كتب بواسطة

يشهد الشرق الأوسط أزمة جيوسياسية جديدة تتركز حول مضيق باب المندب بعد اعلان جماعة الحوثي في اليمن في ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ فرض حصار بحري على المملكة العربية السعودية، تطبيقاً لمبدأ تسميه الجماعة "الحصار بالحصار"، ويأتي هذا الإجراء بوصفه ردًا مباشرًا على القيود التي فرضتها السعودية على المطارات والموانئ الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، ولا سيما مطار صنعاء وموانئ الحديدة، وجاء هذا القرار بعد تصعيد عسكري شمل توجيه ضربات إلى مطار صنعاء، وإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة نحو مطارات سعودية.

 

ويهدف الحوثيون من هذا الإغلاق إلى نقل كلفة الحصار من الداخل اليمني إلى مسار حيوي للسعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب عبر إغلاق مضيق باب المندب أمام السفن التي ترفع العلم السعودي أو السفن المتجهة إلى السعودية، كما يتزامن هذا الإغلاق مع الاضطراب الذي يشهده مضيق هرمز بسبب حرب الإيرانية الأمريكية الجارية، حيث بلغت نسبة اعتراض الحرس الثوري للسفن التي تمر عبر المضيق نحو ٨٩٪. وهو ما دفع المملكة خلال الأشهر الأربعة الماضية إلى تحويل مسار صادراتها النفطية نحو الغرب، إذ نقلت ٤٫٥ مليون برميل من النفط يومياً عبر خط أنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر لتوفير ممر بديل بزيادة تقارب ٥ أضعاف الفترة قبل بدء الحرب.

 

وعلى صعيد آخر، تواجه باكستان موقفًا استراتيجيًا معقدًا بسبب هذه التطورات، إذ ترتبط إسلام آباد باتفاقية دفاع استراتيجي مشترك مع المملكة العربية السعودية وُقِّعت في سبتمبر ٢٠٢٥، فضلًا عن وجود قوات باكستانية متمركزة في المملكة. وتنص هذه الاتفاقية على أن أي اعتداء على إحدى الدولتين يُعد اعتداءً على الأخرى، بينما تؤدي إسلام آباد في الوقت نفسه دور الوسيط الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، وقد رعت توقيع مذكرة تفاهم لوقف إطلاق النار بين الطرفين في يونيو ٢٠٢٦. وفي هذا السياق، ينظر المسؤولون الباكستانيون إلى الهجمات على السعودية باعتبارها خطًا أحمر، الأمر الذي يجعل الحصار البحري ليس مجرد مشكلة تمس الأمن السعودي، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة باكستان على الموازنة بين دورها كوسيط مع طهران والتزاماتها العسكرية تجاه الرياض. ويضع هذا التضارب القيادة الباكستانية أمام تحدٍ واضح، ويطرح تساؤلًا مهمًا حول ما إذا كانت ستستمر في موقفها المحايد، أم ستتجه إلى موقف أكثر صرامة إذا تطورت الأزمة إلى مواجهة إقليمية تمس مصالح شريكها السعودي.

هندسة التفاهمات

وصلت باكستان إلى موقع الوسيط الرئيسي بين الولايات المتحدة وإيران بعد جهد سياسي وتفاوضي مكثف، وتوج ذلك بتوقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد في ١٧ يونيو ٢٠٢٦ بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ونصت المذكرة على ١٤ بنداً وحددت فترة ٦٠ يوماً للتفاوض من أجل الوصول إلى اتفاق سلام نهائي، كما أسهمت في وقف تصعيد عسكري واسع شهدته المنطقة منذ فبراير ٢٠٢٦. واستفادت باكستان من موقعها بوصفها دولة نووية ذات أغلبية سنية، تربطها علاقات عسكرية قوية بدول الخليج والدول الغربية، وفي الوقت نفسه حدود برية طويلة مع إيران، لتؤدي دوراً دبلوماسياً يهدف إلى دعم الاستقرار الإقليمي.

 

وجاء هذا الدور نتيجة اعتبارات أمنية داخلية وإقليمية واضحة، إذ سعت باكستان أساساً إلى تأمين حدودها الغربية مع إيران، التي تمتد لمسافة ٩٠٩ كيلومتر وتعرف بخط غولدسميث (Goldsmid Line). وشهدت هذه الحدود، ولا سيما في منطقة سيستان وبلوشستان، اضطرابات مستمرة وعمليات تهريب ونشاطاً لجماعات مسلحة، كما واجهت باكستان هجمات متكررة من فصائل مثل جيش تحرير بلوشستان وجبهة تحرير بلوشستان. وفي المقابل، اتهمت إيران باكستان بإيواء جماعة جيش العدل السنية التي نفذت هجمات ضد الحرس الثوري الإيراني، من بينها تفجير انتحاري في فبراير ٢٠١٩، وهجوم آخر في ديسمبر ٢٠٢٣ في منطقة راسك.

 

 

وسعت باكستان من خلال هذه الوساطة إلى تحقيق استقرار حدودي وتعزيز التعاون الأمني مع الجانب الإيراني لمواجهة هذه التهديدات المسلحة. واعتبرت القيادة الباكستانية، المدنية والعسكرية، أن هذا المسار هو الخيار الأفضل لتجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع، ولتفادي وضع تضطر فيه إلى الاختيار سياسياً أو عسكرياً بين إيران من جهة، والسعودية بوصفها شريكاً اقتصادياً ودينياً من جهة أخرى. ومن ثم، لم يكن دور الوساطة مجرد تحرك دبلوماسي، بل كان جزءاً من سياسة أوسع لحماية الأمن الداخلي وتقليل المخاطر الإقليمية.

 

وفي المقابل، حققت إيران مكاسب اقتصادية واستراتيجية واضحة من هذه الوساطة. فقد نصت مسودة المذكرة على بدء رفع الحصار البحري المفروض على إيران فوراً، مع إنهائه بالكامل خلال ٣٠ يوماً، كما تضمنت خطة لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية بقيمة لا تقل عن ٣٠٠ مليار دولار، إلى جانب إنهاء تدريجي للعقوبات، وإعفاء فوري من قيود تصدير النفط الخام والمنتجات البترولية الإيرانية، والإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة. كما أقرت المذكرة بدور إيران في استئناف حركة الملاحة التجارية، وفي المناقشات المستقبلية مع عُمان والدول الساحلية الأخرى بشأن إدارة مضيق هرمز وخدماته، وبذلك حصلت طهران على خفض للتصعيد، وتخفيف للأعباء الاقتصادية، واعتراف بدورها البحري، من دون أن تُحسم القضايا الأكثر تعقيداً بشكل نهائي.

 

وتفسر هذه المعطيات، إلى حد كبير، قبول باكستان عبء الوساطة. فقد خشيت إسلام آباد من امتداد الحرب الإيرانية إلى جبهتها الغربية، بما قد يفاقم الوضع الأمني المتوتر أصلاً ويؤثر في إمدادات الوقود. كما تمتلك باكستان قنوات اتصال مباشرة مع واشنطن وطهران، وتسعى في الوقت نفسه إلى استعادة مكانتها الدبلوماسية بعد سنوات من التراجع في صورتها لدى الغرب. وإلى جانب ذلك، ارتبطت الحسابات الداخلية بضرورة الحفاظ على الاستقرار الطائفي، لأن باكستان تضم واحدة من أكبر التجمعات الشيعية في العالم، وقد شهدت بالفعل احتجاجات واسعة بعد اندلاع الحرب. لذلك لم تكن الوساطة عملاً رمزياً، بل كانت خياراً دفاعياً هدفه تثبيت الحدود، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وتعزيز موقع باكستان السياسي والدبلوماسي.

علاقة دفاعية متعددة الأبعاد

تقوم العلاقة الدفاعية بين باكستان والمملكة العربية السعودية على إطار قانوني وعسكري ومالي مترابط، وليس على تفاهم سياسي عابر. فقد وقّعت الدولتان اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك في ١٧ سبتمبر ٢٠٢٥ بالرياض، ونص البيان الرسمي على أن أي اعتداء على إحدى الدولتين يُعد اعتداءً على الأخرى، وأن الاتفاقية تهدف إلى تطوير التعاون الدفاعي وتعزيز الردع المشترك. ووفقًا لتغطية لاحقة، أكدت الرياض وإسلام آباد أن الاتفاقية تأتي ضمن شراكة تاريخية ممتدة لنحو ثمانية عقود، وهي صياغة تعكس أن العلاقة لم تبدأ في ٢٠٢٥، لكنها انتقلت في ذلك التاريخ إلى مستوى أوضح من الالتزام.

 

وتحوّل هذا الالتزام إلى وجود عسكري فعلي على الأرض. ففي أبريل ٢٠٢٦، أعلنت وزارة الدفاع السعودية وصول قوة باكستانية إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية في القطاع الشرقي ضمن الاتفاقية، وشملت القوة طائرات مقاتلة ووحدات دعم، بينما أشارت تقارير لاحقة إلى أن باكستان نشرت نحو ٨٠٠٠ جندي، وسربًا من ١٦ طائرة مقاتلة معظمها من طراز JF-17، إلى جانب طائرات مسيّرة ومنظومة دفاع جوي من طراز HQ-9 وتوضح هذه الأرقام أن التعاون لم يعد تدريبًا أو دعمًا رمزيًا، بل أصبح انتشارًا عسكريًا يمكن أن يُستخدم في مهام ردع وحماية مباشر، وهو ما يجعل أي تهديد للأراضي السعودية مرتبطًا عمليًا بموقف باكستان.

 

وتستند هذه العلاقة أيضًا إلى سوابق طويلة من التعاون الأمني بين البلدين. فالتقارير المنشورة حول عام ٢٠٢٦ تشير إلى أن الوجود الباكستاني في السعودية كان قائمًا قبل ذلك، وكان يتراوح في بعض المراحل بين ١٥٠٠ و٢٠٠٠ جندي يقدمون الدعم العملياتي والفني والتدريبي، ثم توسع لاحقًا مع الاتفاقية الجديدة. كما أوضح البيان الرسمي السعودي أن الاتفاقية جاءت لتطوير جوانب التعاون الدفاعي وتعزيز الردع المشترك، وهو ما يعني أن التزامات الطرفين لا تقتصر على الدفاع السياسي، بل تشمل تنسيقًا عسكريًا أوسع واستعدادًا عمليًا لمواجهة أي اعتداء.

 

ويمتد هذا التعاون إلى الجانب المالي، لأن العلاقة الدفاعية بين البلدين ترتبط كذلك بحزم دعم واستثمار سعودية متتالية لباكستان. ففي أبريل ٢٠٢٦، أفادت تقارير بأن السعودية وقطر تعهدتا بتقديم ٥ مليارات دولار لباكستان، كما ذكرت تقارير أخرى أن الرياض تعهدت بـ ٣ مليارات دولار إضافية ومددت اتفاق إعادة تمويل وديعة بقيمة ٥ مليارات دولار. وتكشف هذه الأرقام عن تبادل واضح في المصالح: دعم اقتصادي ومالي من الرياض، مقابل التزام أمني وعسكري من إسلام آباد، وهو ما يمنح الاتفاقية وزنًا أكبر من مجرد نص دفاعي.

 

ويكتسب هذا التحالف بعده الأهم من الخلفية التاريخية والسياسية التي قامت عليها العلاقة بين البلدين. فباكستان لم تتعامل مع أمن السعودية كخيار ظرفي، بل كجزء ثابت من حساباتها الاستراتيجية، خاصة مع وجود الحرمين الشريفين وما يرتبط بهما من حساسية دينية وسياسية داخل المجتمع والمؤسسة العسكرية الباكستانية. لذلك، فإن الحصار الحوثي على السعودية لا يمثل أزمة بحرية فقط، بل يضع هذا الإطار الدفاعي كله تحت اختبار مباشر، لأن أي تراجع باكستاني عن الالتزامات الجديدة سيصطدم بالمادة الأساسية في الاتفاقية وبالوجود العسكري القائم فعلًا داخل المملكة.

صدمة واختبار للنوايا

يُفهم تحرك الحوثيين بوصفه أكثر من مجرد تصعيد محلي ضد السعودية، بل باعتباره تصعيدًا من المحور الإيراني، لأنه يكشف في الوقت نفسه عن تداخل مباشر بين سلوك الجماعة وبين الحسابات الإيرانية الأوسع في الإقليم. فحتى إذا تعذّر إثبات أن طهران أصدرت أمرًا مباشرًا بكل تفصيل ميداني، فإن المؤشرات المتاحة تدل على أن هذا التحرك لم يخرج عن الإطار الإيراني العام، سواء من حيث التوجيه السياسي أو منح الضوء الأخضر أو توفير الغطاء الذي يسمح للجماعة بالتصعيد. ومن ثم، فإن الحصار البحري لا يبدو قرارًا منفصلًا، بل خطوة ضمن نمط أوسع تستخدم فيه إيران أدواتها المرتبطة بها لزيادة الضغط على الخصوم من دون أن تنخرط هي مباشرة في المواجهة.

 

وهنا تبرز خطورة الموقف بالنسبة إلى باكستان. فإسلام آباد لم تعد أمام أزمة يمكن التعامل معها باعتبارها شأناً يخص السعودية وحدها، لأن وجود قوات باكستانية في المملكة، إلى جانب اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في سبتمبر ٢٠٢٥، يجعل أي تهديد مباشر للسعودية اختبارًا عمليًا لمصداقية الالتزام الباكستاني. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع باكستان أن تتجاهل علاقتها مع إيران، لأنها ما زالت تتعامل معها كجار مباشر وشريك سياسي تحتاج إلى إبقاء قنوات التواصل معه مفتوحة، خصوصًا بعد أن لعبت دورًا في التهدئة بين واشنطن وطهران. لذلك، يصبح الحصار الحوثي عامل ضغط مزدوج على إسلام آباد: فهو يضعها أمام الرياض بوصفها حليفًا مطالبًا بالفعل لا بالتصريحات، ويضعها أمام طهران بوصفها وسيطًا قد يفقد قيمته إذا تحولت أذرع إيران إلى مصدر تهديد مباشر لمصالحها ومصالح حليفها السعودي.

 

وتكمن المشكلة الأعمق في أن هذا التطور يبدد فكرة أن باكستان تستطيع الفصل بين أدوارها إلى ما لا نهاية. فالموقف الذي نجحت في صياغته سابقًا كان يقوم على الجمع بين الدبلوماسية مع إيران والالتزام الأمني مع السعودية، لكن الحصار البحري يجعل هذا التوازن أكثر صعوبة، لأن كل خطوة ستُفسَّر على أنها انحياز في اتجاه أحد الطرفين. فإذا اختارت باكستان التمسك بدورها كوسيط والضغط السياسي على إيران وحدها، فقد يُنظر إليها في الرياض على أنها لم ترتقِ إلى مستوى التزاماتها الدفاعية. وإذا اختارت، في المقابل، تفعيل الاتفاقية الأمنية والانخراط في ردع مباشر أو غير مباشر، فإنها ستخسر عمليًا موقعها كقناة تواصل مع طهران، وقد تدخل في مواجهة مفتوحة مع المحور الإيراني كله.

 

ومن هنا، فإن الحصار الحوثي لا يمثل فقط تهديدًا للملاحة السعودية، بل يكشف حدود قدرة باكستان على الاستمرار في سياسة المسافة الواحدة من الطرفين. كما أنه يضع اتفاقها مع الرياض أمام أول اختبار حقيقي في لحظة أزمة فعلية، لا في سياق التفاهمات النظرية. لذلك، فإن التساؤل لم يعد هل تتأثر باكستان بالأزمة، بل كيف ستتصرف عندما يصبح عليها الاختيار بين التزامها الدفاعي تجاه السعودية وبين المحافظة على دورها الوسيط مع إيران. وهذا بالضبط ما يمهد للجزء التالي، أي للسيناريوهات المحتملة أمام إسلام آباد، لأن الأزمة لم تعد تحتمل موقفًا رماديًا طويلًا، بل تفرض قرارات أوضح وأكلف.

إلى أين تتجه مسارات إسلام آباد؟

لم تعد باكستان أمام مساحة واسعة للمناورة، لأن الحصار الحوثي على السعودية سيضع متخذ القرار في إسلام آباد أمام نقطة تقاطع حساسة بين التزاماتها الدفاعية مع الرياض، ودورها السياسي مع إيران، وحساباتها الداخلية التي تميل دائمًا إلى تجنب التورط المباشر. ومن ثم، فإن الأزمة الحالية لا تختبر فقط رد فعل إسلام آباد على تهديد بحري، بل تختبر أيضًا قدرة الدولة الباكستانية على الاستمرار في الجمع بين موقعين متعارضين: موقع الشريك الأمني للرياض، وموقع القناة الدبلوماسية المفتوحة مع طهران. وفي هذا الإطار، تبدو أمام باكستان ثلاث مسارات، لا يملك أي منها كلفة منخفضة، لكن كل واحد منها يحدد شكل مكانتها الإقليمية في المرحلة المقبلة.

 

  • المسار الأول: ضغوط دبلوماسية على طهران

 

تحاول إسلام آباد في هذا المسار إلى استخدام رصيدها الدبلوماسي للضغط المباشر على طهران لتخفيف التصعيد ومنع الحوثيين من الاستمرار في الحصار. لذا تتحرك إسلام آباد هنا باعتبارها ما زالت قادرة على التأثير في إيران عبر قنواتها الدبلوماسية، وتربط استمرار دورها كوسيط بمدى استعداد طهران لكبح حلفائها الميدانيين. وإذا اختارت باكستان هذا الاتجاه، فإنها ستوجه رسالة واضحة إلى القيادة الإيرانية بأن استمرار الضغط على السعودية سيجعل من الصعب على إسلام آباد الحفاظ على موقعها الحالي كجهة تفاوض موثوقة.

 

وتٌعد هذه الخطوة الأقل كلفة عسكريًا بالنسبة لباكستان، لأنها تتيح لها تجنب الانخراط المباشر في مواجهة مسلحة، وتحافظ في الوقت نفسه على الحد الأدنى من التوازن بين الرياض وطهران. لكنها تظل محدودة الفاعلية لكنه يظل خيارًا هشًا، لأن نجاحه يتوقف على أمرين غير مضمونين: الأول أن تكون إيران قادرة فعلًا على ضبط سلوك الحوثيين، والثاني أن تختار طهران الحفاظ على مكاسبها السياسية والاقتصادية من أي تفاهمات قائمة بدلًا من توسيع مساحة الضغط الإقليمي. فالمشكلة ليست في امتلاك باكستان قنوات اتصال، بل في مدى قدرتها على تحويل هذه القنوات إلى تأثير حقيقي في سلوك طهران. وإذا لم تستجب إيران، فإن باكستان ستبدو وكأنها تملك وزنًا دبلوماسيًا أكبر من قدرتها الفعلية على الإلزام، وهو ما يضعف مصداقيتها أمام الرياض قبل أن يضعفها أمام طهران.

 

  • المسار الثاني: تفعيل الالتزام الدفاعي مع السعودية

 

إذا استمر التصعيد الحوثي ورفضت طهران التدخل لكبحه، فقد تجد باكستان نفسها مضطرة إلى الانتقال من موقع الوسيط إلى موقع المنخرط في الدفاع. هنا يصبح اتفاق الدفاع المشترك مع السعودية هو المرجع الحاسم، لأن أي تراجع عنه سيُقرأ في الرياض باعتباره إخلالًا مباشرًا بالتعهد السياسي والعسكري. وفي هذا المسار، لا تكون باكستان بصدد اتخاذ قرار تكتيكي، بل بصدد تحديد ما إذا كانت ترى التحالف مع السعودية التزامًا عمليًا أم مجرد صيغة رمزية.

 

والانخراط في هذا الخيار يعني أن باكستان ستتعامل مع الأزمة بوصفها تهديدًا مباشرًا لأمن حليفها، لا مجرد خلاف إقليمي يمكن احتواؤه بالتصريحات. لكنه في المقابل يضعها في مواجهة غير مباشرة مع إيران، لأن أي مشاركة عسكرية أو دفاعية ضد الحوثيين ستُفهم في طهران باعتبارها اصطفافًا ضد نفوذها الإقليمي. وهنا تفقد باكستان صفة الوسيط، وتتحول إلى طرف واضح في معادلة الصراع، بما يفتح أمامها بابًا جديدًا من المخاطر على حدودها الغربية وعلى علاقتها مع إيران.

 

  • المسار الثالث: التمسك بالحياد السلبي

 

يبقى المسار الثالث هو الأكثر راحة على المدى القصير، والأخطر سياسياً على المدى الطويل. ففي هذا المسار، تكتفي باكستان بخطاب متوازن يدعو إلى ضبط النفس، وتتحاشى أي التزام عسكري مباشر، تحت ضغط الانقسام الداخلي والخشية من انعكاسات أمنية داخلية، خاصة في مجتمع شديد الحساسية لأي صراع ذي بعد طائفي أو إقليمي. وقد يبدو هذا الخيار عمليًا من زاوية تجنب المواجهة، لكنه لا يحل المشكلة، بل يؤجلها فقط.

 

فالسعودية لن تنظر إلى هذا الموقف بوصفه حيادًا، بل بوصفه تراجعًا عن التزام قائم بالفعل، لأن الاتفاقية الدفاعية ووجود القوات الباكستانية على الأراضي السعودية يجعلان من الصمت موقفًا ذا دلالة سياسية واضحة. وإذا اعتبرت الرياض أن باكستان لم تقف عند مستوى التعهد، فقد يتراجع مستوى الثقة في التحالف كله، مع ما يعنيه ذلك من أثر على التعاون الأمني والاقتصادي والاستثماري. وفي الوقت نفسه، لن تمنح طهران باكستان مكسبًا تعويضيًا حقيقيًا، لأنها ستنظر إلى هذا الحياد باعتباره دليلًا على ضعف الإرادة أو محدودية القدرة، لا باعتباره موقفًا يستحق الثقة.

 

وفي الختام، تدخل باكستان اليوم مرحلة بالغة الحساسية في سياستها الخارجية. وتحاول إسلام آباد الحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسي مع طهران وواشنطن، وتعمل في الوقت نفسه على الوفاء بالتزاماتها العسكرية والاقتصادية تجاه الرياض. ويفرض الحصار الحوثي تحدياً مباشراً يدمج بين الالتزامات الدبلوماسية والأمنية في أزمة واحدة. ويمنع هذا الوضع القيادة الباكستانية من الفصل بين جهود الوساطة والالتزامات العسكرية. ويتعذر على باكستان الاستمرار في إعلان الحياد بالتزامن مع وجود قواتها العسكرية ومصالحها على الأراضي السعودية. ويتحول التحدي الرئيسي أمام إسلام آباد من إدارة التوترات الإقليمية إلى معالجة التناقض المباشر بين دورها كدولة وسيطة ودورها كدولة حليفة.

 

ويكشف هذا المشهد الاستراتيجي أن الحصار البحري يمثل اختباراً فعلياً لأسس السياسة الخارجية الباكستانية، ولا يقتصر على كونه تهديداً للمملكة العربية السعودية. وتستطيع باكستان الحفاظ على دورها كجهة وسيطة من خلال ممارسة ضغوط دبلوماسية على طهران والحوثيين، وذلك في حال اقتصر الحصار على التصريحات السياسية ولم يلحق ضرراً فعلياً بحركة الملاحة أو أمن الطاقة السعودي. وتتقلص خيارات إسلام آباد بشكل كبير إذا تحول الحصار إلى إجراء عملي يلحق خسائر واضحة بالمملكة أو يعطل حركة التجارة في البحر الأحمر. وتدفع الالتزامات الدفاعية، والوجود العسكري الباكستاني في السعودية، والاعتماد الاقتصادي المتبادل، إسلام آباد إلى التخلي عن موقفها المحايد. وتتخذ باكستان، نتيجة لذلك، موقفاً عسكرياً صارماً ضد التحالف الإيراني.

 

ويتجاوز التساؤل الحالي رغبة باكستان في التخلي عن دور الوسيط، ليصل إلى قدرة إسلام آباد على الاستمرار في أداء الدورين معاً في ظل تطورات النزاع الإقليمي. وتفقد باكستان قدرتها على تجنب اتخاذ قرار حاسم كلما طال أمد الحصار وارتفعت تكلفته الاقتصادية والأمنية. وتجد القيادة الباكستانية نفسها مجبرة على الاختيار النهائي بين استمرار العمل الدبلوماسي أو الوفاء بالالتزامات العسكرية. ويحدد هذا الاختيار المرتقب مكانة باكستان الإقليمية ودورها الاستراتيجي خلال المرحلة القادمة.

المراجع

“Pakistan-Saudi Arabia: A Mutual Defence Pact with Nuclear Shadows.” International Campaign to Abolish Nuclear Weapons. ICAN, n.d. https://www.icanw.org/pakistan_saudi_arabia_a_mutual_defence_pact_with_nuclear_shadows

 

Abdallah, Nayera, and Timour Azhari. “Yemen’s Houthis Declare Naval Blockade Against Saudi Arabia.” Reuters. Thomson Reuters, July 20, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/yemens-houthis-declare-naval-blockade-against-saudi-arabia-statement-2026-07-20/

 

Ali, Idrees, Phil Stewart, Ryan Patrick Jones, Ismail Shakil, and Daphne Psaledakis. “U.S. Launches Strikes Against Iran, Central Command Says.” Reuters. Thomson Reuters, July 7, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/us-launches-iran-strikes-ninth-day-another-american-confirmed-killed-2026-07-20/

 

Boltuc, Silvia. “Iran’s Strikes Against Jaish al-Adl in Pakistan.” SpecialEurasia. SpecialEurasia, January 17, 2024. https://www.specialeurasia.com/2024/01/17/iran-jaish-al-adl-pakistan/

 

El Dahan, Maha, and Saeed Shah. “Saudi Arabia, Nuclear-Armed Pakistan Sign Mutual Defence Pact.” Reuters. Thomson Reuters, September 18, 2025. https://www.reuters.com/world/asia-pacific/saudi-arabia-nuclear-armed-pakistan-sign-mutual-defence-pact-2025-09-17/

 

Hashim, Asad. “Pakistan Parliament Backs Neutrality in Yemen Conflict.” Al Jazeera. Al Jazeera Media Network, April 10, 2015. https://www.aljazeera.com/news/2015/4/10/pakistan-parliament-backs-neutrality-in-yemen-conflict

 

Noack, Rick, Mubasher Bukhari, and Asif Shahzad. “Pakistan Worries About Being Drawn into US-Iran Conflict After Houthis Attack Saudi Arabia.” Reuters. Thomson Reuters, July 16, 2026. https://www.reuters.com/world/asia-pacific/pakistan-worries-about-being-drawn-into-us-iran-conflict-after-houthis-attack-2026-07-16/

 

Rehman, Z. U. “The Baluch Insurgency: Linking Iran to Pakistan.” International Security Network (ISN). ETH Zürich, 2014. https://www.files.ethz.ch/isn/180927/31c68a20991b5a98b0dece4fd929c9c8.pdf

 

Reuters Staff. “14-Point Draft US-Iran Deal.” Reuters. Thomson Reuters, June 17, 2026. https://www.reuters.com/world/middle-east/14-point-draft-us-iran-deal-2026-06-17/

 

Reuters Staff. “Iran, US Receive Plan to End Hostilities, Immediate Ceasefire, Source Says.” Reuters. Thomson Reuters, April 6, 2026. https://www.reuters.com/world/china/iran-us-receive-plan-end-hostilities-immediate-ceasefire-source-says-2026-04-06/

Saudi Press Agency. “N2615406.” Saudi Press Agency. Saudi Press Agency, n.d. https://www.spa.gov.sa/en/N2615406

 

Saul, Jonathan. “Red Sea War Insurance Costs Rise After Houthi Blockade, Sources Say.” Reuters. Thomson Reuters, July 20, 2026. https://www.reuters.com/legal/litigation/red-sea-war-insurance-costs-rise-after-houthi-blockade-sources-say-2026-07-20/

 

Shah, Saad, and Asif Shahzad. “Pakistan, Saudi in Talks on JF-17 Jets-for-Loans Deal, Sources Say.” Reuters. Thomson Reuters, January 7, 2026. https://www.reuters.com/world/asia-pacific/pakistan-saudi-talks-jf-17-jets-for-loans-deal-sources-say-2026-01-07/

 

Shah, Saeed. “Pakistan Looks to Unlock Saudi Investment in Visit Following Defence Pact.” Reuters. Thomson Reuters, October 6, 2025. https://www.reuters.com/world/asia-pacific/pakistan-looks-unlock-saudi-investment-visit-following-defence-pact-2025-10-06/

 

Shahzad, Asif, Saad Sayeed, and Mubasher Bukhari. “Pakistan Deploys Jet Squadron, Thousands of Troops to Saudi Arabia During Iran War.” Reuters. Thomson Reuters, May 18, 2026. https://www.reuters.com/world/asia-pacific/pakistan-deploys-jet-squadron-thousands-troops-saudi-arabia-during-iran-war-2026-05-18/

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *