كتب بواسطة

يُعد البترودولار أحد أكثر المفاهيم تداولًا وأقلها فهمًا في عالم التمويل الدولي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، شكّل هذا المفهوم عدسة رئيسية نظر من خلالها المحللون والصحفيون وصناع السياسات إلى مكانة الدولار بوصفه عملة الاحتياط العالمية، إذ جرى اختزال التفوق النقدي الأمريكي في ترتيباته المرتبطة بالطاقة. غير أن هذه المقاربة تُخفي من الحقائق أكثر مما تكشف. فهيمنة الدولار لم تكن يومًا نتاج صفقات النفط بقدر ما كانت حصيلة عمق الأسواق المالية الأمريكية، وصلابة بنيتها القانونية، ورصيد الثقة المتراكم في مؤسساتها عبر عقود. ومن ثم، فإن فهم مستقبل النظام المالي العالمي يقتضي تجاوز المشهد الجيوسياسي المرتبط بتسعير الطاقة، والتوجه نحو الأسس البنيوية الأكثر رسوخًا التي تُبقي الدولار الأمريكي في قلب المنظومة المالية العالمية.

 

ظهر مصطلح "البترودولار" في المعجم المالي العالمي خلال أوائل سبعينيات القرن الماضي، للدلالة على الدولارات الأمريكية التي تدفقت إلى الدول المصدرة للنفط عقب الحظر النفطي العربي عام 1973 وما أعقبه من ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام. غير أن جذور هذا المفهوم تعود في الواقع إلى تحول هيكلي أعمق في النظام النقدي العالمي. فعندما علّق الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قابلية تحويل الدولار إلى الذهب عام 1971، في خطوة أنهت فعليًا نظام بريتون وودز، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حاجة ملحة إلى مرتكز جديد يدعم استمرار الطلب العالمي على الدولار. وفي هذا السياق، تبلور لاحقًا ترتيب غير رسمي، تجسد بصورة أوضح في المفاوضات الأمريكية السعودية عام 1974، ضمن أن تُسعَّر صادرات النفط الخليجية حصريًا بالدولار، وأن يُعاد توظيف الفوائض المالية الناجمة عنها في سندات الخزانة الأمريكية والأسواق المالية في الولايات المتحدة.

 

وعلى مدى عقود، كرّس هذا الترتيب سرديةً شديدة الإقناع مفادها أن الهيمنة العالمية للدولار تستند في جوهرها إلى النفط. وكان المنطق الذي استندت إليه هذه السردية بسيطًا ومباشرًا: فطالما أن كل دولة مستوردة للنفط تحتاج إلى الدولار لشراء الطاقة، فإن الطلب العالمي على العملة الأمريكية يبقى مضمونًا بحكم بنية النظام نفسه. ووفقًا لهذا التصور، فإن أي تحدٍ لهذه المنظومة من شأنه أن ينعكس مباشرة على مكانة الدولار بوصفه عملة الاحتياط الرئيسية في العالم. وقد اكتسب هذا التصور زخمًا واسعًا، لا سيما في أوساط المحللين الجيوسياسيين والإعلام البديل، خصوصًا عقب قرار صدام حسين عام 2000 تسعير النفط العراقي باليورو، ثم مع تصاعد التكهنات لاحقًا بأن التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط كانت مدفوعة، ولو جزئيًا، بالرغبة في حماية منظومة البترودولار.

 

غير أن هذه السردية، رغم انتشارها الواسع، تقوم على سوء فهم جوهري للآليات الحقيقية التي تقوم عليها هيمنة الدولار. وقد فنّدت مجلة "ذا إيكونوميست" هذا الطرح بصورة مباشرة، مؤكدة أن البترودولار كثيرًا ما أُسيء فهمه، وأنه لم يعد يمثل الركيزة الأساسية لقوة الدولار. فرغم أهمية تجارة النفط العالمية، فإن حجمها لا يشكل سوى جزء محدود من إجمالي المعاملات المقومة بالدولار على مستوى العالم. ووفقًا لبيانات بنك التسويات الدولية (BIS)، يشارك الدولار في نحو 88% من إجمالي معاملات سوق الصرف الأجنبي عالميًا، وهي نسبة تعكس عمق الأسواق المالية ورصيد الثقة المتراكم في المؤسسات، أكثر مما تعكس أي اعتماد على الطاقة.

 

تاريخيًا، اكتسبت العلاقة بين النفط والدولار وزنًا أكبر في مرحلة كانت فيها الأسواق المالية العالمية أقل تكاملًا، وكانت سندات الخزانة الأمريكية تمثل الملاذ الآمن الافتراضي ضمن نطاق محدود من البدائل المتاحة. إلا أن هذا السياق البنيوي لم يبقَ على حاله، بل شهد تحولًا جذريًا. وتستند هيمنة الدولار اليوم إلى السيولة الاستثنائية لأسواق وول ستريت، وموثوقية إنفاذ العقود ضمن الإطار القانوني الأمريكي، فضلًا عن عقود من الثقة المتراكمة لدى المستثمرين العالميين، وهي أسس أكثر رسوخًا واستدامة بكثير من أي ترتيب ثنائي مرتبط بالطاقة. وباختصار، لم يكن البترودولار يومًا الركيزة الحاملة لهيمنة الدولار، بل كان، في أفضل الأحوال، مجرد عنصر داعم ضمن بنية أوسع وأكثر تعقيدًا بكثير.

البنية الحقيقية للهيمنة

ما إن نضع سردية النفط جانبًا، حتى تتكشف أمامنا أسس أكثر صلابة بكثير. فهيمنة الدولار ليست نتاج ترتيبات مرتبطة بسلعة بعينها، بل حصيلة بنية مؤسسية تشكلت عبر ثمانية عقود، ووجد المنافسون صعوبة بالغة في محاكاتها. وفي جوهرها، ترتكز هيمنة الدولار على ثلاث ركائز مترابطة: العمق غير المسبوق للأسواق المالية الأمريكية، وقابلية التنبؤ التي يتميز بها النظام القانوني الأمريكي، والثقة المتراكمة لدى المستثمرين العالميين، الذين لم يجدوا، رغم الأزمات المتعاقبة، بديلًا موثوقًا يمكن الاعتماد عليه.

 

تتمثل الركيزة الأولى، وربما الأكثر حسمًا، في الاتساع الهائل والسيولة الاستثنائية للأسواق المالية الأمريكية. فالولايات المتحدة تحتضن أكبر أسواق الأسهم في العالم، وأعمق سوق للسندات السيادية، إلى جانب أكثر أسواق المشتقات وأدوات سوق النقد نشاطًا على مستوى العالم. وتتجاوز قيمة سندات الخزانة الأمريكية القائمة وحدها 30 تريليون دولار، مع تداول مستمر على مدار الساعة ضمن هوامش سعرية وأحجام تداول لا تستطيع أي أداة دين سيادي أخرى في العالم مجاراتها.

 

وهذا العمق ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج نظام مالي ظل منفتحًا بصورة مستمرة، مدعومًا بابتكار متواصل في بنية الأسواق وغياب قيود على حركة رؤوس الأموال قد تحد من مشاركة المستثمرين الأجانب. فعندما يحتاج بنك مركزي في جنوب شرق آسيا، أو صندوق ثروة سيادي في الخليج، أو مدير صندوق تقاعد في شمال أوروبا إلى وجهة يوظف فيها احتياطياته أو يتحوط من المخاطر، فإنه ببساطة لا يجد سوقًا أخرى تضاهي السوق الأمريكية من حيث الاتساع والموثوقية.

 

أما سوق السندات في منطقة اليورو، فرغم حجمه الكبير، فإنه لا يزال مجزأً بين جهات إصدار وطنية متعددة تختلف في مستوياتها الائتمانية. وفي المقابل، ورغم النمو السريع لأسواق رأس المال الصينية، فإنها لا تزال خاضعة لتدخلات تنظيمية وقيود على قابلية تحويل العملة، ما يجعلها غير ملائمة بنيويًا للقيام بدور ركيزة لاحتياطيات النقد العالمية.

 

أما الركيزة الثانية فتتمثل في اليقين القانوني، وهي سمة يسهل التقليل من شأنها إلى أن يغيب أثرها. فالتمويل العابر للحدود يعتمد على عقود قابلة للإنفاذ، وحقوق ملكية مستقرة يمكن التعويل عليها، وأنظمة قضائية محصنة ضد التدخلات السياسية.

 

وتوفر الولايات المتحدة هذه العناصر الثلاثة بدرجة من الاتساع والاتساق لا تضاهيها إلا قلة من الأنظمة القضائية حول العالم. ولهذا يخضع الجزء الأكبر من العقود المالية الدولية لقانون ولاية نيويورك، بدءًا من القروض المجمعة وصولًا إلى اتفاقيات إصدار السندات، وذلك لأن محاكمها التجارية تتسم بالكفاءة، وتحظى أحكامها باحترام واسع، فضلًا عن امتلاكها إرثًا قضائيًا راسخًا ومتراكمًا ومفهومًا على نطاق واسع. ويدرك المستثمرون الذين يحتفظون بأدوات مالية مقومة بالدولار أن أي نزاع لن يُحسم بقرار تنفيذي مفاجئ أو عبر جهاز قضائي خاضع لتأثيرات سياسية. ويعمل هذا اليقين القانوني بوصفه شكلًا من أشكال الضمان البنيوي المترسخ في الدور العالمي للدولار، وهو عنصر لا يمكن استنساخه ببساطة عبر قرارات إدارية أو تفاهمات دبلوماسية. ومن ثم، فإن الدول الساعية إلى تعزيز مكانة عملات بديلة مطالبة أولًا ببناء بنية قانونية مكافئة، وهي عملية تستغرق أجيالًا لا سنوات.

 

أما الركيزة الثالثة فتتمثل في ثقة المستثمرين، وهي ربما الأكثر تجريدًا بطبيعتها، لكنها في الوقت نفسه الأكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسها. فمكانة العملة الاحتياطية تقوم، في جوهرها، على حالة توازن جماعي؛ إذ يحتفظ كل بنك مركزي بالدولار، جزئيًا على الأقل، لأن جميع البنوك المركزية الأخرى تحتفظ به أيضًا. ويُعد هذا الأثر الشبكي بالغ القوة وشديد الرسوخ. وتُظهر فواتير التجارة العالمية، وتوزيع احتياطيات النقد الأجنبي، وإصدارات الدين الدولية جميعها درجة عالية من الارتباط بالمسار التاريخي، بما يعني أن الدولار، بمجرد ترسخه بوصفه المعيار السائد، أصبحت كلفة الابتعاد عنه أعلى ما تكون بالنسبة إلى الأطراف التي تبادر إلى ذلك أولًا. فمُصدّر زيت النخيل الماليزي، ومتداول فول الصويا البرازيلي، ومستورد الآلات النيجيري، جميعهم يميلون إلى تسعير معاملاتهم بالدولار، لا لأن حكوماتهم تفرض عليهم ذلك، بل لأن الدولار يقلص مخاطر تقلبات أسعار الصرف في المعاملات الممتدة عبر مناطق نقدية متعددة.

 

وقد اختبرت الأزمات المالية في أعوام 1997–1998 و2008 و2020 هذه الثقة مرارًا، وفي كل مرة كان رد فعل المستثمرين العالميين يتمثل في الاحتماء بالدولار لا الابتعاد عنه. وحتى العقوبات، التي مثلت أكثر أشكال توظيف قوة الدولار حدة خلال العقود الأخيرة، لم تُفضِ إلا إلى تصاعد الخطاب الداعي إلى تنويع الاحتياطيات أكثر من إحداث إعادة توازن فعلية في النظام المالي العالمي. وكما تشير مجلة “ذا إيكونوميست”، ظل الطلب العالمي على الأصول المقومة بالدولار متماسكًا حتى مع تصاعد الاحتكاكات الجيوسياسية، في دلالة واضحة على الفجوة بين الطموحات السياسية والواقع المالي. وفي هذا السياق، تبدو هيمنة الدولار أقل باعتبارها إنجازًا سياسيًا، وأقرب إلى كونها عادة جماعية راسخة تستمر لا بفعل الإكراه، بل بسبب غياب أي نظام بديل يوفر مستويات مماثلة من الأمان والحجم والثقة.

تصدعات في المنظومة الدولارية؟

أما التصدعات، إن وجدت، فهي حقيقية بالفعل، لكنها أضيق بكثير مما توحي به العناوين الإعلامية. فقد أسهمت سلسلة من التحولات البارزة بعيدًا عن تسعير النفط بالدولار — بدءًا من إطلاق الصين عقود النفط الخام الآجلة المقومة باليوان في بورصة شنغهاي الدولية للطاقة عام 2018، مرورًا بتسويات الهند التجارية بالروبية مع روسيا عقب العقوبات المفروضة عام 2022، وصولًا إلى تنامي تدفقات الطاقة بين الخليج وآسيا التي تُسوّى خارج قنوات التسوية الدولارية عبر شبكة “سويفت” — في تعزيز سردية تفيد بتسارع مسار فك الارتباط بالدولار.

 

غير أن الأرقام الإجمالية تقدم صورة أكثر توازنًا وأقل دراماتيكية. فقد تراجعت حصة الدولار من إجمالي احتياطيات النقد الأجنبي العالمية بشكل محدود، من نحو 71% في عام 2000 إلى قرابة 58% بحلول عام 2023. وهو تحول حقيقي بالفعل، لكنه تحقق تدريجيًا على مدى أكثر من عقدين، ولم يترجم إلى صعود أي عملة منفردة بوصفها بديلًا واضحًا. بل إن المستفيدين من هذا التراجع كانوا سلة متنوعة من العملات، شملت الدولار الأسترالي، والدولار الكندي، والكرونة السويدية؛ أي عملات اقتصادات أصغر وأكثر انفتاحًا، لا عملات قادرة على منافسة هيمنة الدولار.

 

ويمثل تنويع محافظ صناديق الثروة السيادية والبنوك المركزية بعيدًا عن سندات الخزانة الأمريكية تحولًا أكثر دلالة على المستوى البنيوي. فدول الخليج، التي كانت تاريخيًا من أبرز الجهات التي اعتادت إعادة تدوير فوائض البترودولار في أدوات الدين الأمريكية، وسّعت بصورة ملحوظة توزيع أصولها الاستثمارية.

 

وقد وسّع كل من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وجهاز أبوظبي للاستثمار، والهيئة العامة للاستثمار الكويتية نطاق استثماراته ليشمل الملكية الخاصة، والأصول الحقيقية، وأدوات الدخل الثابت المقومة بعملات غير الدولار. ويعكس ذلك جزئيًا ارتفاع مستوى النضج الاستثماري؛ فمع ازدياد احترافية إدارة الثروات السيادية، لم يعد التراكم التقليدي لسندات الخزانة الأمريكية كافيًا، لتحل محله محافظ استثمارية طويلة الأجل وأكثر تنوعًا. لكنه يعكس أيضًا إعادة تقييم حقيقية، وإن كانت تدريجية، لمخاطر التركز في فئة أصول واحدة أو سوق واحدة.

 

وقد شكّل تجميد احتياطيات روسيا من النقد الأجنبي في عام 2022 — حيث جرى تعطيل نحو 300 مليار دولار من الأصول فعليًا بين عشية وضحاها — رسالة واضحة إلى كل دولة ذات سيادة تحتفظ بأصول مقومة بالدولار، مفادها أن القرب أو البعد عن المصالح الجيوسياسية الأمريكية بات يحمل بدوره كلفة ومخاطر مالية. وقد ترسخ هذا الإدراك بهدوء، لكنه ترك أثرًا عميقًا ومستدامًا في دول الخليج، وكذلك في بكين ونيودلهي.

 

ومع ذلك، فإن تنويع الأصول السيادية لا يعني بالضرورة تفكيك المنظومة المالية العالمية القائمة. إذ تظل التأثيرات الشبكية في التجارة العالمية التي تدعم هيمنة الدولار شديدة الرسوخ، لأنها ترتكز على قرارات تجارية لامركزية يتخذها القطاع الخاص، لا على مراسيم أو قرارات سياسية.

 

 

ويعيد هذا التحول التدريجي، رغم بطئه، طرح السؤال الأوسع حول ما إذا كان منافس موثوق للدولار بدأ بالفعل في التبلور. وفي هذا السياق، برزت الصين باعتبارها الطرف الأكثر جدية ووضوحًا في مساعيه لبناء بديل قادر على مزاحمة العملة الأمريكية.

مفارقة البترويوان

تمثل طموحات الصين الرامية إلى تدويل الرينمينبي — وبصورة أكثر تحديدًا، ترسيخ البترويوان بوصفه معيارًا تسعيريًا منافسًا في سوق النفط العالمية — أحد أكثر المشاريع المالية ذات الأبعاد الجيوسياسية إثارة للنقاش خلال العقد الماضي. ولا يبدو هذا الطموح مستبعدًا من حيث الظاهر؛ فالصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم، وثاني أكبر اقتصاد عالمي، كما أنها شريك تجاري رئيسي يكاد يشمل جميع كبار مصدري الطاقة.

 

وقد شيّدت بكين بالفعل الأسس المؤسسية الداعمة لهذا المسار، بدءًا من عقود شنغهاي الآجلة للنفط الخام، مرورًا بخطوط مبادلة العملات الثنائية مع أكثر من 40 بنكًا مركزيًا، وصولًا إلى نظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود (CIPS)، الذي يمثل بديلًا جزئيًا لشبكة “سويفت”، في إطار توجه استراتيجي واضح المعالم. وقد استقطبت التقارير التي تحدثت عام 2022 عن مناقشات سعودية بشأن قبول اليوان في تسوية مشتريات الصين النفطية اهتمامًا واسعًا، كما حظيت أول صفقة للغاز الطبيعي المسال جرت تسويتها باليوان بين شركة “توتال إنرجيز” ومشترٍ صيني مملوك للدولة في أوائل عام 2023 باهتمام مماثل.

 

 

ويُعد حجم الاحتياطيات الصينية لافتًا للنظر، لكنه ينطوي في الوقت ذاته على مفارقة عميقة في سياق طموحات بكين النقدية. فالصين، التي تحتفظ بنحو 3.2 تريليون دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، والمقوَّم الجزء الأكبر منها بالدولار نفسه الذي تسعى إلى تقليص هيمنته، تجد نفسها في موقع بالغ التناقض؛ فهي من جهة واحدة من أكبر الدائنين الدولاريين في العالم، ومن جهة أخرى أبرز من يتحدى هذه الهيمنة علنًا. وتجسد هذه المفارقة البنيوية التناقض الجوهري للبترويوان: فالصين تمتلك من الاحتياطيات ما يؤهلها لبسط نفوذ مالي واسع، لكنها لا تملك بعد حساب رأس المال المفتوح، ولا مؤسسات مستقلة، ولا رصيدًا متراكمًا من الثقة يكفي لإقناع بقية العالم بالاحتفاظ بعملتها في المقابل.

 

غير أن القيود البنيوية التي تعيق تدويل الرينمينبي شديدة الوضوح، والأهم أن معظمها مفروض ذاتيًا. ويتمثل القيد الأكثر جوهرية في استمرار الصين في فرض ضوابط على حركة رؤوس الأموال. فالعملة الاحتياطية، بحكم تعريفها، يجب أن تكون قابلة للتحويل بحرية وموثوقية؛ أي أن يكون بمقدور حائزيها تكوين مراكز استثمارية وتسييلها دون قيود، وإعادة تحويل أموالهم إلى بلدانهم، وتسعير الأصول في أسواق ثانوية تتمتع بسيولة مرتفعة.

 

ولا يزال حساب رأس المال في الصين مغلقًا جزئيًا، مع احتفاظ بنك الشعب الصيني بسلطة تقديرية واسعة على تدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود. ولا يُعد ذلك مجرد تفصيل إداري عارض، بل يعكس خيارًا سياسيًا مقصودًا يهدف إلى الحفاظ على السيادة النقدية المحلية وحماية النظام المالي من التقلبات الخارجية. غير أن ذلك يجعل الرينمينبي غير ملائم بنيويًا ليكون أساسًا صالحًا لعملة احتياط عالمية. فلا يمكن لأي بنك مركزي أجنبي أو صندوق ثروة سيادي أن يحتفظ بمراكز كبيرة مقومة بالرينمينبي بثقة، في حين تظل القدرة على الخروج من تلك المراكز خاضعة لسيطرة الحكومة ذاتها التي تصدر العملة محل الاحتفاظ.

 

أما القيد الثاني فيتمثل في الثقة. فاستخدام أي عملة على المستوى الدولي هو، في جوهره، مسألة تتعلق بالاقتصاد السياسي، وتدور حول سؤال أساسي: أي حكومة يثق بها المشاركون في الأسواق لاحترام العقود، وتجنب استخدام الوصول إلى النظام المالي كسلاح، والحفاظ على استقلالية السياسة النقدية؟ وتواجه الصين فجوة مستمرة في المصداقية، تستند إلى معطيات بنيوية واضحة؛ إذ إن بنك الشعب الصيني لا يتمتع بالاستقلالية، كما أثبتت حقوق الملكية قابليتها للتراجع تحت وطأة القرارات السياسية، فضلًا عن أن الخفض المُدار لقيمة الرينمينبي خلال عامي 2015–2016 أظهر بوضوح أن بكين تمنح أولوية للاستقرار الداخلي على حساب قابلية التنبؤ بمسار العملة في أوقات الضغوط.

 

وعليه، يبدو فهم البترويوان بوصفه مشروعًا جيوسياسيًا أكثر من كونه مشروعًا ماليًا أقرب إلى الدقة؛ إذ يهدف أساسًا إلى تقليص انكشاف الصين على الدولار وبناء بدائل ثنائية للتسوية مع شركاء يرتبطون بها بدرجات مرتفعة من الاعتماد الاقتصادي. ومع ذلك، لم يطرأ تغير يُذكر على وزن الرينمينبي في الاحتياطيات العالمية، إذ بلغت حصته نحو 2.4% في عام 2023، دون تغير ملموس رغم عقد كامل من الترويج النشط له.

 

وخارج سلاسل الإمداد المرتبطة بالصين، يواصل المشاركون في الأسواق تسعير النفط والاحتفاظ باحتياطياتهم بالدولار، لا لأنهم مُلزَمون بذلك، بل لأن أي بديل آخر لا يوفر العمق نفسه، ولا القدر ذاته من الأمان القانوني وقابلية التحويل. وقد نجحت الصين في بناء البنية الأولية لنظام منافس، لكنها لم تنجح بعد في بناء النظام نفسه. وعند النظر إلى مجمل الأدلة المستقاة من الأسواق، والأنظمة القانونية، وأنماط السلوك خلال الأزمات، يتضح أنها جميعًا تقود إلى استنتاج واضح ومتسق: فما تزال هيمنة الدولار الأمريكي دون تحدٍ جوهري في ظل البنية الاقتصادية الحالية للصين.

الخاتمة

لم يكن البترودولار يومًا الدعامة الأساسية لهيمنة الدولار، بل كان انعكاسًا لها لا سببًا في نشأتها. فالتفوق العالمي للدولار يرتكز على أسس لم تصنعها عائدات النفط، ولن يكون بمقدورها تقويضها؛ وفي مقدمتها العمق الاستثنائي لأسواق رأس المال الأمريكية، وموثوقية المؤسسات القانونية الأمريكية، فضلًا عن غياب أي بديل يتمتع بالمصداقية والقدرة المؤسسية الكافيتين. فالمنافسون قد يملكون الطموح والرغبة في التحدي، لكنهم لا يزالون يفتقرون إلى البنية التي تمنح العملة مكانتها المحورية عالميًا. وحتى يتغير هذا الواقع، سيظل الدولار محتفظًا بموقعه في قلب النظام المالي العالمي، سواء بقي النفط جزءًا من المعادلة أم خرج منها.

المراجع

Arslanalp, Serkan , Barry J. Eichengreen, and Chima Simpson-Bell. 2022. “The Stealth Erosion of Dollar Dominance: Active Diversifiers and the Rise of Nontraditional Reserve Currencies.” IMF. March 24, 2022. https://www.imf.org/en/Publications/WP/Issues/2022/03/24/The-Stealth-Erosion-of-Dollar-Dominance-Active-Diversifiers-and-the-Rise-of-Nontraditional-515150.

 

BIS. 2022. “Triennial Central Bank Survey of Foreign Exchange and Over-The-Counter (OTC) Derivatives Markets in 2022.” Www.bis.org, October. https://www.bis.org/statistics/rpfx22.htm.

 

Cfr. 2023. “The Dollar: The World’s Reserve Currency | Council on Foreign Relations.” Cfr.org. July 19, 2023. https://www.cfr.org/backgrounders/dollar-worlds-reserve-currency.

 

Clark, William . 2024. “Petrodollar Warfare.” New Society Publishers. 2024. https://www.newsociety.com/Books/P/Petrodollar-Warfare.

 

IMF. 2024a. “Annual Report on Exchange Arrangements and Exchange Restrictions 2023.” IMF ELIBRARY, December. https://doi.org/10.5089/9798400260391.012.

 

———. 2024b. Data.imf.org. December 20, 2024. https://data.imf.org/?sk=E6A5F467-C14B-4AA8-9F6D-5A09EC4E62A4.

 

Michalopoulos , Stelios, and Melanie Meng Xue. 2021. “The Quarterly Journal of Economics.” Oxford Academic . November 2021. https://academic.oup.com/qje/article-abstract/136/4/1993/6124640?redirectedFrom=fulltext.

 

Pistor, Katharina . 2019. “The Code of Capital.” Princeton.edu. Princeton University Press. May 28, 2019. https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691178974/the-code-of-capital.

 

“Triennial Survey Shows Global Foreign Exchange Trading Averaged $7.5 Trillion a Day in April 2022, OTC Interest Rate Derivatives $5.2 Trillion.” 2022. Www.bis.org, October. https://www.bis.org/press/p221027.htm.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *