كتب بواسطة

تشهد الحرب الروسية–الأوكرانية الممتدة منذ ما يقرب من أربع سنوات سلسلة متعاقبة من المحاولات غير المجدية لإنهائها، عبر خطط سلام متعددة لم تُفلح في إحداث اختراق حقيقي في مسار الصراع. وفي المرحلة الراهنة، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عازمًا على الدفع نحو تسوية سياسية، عبر طرح مبادرة سلام خلال الأشهر الأخيرة، والانخراط في مسار تفاوضي مباشر مع كلٍّ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في محاولة لإعادة تشكيل مآلات الحرب ووضع حدٍّ لاستمرارها.

 

تتعدد السيناريوهات المحتملة لما بعد الحرب الروسية–الأوكرانية، غير أنّ مسار المفاوضات الجارية يفتح المجال أمام تحوّلات أكثر عمقًا في مآلات الصراع. ففي ظلّ الدفع المتواصل نحو التسوية، ولا سيّما من جانب الولايات المتحدة وروسيا لتبنّي خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات النقاط الثماني والعشرين، مقابل المقترح الأوكراني المضاد القائم على الخطة المعدّلة ذات النقاط التسع عشرة، تزداد احتمالات التوصّل إلى تسوية تميل لمصلحة موسكو. وهو ما يطرح تساؤلًا محوريًا: إذا ما جرى اعتماد مثل هذه التسوية، كيف سيُعاد تشكيل المشهد الأوراسي، وما التحوّلات التي ستترتّب عليها في موازين القوى الإقليمية والدولية؟

إعادة النظر في "خطة السلام"

طرحت الولايات المتحدة في مطلع نوفمبر خطة سلام مؤلفة من 28 بندًا تهدف إلى إنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية، إلا أنّها قوبلت بانتقادات حادة من الجانبَين الأوكراني والأوروبي، اللذين اعتبراها منحازة إلى المصالح الروسية. وتتركّز أبرز نقاط الخلاف حول هذه الخطة في جملة من القضايا الجوهرية، في مقدّمتها تقليص قوام القوات المسلحة الأوكرانية إلى 600 ألف عنصر، والتزام أوكرانيا الامتناع عن الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، واستبعاد نشر قوات تابعة للحلف على أراضيها. أمّا النقطة الأكثر حساسية وإثارة للجدل، فتتمثّل في الاعتراف بشبه جزيرة القرم وإقليم الدونباس، ولا سيّما لوهانسك ودونيتسك، بوصفهما جزءًا من الأراضي الروسية.

 

تتوافق بنود عديدة في هذه الخطة مع الشروط الروسية، وفي مقدّمتها الاعتراف بشبه جزيرة القرم وإقليم الدونباس بوصفهما جزءًا من الأراضي الروسية، وحياد أوكرانيا مع استبعاد أي ارتباط بحلف شمال الأطلسي، وفرض قيود على حجم قواتها المسلحة، إلى جانب التخفيف التدريجي للعقوبات المفروضة على موسكو. وفي المقابل، قدّم الجانب الأوكراني خطة معدّلة تتألف من 19 بندًا، تُعدّ أكثر قبولًا من جانبه، لكنها أقل جاذبية بالنسبة لروسيا. ويعيد هذا التباين طرح تساؤل جوهري حول طبيعة خطة السلام التي قد يتم اعتمادها في نهاية المطاف، لا سيّما أنّ نقطة الخلاف الأشدّ حدّة بين الطرفين تتمحور حول التنازلات الإقليمية، بما في ذلك ترسيم الحدود. ففي حين تُصرّ موسكو على السيطرة الكاملة على إقليم الدونباس في شرق أوكرانيا، يُعدّ القبول بمثل هذا الشرط مضرًا على نحو بالغ بالمصالح الاستراتيجية والسياسية لكييف.

 

فيما يخصّ الولايات المتحدة، يبدو الرئيس دونالد ترامب مصمّمًا على التوصّل إلى اتفاق سلام نهائي عبر إدارة مسار تفاوضي مباشر مع الطرفين، بهدف بلورة تسوية قائمة على الحدّ الأدنى من التوافق المشترك. وفي هذا السياق، أجرى وزير الجيش الأمريكي دانيال دريسكول محادثات مع كيريلو بودانوف، رئيس المديرية الرئيسية للاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع الأوكرانية، إلى جانب وفد روسي، وذلك في أبوظبي. وعقب ذلك، عقد المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس ترامب، جاريد كوشنر، لقاءً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو. وسبق هذه الخطوة اجتماع جمع كلاً من ويتكوف وكوشنر ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بمسؤولين أوكرانيين، في إطار مساعٍ متواصلة لدفع الطرفين نحو التوافق على نقاط مشتركة تمهّد الطريق أمام تسوية شاملة.

 

وبينما لا يزال الموقف الراهن يُختزل في الدعوة إلى “مزيد من النقاشات”، فإنّ المؤشرات الأولية توحي بأنّ كلا الطرفين باتا مهيّأين، من حيث المبدأ، للتوصّل إلى اتفاق ملموس. وعلى الرغم من أنّ المشهد يبدو وكأنّه يعيد إنتاج سيناريوهات سابقة، فإنّ التقديرات السائدة تشير إلى أنّ أي خطة سلام نهائية مرشّحة لأن تميل بدرجة أكبر لمصلحة روسيا، وذلك لاعتبارات متعددة. أولًا، حقّقت موسكو تقدّمًا ميدانيًا ملحوظًا، تمثّل في سيطرتها على مساحات واسعة من إقليم الدونباس. وثانيًا، يبدو الرئيس دونالد ترامب أكثر استعدادًا للدفع باتجاه تنازلات إقليمية، مقابل موافقة الرئيس فلاديمير بوتين على إبرام اتفاق سلام ينهي الحرب.

 

إلى جانب ذلك، تتعرّض الحكومة الأوكرانية لضغوط متزايدة في أعقاب استقالة رئيس ديوان الرئاسة أندريه يرماك، على خلفية اتهامات بالفساد طالت عددًا من المسؤولين رفيعي المستوى. وقد شكّل يرماك أحد أبرز الفاعلين في مسار مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا طوال فترة الحرب، كما اضطلع بدور محوري في إقناع الولايات المتحدة بحذف بعض البنود غير المواتية لكييف من المقترح الأخير لخطة السلام. وفي موازاة هذه التطورات، تواجه القوات الأوكرانية نقصًا متفاقمًا في كلٍّ من الأسلحة والتمويل، في وقت يكثّف فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطه على الرئيس فولوديمير زيلينسكي لدفعه نحو تقديم تنازلات لروسيا، باعتبارها السبيل الأقرب لإنهاء الحرب.

 

تنطوي هذه الحالة على ديناميات معقّدة تتشابك فيها قضايا الأراضي المتنازع عليها، ومستويات دعم حلف شمال الأطلسي، ونظام العقوبات المفروضة على صادرات النفط. ومنذ اندلاع الحرب، طُرحت مبادرات سلام متعددة، غير أنّ أيًّا منها لم يترجم إلى تسوية فعلية على أرض الواقع. إلا أنّ المعطيات الراهنة توحي بأنّ أي خطة سلام قد يتم التوصّل إليها في ظلّ الظروف الحالية ستكون، على الأرجح، مائلة لمصلحة روسيا أكثر من أوكرانيا. وانطلاقًا من ذلك، يمهّد هذا التصور لاستعراض سيناريو محتمل لكيفية إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في أوراسيا، وطبيعة العلاقات بين دول الإقليم، في حال انتهت الحرب وفق الشروط الروسية.

 

Ukrainian operations in the Russian Federation
Source: Institute for the Study of War https://understandingwar.org/research/russia-ukraine/russian-offensive-campaign-assessment-december-3-2025/

كيف تبدو الأوضاع بالنسبة لروسيا وأوكرانيا؟

إنّ التوصّل إلى تسوية تميل لمصلحة موسكو من شأنه أن ينطوي على تنازلات إقليمية من جانب أوكرانيا، وفي مقدّمتها إضفاء الطابع الرسمي على السيطرة الروسية على إقليم الدونباس، إلى جانب الرفع التدريجي للعقوبات الغربية المفروضة على روسيا، وتقديم ضمانات أمنية تحول دون انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي. وفي ظلّ هذا السيناريو، يُتوقَّع أن يشهد المشهد الأوراسي تصاعدًا في النفوذ الروسي داخل الدول المجاورة، بالتوازي مع تعزيز موقع السلطة في الكرملين. ومن المرجّح أن تُقدِّم موسكو اتفاق السلام باعتباره انتصارًا سياسيًا واستراتيجيًا، بهدف تعزيز شرعيتها الداخلية وترسيخ مسارٍ أعمق لمركزة السلطة. وبالتوازي مع ذلك، سيُوجّه الكرملين جهوده نحو إعادة بناء قطاعين مركزيين ومترابطين على نحو وثيق، هما القطاع العسكري والاقتصاد، باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لمرحلة ما بعد الحرب.

 

على الصعيد العسكري، يُتوقَّع أن يتمحور برنامج التسليح الحكومي الروسي للفترة 2027–2036 حول تحديث وتوسيع قدرات القوات المسلحة، من خلال إعادة هيكلة منظومات القتال واستبدال المعدات التي جرى الاعتماد عليها أو إعادة تأهيلها خلال الحرب بمنظومات أكثر تطورًا وكفاءة. كما يُتوقَّع أن يشمل البرنامج إنشاء منشآت جديدة لرفع الطاقة الإنتاجية للصناعات العسكرية، إلى جانب نشر مزيد من الأفراد والمعدات على الحدود مع فنلندا، الدولة العضو الجديدة في حلف شمال الأطلسي. ويأتي تركيز موسكو المتزايد على الكمّ والنوع في مجال التسليح في سياق سعيها إلى موازنة توسّع الحلف الأطلسي والقدرات العسكرية الغربية المتقدمة. ومع ذلك، يُنتظر أن تواجه خطة التحديث العسكري الروسية تحديات ملموسة، في مقدّمتها صعوبة استقطاب عناصر بشرية جديدة في ظلّ إرهاق الحرب الممتدة، فضلًا عن النقص الحاد في الأيدي العاملة الذي يطال قطاعات اقتصادية متعددة.

 

على الصعيد الاقتصادي، واجه الاقتصاد الروسي حزمة واسعة من العقوبات التي انعكست سلبًا على عائدات النفط وقيّدت وصوله إلى التكنولوجيا الحيوية، فضلًا عن معاناته من نقص حاد في الأيدي العاملة، وتوجيه كتل مالية كبيرة نحو الصناعات العسكرية وفي حال التوصّل إلى اتفاق سلام يصبّ في مصلحة موسكو، يُتوقَّع أن تباشر الحكومة الروسية إعادة ضبط أولويات الموازنة العامة، بما يحقّق قدرًا من إعادة التوازن بين الإنفاقين المدني والعسكري، بالتوازي مع تكثيف الجهود الرامية إلى تخفيف العقوبات الغربية أو رفعها تدريجيًا. ويتمثّل الهدف الرئيس في تقليص الفجوة بين الطلب المحلي والعرض الوطني، عبر إطلاق مشاريع حكومية محتملة اعتبارًا من عام 2026 في مجالات متعددة، تشمل الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة. غير أنّ معالجة نقص العمالة في القطاعات غير العسكرية، إلى جانب الحصول على تقنيات متقدمة، ستظلّ من بين أكثر التحديات إلحاحًا في مرحلة ما بعد الحرب.

 

في المقابل، يُرجَّح أن يُفضي مثل هذا الاتفاق إلى تآكل الثقة الشعبية بكلٍّ من الحكومة الأوكرانية والغرب، بما قد يطلق مسار انتخابات مبكرة ويمهّد لظهور سلطة أضعف تميل إلى روسيا، وتنامي مشاعر مناهضة للغرب والولايات المتحدة. كما ستواجه أوكرانيا موجة من الاضطرابات الداخلية وحركات مقاومة، ولا سيّما في الأقاليم التي ستقع حديثًا تحت السيطرة الروسية. وفي الوقت نفسه، ستستقبل دول الاتحاد الأوروبي تدفّقًا جديدًا من اللاجئين والمهاجرين الأوكرانيين، فيما قد تتزايد شكوك دول أخرى إزاء مصداقية الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في ضمان أمنها. فضلًا عن ذلك، ستبقى الضمانات الأمنية المتصوَّرة لأوكرانيا هشّة بطبيعتها، إذ سيظلّ دعم الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي محدودًا وحذرًا لتفادي استفزاز موسكو. ومن المتوقّع أيضًا أن تسحب الولايات المتحدة مساعداتها العسكرية، ما يثير تساؤلات جدّية حول فعالية أي ضمانات أمنية قد تُقدَّم لأوكرانيا في مرحلة ما بعد الحرب.

 

تداعيات الاتفاق على ديناميات أوراسيا

من شأن التوصّل إلى خطة سلام تميل لمصلحة روسيا أن يعزّز موقعها الإقليمي، غير أنّ هذا التعزيز سيقترن بتنامي النفوذ الصيني في آسيا الوسطى، وبمخاوف أمنية متزايدة لدى دول أوروبا الشرقية. وسيتيح اتفاق السلام لموسكو إعادة توظيف مكانتها الإقليمية في التعامل مع دول آسيا الوسطى، كازاخستان وقيرجيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، بعد أن تعرّض هذا النفوذ لتآكل ملحوظ بفعل تداعيات الحرب. وفي هذا السياق، قد تعيد روسيا تركيز اهتمامها على تحالفها العسكري الأوراسي، أي منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO)، عبر تعزيز تماسكها والاستفادة من الخبرات القتالية التي راكمتها قواتها خلال الحرب. وبالتوازي، يُرجَّح أن تعتمد موسكو على الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU) بوصفه أداة لدعم اقتصادها المتضرّر، من خلال دفع الاستثمارات وتوسيع أطر التعاون الاقتصادي داخل الفضاء الأوراسي.

 

في أعقاب ترسيخ المكاسب الإقليمية الروسية، يُحتمل أن تتزايد الضغوط الواقعة على دول آسيا الوسطى للتماهي مع موسكو في القضايا الأمنية والمبادرات العسكرية، مقابل الحصول على ضمانات أمنية، وهو ما من شأنه أن يحدّ من النفوذ الغربي في المنطقة. وعلى سبيل المثال، قد تجد كازاخستان نفسها أكثر اندفاعًا نحو تنسيق شؤونها الأمنية مع روسيا، ولا سيّما أنّ الحرب أثارت مخاوف داخلية من احتمال تكرار سيناريو مشابه في المناطق الشمالية من البلاد المحاذية للحدود الروسية، حيث تتركّز تجمعات سكانية من أصول روسية.

 

يرجّح أحد السيناريوهات المستقبلية المحتملة بروز حضور صيني أكثر قوة في المنطقة، من خلال توسيع تجارة السلاح، وزيادة الاستثمارات، وتنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى، إلى جانب تكثيف الانخراط الدبلوماسي. غير أنّ هذا المسار، وعلى خلاف بعض الافتراضات التي ترى فيه عامل توتير للعلاقات بين موسكو وبكين، قد يسهم في الواقع في تعميق التنسيق بين الطرفين، انطلاقًا من تشابك مصالحهما وشراكتهما الممتدة عبر قطاعات متعددة. وفي هذا الإطار، قد تلجأ روسيا إلى توظيف النفوذ الصيني المتنامي بوصفه رافعة لإعادة تنشيط حضورها الإقليمي واستعادة مستوى الانخراط الذي كانت تتمتع به قبل اندلاع الحرب، بما يعكس تقاطعًا براجماتيًا في الأهداف بين القوتين داخل الفضاء الأوراسي. على مختلف المستويات، ستجد دول آسيا الوسطى نفسها أمام ضغوط متعارضة تتمثل في الخشية من تكرار نمط التدخّل الروسي من جهة، وجاذبية الفرص الاقتصادية التي تطرحها الصين من جهة أخرى. ونتيجة لذلك، يُرجَّح أن تواصل هذه الدول انتهاج سياسة توازن دقيقة بين القوتين، عبر الحفاظ على روابطها الأمنية مع موسكو، وفي الوقت نفسه استثمار الفرص الاقتصادية التي تتيحها الشراكة مع بكين.

 

(وصف الخريطة): تشترك كازاخستان في حدود مباشرة مع روسيا، ما يثير مخاوف من احتمال تعرّضها لضغوط أو تهديدات قادمة من الشمال. وفي حين لا تمتلك بقية دول آسيا الوسطى حدودًا مباشرة مع روسيا، فإنها تظلّ متأثرة بدرجة كبيرة بثقل موسكو الإقليمي ونفوذها السياسي والأمني. وفي المقابل، تبرز الصين بوصفها حليفًا محوريًا لروسيا عبر الفضاء الأوراسي، بما يعزّز حضورها وتأثيرها في معادلات المنطقة.

 

https://www.datawrapper.de/_/OHgQq/

فيما يتعلّق بالدول الأوروبية، من شأن المكاسب الإقليمية الروسية أن تعيد تشكيل حسابات الدول المجاورة مباشرة لروسيا في ما يخصّ أمن حدودها، إذ يُرجَّح أن تتجه إلى تعزيز قدراتها الردعية وتسريع وتيرة الحصول على منظومات تسليح بعيدة المدى، مثل منظومة “هيمارس”. وعلى نحو أكثر تحديدًا، يُتوقَّع أن تُقدِم دول أوروبا الشرقية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي على زيادة إنفاقها الدفاعي وتعميق التنسيق بين قواتها العسكرية، كإجراء احترازي تحسّبًا لتكرار سيناريو مشابه للحالة الأوكرانية. أمّا الدول غير المنضوية في الحلف، فستعيد بدورها تقييم مستويات المخاطر في تعاملها مع كلٍّ من روسيا والغرب، في ظلّ تصاعد المخاوف من الانزلاق نحو مستويات أعلى من التصعيد.

 

بوجه عام، ستدفع دول خطّ المواجهة الأمامي باتجاه تعزيز إجراءات الردع، في حين ستُفضِّل الدول الحليفة الأكثر حذرًا، التي لا تتشارك حدودًا مباشرة مع روسيا، تجنّب أي شكل من أشكال التصعيد مع موسكو. وفي السياق ذاته، سيُوجِّه الاتحاد الأوروبي جزءًا أكبر من موازنته نحو إعادة تسليح دول البلطيق والدول الإسكندنافية الواقعة في المنطقة القطبية الشمالية، إلى جانب زيادة الدعم الإنساني المخصّص للاجئين الأوكرانيين داخل دول الاتحاد.

 

https://www.datawrapper.de/_/vycQ6/?v=4
 

وفضلاً عن ذلك، ستتسارع المخاوف المرتبطة بانتشار الأسلحة النووية داخل الدول المعنية، ما سيدفع نحو تركيز أكبر على آليات تضمن رقابة أكثر صرامة على الترسانة النووية الروسية. وستتأثر هذه الهواجس إلى حدٍّ كبير بتداعيات سيطرة روسيا على إقليم الدونباس، وبحالة عدم اليقين المحيطة بمدى قدرة اتفاق السلام على توفير حماية فعّالة لمحطة زابوريجيا النووية وفقًا لما هو معلن.

 

وأخيرًا، يُتوقَّع أن تضطلع تركيا بدور محوري في ضمان تنفيذ أي اتفاق ينظّم شحنات الحبوب عبر البحر الأسود، بما يخدم مصالح كلٍّ من روسيا وأوكرانيا. ويستند هذا الدور إلى الموقع البحري الاستراتيجي لتركيا، فضلًا عن خبرتها السابقة ودورها الفاعل في مبادرة حبوب البحر الأسود عام 2022، وكذلك في تسهيل صفقات تبادل الأسرى بين الطرفين. وأمّا على صعيد الطلب على قطاع الطاقة الروسي، فتتجه الرؤية الأوروبية نحو ترسيخ استراتيجية طويلة الأمد تقوم على تقليص الاعتماد على واردات النفط والغاز الروسية، بالتوازي مع تسريع التحوّل نحو تقنيات الطاقة النظيفة، ضمن مسعى أوسع لإعادة هيكلة أمن الطاقة الأوروبي والحدّ من انكشافه أمام الضغوط الجيوسياسية.

 

خلاصة القول، إنّ التوصّل إلى خطة سلام تميل لمصلحة روسيا من شأنه أن يعزّز هيمنتها الإقليمية ويُحدِث تحوّلًا عميقًا في الديناميات الجيوسياسية لأوراسيا، إذ ستتفاقم الهواجس الأمنية داخل دول الإقليم إزاء الطموحات الإقليمية الروسية، ولا سيّما في دول ما بعد الاتحاد السوفيتي والدول المجاورة مباشرة لروسيا. وفي السياق ذاته، سيؤدّي تكريس سابقة لجوء دولة إلى استخدام القوة العسكرية لفرض مطالبها إلى تعميق المخاوف الأمنية في مختلف أنحاء المنطقة. أمّا على الجانب الأوكراني، فمن المرجّح أن تُحمِّل كييف إدارة الرئيس دونالد ترامب مسؤولية التداعيات المدمّرة التي لحقت بالبلاد جرّاء مسار التسوية المتّبع.

لمراجع

Ash, Timothy Garton. “What if Russia wins in Ukraine? We can already see the shadows of a dark 2025.” European Council on Foreign Relations. January 2, 2025, Accessed December 1, 2025. https://ecfr.eu/article/what-if-russia-wins-in-ukraine-we-can-already-see-the-shadows-of-a-dark-2025/

 

Baker, Sinéad. “A NATO ally staring down Russia is doubling down on HIMARS after Ukraine showed what they can do.” Business Insider. November 25, 2025, Accessed December 1, 2025. https://www.businessinsider.com/nato-member-estonia-doubling-down-us-made-himars-ukraine-success-2025-11

 

Chávez, Steff and Christopher Miller. “US holds Russia-Ukraine peace talks in Abu Dhabi.” Financial Times. November 25, 2025, Accessed December 1, 2025. https://www.ft.com/content/55a9f8cb-52fd-40f2-97ff-e0a13a17e5eb

 

Coşkun, Alper. “Turkey Stakes its Claim in the Ukraine Peace Process.” Carnegie Europe. November 27, 2025, Accessed December 3, 2025. https://carnegieendowment.org/europe/strategic-europe/2025/11/turkey-stakes-its-claim-in-the-ukraine-peace-process?lang=en

 

Dyner, Anna Maria. “Russia’s Economy Feeling the Effects of Prolonged War.” PISM. NO. 52 (2553), May 8, 2025. https://pism.pl/publications/russias-economy-feeling-the-effects-of-prolonged-war

 

Gfoeller, Tatiana. “What Russia’s war on Ukraine means for Central Asia.” Atlantic Council. August 15, 2025, Accessed December 1, 2025. https://www.atlanticcouncil.org/blogs/new-atlanticist/what-russias-war-on-ukraine-means-for-central-asia/

 

Gomart, Thomas (ed.). “Europe-Russia: Balance of Power Review.” Ifri Studies. November 4, 2025. https://www.ifri.org/en/studies/europe-russia-balance-power-review

 

Massicot, Dara. “Russian Military Reconstitution: 2030 Pathways and Prospects.” Carnegie Endowment for International Peace. September 12, 2024, Accessed December 2, 2025. https://carnegieendowment.org/research/2024/09/russian-military-reconstitution-2030-pathways-and-prospects?lang=en

 

Miller, Christopher. “US and Ukraine draft new 19-point peace plan but defer biggest decisions.” Financial Times. November 25, 2025, Accessed December 1, 2025. https://www.ft.com/content/883e5a47-430c-4fc2-85ee-cd6af9bb599d

 

Pekar, Valerii and Andrii Dligach. “What the End of Russia’s War in Ukraine Could Look Like: Six Scenarios.” United24 Media. November 21, 2025, December 4, 2025. https://united24media.com/opinion/what-the-end-of-russias-war-in-ukraine-could-look-like-six-scenarios-13158

 

Peleschuk, Dan. “Zelenskiy’s ‘man for all seasons’ resigns amid Ukraine corruption probe.” Reuters. November 28, 2025, Accessed December 3, 2025. https://www.reuters.com/world/europe/zelenskiys-man-all-seasons-ensnared-corruption-probe-2025-11-28/

 

President of Russia. “Meeting on key parameters of draft State Armament Programme for 2027–2036.” June 12, 2025, Accessed December 2, 2025. http://en.kremlin.ru/events/president/news/77180

 

Prokopenko, Alexandra. “The Cracks in Russia’s War Economy.” Foreign Affairs. October 20, 2025, Accessed December 2, 2025. https://www.foreignaffairs.com/russia/cracks-russias-war-economy

 

Rainsford, Sarah. “Updated peace plan could be a deal Ukraine will take – eventually.” BBC. Accessed December 1, 2025. https://www.bbc.com/news/articles/cn4d27dx80no

 

Ravid, Barak and Dave Lawler. “Trump’s full 28-point Ukraine-Russia peace plan.” Axios. November 20, 2025, Accessed December 3, 2025. https://www.axios.com/2025/11/20/trump-ukraine-peace-plan-28-points-russia

 

Ravid, Barak. “Witkoff and Kushner met Putin for five hours on Ukraine plan.” Axios. December 2, 2025, Accessed December 3, 2025. https://www.axios.com/2025/12/02/putin-witkoff-kushner-meeting-ukraine-plan

 

Reynolds, James C. “Trump ‘to hand occupied Ukrainian land to Putin in return for peace deal’.” The Independent. November 29, 2025, Accessed November 30, 2025. https://www.independent.co.uk/news/world/europe/trump-crimea-ukraine-putin-russia-peace-deal-b2874740.html

 

“Russia makes another real peace proposal to Kiev — Putin.” Tass. June 14, 2024, Accessed December 9, 2025. https://tass.com/politics/1803657

 

Shamim, Sarah. “Trump’s 28-point Ukraine plan in full: What it means, could it work?.” AlJazeera. November 24, 2025, Accessed November 30, 2025. https://www.aljazeera.com/news/2025/11/21/trumps-28-point-ukraine-plan-in-full-what-it-means-could-it-work

 

Wright, Helen. “Ukrainian victory cheaper than Russian win for Europe, study finds.” TVP World. November 29, 2025, Accessed December 3, 2025. https://tvpworld.com/90290018/russian-victory-would-cost-europe-16-billion-euro

 

Vinjamuri, Leslie. “Competing visions of international order.” Chatham House. March 8, 2025, Accessed December 2, 2025. https://www.chathamhouse.org/2025/03/competing-visions-international-order/03-russia-stakes-global-ambitions-regional-dominance

الكلمات الدالة

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *