كتب بواسطة

لا يُعد مفهوم "أمريكا أولًا" طارئًا على بنية التفكير في السياسة الخارجية الأمريكية، بل يمتد بجذوره إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، حين برز من خلال تأسيس لجنة "أمريكا أولًا" بقيادة روبرت دوجلاس ستيوارت الابن والجنرال روبرت إي. وود. وقد ارتكز هذا التوجه آنذاك على الدعوة إلى الحياد، وتعزيز القوة الوطنية عبر توظيف أدوات المجتمع والقدرات العسكرية والاقتصاد، بما يحدّ من الانخراط المباشر في الصراعات الخارجية. ضمن هذا الإطار، استعاد دونالد ترامب هذا المفهوم وأعاد صياغته في سياق معاصر، جاعلًا منه مرتكزًا لرؤيته في إدارة السياسة الخارجية، التي تقوم على تقليص الالتزامات الدولية وترجيح كفة المصالح الداخلية. غير أن تطبيق هذه المقاربة خلال فترتي رئاسته غير المتتاليتين لم يفضِ إلى نتائج متسقة، بل كشف عن تباينات واضحة تعكس حدود هذا النهج عندما يُختبر في بيئة دولية معقدة ومتشابكة، حيث تفرض التفاعلات الاستراتيجية قيودًا يصعب تجاوزها عبر منطق الانكفاء وحده.

 

اتسم تطبيق الرئيس دونالد ترامب لمبدأ "أمريكا أولًا" بقدر واضح من عدم الاتساق منذ عودته إلى البيت الأبيض في عام 2025، بما يكشف عن فجوة متنامية بين الشعار بوصفه إطارًا سياسيًا، وبين مخرجاته العملية على مستوى السلوك الخارجي. ففي هذا السياق، شهد العام الماضي سلسلة من الخطوات التي بدت بعيدة عن جوهر هذا التوجه، من بينها تقديم دعم مباشر لإسرائيل خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا مع إيران، واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، فضلًا عن التلويح بإمكانية الدفع نحو تغيير النظام في إيران في ظل تصاعد الاحتجاجات الداخلية. ولم يبقِ هذا المنحى في حدود التهديد السياسي أو الخطاب التصعيدي، بل انتقل إلى مستوى الفعل المباشر مع تنفيذ الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا جويًا على إيران، أسفر عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين. وفي ظل استمرار الصراع، وبروز تغيير النظام كأحد الأهداف المحتملة لهذا التصعيد، يكتسب التساؤل بشأن مدى التزام ترامب الفعلي بمبدأ "أمريكا أولًا" أهمية متزايدة، إذ يوحي مسار الأحداث بأن هذا النزاع لا يمثل مجرد استثناء ظرفي، بل قد يعكس تحولًا أعمق في فهمه وتطبيقه لهذا المبدأ. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تفكيك هذا التحول من خلال ثلاثة محاور رئيسية: أولًا، إعادة تعريف مفهوم "أمريكا أولًا" في السياق الترامبي الجديد؛ ثانيًا، دور العامل الإسرائيلي في إعادة تشكيل أولويات السياسة الخارجية الأمريكية؛ وثالثًا، حدود ومستوى الدعم الداخلي للانخراط في مواجهة مع إيران خلال عام انتخابي بالغ الحساسية.

إعادة تعريف "أمريكا أولًا

خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، تمحور مفهوم “أمريكا أولًا” حول تقليص الانخراط الأمريكي في الحروب الممتدة، في إطار توجه يسعى إلى الحد من الأعباء الخارجية وإعادة توجيه الأولويات نحو الداخل. وقد تجلّى هذا النهج في رفض ما عُرف بـ”السياسة الخارجية التدخلية ذات الطابع المحافظ الجديد”، مقابل تبنّي مقاربة تقوم على تقليص الوجود العسكري الأمريكي في مناطق الصراع، كما ظهر في قرار الانسحاب من سوريا عام 2019، وطرح الانسحاب من أفغانستان. تعكس هذه المرحلة تصورًا واضحًا لطبيعة الدور الذي سعى ترامب إلى ترسيخه للولايات المتحدة في النظام الدولي، إذ اتجهت سياسته الخارجية آنذاك إلى تقليص الانخراط المباشر، في محاولة لإنهاء ما اصطلح على تسميته بـ”الحروب الأبدية” التي اعتُبرت مكلفة وغير متسقة مع المصالح الأمريكية. وفي ضوء ذلك، أسهم هذا التطبيق لمبدأ “أمريكا أولًا” في ترسيخ انطباع لدى قطاعات من الناخبين بأن توجهات ترامب الخارجية تميل إلى النزعة الانكفائية، وتفضّل الحد من التدخل الخارجي بوصفه خيارًا استراتيجيًا.

 

في حين يمكن فهم التصور الأولي لسياسة “أمريكا أولًا” باعتباره دعوة إلى تقليص انخراط الولايات المتحدة في الشؤون الدولية، فإن تطبيق هذا المبدأ خلال الولاية الثانية للرئيس ترامب يكشف عن إعادة تعريف واضحة لمضمونه ووظيفته. فقد انتقل المفهوم من كونه إطارًا يركّز على تجنب الانخراط في “الحروب الأبدية” إلى مقاربة أكثر مرونة تقوم على استخدام القوة متى اعتُبر ذلك منسجمًا مع المصالح الأمريكية. ويظهر هذا التحول بوضوح في الحرب بين إيران وإسرائيل عام 2025، وكذلك في عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عام 2026. ويتجلى هذا التعريف الجديد لمبدأ “أمريكا أولًا” بصورة أكثر وضوحًا في سياق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث سعت أطراف داخل إدارة ترامب والحزب الجمهوري إلى تأطير هذا الانخراط العسكري باعتباره امتدادًا لمقاربة “السلام من خلال القوة”. وفي هذا السياق، أوضح وكيل وزارة الحرب الأمريكية لشؤون السياسات، إلبريدج كولبي، أن هذا التوجه ينسجم مع مبدأ “أمريكا أولًا” من خلال تقليص التهديدات الناجمة عن القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما برامج الصواريخ والمسيّرات الهجومية، إلى جانب القدرات البحرية الإيرانية، فضلًا عن منع طهران من امتلاك سلاح نووي، بما يخدم الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة.

 

وانطلاقًا من هذا المنطق، أُعيد توسيع مفهوم “أمريكا أولًا” ليشمل اعتبار البرنامج النووي الإيراني والقدرات العسكرية الإيرانية تهديدات مباشرة للأمن الأمريكي، بما يوفّر مبررًا سياسيًا واستراتيجيًا للانخراط في مواجهة مع إيران. ومن ثم، تكشف الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أن هذا الشعار لم يعد يعني بالضرورة الانكفاء أو تقليص الحضور الخارجي، بل بات يُستخدم لتبرير تدخل انتقائي يستهدف حماية المصالح الأمريكية وإظهار القوة على الساحة الدولية.

العامل الإسرائيلي

إلى جانب إعادة تعريف مفهوم “أمريكا أولًا”، يمكن تفسير التحول في سياسة الرئيس ترامب من خلال طبيعة التنسيق الأمريكي مع إسرائيل خلال الحرب ضد إيران. ففي هذا السياق، لا يُعد الدفع الإسرائيلي نحو المواجهة مع طهران تطورًا طارئًا، بل امتدادًا لمسار طويل دأب خلاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، منذ تسعينيات القرن الماضي، على الدعوة إلى توجيه ضربة لإيران، انطلاقًا من اعتبار برنامجها النووي مصدر تهديد وجودي لإسرائيل. وفي هذا الإطار، يبدو أن الرئيس ترامب أدرج إسرائيل ضمن معادلة “أمريكا أولًا” في تعامله مع الحرب ضد إيران، بحيث لم تعد حماية إسرائيل تُقدَّم بوصفها التزامًا تحالفيًا منفصلًا، بل باعتبارها جزءًا من حماية المصالح الأمريكية في المنطقة وفق الصياغة المعدّلة لهذا المفهوم. وقد تجلّى ذلك في الطريقة التي جرى بها تأطير الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، باعتباره تحركًا يستهدف إزالة الجمهورية الإسلامية بوصفها تهديدًا مشتركًا للمصالح الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط.

 

وامتدادًا لذلك، أوضح وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” أن الولايات المتحدة نفذت هجومًا استباقيًا على إيران “بعد أن علمت أن إسرائيل كانت على وشك تنفيذ ضربة، وهو ما كان سيؤدي بدوره إلى رد انتقامي ضد القوات الأمريكية”. ويعكس هذا الطرح بوضوح إعادة إدماج أمن إسرائيل داخل التصور الأمريكي للأمن القومي، بحيث تُعاد صياغة حمايتها باعتبارها امتدادًا مباشرًا لحماية المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومن ثم، لم يعد الدعم الأمريكي لإسرائيل في هذا السياق خروجًا على مبدأ “أمريكا أولًا”، بل أصبح جزءًا من تفسيره الجديد. ورغم أن التعاون مع إسرائيل يُقدَّم ضمن هذا التعريف المعدّل لمبدأ “أمريكا أولًا”، فإن إدراج المصالح الإسرائيلية في صلب هذا النهج أثار قدرًا متزايدًا من الجدل داخل الولايات المتحدة. ففي هذا السياق، يرى عدد من الجمهوريين المناهضين للتدخل الخارجي، إلى جانب بعض الديمقراطيين، أن هذه الحرب تخدم المصالح الإسرائيلية في المنطقة بدرجة تفوق ما تحققه من حماية مباشرة للمصالح الأمريكية.

 

وتكتسب هذه الاعتراضات دلالة خاصة لأنها تصدر من داخل التيار الذي شكّل، في الأصل، أحد أهم الحواضن السياسية لخطاب ترامب القائم على تقليص الانخراط الخارجي. وفي هذا الإطار، صرّحت النائبة الجمهورية السابقة “مارجوري تايلور جرين”، المعروفة بدعمها لنهج عدم التدخل وانتقادها المستمر لما يُعرف بـ”الحروب الأبدية”، بأن الانخراط الأمريكي الإسرائيلي في إيران يتعارض مع مبدأ “أمريكا أولًا”. وذهبت أبعد من ذلك حين اعتبرت أن منح إدارة ترامب أولوية للمصالح الإسرائيلية في المنطقة يجعل السياسة المتبعة أقرب إلى “أمريكا أخيرًا”، بما يعكس تصدعًا داخل القاعدة السياسية التي يُفترض أن تتبنى هذا الشعار وتدافع عنه.

 

وإلى جانب هذه المواقف، يتضح أن بعض الأصوات المحسوبة على الدائرة القريبة من نائب الرئيس جيه دي فانس لا تُبدي تأييدًا واضحًا للمسار الأمريكي الإسرائيلي في مواجهة إيران. ففي هذا السياق، يشير تحليل صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن “حتى التيار الداعي إلى ضبط الانخراط الخارجي والتركيز على الأمن الداخلي، وكذلك التيار الذي يدعو إلى إعطاء الأولوية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ داخل الدائرة المقربة من نائب الرئيس “جيه دي فانس”، من المرجح أنهم غير مرتاحين لاتجاه الرئيس”. ويعكس هذا التقدير أن التحفظ على هذا المسار لا يقتصر على أصوات هامشية أو معارضة تقليدية، بل يمتد إلى تيارات فكرية وسياسية مؤثرة داخل التيار المحيط بترامب نفسه. ومن ثم، فإن إدراج المصالح الإسرائيلية ضمن الصيغة المعاد تعريفها لسياسة “أمريكا أولًا” لا يبدو محل إجماع حتى داخل الدائرة الأقرب إلى الرئيس، بل يثير تساؤلات أعمق بشأن كلفة هذا التوجه، سواء من حيث الأعباء المالية، أو من حيث أثره في تماسك السردية السياسية لترامب داخليًا، وقدرته على الحفاظ على اتساقها سياسيًا واستراتيجيًا خارجيًا.

الدعم الداخلي لمهاجمة إيران

رغم الانتقادات التي برزت داخل معسكر “أمريكا أولًا” تجاه الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، فإن هذه المقاربة تحظى، في المقابل، بقدر معتبر من التأييد من أطراف ترى أنها لا تتعارض مع هذا النهج، بل تنسجم مع منطقه المعدّل. وفي هذا السياق، يبرز هذا الدعم بصورة أوضح داخل التيار الأكثر تشددًا في الحزب الجمهوري، الذي تبنّى تاريخيًا مواقف مؤيدة لأشكال مختلفة من التصعيد والمواجهة مع إيران. ويتجلى هذا التأييد في مواقف عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين في الكونغرس الأمريكي، الذين أسقطوا مؤخرًا مشروع قرار مشترك بين الحزبين بشأن صلاحيات الحرب، كان من شأنه أن يُلزم الرئيس ترامب بالحصول على تفويض من الكونغرس لمواصلة العمليات العسكرية. ويعكس هذا الموقف استعداد شريحة مؤثرة داخل المؤسسة التشريعية الجمهورية لمنح الرئيس هامشًا أوسع للتحرك العسكري، انطلاقًا من قناعة مفادها أن المواجهة مع إيران تمثل امتدادًا مشروعًا لأولويات الأمن القومي الأمريكي.

 

وفي الإطار نفسه، عبّر بعض أكثر الداعمين تشددًا للرئيس ترامب عن تأييدهم الكامل للحرب، استنادًا إلى تقدير يعتبر أن إسقاط النظام الإيراني قد يسهم في إعادة تشكيل توازنات المنطقة على نحو يفضي إلى قدر أكبر من الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى التدخل العسكري باعتباره خروجًا على مبدأ “أمريكا أولًا”، بل بوصفه تطبيقًا هجوميًا له، يقوم على إزالة التهديدات قبل أن تتحول إلى كلفة استراتيجية أعلى على الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الدعم الذي حظي به الرئيس ترامب داخل الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون لا ينعكس بالدرجة نفسها على مستوى الرأي العام الأمريكي. ففي هذا السياق، أظهر استطلاع للرأي أجرته رويترز/إبسوس وشمل 1,282 مشاركًا أن 56% من المستطلعين يرون أن الولايات المتحدة تُبدي استعدادًا مفرطًا لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق مصالحها.

 

 

وعلاوة على ذلك، أعرب 43% من المشاركين في الاستطلاع عن معارضتهم الكاملة للضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران.

 

 

وعلاوة على ذلك، يُظهر استطلاع أجرته مؤسسة YouGov أن نحو 48% من المشاركين يعارضون الحرب، بينما يرى 42% أنها غير مبررة على الإطلاق.

 

 

تشير هذه الأرقام إلى أن حرب الرئيس ترامب لا تحظى بقبول واسع لدى المواطن الأمريكي، بما يعكس وجود فجوة واضحة بين توجهات الرأي العام وخيارات القيادة السياسية في الولايات المتحدة.

 

 

وخلاصة القول، يتركز الدعم الداخلي لهذه الحرب أساسًا داخل الأوساط الجمهورية، ولا سيما بين أعضاء الكونغرس الجمهوريين والشخصيات السياسية القريبة من الرئيس ترامب، الذين يسعون إلى تأطير هذا الصراع باعتباره امتدادًا لنهج “أمريكا أولًا” بصيغته المعاد تعريفها. وفي المقابل، يكشف الرأي العام الأمريكي عن درجة ملموسة من التحفظ تجاه هذا المسار، إذ يرى قطاع واسع من المواطنين أن اللجوء إلى القوة في هذا السياق ينطوي على قدر من الإفراط ولا يستند إلى مبررات كافية.

ما دوافع الانخراط في صراع خلال عام انتخابي؟

يبقى السؤال الأهم: لماذا انخرط الرئيس ترامب في صراع خلال عام انتخابي، رغم أن هذا المسار يبدو متباعدًا عن التطبيق الأولي لسياسة “أمريكا أولًا”؟ قبل الإجابة عن ذلك، تجدر الإشارة إلى أن انتخابات التجديد النصفي تمثل، في العادة، اختبارًا مباشرًا لأداء الرئيس القائم وحزبه، بما يجعل أي قرار خارجي كبير خاضعًا لحسابات سياسية داخلية تتجاوز أبعاده الاستراتيجية المباشرة. وفي هذا السياق، يمكن تفسير هذا التوجه على أساس أن إدارة ترامب تراهن على قدرتها على تسويق هذا النزاع للرأي العام الأمريكي في مرحلة لاحقة، لا باعتباره انخراطًا في حرب مفتوحة، بل بوصفه تحركًا محدودًا وفعّالًا يهدف إلى تحقيق نتائج سريعة دون التورط في التزامات طويلة الأمد. ويعزز هذا التقدير نمط التدخلات الدولية التي شهدها العام الماضي، والتي اتسمت بالتركيز على عمليات خاطفة وحاسمة تسعى إلى تقليص كلفة الانخراط الأمريكي الممتد، بما ينسجم، إلى حد ما، مع الصيغة المعاد تعريفها لمعادلة “أمريكا أولًا”.

 

وعلاوة على ذلك، يبدو أن الرئيس ترامب وعددًا من داعميه الأكثر تشددًا داخل الكونغرس ينظرون إلى استخدام القوة العسكرية بوصفه أداة لتعزيز صورة القيادة الحازمة أمام الرأي العام الأمريكي، بما يعكس القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في الساحة الدولية. وفي هذا السياق، أشار مسؤول لم يُكشف عن هويته إلى أن “ترامب انحاز في النهاية إلى الرأي القائل إن اتخاذ إجراء حاسم سيُظهره كقائد قوي، حتى وإن كان ذلك ينطوي على مخاطر طويلة الأمد”. وانطلاقًا من ذلك، يمكن فهم انخراط الرئيس ترامب في مواجهة مع إيران بوصفه جزءًا من حسابات سياسية داخلية لا تنفصل عن الاعتبارات الانتخابية، إذ يسعى من خلال هذا المسار إلى ترسيخ صورة القائد القادر على حسم الصراعات بسرعة وفرض الإرادة الأمريكية من موقع القوة، من دون أن يبدو، في الوقت ذاته، وكأنه يتخلى كليًا عن الخطاب الذي أوصله إلى السلطة.

 

غير أن هذا الرهان يظل مشروطًا ببقاء الصراع ضمن حدود زمنية وعسكرية يمكن احتواؤها سياسيًا. فإذا تجاوزت المواجهة الإطار المتوقع الممتد من أربعة إلى خمسة أسابيع، أو انزلقت نحو عملية برية، فإن ذلك قد يرتد سلبًا على الرئيس ترامب في انتخابات التجديد النصفي المقبلة. فسياسة “أمريكا أولًا” قامت، في أصلها، على تقليص الانخراط الأمريكي في صراعات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأي توسع في العمليات القتالية من شأنه أن يقوّض هذا الأساس ويضعف اتساق الخطاب الذي بُني عليه هذا النهج. وفي هذا السياق، قد يتحول هذا المسار من ورقة لإبراز الحسم والقيادة إلى عامل ضغط سياسي يعيد تشكيل التوازنات الداخلية في لحظة انتخابية شديدة الحساسية، خاصة أن انتخابات التجديد النصفي تمثل اختبارًا مباشرًا للرئيس ترامب والحزب الجمهوري على حد سواء. ومن ثم، فإن إنهاء الصراع ضمن إطار زمني محدود، ثم إعادة توجيه الخطاب السياسي نحو قضايا الاقتصاد والقدرة المعيشية، التي تتصدر أولويات الرأي العام الأمريكي، يبدو الخيار الأكثر اتساقًا مع منطق الكلفة والعائد في هذه المرحلة.

المراجع

Akram, Susan M., Charles W. Dunne, Amy Hawthorne, Patricia Karam, Khalil E. Jahshan, Annelle Sheline, and Kristian Coates Ulrichsen. 2026. “The US-Israel War on Iran: Analyses and Perspectives.” Arab Center Washington DC. March 2, 2026. https://arabcenterdc.org/resource/the-us-israel-war-on-iran-analyses-and-perspectives/.

 

Bose, Nandita, Gram Slattery, and Bo Erickson. 2026. “Trump Presses Ahead with Iran War despite Warnings of Political Risk for Midterms.” Reuters, March 2, 2026. https://www.reuters.com/world/us/trump-presses-ahead-with-iran-war-despite-warnings-political-risk-midterms-2026-03-02/.

 

Bush, Daniel. 2026a. “Trump’s Bet on Iranian Regime Change Could Be His Biggest Gamble Yet.” BBC News, March 1, 2026. https://www.bbc.com/news/articles/cn48dwm818no.

 

———. 2026b. “Trump’s Iran Endgame Unclear after Mixed Messaging on War Aims.” BBC News, March 2, 2026. https://www.bbc.com/news/articles/cm214xk30vxo.

 

Collinson, Stephen. 2026. “How Trump’s War on Iran Could Succeed — or Go Disastrously Wrong.” CNN. March 3, 2026. https://edition.cnn.com/2026/03/03/politics/analysis-trump-iran-war-outcomes.

 

Denean, Austin. 2026. “Iran War Sets up High-Stakes Votes for Lawmakers.” KHGI. March 4, 2026. https://nebraska.tv/news/connect-to-congress/iran-war-sets-up-high-stakes-votes-for-lawmakers-war-powers-resolution-emergency-funding-middle-east-conflict-midterms.

 

Elmasry, Mohamad. 2026. “The Iran Strikes Could Become a Midterm Reckoning – for Trump and Israel.” Al Jazeera. March 4, 2026. https://www.aljazeera.com/opinions/2026/3/4/the-iran-strikes-could-become-a-midterm-reckoning-for-trump-and-israel.

 

Geranmayeh, Ellie, Julien Barnes-Dacey, Cinzia Bianco, Andrew Small, Jana Kobzova, Hugh Lovatt, Aslı Aydıntaşbaş, and Majda Ruge. 2026. “A War with No Winners: The Costs of US-Israeli Aggression on Iran – European Council on Foreign Relations.” ECFR. March 2, 2026. https://ecfr.eu/article/a-war-with-no-winners-the-costs-of-us-israeli-aggression-on-iran/?amp.

 

Gomez, Henry J, Allan Smith, and Tara Prindiville. 2026. “Trump, Who Campaigned against ‘Endless’ Wars, Enters Iran with No End Date.” NBC News. March 3, 2026. https://www.nbcnews.com/politics/donald-trump/trump-campaign-endless-wars-iran-no-end-date-rcna261323.

 

Granger, Lindsey. 2026. “Trump Shifting Goals, Expectations for Iran War: Dangerous!” The Hill. March 3, 2026. https://thehill.com/opinion/lindseys-lens/5765250-trump-iran-war-uncertainty/.

 

Lange, Jason. 2026. “Just One in Four Americans Supports US Strikes on Iran, Reuters/Ipsos Poll Finds.” Reuters, March 1, 2026. https://www.reuters.com/world/us/just-one-four-americans-support-us-strikes-iran-reutersipsos-poll-finds-2026-03-01/.

 

Lee, Chantelle, and Miranda Jeyaretnam. 2026. “How Americans Feel about Trump’s War with Iran, according to the Latest Polls.” TIME. Time. March 4, 2026. https://time.com/7382231/iran-us-israel-war-support-polling-trump-republicans-democrats/.

 

Lemire, Jonathan, Toluse Olorunnipa, and Ashley Parker. 2026. “The Atlantic.” The Atlantic. theatlantic. March 2, 2026. https://www.theatlantic.com/national-security/2026/03/iran-us-war-maga/686206/.

 

Melimopoulos, Elizabeth. 2026. “Iran War: What Is Happening on Day Six of US-Israel Attacks?” Al Jazeera. March 5, 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/3/5/iran-war-what-is-happening-on-day-six-of-us-israel-attacks.

 

Montgomery, David. 2026. “How Americans Feel about the U.S. Attack on Iran.” Yougov.com. March 3, 2026. https://yougov.com/en-us/articles/54201-how-americans-feel-about-the-us-attack-on-iran.

 

Rothman, Lily. 2016. “The Long History behind Donald Trump’s ‘America First’ Foreign Policy.” Time. Time. March 29, 2016. https://time.com/4273812/america-first-donald-trump-history/.

 

Satloff, Robert. 2026. “The Long, Sad History of U.S. Regime Change Promises.” The Washington Institute. March 2, 2026. https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/long-sad-history-us-regime-change-promises.

 

The White House. 2026. “Peace through Strength: President Trump Launches Operation Epic Fury to Crush Iranian Regime, End Nuclear Threat.” The White House. March 1, 2026. https://www.whitehouse.gov/articles/2026/03/peace-through-strength-president-trump-launches-operation-epic-fury-to-crush-iranian-regime-end-nuclear-threat/.

 

YouGov. 2026. “Do You Think the U.S. Attacks on Iran Are Justified or Not Justified? | Daily Question.” Yougov.com. March 2, 2026. https://yougov.com/en-us/daily-results/20260302-7d911-2.

الكلمات الدالة

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *