تكشف التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي عن مفارقة لافتة في النقاش حول مستقبل الأمن العالمي. فالتحذيرات من مخاطر هذه التكنولوجيا لم تعد تأتي من الدبلوماسيين والمسؤولين العسكريين وحدهم، بل بات بعضها يصدر عن قادة الشركات التي تتولى تطويرها. وقد تجلت هذه المفارقة بوضوح أمام مجلس الأمن الدولي في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 2026، حين قدم سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "OpenAI"، وداريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "Anthropic"، وكليمان ديلانج، الشريك المؤسس لمنصة "Hugging Face"، إحاطات أمام أعضاء المجلس الخمسة عشر، في وقت تواجه فيه الحكومات أنظمة ذكاء اصطناعي تزداد قدرة على كتابة الأكواد البرمجية، والعمل بصورة مستقلة، والتفاعل مع أنظمة خارجية، وربما تحسين قدراتها ذاتيًا.
ولم تنبع أهمية المشهد من حضور قادة هذه الشركات أمام مجلس الأمن فحسب، بل من أن التحذيرات جاءت هذه المرة من مسؤولين يقودون تطوير التكنولوجيا التي يحذرون هم أنفسهم من مخاطرها. فقد حذر أمودي من أن الذكاء الاصطناعي، إذا أسيئت إدارته، "قد يشكل خطرًا على البشرية جمعاء"، فيما شدد ألتمان على أن القرارات المتعلقة بهذه التكنولوجيا لا يمكن أن تُترك لشركات التكنولوجيا وحدها. وتكتسب هذه المناقشات دلالة خاصة مع انتقال الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة من نطاق السياسات التكنولوجية إلى صميم قضايا الأمن الدولي. غير أن القضية الأعمق لا تتعلق فقط بحجم المخاطر التي قد تنطوي عليها هذه التكنولوجيا، بل بمن سيضع القواعد التي تحكمها، في وقت تتركز فيه القدرة على تطوير أكثر أنظمتها تقدمًا لدى عدد محدود من الدول والشركات.
وفي قلب هذه المعادلة، تسعى الأمم المتحدة إلى أن تصبح المحفل الذي تُناقش فيه قواعد حوكمة الذكاء الاصطناعي. غير أنها تدخل ساحة تتشكل موازينها بالفعل بفعل القدرات التكنولوجية والقوة الاقتصادية ومصالح الأمن القومي والرؤى المتباينة للحوكمة. ومن ثم، لا يدور التحدي حول صياغة قواعد لتنظيم تكنولوجيا سريعة التطور فحسب، بل حول موقع الأمم المتحدة وقدرتها على التأثير في منظومة حوكمة تتنافس قوى متعددة على تشكيلها.
عكست مناقشات مجلس الأمن مدى سرعة اتساع نطاق تأثير الذكاء الاصطناعي في الأمن الدولي. ويشير الذكاء الاصطناعي إلى أنظمة حاسوبية قادرة على أداء مهام تتطلب عادة قدرات ذهنية بشرية، مثل تحليل المعلومات، وإنتاج المحتوى، والتعرف على الأنماط، وكتابة الأكواد البرمجية، واتخاذ القرارات. غير أن الأنظمة الأكثر تقدمًا تتجه بصورة متزايدة نحو نموذج “وكلاء الذكاء الاصطناعي”، وهي أنظمة لا تكتفي بالاستجابة للأوامر، بل يمكنها اتخاذ إجراءات وتنفيذ مهام بصورة مستقلة. وهذا الانتقال من مجرد الاستجابة إلى القدرة على الفعل يوسع نطاق المخاطر الأمنية المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
وتكمن أهمية هذا التحول أمنيًا في الفارق بين ما يستطيع النظام تحليله وما يستطيع تنفيذه. فنظام الذكاء الاصطناعي الذي ينتج تحليلًا يطرح مجموعة من المخاطر، لكن وكيلًا قادرًا على الوصول إلى الشبكات وتشغيل الأكواد البرمجية أو التفاعل مع أنظمة أخرى يطرح مخاطر من طبيعة مختلفة. وقد سلط وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، خلال مناقشات مجلس الأمن، الضوء على تقارير بشأن أنظمة ذكاء اصطناعي عملت خارج البيئات التي خضعت فيها للاختبار، إلى جانب مخاطر مرتبطة بالعمليات السيبرانية، والقدرات البيولوجية والكيميائية، والمعلومات المضللة، والأسلحة ذاتية التشغيل.
ولا تتعلق المخاطر بطبيعة ما تستطيع هذه الأنظمة القيام به فحسب، بل أيضًا بالوقت المتاح للبشر لاتخاذ القرار. فقد حذر كريستوس ديامانتوبولوس، نائب وزير الحوكمة الرقمية والذكاء الاصطناعي في اليونان، من أن زيادة سرعة هذه الأنظمة قد تشجع على الإفراط في الاعتماد على مخرجاتها الآلية، وهو ما قد يصبح بالغ الخطورة في عملية صنع القرار العسكري. وشدد في هذا السياق على أن “التكنولوجيا يمكن أن تساعد الحكم البشري، لكنها لا تستطيع أن تحل محله”. كما دعت اليونان إلى توخي حذر خاص إزاء إدماج الذكاء الاصطناعي في منظومات القيادة والسيطرة النووية، لما قد ينطوي عليه ذلك من مخاطر سوء التقدير والتصعيد غير المقصود.
ومن ثم، تتجاوز التداعيات الأمنية للذكاء الاصطناعي مسألة الأسلحة ذاتية التشغيل لتشمل نطاقًا أوسع من مجالات الأمن الدولي، من الصراعات السيبرانية وتحليل المعلومات الاستخباراتية وإدارة الأزمات إلى الاستقرار النووي والبنية التحتية الحيوية والعمليات المعلوماتية، فضلًا عن قدرة الحكومات على التمييز بين الأحداث الحقيقية والإشارات التي تولدها الآلات.
ويضع هذا الاتساع الأمم المتحدة أمام معضلة تتعلق بالحوكمة. فالذكاء الاصطناعي لا يندرج بسهولة ضمن مجال تنظيمي واحد، بل تتقاطع تطبيقاته ومخاطره مع مجالات متعددة قائمة بالفعل في السياسة الدولية. ومن ثم، لا يقتصر التحدي على وضع قواعد لتنظيم تكنولوجيا جديدة، وإنما يتمثل أيضًا في كيفية حوكمة تكنولوجيا تمتد آثارها عبر مجالات أمنية وسياسية وتنظيمية متعددة.
لم تنتظر الأمم المتحدة مناقشات مجلس الأمن كي تبدأ في بناء إطار مؤسسي لحوكمة الذكاء الاصطناعي. ففي عام 2024، أرسى “الميثاق الرقمي العالمي” إطارًا للتعاون الدولي في مجال التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي. ثم اتخذت هذه الجهود خطوة مؤسسية أخرى في أغسطس 2025، عندما اعتمدت الجمعية العامة القرار 79/325، الذي أنشأت بموجبه “الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي” و”الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي”.
وتبرز أهمية هذا الإطار الجديد في اتساع نطاق المشاركة فيه. فـ”الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي” يجمع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وعددها 193 دولة، إلى جانب ممثلين عن القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني والمجتمع التقني. وقد عكس اجتماعه الأول، الذي عُقد في يوليو 2026، حجم هذه المشاركة، إذ استقطب أكثر من 3,000 مشارك، ووفودًا من 163 دولة، وستة من رؤساء الدول والحكومات، وأكثر من 60 وزيرًا، فضلًا عن أكثر من 1,000 منظمة تمثل مختلف الأطراف المعنية.
وفي موازاة هذا المسار الحواري، يُفترض أن يوفر “الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي” قاعدة مشتركة من الأدلة العلمية تستند إليها المناقشات العالمية بشأن هذه التكنولوجيا. وتشمل ولايته إعداد تقييمات سنوية لما يتيحه الذكاء الاصطناعي من فرص، وما ينطوي عليه من مخاطر، وما يترتب عليه من آثار، إلى جانب إمكان تناول مخاطر ناشئة محددة من خلال دراسات موضوعية متخصصة.
ويمنح هذا البناء المؤسسي الأمم المتحدة أداة طالما افتقرت إليها في مجال حوكمة التكنولوجيا، تتمثل في آلية تربط التقييم العلمي بالنقاش السياسي العالمي. غير أن هذا الترتيب يكشف في الوقت نفسه عن أحد حدوده الأساسية. فـ”الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي” ليس محفلًا تفاوضيًا، ولا يفضي في حد ذاته إلى اتفاقات ملزمة، وإنما يهدف إلى بناء فهم مشترك يمكن أن تسترشد به قرارات الحوكمة لاحقًا. ومن ثم، نجحت الأمم المتحدة في إنشاء منصة واسعة للتعاون والحوار، لكنها لم تنشئ بعد آلية قادرة على معالجة الخلافات بين دول تتباين مصالحها بشأن الذكاء الاصطناعي على نحو جوهري.
وتتضح أبعاد هذه المعضلة بصورة أكبر عندما يُنظر إلى القدرة على تطوير الذكاء الاصطناعي بوصفها أحد مصادر القوة الجيوسياسية. فتطوير أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدمًا يتطلب قدرات حوسبية هائلة، واستثمارات ضخمة، وكفاءات بشرية متخصصة، وكميات كبيرة من البيانات والطاقة، فضلًا عن بنية تحتية متطورة لأشباه الموصلات. غير أن هذه الموارد لا تتوزع بالتساوي بين دول العالم، وهو ما يجعل امتلاك مقومات تطوير الأنظمة الأكثر تقدمًا عنصرًا متزايد الأهمية في موازين القوة والنفوذ الدوليين.
ويتجلى هذا التفاوت بوضوح في حجم الاستثمارات. فوفقًا لـ”مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026″ الصادر عن جامعة ستانفورد، استقطبت الولايات المتحدة نحو 285.9 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة في الذكاء الاصطناعي خلال عام 2025، مقابل 12.4 مليار دولار في الصين و5.9 مليارات دولار في المملكة المتحدة. وبذلك، تجاوز حجم الاستثمارات الخاصة في الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة نظيره في الصين بأكثر من 23 ضعفًا خلال العام نفسه، بما يكشف حجم الفجوة في تدفقات رأس المال الموجهة إلى هذا القطاع.
ولا يقتصر هذا التفاوت على حجم الاستثمارات. فقد أظهرت بيانات ستانفورد أن قطاع الصناعة أنتج أكثر من 90% من نماذج الذكاء الاصطناعي البارزة خلال عام 2025. كما أنتجت الولايات المتحدة 59 نموذجًا بارزًا، مقابل 35 نموذجًا في الصين، في حين حافظت الصين على صدارتها في المنشورات البحثية والاستشهادات العلمية وبراءات الاختراع الممنوحة. وامتد التفاوت أيضًا إلى القدرة الحوسبية العالمية للذكاء الاصطناعي، التي بلغت ما يعادل نحو 17.1 مليون وحدة من معالجات “H100″، فيما استحوذت “Nvidia” على أكثر من 60% من إجمالي هذه القدرة.
وتوضح هذه الأرقام لماذا لا يمكن فصل حوكمة الذكاء الاصطناعي عن توزيع القوة التكنولوجية عالميًا. فقد يضم اتفاق عالمي، من الناحية الرسمية، 193 دولة، بينما تظل القدرة على تطوير أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدمًا متركزة لدى مجموعة أصغر بكثير من الدول والشركات. وهنا تبرز معضلة أساسية أمام الأمم المتحدة. فشرعيتها تستند إلى اتساع نطاق المشاركة، في حين تتركز نسبة كبيرة من القدرات التكنولوجية التي ستسهم في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي لدى عدد محدود من الدول والشركات. ومن ثم، تجد الأمم المتحدة نفسها أمام معادلة غير متوازنة بين اتساع قاعدة المشاركة في الحوكمة العالمية من جهة، وتركز القدرة الفعلية على تطوير التكنولوجيا الأكثر تقدمًا لدى عدد محدود من الأطراف من جهة أخرى.
وكشف اجتماع مجلس الأمن في سبتمبر عن تحول آخر في موقع شركات التكنولوجيا داخل معادلة الأمن. فلم تعد هذه الشركات مجرد جهات توفر منتجات تتولى الحكومات تنظيمها بعد طرحها، بل باتت تمتلك معرفة بالقدرات الناشئة للذكاء الاصطناعي قد لا تكون الحكومات نفسها قد أحاطت بها على نحو كامل. ويفرز هذا التحول علاقة غير مألوفة بين الدول والشركات. فالحكومات تمتلك السلطة القانونية والقوة العسكرية والشرعية الدبلوماسية، بينما تتركز لدى الشركات نسبة كبيرة من الخبرات التقنية والبنية التحتية والتجربة التشغيلية المرتبطة بأنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا. وهكذا، باتت المعرفة التقنية والسلطة التنظيمية موزعتين بين أطراف مختلفة، بما يضفي على العلاقة بين الحكومات والشركات بعدًا جديدًا في حوكمة الذكاء الاصطناعي.
وقد عبّر ألتمان عن هذه المعضلة أمام مجلس الأمن بقوله إن “القرارات الأكثر أهمية لا يمكن أن تتخذها مختبرات في سان فرانسيسكو وحدها”، مؤكدًا ضرورة أن تتشكل هذه القرارات من خلال عمليات ديمقراطية وحكومات خاضعة للمساءلة أمام مواطنيها. وتكشف هذه التصريحات عن معضلة آخذة في التشكل في حوكمة الذكاء الاصطناعي. فالشركات التي تطور الأنظمة الأكثر تقدمًا قد تكون من أوائل الجهات القادرة على رصد ظهور قدرات خطرة، لكنها تمتلك في الوقت نفسه حوافز تجارية لمواصلة تطوير أنظمتها ونشرها. وفي المقابل، قد تسعى الحكومات إلى تنظيم المخاطر، بينما تعمل بالتوازي على تشجيع تطوير الذكاء الاصطناعي محليًا لما ينطوي عليه من أهمية اقتصادية وأمنية. ومن ثم، لم يعد السؤال يقتصر على ما إذا كان ينبغي للحكومات تنظيم شركات الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى مدى قدرتها على بناء مؤسسات قادرة على فهم تكنولوجيا قد تظهر أكثر قدراتها تقدمًا داخل مختبرات خاصة، ووضع الأطر اللازمة لحوكمتها.
لا يقتصر الصراع على حوكمة الذكاء الاصطناعي على القواعد التي ستنظم هذه التكنولوجيا، بل يمتد إلى من يمتلك القدرة على المشاركة في صياغتها. فالدول التي لا تضم شركات كبرى للذكاء الاصطناعي ولا تمتلك بنية تحتية حوسبية واسعة تواجه مجموعة من المخاطر تختلف عن تلك التي تواجهها قوى تكنولوجية كبرى مثل الولايات المتحدة والصين. وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في يوليو من اتساع هذه الفجوة، مشيرًا إلى أن الاستثمارات الخاصة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي اقتربت من نصف تريليون دولار، في حين ظلت الاستثمارات العامة الموجهة إلى بناء قدرات الدول النامية في هذا المجال محدودة للغاية بالمقارنة. ونبه إلى أن الفجوة الرقمية قد تتحول إلى “فجوة في الذكاء الاصطناعي”، تليها فجوات في التنمية والأمن والسيادة.
وقد برزت هذه المخاوف أيضًا في مناقشات مجلس الأمن. فقد حذرت الصين من أن يصبح الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا تسيطر عليها الدول الغنية بصورة أساسية، ودعت إلى أن تظل الأمم المتحدة المحفل الرئيسي لحوكمة الذكاء الاصطناعي عالميًا. وأكدت الصومال بدورها حاجة الدول النامية إلى تعزيز قدراتها في هذا المجال، محذرة من أن أوجه الضعف التكنولوجي في أفريقيا قد تفضي إلى أشكال من التبعية الرقمية. ومن منظور مختلف، أثارت روسيا مسألة تتصل بالمشكلة نفسها، إذ رأت أن مجلس الأمن ذاته لا يوفر تمثيلًا كافيًا لأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وحذرت من ترتيبات للحوكمة تهيمن عليها الدول الغربية المتقدمة تكنولوجيًا.
ولا ينبغي التعامل مع هذه المواقف بوصفها متطابقة، لكنها تكشف، رغم اختلافها، عن المعضلة الهيكلية نفسها. فوجود دولة في مناقشات الأمم المتحدة لا يعني بالضرورة امتلاكها البنية التحتية الحوسبية أو الخبرات التقنية أو الشركات أو البيانات اللازمة للتأثير في التكنولوجيا التي يجري النقاش حولها. وقد تفضي هذه الفجوة إلى نظام تشارك فيه الدول رسميًا في حوكمة الذكاء الاصطناعي، بينما تظل معتمدة على تقنيات تُطور في أماكن أخرى.
يتكشف الصراع الناشئ على القوة والنفوذ في مجال الذكاء الاصطناعي على عدة مستويات متزامنة. أولها المنافسة التكنولوجية بين الدول، ولا سيما الولايات المتحدة والصين. وثانيها العلاقة بين الحكومات وشركات الذكاء الاصطناعي الخاصة. أما المستوى الثالث، فيتعلق بتفاوت قدرات الذكاء الاصطناعي بين الدول المتقدمة تكنولوجيًا والدول النامية، فيما يتمحور المستوى الرابع حول المؤسسات الدولية التي ستتولى في نهاية المطاف تحديد القواعد والمعايير التي ترسم حدود السلوك المقبول في هذا المجال.
وتكشف الولايات المتحدة والصين بوضوح عن صعوبة التوصل إلى نهج مشترك. فقد باتت واشنطن تنظر بصورة متزايدة إلى الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي باعتبارها ساحة للمنافسة الاستراتيجية، في وقت تعارض فيه إدارة ترامب ما تصفه بالقيود الدولية المفرطة. وقد عبّر ترامب عن هذا التوجه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر، حين قال: “سنشجعه، لا أن نكبحه”. وفي الوقت نفسه، دعت “OpenAI” إلى وضع معايير دولية، واعتماد تقييمات مشتركة لقدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإنشاء آليات للإبلاغ عن الحوادث الجسيمة المرتبطة بهذه التكنولوجيا. كما أيدت إجراء حوار بين واشنطن وبكين بشأن المخاطر الأمنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وهنا تبرز مفارقة أساسية. فالأطراف التي تخوض أشد المنافسات احتدامًا على الريادة التكنولوجية قد تكون أيضًا من بين الأطراف التي تشتد الحاجة إلى تعاونها لمنع الحوادث الخطرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من التحول إلى أزمات دولية. ومن ثم، تواجه الأمم المتحدة مهمة تتجاوز وضع قواعد للذكاء الاصطناعي. فهي مطالبة ببناء آليات تتيح للدول المتنافسة تبادل المعلومات، ووضع توقعات مشتركة، وتحديد القدرات الخطرة، وإدارة الحوادث، من دون أن يستلزم ذلك تخلي هذه الدول عن المنافسة التكنولوجية.
بالنسبة إلى الأمم المتحدة، بات السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت الحوكمة قادرة على مواكبة التطور المتسارع في قدرات الذكاء الاصطناعي. وستكون عدة مؤشرات حاسمة في تحديد المسار الذي ستسلكه هذه العلاقة خلال المرحلة المقبلة. ويأتي في مقدمتها تواتر الحوادث المرتبطة بوكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على العمل بصورة مستقلة ومدى خطورتها. فالأنظمة التي تصل إلى الشبكات بصورة مستقلة، أو تتجاوز الضوابط الوقائية، أو تتفاعل مع أنظمة أخرى، قد تنقل المخاوف المتعلقة بفقدان السيطرة من نطاق النقاش النظري إلى مشكلات فعلية تمس الأمن على أرض الواقع.
ويتمثل المؤشر الثاني في مدى احتفاظ البشر بالسيطرة على استخدامات الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وهي مسألة ستزداد أهمية مع اتساع استخدام هذه التكنولوجيا في هذا المجال. وقد سلطت مناقشات مجلس الأمن بالفعل الضوء على المخاوف المرتبطة بالأسلحة ذاتية التشغيل ومنظومات القيادة والسيطرة النووية. أما المؤشر الثالث، فيتعلق بمدى تركز البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فإذا استمرت هيمنة عدد محدود من الدول والشركات، فقد يتحول الاعتماد التكنولوجي إلى مصدر أوسع للهشاشة الجيوسياسية. وأخيرًا، ستكون فاعلية المؤسسات الجديدة التي أنشأتها الأمم المتحدة مؤشرًا مبكرًا مهمًا. فقد أتاح “الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي” محفلًا تستطيع جميع الدول المشاركة فيه، بينما يوفر “الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي” قاعدة مشتركة من الأدلة العلمية. ويبقى السؤال هو ما إذا كانت هذه الآليات ستتمكن بمرور الوقت من التأثير في وضع قواعد دولية ملزمة وترتيبات أمنية عملية.
ومن هنا يتبلور نمط جديد من التنافس على القوة والنفوذ، تتداخل فيه القدرة التكنولوجية بصورة متزايدة مع سلطة وضع القواعد التي تحكمها. وقد أرست الأمم المتحدة أساسًا مهمًا للتعامل مع هذه المعضلة، لكن اتساع نطاق المشاركة لا يضمن بالضرورة القدرة على التأثير، مثلما أن الحوار وحده لا يضمن القدرة على ضبط مسار التكنولوجيا. وفي نهاية المطاف، ستتمحور القضية الأساسية خلال السنوات المقبلة حول ما إذا كانت منظومة الحوكمة الدولية قادرة على التطور بالسرعة الكافية لمنع تركز القوة التكنولوجية في أيدي الأطراف القادرة على تطوير أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدمًا. وتزداد أهمية هذه القضية كلما اتسع دور الذكاء الاصطناعي في صنع القرار العسكري، والعمليات السيبرانية، والعمل الاستخباراتي، والبنية التحتية الحيوية، والقوة الاقتصادية. فإذا أصبحت هذه التكنولوجيا أكثر تأثيرًا في تلك المجالات، فلن يعود تحديد من يحكم الذكاء الاصطناعي مسألة تتعلق بتنظيم التكنولوجيا وحدها، بل سيعني، على نحو متزايد، تحديد من يمتلك القدرة على تشكيل البيئة الأمنية العالمية نفسها. لقد ضمنت الأمم المتحدة لنفسها مكانًا على طاولة هذا النقاش. لكن السؤال الذي لم يُحسم بعد هو حجم التأثير الذي ستتمكن في نهاية المطاف من ممارسته في ما يجري حولها.
Chen, Laurie. 2026. ‘EXCLUSIVE: DeepSeek to Brief UN Security Council on AI This Week, Sources Say’. Reuters, September 22. https://www.reuters.com/world/asia-pacific/deepseek-brief-un-security-council-ai-this-week-sources-say-2026-09-22/.
Hammond, George. 2026. ‘OpenAI Joins Call for US-Led Global AI Standards’. FinancialTimes, Financial Times, September 21. https://www.ft.com/content/4e502288-b611-4193-acdb-46ef34b1e3b0.
Nichols, Michelle, Courtney Rozen, and John Irish. 2026. ‘AI Leaders Warn UN of Security Risks as Systems Grow More Powerful’. Reuters, September 23. https://www.reuters.com/business/ai-leaders-brief-un-amid-warnings-technology-could-slip-beyond-human-control-2026-09-23/.
Sajadieh, Sha, Loredana Fattorini, Raymond Perrault, Yolanda Gil, and Vanessa Parli. 2026. Artificial Intelligence Index Report 2026. https://hai.stanford.edu/assets/files/ai_index_report_2026.pdf.
Slodkowski, Antoni. 2026. ‘UN Chief Sounds Alarm on AI Risk After Trump Plays It Down’. Reuters, September 16. https://www.reuters.com/world/un-chief-sounds-alarm-ai-risk-after-trump-plays-it-down-2026-09-16/.
UN. 2026a. ‘Artificial Intelligence and International Security – Security Council, 10228Th Meeting’. UN Web TV, September 24. https://webtv.un.org/en/asset/k1c/k1cdceg9sg.
UN. 2026b. ‘Secretary-General’s Remarks to the Opening of the First Global Dialogue on Artificial Intelligence Governance [as Delivered]’. Secretary-General, United Nations, July 6. https://www.un.org/sg/en/content/sg/statements/2026-07-06/secretary-generals-remarks-the-opening-of-the-first-global-dialogue-artificial-intelligence-governance-delivered
تعليقات