ما بعد المعاهدات التقليدية: نحو إعادة تشكيل حوكمة الأسلحة النووية
البرامج البحثية

ما بعد المعاهدات التقليدية: نحو إعادة تشكيل حوكمة الأسلحة النووية

يشهد نظام حوكمة الأسلحة النووية تحوّلًا يتجاوز مجرد تآكل الاتفاقيات القائمة، ليطال الأسس التي قامت عليها منظومة الضبط الاستراتيجي منذ نهاية الحرب الباردة. فلم تعد المعاهدات التقليدية قادرة بالفاعلية نفسها على احتواء التنافس النووي أو تنظيم سلوك القوى المنخرطة فيه، في ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد التوترات وتآكل الثقة وتزايد الاعتماد على الردع الصلب. وفي هذا السياق، يتراجع منطق الضبط التعاوني لصالح مقاربات أكثر حدة تقوم على فرض الوقائع بالقوة. ففي 4 فبراير 2026، انتهت معاهدة New START دون أي مؤشرات جدية على تجديدها، في دلالة واضحة على عمق التآكل الذي أصاب منظومة الحد من التسلح. وبعد أسابيع قليلة، شرعت الولايات المتحدة وإسرائيل، في 28 فبراير 2026، في تنفيذ ضربات ضد إيران، مبررتين ذلك بتعثر المفاوضات النووية وغياب أي تقدم ملموس فيها. وتكشف هذه التطورات أن البيئة النووية العالمية لم تعد تُدار بالمنطق المؤسسي الذي حكمها في العقود الماضية، بل باتت تتحرك بصورة متزايدة تحت ضغط الردع القسري والتفوق الاستراتيجي وفرض الوقائع بالقوة.   وفي موازاة ذلك، تتزايد دوافع بعض الدول لتطوير قدراتها النووية، في مقابل تمسك قوى نووية قائمة باحتكار موازين الردع ومنع أي إعادة توزيع لها. ومن ثم، لم يعد التحدي مقتصرًا على مستقبل الحد من الانتشار النووي، بل امتد إلى مستقبل الحوكمة النووية ذاتها وحدود قدرتها على الصمود في بيئة دولية تتراجع فيها الضوابط وتتقدم فيها اعتبارات القوة. يثير هذا التحول تساؤلات جوهرية حول احتمال انتقال النظام الدولي من معاهدات الحدّ من التسلح التقليدية إلى نمط جديد لحوكمة الأسلحة النووية. وقد تتبلور مرحلة مختلفة تقوم على الإشارات غير الرسمية والتقديرات الاستراتيجية المتبادلة، بما يطرح شكوكًا حول كفاية هذا النمط في ضمان التحقق من الالتزام. وفي المقابل، يظل أي نظام نووي ناشئ محاطًا بدرجة عالية من عدم اليقين، سواء من حيث آليات تطبيقه وفاعليته، أو عدد الدول المستعدة للانخراط فيه، فضلًا عن قدرته على كبح مسار قد يدفع العالم نحو مواجهة نووية.
صدمة هرمز: مستقبل الإمدادات النفطية في ظل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران
البرامج البحثية

صدمة هرمز: مستقبل الإمدادات النفطية في ظل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران

تمثّل الضربات العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير 2026 واحدة من أكثر لحظات التصعيد خطورة في معادلات الأمن الإقليمي في الخليج خلال أكثر من عقد. فهذه العملية أعادت رسم ملامح المخاطر المحيطة بأسواق الطاقة العالمية، فاتحةً المجال أمام تداعيات فورية ومتوسطة وطويلة الأجل قد تطال استقرار الإمدادات النفطية والتوازنات في سوق الطاقة الدولي. وقد استهدفت الضربات قيادات عليا ومنشآت عسكرية ذات أهمية استراتيجية داخل إيران، الأمر الذي دفع طهران إلى الرد عبر نطاق جغرافي يمتد عبر منطقة الخليج. وفي هذا السياق، تصاعدت بصورة حادة المخاوف من احتمال تعرّض تدفقات الطاقة المنقولة بحراً لاضطرابات واسعة، ولا سيما في مضيق هرمز.   وعلى الرغم من أن الانقطاعات الفعلية في الإمدادات المادية ما تزال محدودة حتى لحظة إعداد هذا التحليل، فإن الأسواق سارعت إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية. فقد قفزت المؤشرات القياسية للنفط الخام مع استئناف التداول، وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين بصورة ملحوظة، بالتوازي مع تصاعد مستويات التقلب في أسواق السلع والعملات. غير أن السؤال الاقتصادي الجوهري لا يتمثل في ما إذا كانت الأسعار ستتفاعل مع هذه التطورات، إذ إن هذا التفاعل قد حدث بالفعل، بل في ما إذا كان الصراع سيتحوّل من صدمة ناتجة عن علاوة المخاطر إلى اضطراب فعلي ومستدام في الإمدادات.   يبقى مضيق هرمز القناة المحورية لانتقال تدفقات الطاقة العالمية. إذ يمر عبر هذا الممر البحري ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية وأكثر من ثلث شحنات الغاز الطبيعي المسال المنقولة بحرًا. وحتى أي تعطيل مؤقت في هذا الممر ينطوي على تداعيات اقتصادية كلية واسعة النطاق. ومن ثم فإن تقييم انعكاسات هذه الأزمة يقتضي تحليل ردود الفعل الفورية للأسواق، والسيناريوهات المحتملة لتعطل الإمدادات، واستجابات العرض على المدى المتوسط، فضلًا عن الآثار الهيكلية بعيدة المدى على أمن الطاقة العالمي والاستقرار الاقتصادي الكلي.
تسليح الامدادات الغذائية: ما هي خيارات البقاء لدول الجنوب؟
البرامج البحثية
12 فبراير 2026

تسليح الامدادات الغذائية: ما هي خيارات البقاء لدول الجنوب؟

لم يعد الغذاء يُنظر إليه بوصفه مجرد سلعة أساسية أو مكوّنًا من مكونات الأمن الاقتصادي، بل بات يكتسب على نحو متسارع صفة المورد الاستراتيجي، بما يضعه في مرتبة لا تقل أهمية عن النفط والغاز في معادلات القوة والنفوذ الدولي. وفي هذا السياق، لم يعد التحكم في تدفقات الغذاء مسألة تجارية بحتة، بل أصبح أداة ضغط جيوسياسي تُستخدم للتأثير في سلوك الدول وإعادة تشكيل خياراتها السياسية والاقتصادية. ويُعدّ ما قامت به روسيا في ملف صادرات البحر الأسود مثالًا دالًا على هذا التحول، إذ أسهمت سياسات التعطيل والقيود المفروضة على تدفقات الحبوب في إحداث موجات حادة من اضطراب الأسعار، كما فرضت تعديلات استراتيجية على مبادرة حبوب البحر الأسود بما يخدم الحسابات الروسية. ومن ثم، كشفت الحرب الروسية الأوكرانية بوضوح عن قابلية توظيف الغذاء كسلاح ضمن معادلات الصراع الجيوسياسي، كما سلّطت الضوء على هشاشة الدول الكبرى المستوردة للغذاء، مثل مصر، حيث انعكس ذلك مباشرة على أمن الإمدادات الغذائية واستقرارها.   وفي ظل استمرار توظيف إمدادات الغذاء كأداة ضغط في سياقات الصراع، بالتوازي مع تفاقم آثار تغير المناخ، يتزايد اتجاه الدول إلى إدراج الغذاء ضمن نطاق الأمن القومي، بما ينعكس تدريجيًا على إعادة تشكيل أنماط التحالفات والتموضعات الدولية. وعلى هذا الأساس، ومع ما أثبتته أدوات تسليح الغذاء من فاعلية نسبية في النزاعات الجارية، يُرجّح أن يتعزز حضورها ضمن الأدوات الاستراتيجية التي تلجأ إليها الدول في إدارة الصراع والضغط المتبادل. وفي المقابل، يضع هذا المسار دول الجنوب العالمي، ولا سيما الدول المعتمدة على الاستيراد الغذائي، أمام مستويات متصاعدة من المخاطر، سواء من حيث تفاقم احتمالات الجوع، أو من حيث تعاظم النفوذ السياسي الذي تمارسه الدول المصدّرة والاقتصادات الأكثر ثراءً والمهيمنة على سلاسل الغذاء العالمية. وامتدادًا لذلك، تدفع هذه التحولات تلك الدول إلى إعادة تقييم مقارباتها الاستراتيجية، بهدف الحد من مخاطر انعدام الأمن الغذائي وتعزيز قدرتها على الصمود في بيئة دولية أكثر تقلبًا وضغطًا.
الخليج وإعادة تشكيل سوق العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة
البرامج البحثية
11 فبراير 2026

الخليج وإعادة تشكيل سوق العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة

تُعدّ الصين الفاعل المهيمن في صناعة العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، بما يرسّخ موقعها في صلب واحدة من أكثر الصناعات حساسية في الاقتصاد العالمي المعاصر. فبحلول عام 2025، كانت تسيطر على "نحو 61% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة و92% من عمليات معالجتها"، وهو ما يعكس تركيزًا ملحوظًا في سلاسل الإمداد المرتبطة بهذه الموارد الاستراتيجية. وفي مواجهة هذا الواقع، سارعت دول وقوى اقتصادية عدة إلى تعزيز قدراتها الوطنية في هذا القطاع، سعيًا إلى تقليص اعتمادها على الصين، سواء في المواد الخام أو المنتجات المعالجة. وفي هذا السياق، كثّفت دول مجلس التعاون الخليجي، انسجامًا مع رؤاها الوطنية لعام 2030، استثماراتها في استخراج هذه العناصر ومعالجتها، في مسعى إلى تنويع قواعدها الاقتصادية وتعزيز حضورها في سوق ما تزال الصين تمسك بمفاصله الرئيسية. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تقييم فرص صعود الخليج كمورّد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، من خلال تحليل دوافع هذا التوجه، ومدى قابليته للتحقق، فضلًا عن التحديات التي قد تواجه دول المجلس في مسار الانخراط في هذا السوق الاستراتيجي.
من العتاد إلى البرمجيات: لمن ستكون السيادة في اقتصادات الفضاء؟
البرامج البحثية
10 فبراير 2026

من العتاد إلى البرمجيات: لمن ستكون السيادة في اقتصادات الفضاء؟

تشهد اقتصاداتت الفضاء حول العالم تحولاً بنيوياً عميقاً في الوقت الراهن. فبينما اتسم هذا القطاع تاريخياً باعتماده الكثيف على قدرات الدفع الصاروخي وضخامة رأس المال الموجه لنشر العتاد في المدارات، ينتقل التركيز حالياً نحو نموذج اقتصادي تنفصل فيه القيمة المضافة تدريجياً عن الكتلة المادية. وتبرز في هذا السياق ملامح ما يُمكن تسميته بـ "اقتصاد الفضاء المُعرف بالبرمجيات"، وهو تحول يدفعه تقارب بنيتين تحتيتين رقميتين رئيستين: التوائم الرقمية (Digital Twins) والحوسبة الطرفية الفضائية (Space-Based Edge Computing). وتزامناً مع انخفاض تكاليف الإطلاق الناتجة عن تطور مركبات الإطلاق القابلة لإعادة الاستخدام، انتقل مُحدد الكفاءة الاقتصادية من مجرد القدرة على الوصول إلى الفضاء، ليرتكز على كفاءة الأصول العاملة في المدار، وذكائها التشغيلي، وطول عمرها الافتراضي. وتفترض هذه الورقة البحثية أن القيمة الاقتصادية المستقبلية في هذا القطاع، والمُقدر أن تصل إلى 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035، لن تتحقق عبر زيادة عدد الأقمار الصناعية المُطلقة فحسب، بل عبر رقمنة دورات حياتها ومعالجة بياناتها عند المصدر. &nbsp: يقدم هذا التحليل تفكيكًا اقتصادياً شاملاً لهذه التقنيات. ويُقيم الكيفية التي تُغير بها "النمذجة الافتراضية" هياكل التكلفة في التصنيع الفضائي، مما يُتيح لشركات مثل "فاردا" (Varda Space Industries) و"سبيس إكس" (SpaceX) تسريع وتيرة التطوير بما يماشي سرعة البرمجيات. كما تُبرز دور الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء (IoT) في تأسيس منظومات فضائية قادرة على المعالجة الذاتية للأعطال، مما يُعظم العوائد عبر تمديد العمر التشغيلي للأصول. وينتهي التحليل بربط مكاسب الكفاءة التشغيلية بالنمو الكلي لقطاع الفضاء، مُبينةً كيف تُشكل البنية التحتية الرقمية الأساس المادي لأسواق التصنيع في الفضاء (ISM) وخدمات الرصد الأرضية الناشئة.
تحولات سوق تخصيب اليورانيوم ومُستقبل تحديات أمن الطاقة العالمي
البرامج البحثية
7 فبراير 2026

تحولات سوق تخصيب اليورانيوم ومُستقبل تحديات أمن الطاقة العالمي

يمر سوق تخصيب اليورانيوم مُنذ عام ٢٠٢٣ بأعمق تحول هيكلي منذ بداية العصر النووي المدني، فبعد ثلاثة عقود اتسمت بفائض المعروض وتكامل المخزونات الروسية مع المفاعلات الغربية، يواجه هذا القطاع - الذي قُدرت قيمته بنحو 15.5 مليار دولار في 2025 - واقعًا جيوسياسيًا مغايرًا، ينبع أساسًا من سيطرة أربعة كيانات فقط على قرابة 95% من قدرة التخصيب العالمية، بما يضع سلاسل الإمداد الغربية أمام تحديات لوجستية وسياسية معقدة، خصوصًا في ظل تحول ما يُعرف "بوحدة العمل الفاصلة" Separative Work Unit (SWU) من مجرد سلعة متاحة، إلى نقطة اختناق استراتيجية تعيد رسم خرائط الطاقة، حيث تتسارع وتيرة الأحداث لتنقل السوق من مرحلة هيمنة المشترين إلى نفوذ البائعين، وسط سباق محموم لتأمين الوقود للمفاعلات التقليدية والوحدات المعيارية الصغيرة التي تتطلب أنواعًا متقدمة من اليورانيوم تفتقر الأسواق الغربية لبنيتها التحتية التجارية.   لذلك يتناول هذا التحليل تفاصيل المشهد الجديد لقطاع التخصيب، مستعرضًا القوى الفاعلة وديناميكيات التسعير المتغيرة، مع استشراف التبعات العميقة لهذا التحول على أمن الطاقة العالمي.
التمرد الخوارزمي: كيف عزز الذكاء الاصطناعي من قدرات التنظيمات الإرهابية؟
البرامج البحثية

التمرد الخوارزمي: كيف عزز الذكاء الاصطناعي من قدرات التنظيمات الإرهابية؟

يشهد المشهد الأمني العالمي تحولاً جذرياً مدفوعاً بالتطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تجاوزت كونها مجرد أدوات تقنية لتصبح قوة استراتيجية تعيد رسم خرائط النفوذ والصراع. لقد بات الذكاء الاصطناعي قوة تحويلية ترفد المجتمع بفرص واعدة، لكنها تنطوي في جوهرها على طبيعة مزدوجة الاستخدام تجعلها سلاحاً ذا حدين. وتكشف القراءة المتأنية للسوابق التاريخية عن نمط متكرر تتبناه التنظيمات الإرهابية، يتمثل في البراعة الفائقة في تطويع التقنيات البازغة لخدمة أجنداتها الراديكالية؛ فكما استغلت هذه الجماعات المنتديات الإلكترونية وتطبيقات التراسل المشفرة في السابق، فإنها اليوم تعكف بدأب على سبر إمكانيات الذكاء الاصطناعي وتبنيه، ولم يعد هذا التبني مجرد تكهنات مستقبلية أو مخاوف نظرية، بل انتقل الإرهاب المدعوم بالذكاء الاصطناعي فعلياً من المرحلة النظرية إلى مرحلة التطبيق التجريبي الذي يتسم بالتكرار والانتشار السريع، مما أثار قلق الدوائر الأمنية والحكومات من تحول هذه التقنية إلى "هبة" استراتيجية تعزز قدرات الإرهابيين بصورة غير مسبوقة. إن التقارب بين الذكاء الاصطناعي ومفاهيم الحرب غير المتكافئة يغير بشكل جوهري موازين القوى بين الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية، حيث انخفضت بشكل كبير عوائق الدخول التي كانت تفرضها التكنولوجيا العسكرية المتقدمة سابقاً. وتشير الأدلة الميدانية والاستخباراتية إلى أننا أمام استراتيجية تبني متعددة المجالات، تشمل النطاقات المعلوماتية والمادية والسيبرانية، مما يستدعي تحليلاً عميقاً لكيفية إعادة هندسة الإرهاب في عصر الآلة.
تداعيات امتلاك الصين لمنظومة الطباعة الحجرية
البرامج البحثية

تداعيات امتلاك الصين لمنظومة الطباعة الحجرية

شهد شهر ديسمبر من عام 2025 تحولًا هيكليًا في ميزان القوى التكنولوجي العالمي، إذ صادق ائتلاف صناعي مدعوم من الدولة الصينية – وتُنسق أعماله شركة "هواوي" – على تشغيل نموذج أولي وظيفي لنظام الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) في منشأة بمدينة شينزين. يُسقط هذا الإعلان الفرضية الأساسية التي هيمنت على الدوائر الجيوسياسية في واشنطن وبروكسل وطوكيو طوال العقد الماضي، والتي راهنت على أن التعقيد الهندسي المفرط لهذه التقنية سيُبقي الصين معزولةً دائمًا خلف حاجز تقني يمنعها من تجاوز دقة تصنيع الرقائق الإلكترونية المتقدمة بمعمارية 7 نانومتر.   استندت استراتيجيات الاحتواء الغربية إلى قناعة راسخة بأن احتكار سلاسل التوريد المعقدة لشركة "ASML" الهولندية سيضمن إقصاء الاقتصاد الثاني عالميًا عن إنتاج الرقائق المتقدمة اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. بيد أن النموذج الصيني الجديد أبطل هذه الحتمية، لا عبر محاكاة الهندسة الغربية، بل بانتهاج مسار فيزيائي وهندسي مغاير فرضته ضرورات السيادة الوطنية ووفرته الموارد الرأسمالية الحكومية غير المحدودة.   يُثبت هذا النموذج الأولي، الذي يعتمد تقنية "تفريغ البلازما المُحفز بالليزر" (LDP)، تمكّن الكوادر الصينية من المبادئ الفيزيائية الأساسية للتحكم الضوئي عند طول موجي 13.5 نانومتر، مُتجاوزين بذلك مرحلة "الاستحالة العلمية" لينتقل الصراع الآن إلى مرحلة "التوسع الهندسي" والجدوى التشغيلية. يؤسس هذا الحدث لنهاية حقبة القطبية التكنولوجية الواحدة، ويُدشن عصرًا جديدًا من النظم البيئية المزدوجة في صناعة أشباه الموصلات، وهو ما سيستوجب إعادة تقييم شاملة للمسلمات الاقتصادية والأمنية التي حكمت هذا القطاع لعقود.
تفكيك محور الضرورة: لماذا قد يقود سقوط فنزويلا إلى حربٍ مرجّحة مع إيران؟
البرامج البحثية
5 يناير 2026

تفكيك محور الضرورة: لماذا قد يقود سقوط فنزويلا إلى حربٍ مرجّحة مع إيران؟

نفذت القوات العسكرية للولايات المتحدة، في صبيحة الثالث من يناير لعام 2026، عملية عسكرية نوعية حملت اسم "العزم المطلق" (Operation Absolute Resolve)، أفضت إلى تحييد القيادة السياسية في فنزويلا واحتجاز الرئيس نيكولاس مادورو، لِتُدشّن بذلك مرحلة مفصلية في توظيف "القوة الصلبة" (Hard Power) ضمن النطاق الجيوسياسي لنصف الكرة الغربي . ويُؤسس هذا الإجراء لعقيدة سياسية مستحدثة تُعرف بـ "لازمة ترامب" (The Trump Corollary)، التي تُعيد صياغة محددات السيادة الوطنية بربطها بالامتثال للمصالح الأمنية العليا لواشنطن.     تتولى هذه الورقة البحثية تفكيك التداعيات البنيوية لهذا الحدث، وتفحص أثره المباشر على "العمق الاستراتيجي" (Strategic Depth) للجمهورية الإسلامية الإيرانية، باحثةً في مآلات التحالف الثنائي المعروف بـ "محور الضرورة" (Axis of Necessity) الذي ربط طهران وكاراكاس لسنوات خارج المنظومة المالية الدولية. ثم تناقش ما إذا كان إسقاط النظام في فنزويلا يؤدي حُكمًا إلى عزل إيران جغرافيًا ولوجستيًا، وإنهاء قدرتها على المناورة في الفناء الخلفي للولايات المتحدة.     لتنتقل المُعالجة بعد ذلك إلى تحليل "الاقتصاد السياسي للطاقة" (Political Economy of Energy)، حيث تختبر الفرضية القائلة بأن السيطرة الإدارية الأمريكية على الاحتياطيات الفنزويلية توفر ضمانة استراتيجية فورية تُغني الغرب عن إمدادات الخليج العربي في حال إغلاق "مضيق هرمز" (Strait of Hormuz) . وتستند هذه الجزئية إلى تقييم فني للفارق بين حجم الاحتياطيات النظرية وبين القدرة التشغيلية الواقعية لشركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) في ظل تهالك بنيتها التحتية.     ثم تستشرف أخيرًا احتمالات التصعيد العسكري المستقبلي عبر تحليل ما نُسميه بـ "مفارقة القوة" (Paradox of Power)؛ إذ يواجه صانع القرار الأمريكي تباينًا بين الحافز الذي يُولده نجاح استراتيجية "استهداف القيادة" (Decapitation Strategy) لتكرار النموذج ضد خصوم آخرين، وبين القيود المادية التي تفرضها استحقاقات "بناء الدولة" (Nation-building) وإعادة الإعمار، وذلك لتحديد احتمالية تطور الموقف إلى مواجهة نظامية شاملة مع إيران.
صناديق الثروة السيادية الخليجية واقتصادات ألعاب الفيديو
البرامج البحثية

صناديق الثروة السيادية الخليجية واقتصادات ألعاب الفيديو

تشهدُ البنية الهيكلية للاقتصاد العالمي لألعاب الفيديو تحولاً جذرياً يتجاوز مراكز الهيمنة الثلاثية التقليدية في أمريكا الشمالية واليابان والصين، إذ ينتقلُ الثقل الاستراتيجي للصناعة نحو منطقة الخليج، مدفوعًا بتدفقات رأسمالية غير مسبوقة تقودها صناديق الثروة السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي، حتي بات يُجسد هذا الحراك يُجسد تغيرًا مفصليًا في العقيدة الاستثمارية لهذه الكيانات—وتحديداً صندوق الاستثمارات العامة السعودي((Public Investment Fund - PIF)، وشركة مبادلة و"ADQالقابضة" في الإمارات، وجهاز قطر للاستثمار(QIA)—التي انتقلت من إدارة المحافظ السلبية القائمة على مراكمة الأصول الآمنة كسندات الخزانة الأمريكية والعقارات، إلى ممارسة الملكية التشغيلية النشطة في قطاعات التكنولوجيا عالية النمو.   برز قطاع الألعاب، الذي تتجاوز قيمته مائتي مليار دولار والمرشح للنمو ليتخطى ثلاثمائة مليار بحلول عام ٢٠٢٨، كمرتكز محوري لهذا التحول، نظراً لتقاطعه الفريد مع قطاعات الإعلام والذكاء الاصطناعي، مما يجعله أداة مثالية لتحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي في الرؤى الوطنية.   يتجاوز التدخل الخليجي في هذا المضمار الأبعاد المالية البحتة ليلامس الجغرافيا السياسية، حيث تسعى هذه الدول عبر حيازة الملكية الفكرية وشبكات التوزيع والبنية التحتية إلى تأسيس "نوع من السيادة الرقمية" كبديل لهيمنة الهيدروكربونات على اقتصاداتها، وذلك عبر استراتيجيات متباينة تتراوح بين التكامل الرأسي السعودي، وبناء المنظومة البيئية الإماراتي، والربط الاستراتيجي القطري.   بالتالي يستوجبُ استيعابُ هذا النطاق الاستثماري وضعَه ضمن سياق التحولات الاقتصادية الكلية؛ فقد كشفت الصدمات السعرية المتتالية في أسواق النفط، لاسيما في عام ٢٠١٤ وأثناء الجائحة في ٢٠٢٠ وما تلاها، عن قصور النموذج التقليدي القائم على عوائد البترودولار في ضمان استدامة الثروة، فيما يوفر قطاع الألعاب حلاً للتحديات الديموغرافية الملحة، إذ يُحقق مُضاعفاً اقتصادياً للوظائف يتجاوز نظيره في قطاعات أخرى، ويستوعب "الكتلة الشبابية" التي تُمثل الغالبية العظمى من السكان، مُحولاً إياها من قوة استهلاكية للمحتوى الأجنبي إلى قاعدة إنتاجية وطنية تُرسخ مفاهيم القومية الاقتصادية الجديدة.
الذكاء الاصطناعي واستدامة الكهرباء: فجوة القدرة في الاقتصاد الرقمي
البرامج البحثية
31 ديسمبر 2025

الذكاء الاصطناعي واستدامة الكهرباء: فجوة القدرة في الاقتصاد الرقمي

بحلول عام 2025، لم يعد التسارع المتزايد في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي مجرّد توسّع في القدرات الرقمية، بل تحوّل إلى عاملٍ يُعيد تشكيل البنية التحتية المادية التي يستند إليها الاقتصاد العالمي. فقد بدأت مراكز البيانات تأخذ طابعًا جديدًا، لتغدو أشبه بـ«مصانع للذكاء الاصطناعي»، صُمّمت لاستيعاب كثافات حوسبية غير مسبوقة وأعباء تشغيلية متواصلة وعلى نطاق واسع. وحتى عام 2024، كان هناك ما يقارب 11,800 منشأة من هذا النوع تعمل حول العالم، مع تزايد ملحوظ في عدد المراكز التي أُنشئت خصيصًا أو أُعيد تأهيلها لتلبية متطلبات الحوسبة المتقدمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي. وقد أسهم هذا التحوّل في إحداث ارتفاع بنيوي في الطلب على الطاقة، بما فرض ضغوطًا استثنائية على الأراضي والموارد المائية وشبكات الكهرباء، إلى جانب أعباء مالية متصاعدة على منظومات الطاقة وسلاسل الإمداد في مختلف الاقتصادات.     لم يعد القيد الحاسم الذي سيحدّد مسار الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة مرتبطًا بالعتاد أو الخوارزميات، بل بتوافر الطاقة. فمن دون تحوّل عالمي سريع نحو مصادر طاقة نظيفة ومتجددة، ستواجه مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي اختناقات متزايدة تتمثّل في شحّ الموارد، وعدم استقرار الشبكات الكهربائية، وتصاعد المخاطر الاقتصادية، بما قد يقوّض النمو الذي يُفترض بهذه التقنيات أن تدعمه. ومع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى بنية أساسية عابرة للقطاعات، لم يعد السؤال ما إذا كانت مراكز البيانات ستواصل التوسّع، بل ما إذا كان العالم قادرًا على توليد طاقة نظيفة كافية لاستدامة هذا التوسّع. وفي ظلّ تجاوز الطلب الحالي قدرات الشبكات التقليدية في مناطق رئيسية، تتّضح حقيقة مفادها أنّ إتاحة الطاقة—لا الابتكار التقني وحده—ستغدو العامل الفاصل في تحديد التنافسية العالمية في عصر الذكاء الاصطناعي.  
انتشار المعلومات المضلِّلة عبر الفضاء الرقمي: مَن يجنـي المكاسب؟
البرامج البحثية
31 ديسمبر 2025

انتشار المعلومات المضلِّلة عبر الفضاء الرقمي: مَن يجنـي المكاسب؟

تتزايد مخاوف الحكومات إزاء الصور والمقاطع الصوتية والمرئية التي تبدو شديدة الواقعية رغم كونها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. فهذه التزييفات العميقة تُسهِم في الانتشار الواسع للمعلومات المضلِّلة، وتُلحق، في بعض الحالات، أضرارًا مباشرة بالأمن الوطني من خلال تقويض ثقة الجمهور بالمؤسسات والعمليات الانتخابية، فضلًا عن تأجيج العنف السياسي. وفي المقابل، يعجز الجمهور العام ومستخدمو المنصات الرقمية عن التمييز بين المحتوى الحقيقي وذلك المُنتَج بواسطة الذكاء الاصطناعي، بما يفضي إلى تفاقم التضليل وتعميق الاستقطاب، وإلى تحويل البيانات الشخصية إلى سلعة تُستثمر تجاريًا من قِبل الشركات التقنية الكبرى. وبناءً على ذلك، فإن التسارع المتزايد في انتشار التزييفات العميقة يفرض ضرورة التحرّك العاجل لتهيئة بيئة تنظيمية قادرة على استيعاب هذا الواقع الجديد وضبط مساراته.   يمثّل الاعتماد على الشركات التقنية في الحد من المعلومات المضلِّلة تحدّيًا بالغ التعقيد، إذ تواجه هذه الشركات صعوبات جوهرية في ضبط محتوى التزييف العميق نظرًا لاتّساع نطاق تداوله وتعدّد الجهات القادرة على إنتاجه. وبالتالي، فإن إقدام شركة واحدة على تنظيم هذا المحتوى سيؤدّي حتمًا إلى تراجع أرباحها، مع انتقال المستخدمين إلى مزوّدين آخرين أقل تقييدًا. يضاف إلى ذلك أنّ هذه الشركات تجني عوائد مالية من عرض الإعلانات، عن غير قصد، على مواقع تنشر معلومات مضلِّلة. ومن ثمّ، تبرز حاجة ملحّة لتدخّل جهة خارجية تمتلك القدرة على فرض الأطر التنظيمية والاستراتيجيات الكفيلة بالحدّ من تفاقم انتشار المعلومات المضلِّلة عبر الفضاء الرقمي.