هذا التحول في تآكل نموذج "عائد السلام" الذي ساد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وشكّل أحد الأسس التي ارتكز إليها التكامل الاقتصادي العالمي لأكثر من ثلاثة عقود. ففي أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، تبنت الاقتصادات المتقدمة إلى حد كبير افتراضًا مفاده أن الترابط الاقتصادي المتبادل من شأنه الحد من مخاطر الصراعات، وهو ما وفر مبررًا لاستمرار خفض الإنفاق الدفاعي. واستند هذا التصور إلى نموذج للعولمة يركز على الكفاءة الاقتصادية، ويعتمد على سياسات الحد الأدنى من المخزون، وخفض التكاليف، وسلاسل التوريد الموزعة جغرافيًا، مع إيلاء أهمية محدودة نسبيًا للقدرات الاحتياطية والعمق الصناعي الاستراتيجي.   غير أن هذا النموذج أظهر بحلول عام 2026 نقاط ضعفه الملموسة بصورة متزايدة. فلم تعد الاعتبارات الأمنية تُعامل باعتبارها عاملًا خارجيًا منفصلًا عن السياسات الاقتصادية، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ منها، مع سعي الدول إلى دمج الإنتاج الدفاعي، والقدرات الصناعية، والتحكم في سلاسل التوريد ضمن إطار أوسع يهدف إلى تعزيز المرونة الوطنية وترسيخ القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات والاضطرابات.
مخاوف مشروعة: هل يتحول فيروس هانتا إلى وباء عالمي؟
الإصدارات
21 مايو 2026

مخاوف مشروعة: هل يتحول فيروس هانتا إلى وباء عالمي؟

في الثاني من مايو، أعاد تفشٍ لفيروس الأنديز، أحد سلالات فيروس هانتا، على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي إحياء المخاوف المرتبطة بالتهديدات الوبائية الناشئة، بعدما أسفر عن إصابات ووفيات أعادت الفيروس إلى واجهة الاهتمام الصحي العالمي. وبينما لا يزال فيروس هانتا يُصنَّف ضمن الفيروسات محدودة الانتقال بين البشر، فإن طبيعة الحادثة وما رافقها من مخاوف بشأن سرعة الاحتواء وإدارة العدوى أعادت إلى الأذهان الأجواء التي رافقت المراحل الأولى من تفشي "كوفيد-19". وتجاوزت تداعيات الحادثة حدود القلق الصحي المباشر، لتفتح مجددًا النقاش حول مستوى الجاهزية الدولية للتعامل مع مسببات الأمراض الناشئة، خصوصًا في البيئات المغلقة وعالية الكثافة البشرية، مثل السفن السياحية ووسائل النقل العابرة للحدود. كما أعادت تسليط الضوء على قدرة أنظمة الرصد والاستجابة الوبائية على احتواء تفشي الفيروس المحدود قبل تحوله إلى تهديدات صحية أوسع نطاقًا.   ومنذ ذلك الحين، تصاعدت المقارنات بين فيروس هانتا وآليات انتقال "كوفيد-19" بين البشر، خصوصًا في ظل المخاوف المرتبطة بإمكانية اتساع نطاق العدوى. غير أن المعطيات المتاحة تشير إلى اختلاف جوهري بين الحالتين؛ إذ امتلك فيروس SARS-CoV-2 قدرة عالية على الانتقال المجتمعي، مع تسجيل انتقال العدوى إلى متوسط شخصين أو أكثر داخل تجمعات لم تكن قد تعرضت للفيروس سابقًا. في المقابل، ارتبط انتقال فيروس الأنديز على متن السفينة بظروف شديدة الخصوصية، تمثلت في وجود مصابين ظهرت عليهم الأعراض داخل أماكن مزدحمة وضعيفة التهوية، إلى جانب الاحتكاك المباشر والمستمر لفترات طويلة، وهو ما يعكس نمط انتقال أكثر محدودية وأقل قابلية للانتشار الواسع مقارنةً بجائحة "كوفيد-19".   وفي هذا السياق، يرى بعض خبراء منظمة الصحة العالمية أن التفشي الحالي فيروس هانتا على متن السفينة لا يرقى إلى مستوى "الجائحة التالية" على غرار "كوفيد-19". فالمعطيات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن الفيروس يتكاثر بوتيرة أبطأ، وينتقل أساسًا عبر الاحتكاك المباشر والقريب، كما تبدو قدرته على العدوى أكثر ارتباطًا بظهور الأعراض لدى المصابين، وهو ما يحدّ من احتمالات الانتقال المجتمعي واسع النطاق.   في المقابل، يحذر خبراء آخرون من التقليل من دلالات الحادثة، مستندين إلى ارتفاع معدل الفتك المرتبط ببعض سلالات فيروس هانتا، إلى جانب ما يُنظر إليه بوصفه تحولًا نسبيًا في أنماط انتقاله التقليدية. ومن ثم، أعادت هذه التطورات طرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان الفيروس قد يمتلك مستقبلًا مقومات التحول إلى تهديد وبائي أوسع، أم أن قدراته الانتقالية ستظل محصورة ضمن نطاقات جغرافية وظروف وبائية محددة.   وتتناول هذه الدراسة احتمالات تحوّل فيروس هانتا إلى تهديد وبائي عالمي، من خلال تحليل خصائصه البيولوجية، وأنماط انتقاله، ومعدلات الفتك المرتبطة به، إلى جانب تقييم وضعه الوبائي الراهن وانتشاره الجغرافي. كما تبحث الدراسة مدى استيفاء الفيروس للمعايير المرتبطة بتحول التفشي المحدود إلى جوائح واسعة النطاق، بما يشمل القدرة على تحقيق انتقال مستدام بين البشر، وإمكانية الانتشار العابر للحدود، واحتمالات انتقال العدوى من دون أعراض واضحة، وقابلية التفشي داخل البيئات الحضرية، فضلًا عن التحديات المرتبطة بعمليات الاحتواء والاستجابة الصحية.   كما تستعرض الدراسة المسارات المستقبلية المحتملة لإنتشار فيروس هانتا، عبر تحليل سيناريوهات تتراوح بين استمرار الانتشار الوبائي المحلي المحدود، واتساع نطاق الانتقال الإقليمي، وصولًا إلى سيناريو منخفض الاحتمال لكنه مرتفع التأثير يتمثل في تحوّل الفيروس إلى تهديد وبائي أوسع نتيجة طفرات محتملة قد تعزز قدرته على الانتقال. كذلك تتناول الدراسة التداعيات المرتبطة بالسياسات الصحية، ومؤشرات الإنذار المبكر، والدروس المستفادة من جائحة "كوفيد-19"، بهدف تقييم فجوات الجاهزية وقدرات الاستجابة، ومدى قدرة الأنظمة الصحية والمؤسسات الدولية على احتواء التهديدات الوبائية الناشئة قبل خروجها عن نطاق السيطرة.   منهجيًا، تعتمد هذه الدراسة على مقاربتين نوعية وكمية، تستندان بصورة رئيسة إلى البيانات الأولية والمؤشرات الرقمية، إلى جانب المصادر الثانوية. وتستند الدراسة إلى تقارير وبيانات صادرة عن منظمات صحية دولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، فضلًا عن الإحصاءات الرسمية، والأدبيات الأكاديمية المحكمة، والدراسات الوبائية، وتحليلات الخبراء. كما توظف الدراسة منهج المقارنة التحليلية بين فيروس هانتا و"كوفيد-19"، بهدف رصد أوجه التشابه والاختلاف في مؤشرات رئيسة، تشمل قابلية الانتقال، ومعدلات الفتك، والقدرة على التحول إلى جائحة. كذلك تعتمد الدراسة على بناء السيناريوهات ومنهجيات تقييم المخاطر لتحليل المسارات المحتملة لعمليات التفشي المستقبلية، وتقييم مؤشرات الجاهزية والتحديات المرتبطة بالاستجابة والاحتواء.
السيادة الرقمية: العالم تحت حكم الخوارزميات
البرامج البحثية

السيادة الرقمية: العالم تحت حكم الخوارزميات

بحلول عام ٢١٠١، سيشهد مفهوم الديمقراطية وأنظمة الحكم تحولاً جذرياً يتجاوز الآليات التقليدية المتمثلة في صناديق الاقتراع والخطابات السياسية، ليحل محلها نظامٌ سيعتمد على واجهات رقمية شفافة تعرض مخرجات خوارزميات فائقة القدرة، ستتولى اتخاذ القرارات المصيرية نيابةً عن الشعوب، ولن تدور الإشكالية الجوهرية في الفلسفة السياسية حينها حول من يملك حق التصويت. بل سينتقل مركز الثقل ليطرح تساؤلاً أكثر عمقاً وخطورة: من سيمتلك صلاحية صياغة الشفرة البرمجية (Code) التي ستُسيّر المصائر البشرية وتتحكم في موارد العالم؟   وفي تلك الأثناء جلست "ندا" داخل قاعةٍ زجاجيّةٍ شاهقةٍ تشرف على قلب المدينة، حيث تمتدّ أمام ناظريها جدرانٌ رقميّةٌ عملاقةٌ تتلألأ برسومٍ بيانيّةٍ وخطوطٍ متموّجة. كان هذا المكان يعرف بـ "قاعة نّبض الشعب"؛ فهو بمثابة المركز العصبيّ الّذي ترصد من خلاله الخوارزميَات المزاج العام لحظةً بلحظة. خلت اللّوحة الرّئيسيّة من أيّ ذكرٍ لأحزابٍ أو مرشّحين، وحلّت محلّها سطورٌ من الأوامر البرمجيّة المعقّدة، ومؤشّراتٌ لونيّةٌ دقيقةٌ تقيس مستويات الخوف، والغضب، والرّضا، والثّقة، تمامًا كما تقاس معدّلات الحرارة والرّطوبة.   أطلقت ندا تَنَفُّساً حارّاً وتمتمت في سرّها: "لقد حدث كلّ هذا... لأنّ الدّيمقراطيّة تآكلت ذاتيًّا". وكانت قد درست في الجامعة ما اصطلح المؤرّخون على تسميته بـ عصر الفوضى السّياسيّة في أواخر القرن الحادي والعشرين؛ حينما استحالت الانتخابات إلى ساحاتِ حربٍ سيبرانيّةٍ مفتوحةٍ، تقودها فيالق من الرّوبوتات البرمجيّة، وتغرقها طوفاناتٌ لا تنقطع من الأخبار المزيّفة. في تلك الحقبة، هيمن المال العابر للحدود على كلّ شيء، مبتاعًا الحملات الانتخابيّة، واستطلاعات الرّأي، ومنصّات النّقاش العامّ. وأمام كلّ أزمةٍ مناخيّةٍ أو وبائيّةٍ أو ماليّةٍ، وقفت الحكومات المنتخبة مشلولةً، تنشغل بالصّراعات البينيّة أكثر ممّا تنشغل بالحكم.   في تلك اللّحظة المفصليّة، تراءى للحكومات والشّعوب المنهكة أنّ الحلّ المنطقيّ يكمن في خيارٍ وحيد: "ليكن القرار للآلة". برز في البداية ما سمّي بـ "نظام الحوكمة الخوارزميّة الشّاملة"؛ كنظمٍ متقدّمةٍ صمّمت لتعين صنّاع القرار على قراءة البيانات واتّخاذ قراراتٍ أسرع وأكثر تجرّدًا من الانفعال. سوّقت هذه الأنظمة للجمهور آنذاك بوصفها "محايدة"، لا تسعى لشعبيةٍ زائلة، ولا تخشى صناديق الاقتراع، ولا تحرّكها المصالح الخاصّة. غير أنّ ما بدأ كأداةٍ مساعدة، لم يلبث أن تحوّل ليصبح مركز الثّقل وصانع القرار الأوحد.
هل تنهار الثقة في الدولة الرقمية؟
البرامج البحثية

هل تنهار الثقة في الدولة الرقمية؟

على مدى عقود، استندت الأنظمة التي طورتها الحكومات والبنوك والجامعات والمؤسسات العامة للتحقق من هويات الأفراد إلى افتراض جوهري مفاده أن المعلومات الشخصية والوثائق الرسمية والخصائص الجسدية يصعب تزويرها أو محاكاتها بصورة مقنعة. وفي ظل هذا الافتراض، كان رقم الضمان الاجتماعي مقترنًا بتاريخ الميلاد ورخصة القيادة كافيًا، في معظم الحالات العملية، لإثبات هوية الفرد والتحقق منها. غير أن هذا الافتراض لم يعد صالحًا اليوم، فقد سجلت الولايات المتحدة خلال عام 2025 أعلى عدد من اختراقات البيانات منذ بدء توثيق هذه الحوادث، كما ارتفعت بلاغات سرقة الهوية المقدمة إلى لجنة التجارة الفيدرالية بنحو 20% مقارنة بالعام السابق، فيما تجاوزت الخسائر العالمية الناجمة عن عمليات الاحتيال 534 مليار دولار سنويًا. وفي الوقت ذاته، أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي التقنية ذاتها التي تدعم طيفًا واسعًا من أدوات الإنتاجية والتطبيقات الإبداعية عبر مختلف القطاعات الاقتصادية، عاملًا مضاعفًا لقدرات الجهات التي تسعى إلى خداع الأنظمة الرقمية على نطاق غير مسبوق. وأدت السرعة المتزايدة لتطور هذه الأدوات، ومستوياتها المتقدمة من التعقيد، وسهولة إتاحتها، إلى انتقال المشكلة من نطاق الجرائم المالية وأنشطة الاحتيال التقليدية إلى صلب تساؤل أوسع يتعلق بمدى متانة وموثوقية البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها الدول الحديثة في أداء وظائفها الأساسية، وما إذا كانت هذه المنظومة تستحق بالفعل مستوى الثقة الذي مُنح لها على مدى عقود.