كتب بواسطة

في الرابع من يوليو 2026، احتفلت الولايات المتحدة بالذكرى الـ 250 لاستقلالها، على طريقتها المعتادة. ومع هذه المناسبة التاريخية، امتلأت وسائل الإعلام الأمريكية باستطلاعات الرأي والتقارير التي تستعرض أبرز ما حققته البلاد من إنجازات على امتداد قرنين ونصف، في مختلف المجالات، وفي مقدمتها السينما. ومن بين هذه المبادرات، أجرت صحيفة The New York Times استطلاعًا للرأي لاختيار الفيلم الذي يجسد التجربة الأمريكية على أفضل نحو. وتوزعت اختيارات المشاركين بين كلاسيكيات سينمائية بارزة، مثل The Godfather وCitizen Kane وEasy Rider وAmerican Graffiti، وأفلام أخرى اشتهرت بتقديم نقد اجتماعي حاد، مثل Do the Right Thing.

 

ورغم أن المشاركين رشحوا مجموعة من كلاسيكيات السينما الأمريكية بوصفها تجسد التجربة الأمريكية، فإن فيلمًا واحدًا خطف الأضواء وتصدر الاستطلاع باعتباره الأكثر تجسيدًا لهذه التجربة، بعدما حصد نحو ثلاثة آلاف صوت، وهو الفيلم الكوميدي الساخر Idiocracy، من إخراج مايك جادج عام 2006.

 

جاء فيلم Idiocracy، الذي أُنتج عام 2006، بوصفه كوميديا ساخرة تنتقد تصاعد ظاهرة معاداة الفكر والمثقفين في الولايات المتحدة، إلى جانب تناوله قضايا مجتمعية وثقافية، مثل التدهور الوراثي، والنزعة الاستهلاكية، والتسليع، والزيادة السكانية. إلا أن ما بدا آنذاك ضربًا من السخرية اللاذعة، أخذ بعد عقدين من الزمن يقترب على نحو لافت من الواقع، حتى غدت المفارقة التي رسمها الفيلم أقرب إلى حقيقة عبثية.

 

فمن الحكم الاستعراضي العاجز، إلى تغلغل النزعة التجارية في مختلف مناحي المجتمع، إلى تصاعد معاداة الفكر والمثقفين، وما بينهما من مظاهر لا تقل غرابة، يبدو أن الحياة أخذت تحاكي الفن على نحو يثير الدهشة. وعليه، يمكن النظر إلى فيلم Idiocracy لا بوصفه نبوءة بانحدار المستوى الفكري للمجتمع الأمريكي، وإنما باعتباره إطارًا تحليليًا يفسر التحول من نموذج للحكم القائم على الكفاءة وصنع السياسات، إلى نموذج تتصدر فيه سياسة الانتباه واقتصاد الانتباه أولويات المشهد العام.

فيلم "Idiocracy": عن ماذا يتحدث؟

قبل استعراض أوجه التشابه بين الواقع الأمريكي وحبكة فيلم Idiocracy، يجدر أولًا التوقف عند الفكرة الأساسية التي يقوم عليها الفيلم. فهو ينطلق من فرضية مفادها أن الفئات الأكثر ذكاءً في المجتمع توقفت عن الإنجاب، في حين استمرت الفئات الأقل ذكاءً في التكاثر بوتيرة متسارعة، لتبدأ، مع مرور الوقت، عملية التراجع التدريجي في المستوى الفكري للمجتمع.

 

يصور الفيلم بطله، جو باورز، بوصفه أمين مكتبة في الجيش الأمريكي ورجلًا عاديًا بكل المقاييس، قبل أن يقع عليه الاختيار للمشاركة في تجربة عسكرية فائقة السرية تعتمد على تقنية “التعليق الحيوي”.

 

غير أن الضابط المشرف على التجربة يُلقى القبض عليه إثر فضيحة تتعلق بتجنيد ريتا، المشاركة الأخرى في التجربة، فتُترك التجربة من دون استكمال، ليبقى جو وريتا في حالة من “التعليق الحيوي” حتى عام 2505. وخلال تلك الفترة، يواصل المجتمع البشري انحداره تدريجيًا، مع اتساع رقعة الجهل وتراجع المستوى الفكري، لتنشأ في نهاية المطاف مدينة فاضلة معكوسة، يتصدرها أصحاب الحضور الإعلامي والقدرة على الترفيه والخطاب المعادي للفكر، بينما يُهمَّش الأذكياء وأصحاب الكفاءة. وتتوالى المفارقات بعد ذلك، إذ بلغ الانحدار الفكري في المجتمع حدًا جعل من جو، صاحب الذكاء المتوسط، أذكى رجل في البلاد. وبناءً على هذا “التفوق” المفترض، يؤدي جو اليمين وزيرًا للداخلية في حكومة الرئيس الأمريكي غريب الأطوار دواين إليزوندو ماونتن ديو هربرت كاماتشو، المصارع المحترف السابق، ويُكلَّف بمعالجة أكثر أزمات البلاد إلحاحًا.

 

وتمثلت هذه الأزمات في عواصف ترابية مدمرة، ومجاعات واسعة النطاق، واقتصاد تُرك للإهمال تحت وطأة هيمنة النزعة التجارية المفرطة وحكم القلة، وهو ما يجسده الفيلم عبر شركة المشروبات الخيالية “Brawndo”. وعلى السطح، تبدو هذه الحبكة مجرد هجاء ساخر بالغ المبالغة، يستحيل، للوهلة الأولى، أن يتحول إلى واقع.

السياسة تتحول إلى ترفيه

تتمثل إحدى الأفكار المحورية في فيلم Idiocracy في أن السياسة لم تعد تُمارس بوصفها شأنًا عامًا، بل تحولت إلى عرض ترفيهي، يُكافأ فيه الصخب والاستعراض، بينما تُهمَّش الخبرة السياسية ويُنظر إليها بازدراء. ويجسد الرئيس كاماتشو هذا التحول بأوضح صوره، إذ ينتقل بالحكم من منطق الكفاءة إلى منطق الاستعراض السياسي. ويقدمه الفيلم بوصفه “بطل سماكداون المطلق خمس مرات”، يتبنى أسلوبًا قياديًا صاخبًا ومسرحيًا، يخلو من أي رؤية أو استراتيجية سياسية واضحة.

 

وفي نظر كاماتشو، لا تقوم القيادة على الحوكمة الرشيدة، بل على الاستعراض. ويظهر ذلك في لجوئه إلى استخدام سلاح آلي لفرض النظام داخل الكونجرس، الذي يسميه الفيلم “مجلس النواب”، إلى جانب اعتماده خطابًا مبسطًا وفجًا عند حديثه عن قضايا معقدة، مثل انهيار الزراعة والاقتصاد الذي ترك لسنوات طويلة من الإهمال.

 

ولعجزه عن فهم طبيعة الأزمات التي تواجه البلاد، يضم الرئيس كاماتشو جو إلى حكومته، بعدما اعتبر أن معدل ذكائه المتوسط يجعله الأقدر على إيجاد حلول، لأنه يفوق مستوى الذكاء السائد بين بقية أفراد المجتمع. ويكلفه بمعالجة هذه الأزمات، مهددًا إياه بالخضوع لـ”إعادة التأهيل” إذا أخفق، وهي تسمية ساخرة لعقوبة تنتهي فعليًا بالموت في سباق تصادم مميت للسيارات.

 

لكن عندما يدعو جو إلى استخدام الماء بدلًا من “Brawndo”، وهو مشروب للترطيب تنتجه شركة تحمل الاسم نفسه، يواجه سخرية واستهجانًا واسعين، لأن الماء، في نظر المجتمع، لا يصلح إلا للمراحيض، في حين يُستخدم “Brawndo” في جميع مناحي الحياة، بما في ذلك ري المحاصيل. وعندما لا يسفر استخدام الماء عن تحسن فوري في القطاع الزراعي، ويتسبب ذلك في انهيار اقتصادي بفعل النفوذ الذي تمارسه شركة “Brawndo” وتغلغلها في مختلف جوانب الحياة، يُرسل جو مباشرة إلى “إعادة التأهيل”. فقد كانت الحكومة من الجهل بحيث لم تدرك أن الري السليم يحتاج إلى وقت قبل أن ينعكس أثره على الإنتاج الزراعي.

 

ويكشف ما تعرض له جو من سخرية وازدراء، ثم الحكم عليه بالإعدام، أن السياسة حين تتحول إلى مجرد ترفيه، تُفضي إلى تفكيك الذاكرة المؤسسية وإقصاء الخبرات المتخصصة بصورة متعمدة، لأنها تُعد مملة ولا تحقق التفاعل الذي يقوم عليه اقتصاد الانتباه. ولا يقتصر خطر هذا المسار على زعزعة الاستقرار الداخلي، بل يمتد إلى تقويض دور الولايات المتحدة في المؤسسات الدولية، وهو دور يقوم في جوهره على الكفاءة والمنطق الاستراتيجي، وهما الركيزتان اللتان يتعارضان بطبيعتهما مع منطق اقتصاد الانتباه.

 

وخلاصة القول، يصور الفيلم الشرعية السياسية بوصفها قائمة على الأداء الاستعراضي المبالغ فيه، لا على الحنكة السياسية والخبرة في الحكم. وبعبارة أخرى، تصبح الاستعراضات السياسية الهادفة إلى جذب الانتباه وتعظيم الحضور الإعلامي أهم من الكفاءة والذكاء.

 

via GIPHY

 

إن القول بوجود أوجه تشابه بين السياسة الاستعراضية التي يصورها فيلم Idiocracy والسياسة في عالمنا المعاصر لا يكاد يعبر عن حجم التقاطع بينهما؛ إذ تحولت السياسة اليوم بالفعل إلى منصة للترفيه الجماهيري. ومع أن شخصية الرئيس كاماتشو، بما تتسم به من ضعف في الكفاءة وولع بالأداء المسرحي والاستعراض، قد تجد ما يماثلها لدى عدد من قادة اليوم، فإن ثمة قائدًا تفرض أوجه الشبه معه نفسها على نحو يصعب تجاهله، وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

 

ويعتمد الرئيس ترامب على استعراضات صاخبة ومبالغات مقصودة لحشد الدعم لسياساته، من دون أن يطرح منطقًا استراتيجيًا واضحًا يفسرها. وليس هذا الأسلوب وليد اللحظة، بل يشرحه بنفسه في كتابه The Art of the Deal بقوله: “أنا أخاطب خيالات الناس… فالقليل من المبالغة لا يضر أبدًا. فالناس يريدون أن يصدقوا أن شيئًا ما هو الأكبر، والأعظم، والأكثر إثارة.”

 

كما يعزز هذا الطابع الاستعراضي لرئاسته مساره المهني قبل دخوله السياسة، سواء من خلال تقديمه برنامج The Apprentice، أحد أشهر برامج تلفزيون الواقع، أو من خلال حضوره في عالم المصارعة الحرة بوصفه عضوًا في قاعة مشاهير اتحاد المصارعة العالمية الترفيهية (WWE). وقد انعكس ذلك في أسلوب سياسي يتسم بالفظاظة، وخرق الأعراف، والصخب، بما يبرز الانتقال من قيادة تستند إلى الكفاءة إلى نمط من الحكم يقوم على الاستعراض. ومن ثم، يكشف الطابع الاستعراضي لقيادة الرئيس ترامب عن أوجه تشابه واضحة مع الكيفية التي حاكت بها الحياة الفن، على نحو يجسد ما صوره فيلم Idiocracy.

 

via GIPHY

 

ولا تقتصر أوجه الشبه بين الرئيسين ترامب وكاماتشو على السمات الشخصية، بل تمتد إلى الأفعال أيضًا. ومع أن تصرفات الرئيس ترامب لا تصل إلى حد استخدام سلاح آلي لفرض النظام داخل الكونجرس، أو اتخاذ سباقات الشاحنات العملاقة وسيلة لتنفيذ عقوبة الإعدام، فإنها لا تقل غرابة هي الأخرى.

 

ويتجلى ذلك في اعتماد الرئيس ترامب على الترفيه بوصفه الوسيلة الرئيسة لممارسة السياسة، حيث “تطغى عناصر الترفيه ومنطق العلامات التجارية على الجدية السياسية.” ويتجسد ذلك بوضوح في حدث UFC Freedom 250، وهو حدث للفنون القتالية المختلطة أُقيم في حديقة البيت الأبيض احتفالًا بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، بالتزامن مع عيد ميلاد الرئيس ترامب، حيث شُيدت منشأة ضخمة خصيصًا لاستضافة النزالات. ويتجلى هذا التداخل بين الترفيه والسياسة أيضًا في خطاب حالة الاتحاد لهذا العام، حيث دُعي عدد من الشخصيات الرياضية والمحاربين القدامى، ومُنحوا أوسمة وسط تصفيق حاد، في ظل تراجع الاهتمام بالقضايا الجوهرية التي تواجه الولايات المتحدة.

 

ومن خلال هذا التداخل بين الاستعراض الترفيهي والسياسة، يجد الرئيس ترامب نفسه، من دون قصد، يعيد إنتاج النموذج السياسي الذي يصوره فيلم Idiocracy، في تجسيد واضح لمقولة إن الحياة تحاكي الفن. وفي نهاية المطاف، تكشف أوجه الشبه بين الرئيس الخيالي كاماتشو والرئيس ترامب عن انتقال معيار الشرعية السياسية من الكفاءة في الحكم إلى القدرة على استقطاب الانتباه.

 

ويمنح الناخبون كلًا من هاتين الشخصيتين حافزًا للاستمرار في هذا الأداء الاستعراضي، إذ ينظران إلى الحملات الانتخابية، بل وإلى ممارسة الحكم نفسها، بوصفها امتدادًا للترفيه. كما أنهما لا يتعاملان مع الناخبين باعتبارهم مواطنين، بل جمهورًا من المشجعين الهتّافين الذين لا يكفون عن المطالبة بمزيد من الاستعراضات المثيرة. وفي أدبيات علم السياسة التقليدية، تُستمد الشرعية السياسية من قدرة الدولة على توفير المنافع العامة، أي من الحكم القائم على الكفاءة. أما في نظام “الحكم الإيديوكراطي”، فتُستمد الشرعية من مؤشرات التفاعل، مثل الظهور، وسرعة الانتشار، وإثارة الجدل.

 

ونتيجة لهذا التحول في مفهوم الشرعية السياسية، لم يعد الاستعراض السياسي حكرًا على الحملات الانتخابية، بل أصبح أحد المكونات الأساسية لممارسة السلطة.

اقتصاد الانتباه والنزعة الاستهلاكية والتسليع

ولا تقف أوجه التشابه بين فيلم Idiocracy والمجتمع المعاصر عند تحول السياسة من ممارسة تقوم على الحكم القائم على الكفاءة إلى عرض استعراضي يغلب عليه الطابع الترفيهي، بل تمتد أيضًا إلى تمحور كليهما حول اقتصاد الانتباه.

 

ويؤدي اقتصاد الانتباه دورًا محوريًا في الأطروحة التي يقدمها فيلم Idiocracy، إذ يُظهر كيف تتنافس الشركات والحكومات والأفراد على جذب انتباه المستهلكين. ويبرز ذلك من خلال تغلغل الشركات في مختلف جوانب الحياة داخل الصورة الديستوبية للولايات المتحدة التي يرسمها الفيلم.

 

وتتجسد هذه النزعة الاستهلاكية المفرطة والتسليع في شركة Brawndo، المنتجة لمشروب للترطيب، والتي بسطت هيمنتها على مختلف جوانب المجتمع الأمريكي. ويتجلى ذلك في إحلال منتجها محل الماء حتى في الاستخدامات الأساسية، مثل الري والشرب، بفعل حملات تسويقية مضللة وقائمة على التبسيط المخل، الأمر الذي انتهى إلى حدوث مجاعة.

 

ويتجسد ذلك بوضوح في الشعار الذي تتبناه شركة Brawndo، والمصمم لجذب انتباه أفراد مجتمع آخذة قدراته الإدراكية في التراجع: “إنه يحتوي على ما تحتاج إليه النباتات… إنه يحتوي على الإلكتروليتات.” ومن خلال هذه الشعارات المصممة لجذب الانتباه، لا تكتفي Brawndo بالهيمنة على السردية الزائفة التي تزعم أن مشروبًا للترطيب قادر على حل جميع مشكلات العالم، بل تحول هذه السردية نفسها إلى مصدر للربح، عبر ترسيخ فكرة أن Brawndo عنصر لا غنى عنه في الحياة اليومية. ونتيجة لذلك، يتبنى كل من المجتمع المدني والحكومة هذه السردية الزائفة، لأن الإبقاء عليها أكثر ربحية من معالجة الأزمة ذاتها.

 

via GIPHY

 

غير أن هذا الإفراط في التسليع يكشف أيضًا أن القيمة الحقيقية لم تعد تكمن في المنتج نفسه، بل في الانتباه الذي ينجح في الاستحواذ عليه من خلال حضوره الطاغي في الحياة اليومية. ويتجسد ذلك في حضوره الكاسح؛ إذ يظهر Brawndo في كل مكان، ويُستخدم في كل شيء، بما يجعله يستحوذ على انتباه الجميع، إذ لا يكاد أحد يستطيع الإفلات من حضوره.

 

ولا يقتصر تحويل الانتباه إلى سلعة على العلامة التجارية الخيالية Brawndo، بل يمتد أيضًا إلى العلامات التجارية الحقيقية. ويبرز الفيلم هذا المنطق من خلال تصوير سلسلة متاجر Costco، إحدى أشهر سلاسل البيع بالتجزئة في الولايات المتحدة، بوصفها مدينةً متكاملة، يقف عند مدخلها أحد الموظفين ليستقبل كل زائر بالعبارة نفسها: “مرحبًا بكم في Costco، أحبكم.”

 

ويتناول فيلم Idiocracy كذلك تسليع السياسة الأمريكية من خلال الحضور الطاغي لسلسلة مطاعم Carl’s Jr. (Hardee’s) في المجتمع. ويتجسد ذلك في وزير خارجية الرئيس كاماتشو، الذي يختتم جميع تصريحاته بعبارة: “برعاية Carl’s Jr.”، لأنه يتقاضى مقابلًا ماليًا في كل مرة يردد فيها هذه العبارة. ومن خلال هذا الظهور التجاري المكثف، تتشكل الشرعية، بما يعكس إلى أي مدى يمكن أن تمضي الشركات في تحويل الانتباه إلى سلعة، بما يضمن استمرار عمل اقتصاد الانتباه.

 

via GIPHY

 

أما في العالم المعاصر، فيمكن القول إن الانتباه نفسه أصبح سلعةً في مختلف القطاعات والشركات. فقد أتاح العصر الرقمي وفرة غير مسبوقة من المعلومات والبيانات، في حين ظل الانتباه موردًا نادرًا. وعندما يصبح الانتباه موردًا نادرًا، يسعى الأفراد والشركات والسياسيون إلى توظيف هذه الندرة لتحقيق المكاسب، فيغدو الانتباه البشري نفسه سلعة. ويتجلى ذلك بوضوح في الكيفية التي تستغل بها شركات التقنية الكبرى انتباه مستخدميها عبر خوارزميات صُممت لترويج المحتوى والمنتجات استنادًا إلى البصمة الرقمية لكل مستخدم.

 

ويتجلى ذلك أيضًا في الكيفية التي تستغل بها تطبيقات التواصل الاجتماعي انتباه مستخدميها عبر “آليات الإشعارات، والرسائل، والمنشورات، والخوف من فوات الفرص (FoMO)، والإعجابات، والمكافآت”، فضلًا عن المحتوى الرقمي القصير. ومن خلال هذه الأساليب الاستغلالية لتسليع الانتباه، يُدمن المستخدم الشعور بالقبول الاجتماعي والتقدير، ما يدخله في حلقة مفرغة من الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا. وعليه، يتشابه اقتصاد الانتباه في عالم اليوم مع نظيره في فيلم Idiocracy، إذ تستغل كلٌّ من شركات التقنية الكبرى وBrawndo ندرة الانتباه سعيًا إلى تحقيق الأرباح.

 

via GIPHY

 

ورغم أوجه التشابه بين فيلم Idiocracy والمجتمع المعاصر في استغلال الشركات لانتباه الأفراد تحقيقًا للأرباح، فإن اقتصاد الانتباه الذي يصوره الفيلم ينعكس أيضًا في الدور المتنامي للمؤثرين في الحياة السياسية اليوم. فقد بات صناع المحتوى على منصتي YouTube وTikTok، إلى جانب مقدمي البودكاست وصناع البث المباشر على منصة Twitch، يؤدون دورًا متزايدًا في المشهد السياسي، مستغلين الخطاب التحريضي لزيادة التفاعل وتحقيق الأرباح.

 

ويتجلى ذلك بوضوح في حالة المؤثرين السياسيين اليمينيين، الذين يروجون للأيديولوجيات اليمينية المتطرفة عبر نشر المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة، من خلال تعمد إثارة الجدل وتبني مواقف صادمة، والانخراط في استعراضات سياسية تستهدف استقطاب انتباه الجمهور، وكل ذلك مقابل ثمن. ويكشف ذلك عن وجود ارتباط وثيق بين السياسة والاقتصاد، إذ تدفع الحوافز هؤلاء المؤثرين إلى نشر الرسائل السياسية، سواء لتعزيز القضايا والحركات اليمينية، أو لأنهم يتقاضون مقابلًا ماليًا من أفراد أو مؤسسات للقيام بذلك.

 

ومن الأمثلة على هذا النمط من التحفيز حالة آشلي سانت كلير، المؤثرة السابقة المؤيدة لحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” (MAGA)، التي زعمت، في مقابلة مع مهدي حسن على منصة Zeteo، أنها تلقت أموالًا للترويج لشخصيات مثيرة للجدل، مثل ريتشارد جرينيل، المدير بالإنابة السابق للاستخبارات الوطنية، دعمًا لتعيينها في مناصب حكومية. كما استخدم جيك بول، صانع المحتوى على YouTube الذي تحول إلى ملاكم، والمعروف بتاريخه الحافل باتهامات بالعنصرية وافتعال الجدل، منصته للترويج للرئيس ترامب، وهو ما انتهى إلى حصوله على تأييد ترامب لخوض انتخابات أي منصب سياسي في المستقبل. ومن خلال ظاهرة المؤثرين، يمكن القول إن الواقع يحاكي الفن، إذ لا يقتصر دورهم على تعزيز منطق اقتصاد الانتباه، بل تدفعهم الحوافز أيضًا إلى إنتاج محتوى تحريضي بهدف زيادة التفاعل والترويج للحركات السياسية.

 

 

وفي نهاية المطاف، لا يقتصر الأمر على النزعة الاستهلاكية، بل يتجاوزها إلى خصخصة الأيديولوجيا السياسية. فعندما يصبح الانتباه البشري سلعةً نادرة تستغلها شركات التقنية الكبرى، يضطر الفاعلون السياسيون إلى تبني منطق الخوارزميات التي يقوم عليها التسويق التجاري لضمان بقائهم. ويعني ذلك الالتفاف بالكامل على الأحزاب والمؤسسات السياسية التقليدية، لتحل محلها شبكة لامركزية من المؤثرين الساعين إلى الربح، الذين يؤدون دور المرتزقة السياسيين.

هل أصبح فيلم Idiocracy واقعًا أمريكيًا؟

في نهاية المطاف، يبقى السؤال: هل أصبح فيلم Idiocracy واقعًا؟ إلى حدٍّ ما، الإجابة هي نعم ولا في الوقت نفسه. فأوجه التشابه بين الخيال والواقع باتت لافتة إلى درجة يصعب تجاهلها، ولا سيما فيما يتعلق بالمشهد السياسي الراهن في الولايات المتحدة والتحولات الاقتصادية المعاصرة.

 

فلم يعد معيار اختيار السياسيين يقوم على الكفاءة أو الخبرة في إدارة شؤون الحكم، بقدر ما يقوم على القدرة على الأداء الاستعراضي، وعلى أن يكون المرشح الأعلى صوتًا في المشهد السياسي. ويتجسد هذا التشابه بوضوح في أسلوب القيادة لدى الرئيس الخيالي كاماتشو والرئيس ترامب، إذ يستمد كل منهما شرعيته السياسية من الأداء الصاخب والاستعراض المبالغ فيه، لا من الكفاءة أو القدرة على الحكم الرشيد. وبعبارة أخرى، يرسخ كلاهما تصورًا للسياسة بوصفها عرضًا ترفيهيًا، لا ممارسة تُعنى بإدارة شؤون الحكم.

 

وإلى جانب هذا البعد الاستعراضي في السياسة، تبدو أوجه التشابه بين البنية الاقتصادية في النسختين الخيالية والواقعية للولايات المتحدة واضحةً هي الأخرى، إذ يعمل الأفراد والشركات والفاعلون السياسيون جميعًا في ظل اقتصاد الانتباه. ففي الفيلم، تجسد شركات Brawndo وCostco وCarl’s Jr. مدى تغلغل الشركات في أدق تفاصيل المجتمع، بينما تستغل شركات التقنية الكبرى في الواقع ندرة الانتباه عبر توظيف الخوارزميات لتحويل الفرد إلى سلعة.

 

وعلاوة على ذلك، تدفع الحوافز المؤثرين السياسيين إلى الانخراط في استعراضات سياسية وتشكيل الآراء السياسية من خلال محتوى تحريضي وآخر مدفوع، تمامًا كما كانت الحوافز تدفع أعضاء حكومة الرئيس في الفيلم إلى ترديد أسماء الشركات الراعية لهم مقابل أجر. وفي ضوء هذه التقاطعات السياسية والاقتصادية بين الخيال وواقع يزداد عبثية، لا يبدو من قبيل المبالغة القول إن الولايات المتحدة بلغت من التسطيح حدًا جعل فيلمًا ساخرًا مثل Idiocracy يبدو اليوم أقرب إلى فيلم وثائقي.

 

ومع ذلك، لا يمكن التسليم بهذه المقارنة على إطلاقها، إذ لا يزال كثير من أصحاب الكفاءة يشغلون مواقع السلطة وصنع القرار، كما يواصل المجتمع إحراز تقدم متسارع، يتجلى في السباق التكنولوجي والاكتشافات العلمية. وفي نهاية المطاف، ورغم أن المجتمع في الولايات المتحدة، بل والعالم أيضًا، يواصل إحراز هذا التقدم، فإن الرسائل الأعمق التي يطرحها فيلم Idiocracy لا ينبغي تجاهلها، بل ينبغي أن تُقرأ بوصفها تحذيرًا مما قد يؤول إليه المجتمع الأمريكي في المستقبل.

 

وفي الوقت الذي تحتفل فيه الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لتأسيسها، في ظل هيمنة الاستعراض السياسي والحكم القائم على استقطاب الانتباه، يبقى السؤال: كيف سيؤثر التحول نحو مجتمع إيديوكراطي في مكانة الولايات المتحدة ضمن النظام الديمقراطي العالمي؟

المراجع

20th Century Fox. n.d. President Camacho Idiocracy GIF . GIF. Giphy. https://media3.giphy.com/media/v1.Y2lkPTc5MGI3NjExN25uZXk0NGxseHk0dWhjdnU5enZncHo5dWF0Y3k4ZHVocnRnZTRnNSZlcD12MV9pbnRlcm5hbF9naWZfYnlfaWQmY3Q9Zw/26uf5afBhUKyjvZPW/giphy.gif.

 

Carpentier, Chantal Line, Hoi Wai Jackie Cheng, Arun Jackobs, Richard Roehrl, Patricia Klauer, and Kristofer Doerfler. 2023. “Attention Economy.” In United Nations Economist Network. United Nations . https://www.un.org/sites/un2.un.org/files/attention_economy_feb.pdf.

 

Citarella, Joshua. 2021. “Are We Ready for Social Media Influencers Shaping Politics? | Joshua Citarella.” The Guardian. https://www.theguardian.com/commentisfree/2021/apr/24/social-media-influencers-shaping-politics.

 

Death Wish Coffee. n.d. I Love You Reaction Gif GIF. GIF. Giphy. https://giphy.com/gifs/deathwishcoffee-8coEmqQxL39eMJcey0.

 

EAVI. 2024. “How Platforms Compete to Get Our Attention? – EAVI.” EAVI. https://eavi.eu/platforms-competing-to-get-our-attention/.

 

Election 2016. 2016. Donald Trump Wwe GIF. GIF. Giphy. https://giphy.com/gifs/election2016-wwe-donald-trump-vince-mcman-3o7TKLQzENK0EftNOo.

 

GrowthX. n.d. Social Media Marketing GIF. GIF. Giphy. https://giphy.com/gifs/GrowthX-Club-socialmedia-ads-facebookads-anjQ3PkRSxPb67QTBz.

 

Idiocracy . 2016. Electrolytes Mike Jude GIF . GIF. Giphy. https://giphy.com/gifs/idiocracy-mike-jude-3o7TKrwrcGa7xFAcw0.

Judge, Mike , dir. 2006. Idiocracy. Film . United States: 20th Century Fox.

 

Kamarck, Elaine, and William A Galston. 2026. “Trump Relies on Showmanship and Base Appeal in State of the Union Address.” Brookings. https://www.brookings.edu/articles/trump-relies-on-showmanship-and-base-appeal-in-state-of-the-union-address/.

 

Kelly, Anthony. 2023. “How Social Media Has Enabled the Rise of Far Right Influencers.” Www.Rte.Ie, November. https://www.rte.ie/brainstorm/2023/1121/1417645-far-right-social-media-influencer-culture/.

 

Lucas, Scott, and Anoushka Raval . 2015. “Trump as a Performance Artist.” University of Birmingham. https://www.birmingham.ac.uk/research/perspective/trump-as-a-performance-artist.

 

Matthews, Joshua. 2021. “Review of Idiocracy.” Pro Rege 50 (2): 18–24. https://digitalcollections.dordt.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=3165&context=pro_rege.

 

Raposas, Rachel. 2026. “Donald Trump Offers Jake Paul His ‘Complete and Total Endorsement’ If He Runs for Political Office.” People.Com. PEOPLE. March 12, 2026. https://people.com/donald-trump-endorses-jake-paul-political-office-11924743.

 

Stunson, Mike. 2026. “Why Are People Comparing White House Lawn to ‘Idiocracy’ Movie?.” USA Today. May 27, 2026. https://www.usatoday.com/story/news/2026/05/27/idiocracy-at-the-white-house-ufc-arena-has-the-internet-buzzing/90275012007/.

 

Team Zeteo, and Mehdi Hasan. 2026. “This Ex-MAGA Influencer Was Offered the ‘GDP of a Small Nation’ to Keep MAGA’s Secrets. She Spills All With Mehdi.” Zeteo.Com. Zeteo. May 19, 2026. https://zeteo.com/p/this-ex-maga-influencer-silenced-ashley-st-clair.

 

Zeteo. 2026. “Ex-MAGA Influencer Spills ALL with Mehdi.” Website video. YouTube.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *