تغيرت الطبيعة الأساسية لحروب الجوفضائية الحديثة تغيراً جذرياً ونهائياً؛ فـقد تحولت الجيوش من استخدام الأسلحة المتقدمة والمكلفة، إلى الاعتماد على الاستنزاف الصناعي والأسلحة الرخيصة التي تُنتج بكميات ضخمة، وقد ظهر هذا الواقع العملياتي بوضوح في أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦، وذلك بالتزامن مع بدء القوات الأمريكية لعملية "الغضب الملحمي"، وتنفيذ الجيش الإسرائيلي لعملية "الأسد الهادر" الموازية لها.
بسبب انهيار المفاوضات النووية، أطلق التحالف العسكري حملة استباقية واسعة النطاق. ومن ثَمَّ، حشد التحالف قوة جوفضائية هائلة، فـقصف أكثر من ألف هدف استراتيجي داخل الأراضي الإيرانية خلال ال ٢٤ساعة الأولى. أمَّا القوات الأمريكية فـقد نفذت بمفردها أكثر من ٩٠٠ ضربة دقيقة في أول ١٢ ساعة، مستخدمةً قاذفات التخفي، والمقاتلات البحرية، وصواريخ كروز. ثُمَّ ارتفع عدد الضربات ليتجاوز ١٢٥٠ضربة موجهة خلال ٤٨ ساعة. وفي الوقت نفسه، نفذت القوات الجوية الإسرائيلية أكثر من ٧٠٠طلعة جوية في اليوم الأول، وألقت أكثر من ١٢٠٠ قذيفة، لكي تحقق نجاحات تكتيكية فورية وتفرض سيطرتها الجوية.
على الرغم من هذا الهجوم المكثف، إلا أنَّ الرد الفوري والمستمر من جانب الحرس الثوري الإيراني، عبر عملية "الوعد الصادق ٤"، فرض ضغطاً كبيراً ومستمراً على منظومة الدفاع الجوي والصاروخي للولايات المُتحدة وإسرائيل. فـخلال أول ٤٨ ساعة من النزاع، أطلقت إيران حوالي ٤٢٠ صاروخاً باليستيًا متوسط المدى لاستهداف إسرائيل بالإضافة لعدة دول أخرى في المنطقة. ولم يقتصر الهجوم على ذلك، بَل رافقه إطلاق أعداد هائلة من الطائرات المسيرة الهجومية، اسقطت إسرائيل الغالبية العظمى منها مُستنفذةً آلاف الصواريخ الاعتراضية من منظومات الدفاع الجوي.
كشف هذا الاستهلاك السريع للصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة -التي تكلف ملايين الدولارات- في مواجهة أسلحة معادية رخيصة الثمن وكثيرة العدد، عن ضعف واضح في خطوط الإمداد العسكرية المعاصرة، ونظرًا لـعدم قدرة قطاع الصناعات الدفاعية العالمي على تعويض هذه الأسلحة المتقدمة بنفس سرعة استهلاكها في المعارك، فـإن كلا الطرفين يواجهان خطر نفاد المخزون العسكري قريباً. بناءً على ذلك، إذا أراد أي طرف مواصلة الحرب وتحقيق نصر استراتيجي حاسم، فـمن الضروري استبدال هذه الأسلحة المتقدمة والمكلفة ببدائل أخرى رخيصة يمكن إنتاجها بأعداد ضخمة، أي يجب تغيير العقيدة العسكرية للتركيز على الكثافة العددية والقدرة على تحمل الاستنزاف المستمر.
استغلت قطاعات التصنيع الدفاعي الإيرانية التفاوت الاقتصادي في النزاعات الحديثة لصالحها؛ فـقد صممت سلسلة توريد مرنة ومخفية بعناية، لكي تضمن الإنتاج الضخم والمستمر لطائرات “شاهد” المسيرة الهجومية والصواريخ الباليستية التي تعمل بالوقود الصلب. ونظرًا لـرغبتها في تجاوز الحاجة التقليدية للمعدات العسكرية المتخصصة والخاضعة لرقابة صارمة، بُنيت طائرات “شاهد” عمدًا على المكونات التجارية الجاهزة، أي الأجزاء المتوفرة للعموم في الأسواق. ومن ثَمَّ، تستفيد إيران بشدة من الطبيعة الواسعة واللامركزية لأسواق الإلكترونيات العالمية. ويتضح ذلك جلياً في الجدول أدناه الذي يوضح أبرز الأنظمة الداخلية لعائلة طائرات “شاهد”، ويربطها بالموردين المعروفين والمناطق الجغرافية التي جاءت منها، بناءً على الفحص وتتبع الأجزاء المستخرجة من المصادر المفتوحة.
في هذا الصدد تكشف التحليلات الفنية السابقة أنَّ حوالي ٨٠٪ من المكونات الإلكترونية المختلفة اللازمة لتجميع طائرة “شاهد” واحدة، تأتي من شركات مقرها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الحليفة لها. أمَّا أجزاء إلكترونيات الطيران، فـتعتمد بشكل كبير على وحدات تحكم دقيقة ومعالجات إشارات رقمية تُصممها شركات أمريكية متخصصة، بينما يستخدم نظام الملاحة الفضائية عالي الدقة وحدات تجارية تُصنع في الولايات المتحدة وسويسرا، وكلما شددت الدول الغربية قيودها على التصدير، تحولت سلسلة التوريد بمرونة نحو أسواق التكنولوجيا الناشئة؛ فـقد دمج المهندسون الإيرانيون مقومات تيار ومولدات إشارات مصنوعة في الهند، لكي يحافظوا على استمرار خطوط الإنتاج. وأمَّا نظام الدفع الحركي للطائرة، فـيعتمد على محرك المكبس (MD-550)، وهو نسخة مقلدة بطريقة الهندسة العكسية وغير مرخصة لمحرك طائرة شراعية مدنية ألمانية، وتُسند عملية إنتاج هذا المحرك بكثافة إلى موردين يعملون في القطاع الصناعي الصيني، حيث تُبسط الشركات الصينية المكونات بشكل كبير بسبب الرغبة في خفض تكاليف الإنتاج، لأنَّ هذه الطائرات تُستخدم في مهام هجومية لمرة واحدة فقط.
إلى جانب ذلك، يبرز النظام الإلكتروني “نصير” المصمم محلياً كأهم إنجاز تكنولوجي داخل هذه الطائرات؛ لأنَّه يوفر قدرة متطورة على منع التشويش على الهوائيات، ومن ثَمَّ تستطيع الطائرة تجاوز أنظمة الحرب الإلكترونية التابعة للحلفاء، وبسبب اعتمادها على شبكتها المحلية من الشركات التقنية، تحافظ الصناعات الدفاعية الإيرانية على وتيرة إنتاج مستمرة تصل إلى ٤٠٠ طائرة من طراز “شاهد” يومياً، أي ما يقارب ١٢,٠٠٠ طائرة هجومية تُنتج محلياً كل شهر. وفي غضون ذلك، نُقل الحجم الصناعي الفعلي لبرنامج الأسلحة إلى الاتحاد الروسي في المنطقة الاقتصادية الخاصة “ألابوغا” (Alabuga Special Economic Zone). على الجانب الروسي ونظرًا للواردات الضخمة من المكونات الميكانيكية الصينية والاستعانة بآلاف العمال من كوريا الشمالية، نجح المجمع الصناعي الروسي في توطين عملية التجميع؛ لذلك تمكنت من إنتاج ما بين ٥,٠٠٠ إلى ٦,٨٩٠ طائرة إضافية جاهزة للقتال شهرياً. وهكذا، يمتلك التحالف الإيراني الروسي قدرة إنتاجية مستمرة تقترب من ١٩,٠٠٠ طائرة مسيرة شهرياً، مما سمح لإيران بجمع مخزون عملياتي ضخم بلغ ٨٠,٠٠٠ طائرة قبل اندلاع الحرب.
ورغم ما سبق من حجم هائل في إنتاج الطائرات المسيرة، تواجه خطوط الإنتاج الهجومية الإيرانية عقبات كيميائية ومادية شديدة في برنامجها المتقدم للصواريخ الباليستية التي تعمل بالوقود الصلب. ولكي نوضح حجم الإنتاج وسرعته، يُلخص الجدول أدناه مسار الإنتاج الشهري المُقدر عبر فترات زمنية رئيسية، إذ يجمع بين التقديرات المتاحة في المصادر المفتوحة حول منشأة “ألابوغا” والتوقعات والافتراضات التحليلية الداخلية.
ومن هذا المنطلق، تُعطي القيادة العسكرية الإيرانية الأولوية لأنظمة الوقود الصلب، مثل صواريخ “خيبر شكن” وسلسلة صواريخ “فتاح” القابلة للمناورة، بسبب قدرتها على الإطلاق السريع وصعوبة تدميرها. بيد أنَّ إنتاج محركات هذه الصواريخ يصطدم بعقبة أساسية، ألا وهي النقص الحاد في مادة “بيركلورات الأمونيوم”. ونظرًا لـعدم كفاية الإنتاج المحلي، تضطر طهران للاعتماد كلياً على شبكات تهريب بحرية دولية، لكي تحصل على المواد الأولية للبيركلورات مباشرة من شركات صينية. علاوة على ذلك، يتطلب تصنيع هياكل المحركات خفيفة الوزن والمقاومة للضغط كميات ضخمة من ألياف الكربون وألياف الأراميد المتقدمة؛ وهو ما يُمثل نقطة ضعف لوجستية مستمرة تستهدفها جهود المنع الغربية بشدة.
تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل على شبكة الدفاع الجوي والصاروخي الأكثر تطورًا في العالم، لكي تتصديا للانتشار الكثيف للتهديدات الجوية الإيرانية، وذلك على العكس من سلسلة التوريد الإيرانية اللامركزية والتجارية التي استعرضناها في الجزء السابق. وترتكز هذه الشبكة الدفاعية بشكل أساسي على منظومة “باتريوت” (MIM-104) في المقابل، تواجه سلسلة توريد صواريخ باتريوت الاعتراضية قيودًا شديدة؛ لأنها تتطلب إلكترونيات دقيقة مخصصة للاستخدام العسكري حصراً، وتقنيات بالغة السرية، ومعايير تصنيع صارمة لا تسمح بأي نسبة خطأ. وبناءً على ذلك، ينقسم مخزون هذه الصواريخ الاعتراضية إلى فئتين رئيسيتين، حيث تخضع كل فئة لقيود تصنيعية مختلفة تمامًا تعيق سرعة إنتاجها.
ويتضح ذلك جليًا في الفئة القديمة (GEM-T)، إذ تتولى شركة “رايثيون” تصنيعها بشكل أساسي، والتي صُممت لتدمير صواريخ كروز والطائرات عبر رأس حربي يعتمد على الانفجار وتناثر الشظايا. وعلى الرغم من إبرام عقود دولية ضخمة لدمج موردين أوروبيين من المستوى الثاني لإنتاج أنظمة التحكم الكهروميكانيكية ومحركات الصواريخ، إلا أنَّ القدرة الإنتاجية العالمية لهذه الفئة لا تزال منخفضة جدًا؛ فهي تستقر عند حوالي ٢٠ صاروخًا في الشهر، بينما تستهدف الخطط طويلة الأمد الوصول إلى ٣٥ صاروخًا فقط. من ناحية أخرى، تعتمد الفئة الأحدث والمصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية في مرحلتها النهائية (MSE) على تكنولوجيا حركية متقدمة للغاية، أي أنها تدمر التهديدات القادمة من خلال الاصطدام الجسدي المباشر بها.
وفي السياق ذاته، تُطور شركة “لوكهيد مارتن” وتُجمّع هذا الصاروخ الاعتراضي المتقدم (MSE)، بيد أنَّ إنتاجه الفعلي يخضع لسقف صارم يقدر بحوالي ٥١ صاروخًا شهريًا. ونتيجة لذلك، عندما نجمع إنتاج هاتين الفئتين معًا، فـإنَّ الحد الأقصى المطلق للإنتاج العالمي من صواريخ باتريوت الاعتراضية يقف بشكل حرج عند حوالي ٨٤ صاروخًا في الشهر.
وتأسيساً على ما سبق، يواجه إنتاج هذه الصواريخ الاعتراضية المتطورة عجزًا كبيرًا بسبب عقبتين صناعيتين رئيسيتين تمنعان زيادة الإنتاج بسرعة خلال فترات الحرب. أمَّا العقبة الأولى فـتتمثل في الباحث الراداري النشط الذي يعمل بالموجات المليمترية؛ حيث يُعد هذا المكون ضروريًا جدًا لتحقيق الدقة البالغة المطلوبة للاصطدام بالهدف عند سرعات اقتراب تتجاوز عشرة أضعاف سرعة الصوت، وتعمل شركة “بوينغ للأنظمة الدفاعية” كمقاول فرعي وحيد لإنتاج هذا المكون الحيوي، إذ تقوم بتصنيعه في منشأة متخصصة جدًا في ولاية ألاباما. ونظرًا لـ الدقة المتناهية المطلوبة لدمج الإلكترونيات الدقيقة والاختبارات المادية الصارمة والإلزامية، يظل خط الإنتاج هذا غير قادر على التوسع السريع، مما يجعله المتحكم الفعلي والنهائي في وتيرة التجميع العالمي للصواريخ الاعتراضية.
علاوة على ذلك، تبرز العقبة الثانية في المواد المتفجرة ومحركات الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب. فـيتطلب صاروخ باتريوت الاعتراضي المتقدم محركًا صاروخيًا معقدًا يعمل بالوقود الصلب ويتكون من مرحلتين، بالإضافة إلى ذلك، يحتاج إلى أكثر من ١٠٠ محرك توجيه صغير مرتبة بشكل دائري بالقرب من مقدمة الصاروخ لضمان القدرة على المناورة في المرحلة النهائية، ويدير المورد الرئيسي لأنظمة الدفع هذه عملياته من مجمع صناعي ضخم في ولاية أركنساس؛ حيث تتطلب العملية الفيزيائية شديدة الخطورة لخلط وصب ومعالجة وقود الصواريخ الصلب فترات زمنية طويلة جدًا. وعلى الرغم من أنَّ وزارة الدفاع الأمريكية قد ضخت استثمارات مالية ضخمة بمليارات الدولارات لكي تضيف خطوط صب آلية ومساحات إنتاج جديدة، إلا أنَّ واقع مشاريع البناء الكبرى يفرض أنَّ هذه الجهود ستستغرق سنوات حتى تكتمل وتظهر نتائجها. ولهذا السبب، لا توفر هذه الاستثمارات أي حلول فورية للتغلب على النقص الحالي في تعويض الصواريخ المستهلكة في منطقة الشرق الأوسط.
ارتباطاً بالقيود الصناعية لإنتاج الصواريخ الاعتراضية التي استعرضناها في الجزء السابق، ينتج عن تقاطع الإنتاج الإيراني الضخم والرخيص للطائرات المسيرة مع الإنتاج الغربي المحدود والمقيد للصواريخ الدفاعية، مسار استنزاف سريع التغير ولا يمكن تحمله لفترة طويلة. وقبل بدء العمليات العسكرية، دخلت القوات الأمريكية والإسرائيلية النزاع بمخزونات مشتركة من الصواريخ الاعتراضية تعاني من نقص خطير؛ بسبب الاستهلاك الكبير في مواجهات إقليمية سابقة، وتشير التقديرات إلى أن شبكة دفاع الحلفاء بدأت عملياتها باحتياطي مشترك يبلغ حوالي ٥ آلاف صاروخ جاهز للإطلاق عبر جميع طبقات الدفاع.
بناءً على ذلك، يواجه التحالف مساراً زمنياً كارثياً، وذلك بالاستناد إلى معدلات الاستهلاك العملياتي التي رُصدت خلال المراحل الأولى من النزاع. فإذا أرادت القوات الحليفة الدفاع عن مسرح العمليات ضد وتيرة استنزاف مستمرة، حيث تطلق القوات الإيرانية يومياً ما متوسطه ١٠٠ صاروخ باليستي متقدم و١٠٠ طائرة مسيرة تستهدف إسرائيل تحديداً، فإنها ملزمة باستهلاك يقارب ٥٠٠ صاروخ اعتراضي كل يوم. وتستند هذه الحسابات إلى العقيدة العسكرية الصارمة للدفاع الجوي الحديث، والتي تفرض إطلاق صاروخين ونصف الصاروخ لكل تهديد جوي مناور؛ لكي تضمن تدميره بنجاح وتمنع سقوط حطامه على البنية التحتية الحيوية.
وفي المقابل، تعجز القاعدة الصناعية العالمية المقيدة عن تلبية هذا الاستهلاك اليومي الهائل البالغ ٥٠٠ صاروخ اعتراضي؛ إذ لا توفر للمنطقة كتعويض سوى ١٠ صواريخ اعتراضية متقدمة فقط يومياً. ونتيجة لذلك العجز اليومي الكبير البالغ ٤٩٠ صاروخاً، ستستنفد شبكة الدفاع الصاروخي للحلفاء مخزونها البالغ ٥ آلاف صاروخ بالكامل، وتصل إلى مرحلة النفاد الحرج في غضون ١٠-١١ يوماً تقريباً. علاوة على ذلك، تظهر مؤشرات الاستنزاف الهجومي قيوداً زمنية مماثلة بالنسبة للتحالف. ونظراً للضرورة القصوى للحفاظ على الأسلحة الهجومية المتقدمة التي تطلق من مسافات بعيدة وتكلف ملايين الدولارات، نشرت القوات الحليفة في مسرح العمليات مخزوناً محلياً يبلغ حوالي ١٥٠٠ نظام هجومي غير مأهول ومنخفض التكلفة، لكي تستخدمه في تدمير منصات إطلاق العدو.
وفي غضون ذلك، يفرغ هذا المخزون الهجومي المتخصص بالكامل خلال فترة تشغيل تتراوح بين ١٢-١٥ يوماً، إذا استمر العمل بمعدل استهلاك يقدر ب ١٢٥ طائرة مسيرة هجومية يومياً. وعلى العكس من ذلك تماماً، ينفذ المخططون العسكريون الإيرانيون نموذج استنزاف مصمماً بعناية لاستغلال هذه الأرقام والحفاظ على قدراتهم العسكرية لأطول فترة ممكنة. فمن خلال امتلاكهم قدرة إنتاجية محلية تبلغ ٤٠٠ طائرة مسيرة من طراز “شاهد” يومياً، يطلق الخصم موجة هجومية مستمرة تتكون من ٤٠٠ طائرة مسيرة بالضبط باتجاه أهداف التحالف كل يوم.
ومن هذا المنطلق، يحافظ الإيرانيون على ضغط مستمر وقوي على شبكة دفاع الحلفاء؛ لأن معدل إطلاقهم اليومي يتطابق تماماً مع معدل تصنيعهم اليومي، بينما يتركون احتياطيهم الاستراتيجي الضخم البالغ ٨٠ ألف طائرة -والذي جمعوه قبل الحرب- سليماً تماماً دون أي مساس. ويؤسس هذا التوازن العملياتي لسيناريو إمداد لا ينفد، أي أنه يسمح للتحالف المعادي باستنزاف الإمدادات العسكرية للحلفاء بشكل منهجي حتى تنفد بالكامل، دون أن يضطر الخصم لتقليص قدراته الاستراتيجية الشاملة.
لجأ المخططون العسكريون من كلا الجانبين إلى أساليب استراتيجية جذرية، ارتباطاً بحتمية الاستنزاف اللوجستي التي استعرضناها في الجزء السابق، لكي يطيلوا العمر الافتراضي لذخائرهم الحيوية ويزيدوا من قدراتهم الهجومية المتاحة. ولتجنب النفاد الوشيك لمخزوناتهم الدفاعية، غيّر قادة التحالف منهجيتهم العملياتية بشكل جذري عبر الاعتماد على حرب الطائرات المسيرة الهجومية. وبسبب إدراك الولايات المتحدة لحجم الخسارة المالية والاستراتيجية الناتجة عن إطلاق صواريخ اعتراضية متقدمة لتدمير طائرات مسيرة رخيصة تُستخدم لمرة واحدة، سرعت القوات الأمريكية نشر نظام هجوم قتالي غير مأهول ومنخفض التكلفة. ومن خلال الهندسة العكسية لهياكل طائرات إيرانية مصادرة ودمجها مع محركات تجارية أمريكية متطورة وشبكات توجيه ذاتي لأسراب الطائرات، أدخل التحالف إلى الخدمة منصة هجومية رخيصة الثمن، بحيث لا تتجاوز تكلفتها ٣٥ ألف دولار للوحدة الواحدة.
ينشر التحالف هذه المنصات الرخيصة بأعداد ضخمة لكي تبحث بنشاط عن منصات إطلاق صواريخ العدو وتدمر منشآت الإنتاج من مصدرها. وبناءً على ذلك، يقلل التحالف بشكل استباقي من تدفق التهديدات القادمة، أي أنه يستبدل ذخائره الدفاعية باهظة الثمن ببدائل هجومية رخيصة وفعالة. وعلى الصعيد الدفاعي، يضطر قادة الحلفاء إلى تنفيذ إجراءات صارمة لترشيد الاستهلاك الاستراتيجي، كلما اقتربت مخزونات الصواريخ الاعتراضية من النفاد. ونظراً لأن الدفاع الشامل عن جميع السكان يعد أمراً مستحيلاً من الناحية الحسابية في ظل هجمات الأسراب الكثيفة، تُعاد برمجة أنظمة القيادة لكي تتخلى عن حماية البنية التحتية المدنية الثانوية. ونتيجة لذلك، تُحفظ الصواريخ الاعتراضية المتقدمة المتبقية وتُخزن بصرامة شديدة لحماية القواعد الجوية العسكرية الحيوية، والمنشآت النووية، والبنية التحتية الاستراتيجية للطاقة؛ مما يطيل العمر الافتراضي لشبكة الدفاع لضمان استمرار الطلعات الجوية الهجومية الحاسمة.
يستخدم الخبراء الاستراتيجيون الإيرانيون، في المقابل، تكتيكات توجيه متطورة لأسراب الطائرات المسيرة، ويعتمدون على توسيع شبكات التصنيع الخارجي؛ لكي يسرعوا من استنزاف ذخائر الحلفاء بقوة، بينما يستمرون في زيادة كميات ذخائرهم الخام. ولمواجهة العقوبات الغربية ونقص العمالة، تعتمد إيران بشكل كبير على منشأة التصنيع الروسية في “ألابوغا”. وفي السياق ذاته، يستورد هذا التحالف عشرات الآلاف من العمال الكوريين الشماليين ويدمج البنية التحتية اللوجستية الصينية مباشرة في أجهزة الدولة الروسية، لضمان التفوق المحلي في حجم الإنتاج. وينفذ القادة الإيرانيون من الناحية التكتيكية عمليات لدمج أهداف وهمية في هجماتهم ويعتمدون خطة لاستنزاف طبقات محددة من شبكة دفاع الحلفاء لحرمانها من الذخيرة.
يتضح ذلك جلياً من خلال تعمد القوات الإيرانية إدخال كميات هائلة من الصواريخ الرخيصة غير الموجهة والصواريخ الباليستية القديمة التي تعمل بالوقود السائل، والمزودة بكثافة بأنظمة تشويش إلكترونية مضادة، وسط أسراب طائراتها المسيرة؛ لكي تستغل حدود قدرات المعالجة الحاسوبية في أنظمة رادار الحلفاء. وتجبر هذه الخديعة أنظمة إدارة المعارك الإسرائيلية على تفعيل واستهلاك صواريخ اعتراضية تكلف ملايين الدولارات من الطبقتين العليا والمتوسطة ضد أهداف منخفضة القيمة دون ضرورة حقيقية؛ وإثر ذلك، تُحرم الطبقات الدفاعية المتقدمة من الذخيرة تماماً.
يستغل الإيرانيون، بعد ذلك، قدرة الاختراق التدميرية لصواريخهم الباليستية المتقدمة التي تعمل بالوقود الصلب، والتي احتفظ بها بعناية فائقة، بمجرد أن تنجح هجمات الطائرات المسيرة المستمرة والأسراب الوهمية في تفريغ مخازن الصواريخ الاعتراضية للحلفاء وتجبرهم على اتخاذ وضعية الترشيد الاستراتيجي. ومن خلال الانتظار حتى تفرغ منصات الإطلاق الدفاعية للحلفاء فعلياً من الصواريخ، تضمن إيران أن تواجه ذخائرها الدقيقة شديدة الانفجار مقاومة معدومة؛ لذلك تصل قدرتها التدميرية إلى الحد الأقصى، وتلغي تماماً التفوق التكنولوجي لشبكات الدفاع الأمريكية والإسرائيلية.
يُسفر التحليل الفني والحسابي لأزمة الذخائر في الشرق الأوسط لعام ٢٠٢٦، إذًا عن حقيقة جيوسياسية بالغة الأهمية، تتمثل في أن الاعتماد على الاعتراض الدفاعي البحت يُعد أمراً غير قابل للاستدامة من الناحية الصناعية والاقتصادية والحسابية، خاصة عند مواجهة خصم يمتلك قدرات هجومية جوية رخيصة وتُنتج بكميات ضخمة. علاوة على ذلك، سمح الفشل الشامل لضوابط التصدير الغربية لإيران باستغلال سلاسل التوريد التجارية العالمية؛ لكي تُصنّع تهديدات هجومية قابلة للاستنزاف بأعداد هائلة تتجاوز تماماً قدرات القاعدة الصناعية الدفاعية الغربية، والتي تعاني من قيود شديدة وتُنتج أسلحة مخصصة ومعقدة.
وتأسيساً على ما سبق، تعجز الصناعات الدفاعية للحلفاء عن زيادة الإنتاج بسرعة كافية للتغلب على العجز الشديد في تعويض الذخائر المستهلكة؛ بسبب القيود المادية الصارمة المتعلقة بعمليات صب محركات الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب وصعوبة دمج الإلكترونيات الدقيقة المتخصصة. ونظراً لأن الحسابات العسكرية تؤكد حتمية وصول مخازن الصواريخ الاعتراضية الحركية إلى مرحلة النفاد الحرج في غضون أحد عشر يوماً، فإن بقاء التحالف العسكري لم يعد يعتمد على امتلاك شبكات دفاع جوي قوية.
ومن هذا المنطلق، يعتمد النصر في واقع حروب الاستنزاف الحديثة -حيث يحدد حجم المخزون الصناعي قدرة القوات على فرض سيطرتها الاستراتيجية- بشكل حصري على التنفيذ الفوري لهجمات عسكرية واسعة وموازية لقوة الخصم. بعبارة أخرى، فإنه لا سبيل إلى الفوز إلا بتدمير منشآت الإنتاج الخاصة بالعدو بشكل منهجي ومباشر، قبل أن تنفد الإمدادات اللوجستية بالكامل.
———. “Interceptor Stocks ‘Dangerously Low’: US, Israel and Gulf States Face Strategic Breaking Point as Iran Intensifies Missile Barrage.” Defence Security Asia, March 2, 2026. Accessed March 3, 2026. https://defencesecurityasia.com/en/interceptor-stocks-dangerously-low-us-israel-gulf-iran-missile-barrage-2025/.
Accelerating Production to Meet Growing Demand. October 7, 2025. Lockheed Martin. https://www.lockheedmartin.com/en-us/news/features/2025/accelerating-production-to-meet-growing-demand.html.
Albright, David, and Sarah Burkhard. “Electronics in the Shahed-136 Kamikaze Drone.” Institute for Science and International Security, November 14, 2023. Accessed March 3, 2026. https://isis-online.org/isis-reports/electronics-in-the-shahed-136-kamikaze-drone.
Chomsky, Martin. “Officials Warn Prolonged Conflict with Iran Could Strain U.S. Missile Defenses and Escalation Management.” Defence Industry Europe (blog), March 1, 2026. Accessed March 3, 2026. https://defence-industry.eu/officials-warn-prolonged-conflict-with-iran-could-strain-u-s-missile-defenses-and-escalation-management/.
Defense Express. “Production Plan on Patriot Missiles for 2025 Announced, It Will Need Every Contractor to Quicken Up,” March 27, 2025. Accessed March 3, 2026. https://en.defence-ua.com/industries/production_plan_on_patriot_missiles_for_2025_announced_it_will_need_every_contractor_to_quicken_up-13981.html.
IISS. “Russia Doubles Down on the Shahed,” April 14, 2025. Accessed March 2, 2026. https://www.iiss.org/online-analysis/military-balance/2025/04/russia-doubles-down-on-the-shahed/.
Intensifies Missile Barrage.” Defence Security Asia, March 2, 2026. Accessed March 3, 2026.https://defencesecurityasia.com/en/interceptor-stocks-dangerously-low-us-israel-gulf-iran-missile-barrage-2025/.
Iran Watch. “The Private Companies Propelling Iran’s Drone Industry,” November 29, 2023. Accessed March 1, 2026. https://www.iranwatch.org/our-publications/articles-reports/private-companies-propelling-irans-drone-industry.
Judson, Jen. “How Companies Plan to Ramp up Production of Patriot Missiles.” Defense News, April 9, 2024. https://www.defensenews.com/land/2024/04/09/how-companies-plan-to-ramp-up-production-of-patriot-missiles/.
Judson, Jen. “US Army Awards Lockheed Record $9.8 Billion Missile Contract.” Defense News, September 3, 2025. https://www.defensenews.com/land/2025/09/03/us-army-awards-lockheed-record-98-billion-missile-contract/.
Lair, Sam. “Exhaustion and Inflection: Estimating Interceptor Expenditures in the Israel-Iran Conflict.” Arms Control, June 14, 2025. Accessed March 3, 2026. https://www.armscontrolwonk.com/archive/1220527/exhaustion-and-inflection-estimating-interceptor-expenditures-in-the-israel-iran-conflict/.
Levin, Mordechai. “Iron Beam Changes the Cost Curve—But Not the War.” Times of Israel, December 31, 2025. https://blogs.timesofisrael.com/iron-beam-changes-the-cost-curve-but-not-the-war/.
Losey, Stephen. “Pentagon to Invest $1B in L3Harris Spinoff Rocket Motor Firm.” Defense News, January 13, 2026. https://www.defensenews.com/pentagon/2026/01/13/pentagon-to-invest-1b-in-l3harris-spinoff-rocket-motor-firm/.
Motevalli, Golnar, and Gerry Doyle. “Iran’s Missile Math: $20,000 Drones Take on $4 Million Patriots.” The Japan Times, March 3, 2026. https://www.japantimes.co.jp/news/2026/03/03/world/iran-missile-drones-patriots/.
Mukunth, Vasudevan. “Missile Interceptors in U.S.-Iran War | Explained.” The Hindu, March 3, 2026. https://www.thehindu.com/sci-tech/science/missile-interceptors-in-us-iran-war-explained/article70689390.ece.
Online, Et. “Can Iran Hit Back Hard Enough? Missile and Interceptor Math Matters.” The Economic Times, March 1, 2026. https://economictimes.indiatimes.com/news/defence/can-iran-hit-back-hard-enough-missile-and-interceptor-math-matters/articleshow/128909215.cms?from=mdr.
Rumbaugh, Wes. “The Depleting Missile Defense Interceptor Inventory.” Center for Strategic and International Studies, December 5, 2025. Accessed March 2, 2026. https://www.csis.org/analysis/depleting-missile-defense-interceptor-inventory.
Sleiman, Nadia. “Adversary Entente Cooperation at Russia’S Shahed Factory Threatens Global Security.” Institute for the Study of War, December 5, 2025. https://understandingwar.org/research/adversary-entente/adversary-entente-cooperation-at-russias-shahed-factory-threatens-global-security/.
The Iran Primer. “Explainer: American Parts in Iranian Drones,” March 1, 2023. Accessed March 1, 2026. https://iranprimer.usip.org/blog/2023/mar/01/explainer-american-parts-iranian-drones.
TOI World Desk. “Half the Missiles Gone? How Vast Iran’s Arsenal Is — ExplAined.” The Times of India, March 1, 2026. https://timesofindia.indiatimes.com/defence/international/half-the-missiles-gone-how-vast-irans-arsenal-is-explained/articleshow/128914849.cms.
Weiss, Debbie. “Israel Shores up Air Defenses, Expected to Hit Iran Launchers Early to Ease Stockpile Strain.” Algemeiner.com, February 27, 2026. Accessed March 2, 2026. https://www.algemeiner.com/2026/02/27/israel-shores-up-air-defenses-expected-hit-iran-launchers-early-ease-stockpile-strain/.
Welch, Carley. “Army Awards Lockheed Multiyear $9.8 Billion Contract for Thousands of PAC-3 Missiles.” Breaking Defense, September 3, 2025. https://breakingdefense.com/2025/09/army-awards-lockheed-multiyear-9-8-billion-contract-for-thousands-of-pac-3-missiles/.
تعليقات