كتب بواسطة

شهدت منطقة جنوب شرق آسيا عددًا من الحروب الطاحنة بداية من خمسينيات القرن الماضي استمرت لعقود، حيث تأثرت هذه المنطقة بالحرب الباردة بشكل كبير، وأصبحت دول مثل فيتنام ساحة قتال بين القوى الشيوعية والرأسمالية لما يزيد عن عشرون عامًا كما طال تأثير حرب الوكالة في المنطقة على لاوس حين دارت الحرب بين قوات الباثيت لاو الشيوعية التي دعمها عدد كبير من الجنود الفيتناميين الشماليين من أصل لاوسي، وحكومة لاوس الملكية لما يزيد عن عشرون عامًا.

لم تكتف المنطقة بذلك بل أشتعل بها أتون الحروب الأهلية التي شنتها حركات التمرد التي نتجت عن اختلافات عرقية مثل ما حدث في صراع ميانمار مع الأقليات العرقية، ونظام الخمير الحمر في كمبوديا الذي تسبب في الإبادة الجماعية والنزوح الجماعي لما يزيد عن سبع سنوات، كما ترك الاستعمار وراءه نزاعات حدودية ولدت العديد من الصراعات أبرزها: الصراع الكونفرونتاسي الإندونيسي بين عامي (1963-1966) حين شنت المعارضة الإندونيسية المسلحة حرباً غير معلنة وقعت معظمها في المنطقة الحدودية بين إندونيسيا و شرق ماليزيا على جزيرة بورنيو، كما طالبت الفلبين بجزء كبير من ولاية صباح الواقعة في شرق ماليزيا. بالإضافة إلى الخلافات الحدودية بين ماليزيا وتايلاند التي لم تحل حتى الآن في بوكيت جيلي على امتداد 8.5 كم من الحدود بين الطرفين، وغيرها من الخلافات الحدودية بين دول المنطقة في بحر الصين الجنوبي التي يمر بها نحو 5 تريليونات دولار من التجارة الدولية، والذي يُعد بمثابة معبرًا حيويًا لنحو 80% من النفط الخام إلى كل من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، كما تشغل احتياطياته غير المكتشفة تصل إلى 11 مليون برميل نفط، و190 مليار قدم مكعب غاز طبيعي) مما جعله مصدراً للتوتر والتنافس لعقود من الزمن، أججه خط النقاط التسع الصيني الذي يستحوذ على أكثر من 90% من مساحة البحر.

 

ووسط كل هذا الاضطراب بزغت تجربةُ رابطـة جنـوب شـرق آسـيا المعروفة اختصـاًرا باسـم (آسـيان ASEAN) وسط كل هذا الزخم من الأحداث كنموذجٍ ناجحٍ لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية الاقتصادية في منطقةٍ شهدت صراعاتٍ وحروبًا أهليةً في الماضي. ورغم ذلك فقد بدأت رابطة الآسيان متواضعة كتحالف فضفاض من البلدان النامية في عام 1967 بين خمس دول: إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة. وباستثناء تايلاند، كانت كل هذه البلدان قد حصلت للتو على استقلالها السياسي بعد قرون من الاستعمار والسيطرة الأجنبية، وعندما تأسست الآسيان كان الأمل في بقائها ضئيلاً للغاية. وخاصة ان فكرة تشكيل منظمة إقليمية يمكن أن يملأ فراغ السلطة الذي خلفته القوى الكبرى، التي استخدمت المنطقة للحروب بالوكالة والتنافس بين القوى الكبرى، وتوفر آلية مساعدة ذاتية لهذه الدول المستقلة حديثًا لتمكينها من التركيز على بناء الأمة والتنمية الاقتصادية. كما أن تشكيل منظمة إقليمية يمكن أن يعطي وزناً أكبر لصوتهم الجماعي في المجتمع الدولي.

 

استمرت الرابطة في المضي بخطوات تدريجية في السبعينيات والثمانينيات بالتركيز على بناء الثقة وفتح قنوات الاتصال فيما بينها، و أدركت الدول الأعضاء أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يمكن أن يعزز الأمن، لذا ترسخت مبادرات مثل اتفاقيات التجارة التفضيلية لإرساء أسس علاقات اقتصادية أعمق إلى الانفتاح وأنشاء منطقة التجارة الحرة لرابطة أمم جنوب شرق آسيا (AFTA) في عام 1992 التي ساهمت في خفض الحواجز التجارية بشكل كبير، وتعزيز التجارة البينية الإقليمية وجذب الاستثمار الأجنبي لتصبح بذلك ثاني أكبر أتحاد جمركي عالمي، وتُشكل مجتمعة رابع أكبر اقتصاد في العالم بواقع 3,9 تريليون دولار في 2022 (حسب بيانات صندوق النقد الدولي) بعد الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي.

 

وتشترك دول الرابطة بعلاقات وثيقة مع أطراف عدة في إطار منتدى شرق آسيا الذي يضم إلى جانب دول آسيا كلًا من الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، وبلغ إجمالي صادرات السلع من دول آسيان عام 2022 حوالي 862.5 مليار دولار بنسبة 13.9% زيادة عن عام 2021. فيما بلغت حجم التجارة البينية من السلع بين دول آسيان عام 2022 حوالي 335.4 مليار دولار بنسبة 21.4% زيادة عن 2021.

 

كما عملت الرابطة على احتواء خطر تفشي الشيوعية وأنهاء الحركات الشيوعية النشطة في المنطقة. ففتحت الباب لانضمام فيتنام عام 1995، ولاوس وميانمار عام 1997، وكمبوديا في عام 1999. كما ساهمت في الصعود السلمي للصين من خلال توليد نظام بيئي للسلام يعمل على تخفيف النزعات العدوانية فانضمت الصين إلى معاهدة الصداقة والتعاون التي تنص على أن العلاقات بين آسيان والصين لابد أن تكون “غير منحازة، وغير عسكرية، وغير حصرية”، حتى بلغ حجم التبادل التجاري بين دول الرابطة والصين 975 مليار دولار عام 2022. ثم طبقت الصين ما تعلمته من هذه التجربة على علاقاتها مع آسيا الوسطى عبر تأسيسها لمنظمة شنغهاي للتعاون.

 

وبالنظر إلى عوامل نجاح الرابطة نجد أن للزعامة المدفوعة بالإرادة السياسية دورًا حاسمًا في بداية تشكيل الرابطة، من خلال الدور القيادي الذي لعبه وزير الخارجية تايلاند آنذاك ثانات خومان – أحد الآباء المؤسسين لآسيان – في التوسط بين جيرانه حين جمع نظرائه من إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة في منتجع تايلاندي للتفاوض والحوار، و استكشاف إنشاء منظمة تعزز العلاقات الإقليمية وتحقق السلام والرخاء للمواطنين وتجنب الصراعات المفتوحة عندما تحدث الخلاف والتي توجت بتوقيع إعلان بانكوك. وتواصلت القمم والاجتماعات المنتظمة لوزراء الخارجية ورؤساء الدول، تحولت إلى تنسيق الجهود وتعزيز التعاون في مختلف المجالات بين الدول الأعضاء، بما في ذلك الاقتصاد والأمن والثقافة والتنمية المستدامة. وبفضل الزعامة المشتركة، تمكنت آسيان من بناء هيكل تنظيمي فعال وآليات للحوار واتخاذ القرار. وبفضل القيادة، حافظت آسيان على استقرارها وتماسكها على مر السنوات، حتى وسط التنوع الكبير بين الدول الأعضاء والتحديات المختلفة التي تواجهها المنطقة.

 

تبنت الرابطة سياسة “الوحدة في التنوع “مع احترام الاختلافات الفردية وقد عززت هذه السياسة الشعور بالهوية الإقليمية والتعاون حيث تلتقي كل هذه الثقافات والحضارات المختلفة في منطقة واحدة. ولا يمكن لأي منطقة أخرى في العالم أن تضاهي تنوعها الثقافي والديني واللغوي والعرقي كما يشهده الآسيان. وفي مساحة جغرافية صغيرة نسبياً، يتجمع ما يقارب من 240 مليون مسلم، و130 مليون مسيحي، و140 مليون بوذي، وسبعة ملايين هندوسي.

 

لا يوجد نموذج أمثل يمكن اللجوء إليه لتحقيق الاستقرار للشرق الأوسط، ومع ذلك، قد يكون التكامل الإقليمي في جنوب شرق آسيا مثالاً يستحق الدراسة. ففي عام 1967، حين كان الشرق الأوسط يشهد صراعاته الخاصة، كانت دول جنوب شرق آسيا تواجه نزاعاتها الداخلية. وعلى الرغم من ذلك، نجحت آسيان في تحقيق التكامل من خلال التوافق والحوار وتعزيز المصالح المشتركة. لذا تعتبر آسيان نموذجًا لجهود التعاون الإقليمي جعل من السلام نبراس ومن الاقتصاد والتجارة نهج لتحقيق رخاء وازدهار شعوبه. ويطرح نموذج الآسيان تساؤلاً: هل يُمكن أن تُشكل الآسيان نموذج لاستقرار وتنمية الشرق الأوسط؟

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *