كتب بواسطة

قد لا يكون التحول الاقتصادي الكبير المقبل على الأرض، بل في الفضاء. فمع تسارع النشاط التجاري خارج حدودها، يتحول الفضاء إلى مجال متزايد الأهمية للتنافس الاقتصادي والاستراتيجي، فيما تحتدم المنافسة بين الحكومات والشركات على البنية التحتية التي تقوم عليها الاتصالات والملاحة والتمويل ومراقبة المناخ والدفاع والجيل المقبل من الخدمات الرقمية. ولا تكمن أهمية هذا التحول في سباق جديد للعودة إلى القمر أو الوصول إلى المريخ فحسب، بل في تغير أعمق يعيد تشكيل علاقة الفضاء بالاقتصاد العالمي؛ إذ يندمج المدار تدريجيًا في بنيته، ويتحول إلى أحد مكوناته الحيوية، بما يرتب تداعيات متزايدة على قوة الدول، وأنماط الاعتماد التكنولوجي، وقواعد الحوكمة الدولية.

 

وتتضح أبعاد هذا التحول بصورة أكبر في طبيعة الاقتصاد الفضائي نفسه، حيث يتسع الدور التجاري للقطاع الخاص من دون أن يتراجع الدور المحوري للدولة. فعلى الرغم من أن الاستثمار العام لا يزال يمثل ركيزة أساسية للقطاع، تضطلع الشركات الخاصة بدور متنامٍ في خدمات الإطلاق والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية ورصد الأرض وتحليل البيانات. غير أن اتساع النشاط التجاري يتزامن مع تزايد التداخل بين الاستخدامات المدنية والعسكرية للفضاء؛ فالأقمار الاصطناعية التي تخدم الزراعة والخدمات اللوجستية والاستجابة لحالات الطوارئ يمكن أن تدعم في الوقت نفسه الاستخبارات والاستهداف والاتصالات الآمنة والملاحة العسكرية. ومع تعمق اعتماد الحياة والاقتصاد على الأرض على هذه البنية التحتية، لم يعد الوصول إلى المدار مجرد قدرة تقنية، بل أصبح أحد مقومات الصمود الاقتصادي والاستقلالية الاستراتيجية.

من الاستكشاف إلى البنية التحتية الحيوية

على امتداد معظم القرن العشرين، ارتبط الفضاء بالهيبة الوطنية والتنافس بين القوى الكبرى. أما اليوم، فقد انتقل جانب كبير من أهميته إلى وظائف أقل ظهورًا، لكنها أشد ارتباطًا بالبنية التحتية التي يقوم عليها الاقتصاد الحديث والمجتمع المعاصر. فخدمات تحديد المواقع والملاحة والتوقيت باتت تدعم شبكات النقل والمعاملات المالية والاتصالات وأنظمة الطاقة والعمليات العسكرية. وتوفر أقمار رصد الأرض بيانات حيوية لمتابعة أحوال الطقس والزراعة والإجهاد المائي وحرائق الغابات والتغيرات البيئية، بينما تربط أقمار الاتصالات المجتمعات النائية بالعالم، وتوفر قنوات اتصال بديلة عند تعطل الشبكات الأرضية. وبذلك، لم يعد الفضاء مجالًا بعيدًا عن النشاط الاقتصادي اليومي، بل أصبح جزءًا من البنية التحتية التي تعتمد عليها قطاعات واسعة من الاقتصاد والمجتمع.

 

ويتسع نطاق هذه البنية التحتية بوتيرة متسارعة، بما يعكس تنامي الاعتماد عليها وتزايد النشاط الاقتصادي المرتبط بها. فوفقًا لتقييم “وكالة الفضاء الأوروبية” لعام 2024، نُفذت 259 عملية إطلاق، بزيادة قدرها 18% عن العام السابق، ووُضع نحو 2,900 قمر اصطناعي في المدار. وفي العام نفسه، بلغت قيمة السوق العالمية للأنشطة الفضائية الأولية، بما يشمل أنشطة مثل تصنيع الأقمار الاصطناعية وإطلاقها، نحو 63 مليار يورو، مقابل نحو 408 مليارات يورو للخدمات النهائية. ولا تكشف هذه الفجوة عن اتساع حجم الاقتصاد الفضائي فحسب، بل توضح أيضًا التحول في موضع توليد القيمة داخله؛ إذ لم يعد الجانب الأكبر من القيمة الاقتصادية يتولد من الوصول إلى المدار في حد ذاته، وإنما من البيانات والخدمات التي تتيحها البنية التحتية الفضائية للاقتصادات والمجتمعات على الأرض.

 

 

ويتزايد في الوقت نفسه ارتباط الاستثمار في قطاع الفضاء بالاعتبارات الأمنية والدفاعية. فقد بلغ الاستثمار العام العالمي في القطاع نحو 122 مليار يورو في عام 2024، استحوذ الإنفاق الدفاعي على نحو 54% منه. ولم يقتصر الأمر على ارتفاع حصة الدفاع من إجمالي الاستثمار، بل نما الإنفاق المرتبط به بوتيرة أسرع من الاستثمار المدني، مدفوعًا بتزايد الاهتمام بقدرات الإنذار الصاروخي، والاتصالات الآمنة، والمراقبة، والملاحة، فضلًا عن المخاوف بشأن أمن الأصول الفضائية وحمايتها من التهديدات. وتجسد “وكالة تطوير الفضاء” الأمريكية هذا التوجه بوضوح؛ إذ ارتفعت ميزانيتها السنوية من أقل من 100 مليون دولار إلى قرابة 5 مليارات دولار خلال خمس سنوات، بينما دعمت عقود تبلغ قيمتها نحو 11 مليار دولار إنشاء شبكة مخطط لها تضم مئات الأقمار الاصطناعية المخصصة للدفاع الصاروخي والاتصالات وخدمات تحديد المواقع.

 

ومع اتساع نطاق النشاط الفضائي وتصاعد أهميته الأمنية، تصبح البيئة المدارية أكثر ازدحامًا وتنافسًا وعرضة للتهديدات. فالأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية، والتشويش، وتزييف الإشارات، والهجمات السيبرانية، فضلًا عن الحطام الفضائي، يمكن أن تعطل الأنظمة الفضائية أو تهددها من دون أن يستلزم ذلك شن هجوم تقليدي على الأرض. وفي هذه البيئة، تتزايد أيضًا صعوبة الفصل بين القمر الاصطناعي بوصفه أصلًا تجاريًا ودوره بوصفه أصلًا ذا قيمة استراتيجية، وهو ما يفاقم أوجه الضعف لدى الدول التي تعتمد على مشغلين أجانب، أو خدمات إطلاق خارجية، أو مكونات مستوردة في بناء أقمارها الاصطناعية.

 

ولم تعد هذه المخاطر تقتصر على مواطن ضعف محتملة أو سيناريوهات افتراضية، إذ تكشف التطورات الأخيرة عن انتقال المنافسة في الفضاء إلى مرحلة يجري فيها الإعلان صراحة عن نشر قدرات عسكرية في المدار. ففي 15 سبتمبر 2026، أكدت الولايات المتحدة، للمرة الأولى، نشر سلاح متمركز في الفضاء، فيما وصف وزير القوات الجوية الأمريكي تروي مينك هذه القدرة بأنها ضرورية لحماية القوات الأمريكية في مواجهة التهديدات المتطورة. ولم يكشف المسؤولون الأمريكيون عن طبيعة السلاح أو وظيفته، بينما حذر مسؤولون صينيون من أن الخطوة قد تسهم في إشعال سباق تسلح في الفضاء الخارجي.

 

ويكشف هذا التطور بدوره عن تزايد صعوبة التمييز بين الطابعين الدفاعي والهجومي للقدرات الفضائية. فقد تمتد الأنظمة المحتملة من قدرات الحرب الإلكترونية وتعطيل الاتصالات إلى تقنيات قادرة على إحداث أضرار مادية، وإن كانت المعلومات المتاحة لا تسمح بتحديد طبيعة النظام الذي جرى نشره. وبالنسبة إلى المشغلين التجاريين والدول التي تعتمد على البنية التحتية للأقمار الاصطناعية، يضاعف هذا التطور أهمية تعزيز القدرة على الصمود، وتوفير أنظمة وقدرات احتياطية، ووضع قواعد واضحة تحكم النشاط العسكري في المدار.

تلاقي المصالح التجارية والعسكرية والذكاء الاصطناعي

يتشكل اقتصاد الفضاء الجديد في ظل تداخل متزايد بين خدمات الإطلاق التجارية، والاحتياجات العسكرية، ومعالجة البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. فقد أسهمت شركات مثل “SpaceX” في خفض تكاليف الإطلاق وزيادة وتيرته، بما أتاح نشر كوكبات كبيرة من الأقمار الاصطناعية بدلًا من الاعتماد على عدد محدود من المركبات الفضائية باهظة التكلفة. ويتيح هذا النموذج توسيع نطاق التغطية وتعزيز القدرة على الصمود، لكنه يفاقم، في المقابل، ازدحام المدارات ويمنح الشركات الخاصة دورًا أكبر في تشغيل بنية تحتية تتعاظم أهميتها للاستخدامات المدنية والعسكرية على السواء.

 

ويضيف الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا إلى هذا التحول، إذ تولد الأقمار الاصطناعية كميات هائلة من الصور والإشارات والبيانات البيئية، يتعذر نقل جانب كبير منها إلى الأرض ومعالجته يدويًا بالسرعة المطلوبة. وهنا يتيح الذكاء الاصطناعي التعرف على الأجسام، ورصد التغيرات، وتصنيف التضاريس، والتنبؤ بأنماط الطقس، فضلًا عن تسريع عمليات اتخاذ القرار. كما تتيح معالجة البيانات بالقرب من مواقع جمعها تقليص الحاجة إلى نقلها إلى الأرض، بما يعزز سرعة الخدمات المعتمدة على الأقمار الاصطناعية وقدرتها على الاستجابة.

 

لكن اتساع الدور التجاري لا يعني انحسار الاعتماد الاستراتيجي على الدولة. فلا يزال قطاع الفضاء يعتمد بدرجة كبيرة على المشتريات الحكومية، والأبحاث التي تمولها الدولة، وضوابط التصدير، وعقود الأمن القومي. وقد تمول الحكومات تطوير التقنيات، بينما تتولى الشركات الخاصة تشغيل الأنظمة وتستحوذ على جانب كبير من القيمة التجارية التي تولدها. وتضع هذه العلاقة صانعي السياسات أمام معادلة دقيقة: فمن ناحية، تسعى الدول إلى الاستفادة من قدرة القطاع الخاص على الابتكار؛ ومن ناحية أخرى، يتعين عليها ضمان استمرارية الخدمات وشفافيتها وأمنها السيبراني، والحفاظ على إمكانية الوصول إليها في أوقات الأزمات.

 

ويمتد هذا التداخل بطبيعته إلى التخطيط العسكري. فكوكبات أقمار الاتصالات، وأنظمة الاستشعار عن بُعد والملاحة، وخدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، يمكن أن تخدم المستخدمين المدنيين والعسكريين في آن واحد. وتتيح هذه الطبيعة مزدوجة الاستخدام فرصًا للتعاون، لكنها تزيد أيضًا من تعقيد ديناميكيات التصعيد؛ إذ قد يُنظر إلى قمر اصطناعي مخصص للاستجابة للكوارث باعتباره جزءًا من بنية داعمة للعمليات العسكرية إذا كان يتشارك البنية التحتية أو البيانات مع شبكات دفاعية. ومن ثم، لن يدور التنافس المستقبلي في الفضاء حول الصواريخ والأقمار الاصطناعية وحدها، بل سيمتد إلى المعايير والبرمجيات، والوصول إلى البيانات، وسلاسل الإمداد، والسيطرة على البنية التحتية المملوكة للقطاع الخاص.

مراكز البيانات المدارية والجبهة الرقمية المقبلة

يبرز تطوير مراكز البيانات المدارية بوصفه أحد أكثر التصورات طموحًا التي أفرزها هذا التداخل بين اقتصاد الفضاء والذكاء الاصطناعي. وتقوم الفكرة على نقل جزء من البنية التحتية للحوسبة إلى الفضاء، بما يتيح معالجة البيانات التي تولدها الأقمار الاصطناعية، وتشغيل أعباء عمل الذكاء الاصطناعي، وربما تقديم خدمات حوسبة إلى الأرض. ورغم أن هذه المراكز لا تزال في طور مبكر، ولم تثبت جدواها التجارية بعد، فإن أهميتها تتجاوز حدود المشروع التقني ذاته، إذ تعكس تحولًا أوسع في تصور الوظيفة الاقتصادية للفضاء؛ فقد لا يقتصر دور المدار مستقبلًا على جمع المعلومات ونقلها، بل قد يمتد إلى معالجتها وتخزينها أيضًا.

 

وتستند جاذبية هذا التصور إلى مجموعة من المزايا المحتملة. فالأنظمة الفضائية يمكن أن تستفيد من ضوء الشمس بصورة شبه مستمرة، وأن تعمل بالقرب من مستشعرات رصد الأرض، بما قد يقلص الحاجة إلى نقل جميع البيانات الخام إلى المنشآت الأرضية قبل معالجتها. ومن حيث المبدأ، يمكن أن يسرع ذلك تحليل الصور ومراقبة المناخ والبحث العلمي والتطبيقات الدفاعية، وأن يمهد في الوقت نفسه لظهور أسواق جديدة في مجالات الحوسبة الفضائية، والاتصالات عالية السعة، وخدمات الذكاء الاصطناعي المتخصصة.

 

لكن الانتقال من هذا التصور إلى بنية تحتية قابلة للتشغيل على نطاق تجاري يصطدم بتحديات تقنية واقتصادية وأمنية كبيرة. فمراكز البيانات تتطلب إدارة موثوقة للطاقة والتبريد، وحماية من الإشعاع، فضلًا عن صيانة المعدات واستبدال مكوناتها. ولا تزال تكاليف إطلاق المعدات وإصلاحها مرتفعة، بينما يمكن للإشعاع أن يقلص العمر التشغيلي للمكونات الحساسة، ويضيف ازدحام المدارات والحطام الفضائي طبقة أخرى من المخاطر. وإلى جانب هذه التحديات التقنية، تظل قضايا الأمن السيبراني، وتخصيص الطيف الترددي، وسيادة البيانات، والسيطرة على بنية تحتية للحوسبة تقع خارج الأراضي الوطنية مسائل لم تُحسم بعد.

 

لذلك، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب أقرب إلى نشوء بنية حوسبة هجينة منه إلى إحلال مراكز البيانات المدارية محل نظيراتها الأرضية بالكامل. ففي هذا النموذج، يمكن توزيع عمليات المعالجة بين الأقمار الاصطناعية، والمنصات المدارية المتخصصة، والمحطات الأرضية، مع استمرار تنفيذ أعباء العمل الأكثر تطلبًا على الأرض. ولا تقتصر أهمية هذا المسار التدريجي على جانبه التقني، بل تمتد إلى بعده الاستراتيجي، إذ يربط على نحو متزايد بين سياسات الفضاء ومستقبل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وفي ظل هذا الترابط، قد تجد الدول التي تفتقر إلى قدرات محلية في الحوسبة المتقدمة، أو خدمات الإطلاق، أو بيانات الأقمار الاصطناعية، نفسها أمام مستويات متراكبة من الاعتماد على مزودين أجانب عبر طبقات متعددة من الاقتصاد الرقمي.

مسارات متفاوتة لدخول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى اقتصاد الفضاء

لا تدخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اقتصاد الفضاء الجديد من بوابة استراتيجية إقليمية موحدة، بل عبر مسارات وطنية تتباين في حجم الاستثمار، ومستوى القدرات، وترتيب الأولويات. فقد ارتفع الاستثمار الحكومي في قطاع الفضاء بالمنطقة من نحو 1.42 مليار دولار في عام 2023 إلى نحو 1.91 مليار دولار في عام 2024، فيما تركزت أكبر المخصصات في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، بإنفاق بلغ نحو 591 مليون دولار و450 مليون دولار على التوالي. ويعكس هذا النمو تصاعد الاهتمام بالاستثمار في قطاع الفضاء، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن فجوات واضحة في توزيع الموارد والقدرات بين دول المنطقة، بما يرسم مسارات متباينة لانخراطها في الاقتصاد الفضائي الجديد.

 

وتقف وراء هذا التوجه ثلاثة دوافع رئيسية تتداخل بأوزان مختلفة في برامج الفضاء الوطنية. أولها التنويع الاقتصادي؛ إذ يتيح قطاع الفضاء، ولا سيما لدول الخليج، فرصًا لتطوير الصناعات المتقدمة والاتصالات والخدمات الجيومكانية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب خلق وظائف تتطلب مهارات عالية. ويتصل الدافع الثاني باعتبارات الأمن القومي، بما تشمله من تطوير الاتصالات الآمنة، وقدرات رصد الأرض والملاحة، وتعزيز القاعدة التكنولوجية المحلية. أما الدافع الثالث، فيتعلق بالمكانة الوطنية والدولية؛ إذ تمنح البعثات العلمية ورحلات الفضاء المأهولة الدول وسيلة لإبراز تقدمها العلمي والتكنولوجي، وتحفيز المواهب الوطنية، وتعزيز حضورها على الساحة الدولية. ولا تعمل هذه الدوافع، في الممارسة، في مسارات منفصلة؛ إذ تجمع معظم برامج الفضاء في المنطقة بينها، وإن اختلف الوزن النسبي لكل منها من دولة إلى أخرى.

 

 

وتقدم الإمارات العربية المتحدة نموذجًا للنهج الطموح القائم على الشراكات، بما يتيحه من مزايا وما يفرضه في الوقت نفسه من قيود. فقد دخل “مسبار الأمل” مدار المريخ في عام 2021، لتصبح الإمارات أول دولة عربية وخامس دولة في العالم تصل بمسبار إلى المريخ. كما عزز “برنامج الإمارات لرواد الفضاء”، الذي أُنشئ عام 2017، حضور الدولة في مجال الرحلات الفضائية المأهولة، فيما يشكل “مركز محمد بن راشد للفضاء” و”وكالة الإمارات للفضاء” الركيزة المؤسسية لهذا التوجه. وفي عام 2024، منحت وكالة “ناسا” الإمارات عقدًا لتطوير وحدة غرفة معادلة الضغط لمحطة “Gateway” القمرية، بالشراكة مع شركة “Thales Alenia Space”.

 

وتكشف هذه الإنجازات عن قدرة هذا النموذج على الجمع بين الاستثمار الوطني والخبرات الدولية والشراكات متعددة الجنسيات. فالنهج الإماراتي يجمع بين النشاط الدبلوماسي، وإدارة المشروعات، وخدمات الأقمار الاصطناعية، والتوطين الموجّه للقدرات والتقنيات، ضمن شبكة واسعة ومتنوعة من الشراكات الدولية في قطاع الفضاء. ويمنح هذا التنوع الإمارات قدرًا من المرونة الاستراتيجية في تطوير قدراتها المحلية، وتوسيع الفرص التجارية المتاحة أمامها، والتعامل مع القيود المرتبطة بالتكنولوجيا وأنظمة الرقابة على الصادرات.

 

وفي المقابل، تسلك المملكة العربية السعودية مسارًا مختلفًا يقوم على إدماج قطاع الفضاء في أهداف أوسع للتنويع الاقتصادي والصناعي وبناء القدرات الوطنية. وترتبط طموحات المملكة في هذا القطاع ارتباطًا وثيقًا برؤية السعودية 2030، والتنويع الصناعي، وتنمية رأس المال البشري. وقد أُنشئت “الهيئة السعودية للفضاء” في عام 2018، ثم “وكالة الفضاء السعودية” في عام 2023. وفي هذا السياق، تتجه برامج الرحلات الفضائية المأهولة، وخدمات الأقمار الاصطناعية، والاستثمار في صناعة الفضاء الوطنية إلى بناء القدرات المحلية وتعزيز موقع المملكة داخل الاقتصاد التجاري المتنامي للفضاء.

 

أما سلطنة عُمان، فيستند مسارها بدرجة أكبر إلى استثمار موقعها الجغرافي. فقد استكشفت إمكانية تطوير ميناء “إطلاق” الفضائي، بما قد يتيح لها دخول سوق خدمات الإطلاق والاستفادة من إمكانية الوصول من أراضيها إلى مدارات ذات زوايا ميل مختلفة.

 

وتقدم مصر بدورها نموذجًا يجمع بين توظيف الفضاء في خدمة التنمية الوطنية، وبناء القدرات العلمية، وتعزيز التعاون الأفريقي، وتطوير الشراكات مع الصين. وتعكس مشاركتها في “محطة الأبحاث القمرية الدولية” أحد أبعاد هذا التوجه، فيما تعزز استضافة القاهرة مقر “وكالة الفضاء الأفريقية” دور مصر المؤسسي على المستوى القاري. وعلى صعيد بناء القدرات العلمية المحلية، يقدم القمر الاصطناعي النانوي المصري “SPNEX”، الذي طورته مؤسسات مصرية وأُطلق في عام 2025، نموذجًا لإسهام البرامج الفضائية في دعم الأبحاث المتعلقة بطبقة الأيونوسفير، والعواصف الشمسية، والطقس الفضائي، والقضايا المرتبطة بالمناخ.

 

وتكتمل صورة التباين الإقليمي مع برامج فضائية أخرى تجمع، بدرجات مختلفة، بين الأهداف الأمنية والاتصالية والعلمية والتكنولوجية. فقد طورت إيران محليًا مركبات إطلاق وقدرات في مجال الأقمار الاصطناعية، مع استمرار اعتمادها على شركاء خارجيين في بعض مكونات منظومتها الفضائية. أما قطر، فقد طورت بنيتها التحتية الفضائية من خلال أقمار الاتصالات والتعاون مع الولايات المتحدة. غير أن اختلاف هذه المسارات يستدعي الحذر من إخضاعها لقراءة واحدة أو التعامل معها بوصفها نماذج متماثلة. كما أن الطبيعة مزدوجة الاستخدام لبعض القدرات الفضائية لا تجعل منها، في حد ذاتها، قدرات هجومية؛ إذ تتحدد دلالتها الاستراتيجية وفق الغرض المؤسسي منها، وطبيعة استخدامها التشغيلي، والسياق الاستراتيجي الأوسع الذي توظف فيه.

دبلوماسية الفضاء وسياسات الشراكة

يبرز الاقتصاد الفضائي الجديد أيضًا بوصفه مجالًا متناميًا للدبلوماسية وبناء الشراكات طويلة الأمد. ويكشف اتساع انخراط الصين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كيف يمكن للتعاون في تصنيع الأقمار الاصطناعية، والمساعدة في عمليات الإطلاق، وتطوير البنية التحتية الأرضية، وأنظمة الملاحة، والتدريب، والبحث العلمي أن يؤسس لعلاقات تتجاوز حدود المشروعات المنفردة. وقد رصدت الدراسات التي تناولت دبلوماسية الفضاء الصينية خلال الفترة من 2010 إلى 2025 أكثر من خمسين حالة موثقة للتعاون في أنحاء المنطقة، استحوذت مشروعات الملاحة والمشروعات المرتبطة بالأقمار الاصطناعية على النصيب الأكبر منها.

 

غير أن الصين لا تتبع نموذجًا واحدًا في بناء هذه الشراكات، بل يتفاوت نطاق تعاونها وعمقه بحسب قدرات الدولة الشريكة وموقعها. فهي تميل إلى إقامة علاقات تعاون أعمق مع الدول المؤثرة التي تمتلك مؤسسات أقوى، أو موارد مالية أكبر، أو حضورًا إقليميًا أوسع، بينما تقدم نطاقًا أكثر محدودية من الخدمات للدول الأقل قدرة. وينشأ عن ذلك نمط متدرج من التعاون لا تقتصر آثاره على المشروعات أو الخدمات المقدمة؛ فأنظمة الأقمار الاصطناعية، وخدمات الإطلاق، والمحطات الأرضية، والتكامل مع نظام “BeiDou” للملاحة، يمكن أن توفر فوائد عملية مباشرة، لكنها قد تسهم أيضًا في ترسيخ المعايير والبرمجيات ومتطلبات الصيانة وبروتوكولات التشغيل الصينية داخل الأنظمة الوطنية للدول الشريكة.

 

لكن دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليست مجرد متلقٍ لهذه الشراكات أو ساحة للتنافس بين القوى الخارجية، بل تسعى بدورها إلى توظيف علاقاتها مع الصين والولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والهند وغيرها بما يخدم أولوياتها الوطنية، مع الحد من الاعتماد المفرط على أي شريك منفرد. ويوفر قطاع الفضاء مجالًا ملائمًا بوجه خاص لهذه السياسة القائمة على تنويع الشراكات والموازنة بينها؛ إذ يمكن أن يجري التعاون تحت مظلات البحث المدني، والاتصالات، والملاحة، والتنمية، حتى عندما تكون للتقنيات المستخدمة تطبيقات أمنية محتملة. ومن ثم، لا يتمثل السؤال المحوري في الكتلة التي ستنضم إليها دول المنطقة، بقدر ما يتعلق بمدى قدرتها على الحفاظ على هامش للمناورة بين الشركاء، بالتوازي مع تحويل هذه العلاقات إلى قدرات وطنية راسخة ومستدامة.

 

وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في منطقة الخليج، حيث لا تعكس سياسات دولها موقفًا موحدًا، ولا يمكن اختزال خياراتها في مفاضلة ثنائية بين واشنطن وبكين. فلكل دولة مزيجها الخاص من العلاقات الأمنية، والاحتياجات الاستثمارية، والطموحات الصناعية، والحسابات الدبلوماسية. وبالنسبة إلى الإمارات، تتمثل المعضلة في الحفاظ على المزايا التي يتيحها تنويع الشراكات، من دون المساس بقدرتها على الوصول إلى التقنيات الحساسة أو بثقة شركائها الرئيسيين. أما على مستوى المنطقة الأوسع، فيتمثل التحدي في تجاوز تشتت البرامج الوطنية المنفردة نحو بناء قدرات مترابطة ومتكاملة الأدوار، بحيث تتحول الاستثمارات الفضائية إلى قاعدة مستدامة لبناء القدرات، بدلًا من أن تظل مشروعات منعزلة ينحصر جانب كبير من قيمتها في تعزيز المكانة الوطنية.

السباق إلى ما وراء الأرض وفجوة الحوكمة

لن تظل المرحلة المقبلة من التنافس الفضائي محصورة في المدار الأرضي المنخفض، بل ستمتد على نحو متزايد إلى ما وراءه. فالقمر يتحول تدريجيًا إلى منصة للبحث العلمي والاتصالات وتقييم الموارد، فضلًا عن ترسيخ حضور استراتيجي طويل الأمد. وفي هذا السياق، يمثل برنامج “Artemis”، بقيادة الولايات المتحدة، و”محطة الأبحاث القمرية الدولية”، المدعومة من الصين وروسيا، إطارين متنافسين لتنظيم جانب من الأنشطة المستقبلية على القمر، وإن كان من غير الدقيق النظر إلى أي منهما باعتباره مجرد تحالف عسكري. فالمشاركة في هذين الإطارين يمكن أن تتيح الوصول إلى التكنولوجيا، وتعزز الحضور الدبلوماسي، وتفتح آفاقًا للتعاون العلمي، لكنها قد تسهم في الوقت نفسه في صياغة المعايير التي ستحكم النشاط القمري مستقبلًا والتأثير في أنماط الاصطفاف السياسي المرتبطة به.

 

ويزداد المشهد تعقيدًا مع احتمال استغلال موارد القمر والكويكبات. فقد يصبح من الممكن مستقبلًا استخدام الجليد المائي والمعادن وغيرها من المواد في إنتاج الوقود والبناء والأنشطة الصناعية. لكن الجدوى التجارية لاستخراج هذه الموارد لم تثبت بعد، فيما لا تزال قضايا الملكية وتقاسم المنافع وحماية البيئة وتفسير قواعد قانون الفضاء القائمة دون حسم. ولذلك، يرجح في المدى الأقرب أن يتركز التنافس الاستراتيجي على البنية التحتية والبيانات والاتصالات ومواقع الهبوط والمعايير، قبل أن يتحول التعدين واسع النطاق، إن تحقق، إلى محور رئيسي للمنافسة.

 

وفي مقابل هذا التسارع في القدرات والطموحات، لا تزال منظومة الحوكمة الفضائية متأخرة عن وتيرة التطور التكنولوجي. فالقواعد الدولية القائمة ترسي مبادئ مهمة تتعلق بالاستخدام السلمي والمسؤولية وعدم التملك، لكنها لم تُصمم للتعامل بصورة شاملة مع واقع بات يشمل كوكبات الأقمار الاصطناعية التجارية، وخدمات الصيانة والتشغيل في المدار، والهجمات السيبرانية، والحوسبة الفضائية، والدعم العسكري الذي توفره جهات خاصة، فضلًا عن التداعيات البيئية لازدحام المدارات. ومن دون تطوير قواعد ومعايير أكثر صرامة للحد من الحطام الفضائي، وتنسيق حركة الأجسام في الفضاء، وترسيخ السلوك المسؤول، وحماية أمن البيانات، قد تتحول سرعة التوسع في النشاط المداري من مصدر للقيمة الاقتصادية إلى عامل يهدد استدامتها.

 

وفي هذا المشهد، تبدو فرص الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر واقعية حين تقوم على التعاون الانتقائي في المجالات التي تتقاطع فيها المصالح العملية. فالعمل المشترك في مراقبة المناخ، والاستجابة للكوارث، وإدارة المياه، والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، وعلوم الفضاء، والتدريب التقني، والبنية التحتية الأرضية، يمكن أن يحقق منافع ملموسة من دون اشتراط توافق سياسي شامل. وقد لا يكون إنشاء هيئة فضاء إقليمية خيارًا واقعيًا في المدى القريب، لكن تعزيز قابلية الأنظمة للتشغيل البيني، وإطلاق برامج بحثية مشتركة، وتطوير معايير موحدة، وتنسيق المشتريات، يمكن أن يقلل ازدواجية الجهود ويوسع نطاق الاستفادة من القدرات المتاحة.

 

فالفضاء لم يعد ميدانًا بعيدًا ومنفصلًا عن الحياة الاقتصادية والسياسية على الأرض، بل أصبح جزءًا متزايد الأهمية من البنية التحتية التي تعتمد عليها الدول في الاتصالات، ورصد المخاطر، والعمليات العسكرية، وإدارة الموارد، والتنافس على النفوذ التكنولوجي. وعلى هذا الأساس، لن يتحدد موقع الدول في اقتصاد الفضاء الناشئ فقط بمن يصل إلى القمر أولًا أو يطلق العدد الأكبر من الأقمار الاصطناعية، بل كذلك بمن يمتلك القدرة على التحكم في البيانات والمعايير وسلاسل الإمداد والقدرات الحاسوبية، وبمن يبني شبكات الشراكات التي تضمن الوصول المستدام إلى الفضاء والاستفادة منه.

 

وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية التي تختزل مسار هذا التحول بأكمله: فالجبهة الجديدة تتحرك في اتجاهين متزامنين، إلى الخارج نحو القمر وربما إلى ما وراءه، وإلى الداخل نحو المنظومات الرقمية والاقتصادية على الأرض التي يزداد اعتمادها على البنية التحتية المدارية. وبالنسبة إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لن يقاس النجاح بمدى حضورها الرمزي في سباق فضائي عالمي بقدر ما سيقاس بقدرتها على بناء منظومات قادرة على الصمود، والحفاظ على المرونة الاستراتيجية، وتحويل الشراكات الخارجية إلى قدرات محلية مستدامة، وتحديد المجالات التي يمكن أن يولد فيها التعاون قيمة جماعية من دون أن يلغي اختلاف الأولويات والمصالح الوطنية.

المراجع

Berger, Eric. 2026. ‘Due to Need for “Absolute Success,” China Delays Critical Moon Launch To 2027’. Ars Technica, August 23. https://arstechnica.com/space/2026/08/due-to-need-for-absolute-success-china-delays-critical-moon-launch-to-2027/.

 

Boneitin, Francesco Rosazza. 2026a. ‘MENA Path to Space: Diverging Trajectories, Converging Goals | ISPI’. ISPI, January 8. https://www.ispionline.it/en/publication/mena-path-to-space-diverging-trajectories-converging-goals-225887.

 

Boneitin, Francesco Rosazza. 2026b. ‘The New Space Frontier in Africa and MENA: Regional Challenges, International Opportunities | ISPI’. ISPI, January 8. https://www.ispionline.it/en/publication/the-new-space-frontier-in-africa-and-mena-regional-challenges-international-opportunities-225886.

 

Clark, Stephen. 2026. ‘Japanese Company Aims to Become First Company to Land on the Moon Tuesday – Spaceflight Now’. Spaceflightnow.Com. https://spaceflightnow.com/2023/04/24/japanese-company-aims-to-become-first-company-to-land-on-the-moon-tuesday/.

 

Coblentz, Maggie. 2025. ‘Astrobromatology (SPACE FOOD) with Maggie Coblentz’. Alie Ward, December 10. https://www.alieward.com/ologies/astrobromatology.

 

Democracy Now! . 2026. ‘SpaceX IPO Could Make Musk a Trillionaire at Your Expense in “Massive Wealth Transfer”: Eric Gardner’. Democracy Now!, June 9. https://www.democracynow.org/2026/6/9/elon_musk_spacex_ipo.

 

Dossett, Julian. 2026. ‘SpaceX Wins $4 Billion Space Force Contract for Satellites That Target “Airborne Threats” Anywhere on Earth’. Space, June 2. https://www.space.com/space-exploration/satellites/spacex-wins-usd4-billion-space-force-contract-for-satellites-that-target-airborne-threats-anywhere-on-earth.

 

Goodwin, Grace Eliza. 2026. ‘“A Giant Leap Forward”: Nasa Launches Powerful New Space Telescope’. BBC, August 30. https://www.bbc.com/news/articles/ce87e55vgpjo.

 

Hines, R. Lincoln. 2026. ‘Choosing Orbits: China’s Space Diplomacy in the Middle East’. Texas National Security Review, July 6. https://tnsr.org/2026/07/choosing-orbits-chinas-space-diplomacy-in-the-middle-east/.

 

Johnson, Scott K. 2026. ‘SpaceX’s Orbital Data Centers Would Create a New Category of E-Waste’. Ars Technica, August 20. https://arstechnica.com/science/2026/08/spacexs-orbital-data-centers-would-create-a-new-category-of-e-waste/.

 

O’Kane, Sean. 2026. ‘SpaceX Will Build a Second, $100B “Starbase” Spaceport in Louisiana’. TechCrunch, August 25. https://techcrunch.com/2026/08/25/spacex-will-build-a-second-100b-starbase-spaceport-in-louisiana/.

 

Pekkanen, Saadia M. 2019. ‘Governing the New Space Race’. AJIL Unbound 113 (1): 92–97. https://doi.org/10.1017/aju.2019.16.

 

Sherman, Merrill, Micah Maidenberg, and Patience Haggin. 2026. ‘SpaceX and Rivals Dodge Traffic as Satellites, Debris Crowd Low-Earth Orbit’. The Wall Street Journal, August 30. https://www.wsj.com/science/space-astronomy/spacex-and-rivals-dodge-traffic-as-satellites-debris-crowd-low-earth-orbit-2a870efe.

 

TEC News. 2026. ‘China Ahead in Orbital Data Center Space Race ━ the European Conservative’. Europeanconservative.Com, The European Conservative, August 6. https://europeanconservative.com/articles/news-corner/china-ahead-in-orbital-data-center-space-race/.

 

Welle, Elissa. 2025. ‘Billionaires Want Data Centers Everywhere, Including Space’. The Verge, December 17. https://www.theverge.com/ai-artificial-intelligence/845453/space-data-centers-astronomers.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *