كتب بواسطة

دخل إلى أروقة الكونجرس لاعب جديد يمارس، على نحو غير مألوف، دورًا يشبه جماعات الضغط: لا يسجّل نفسه، ولا يفصح عن عميل يمثله، ولا يترك وراءه أثرًا ورقيًا، ومع ذلك يكاد يكون حاضرًا على مكتب كل موظف، في نافذة مفتوحة على متصفح الإنترنت. ولم يعد هذا الحضور مجرد ظاهرة عابرة في بيئة العمل؛ فقد أفادت تقارير بأن مكتب المستشار التشريعي في مجلس النواب، وهو الجهة التي تتولى تحويل أفكار السياسات العامة إلى نصوص تشريعية ملزمة، بات يتلقى سيلًا من مقترحات مشروعات القوانين المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، تعج بإحالات تشريعية خاطئة وصياغات ركيكة، إلى حد أن محامي المكتب أصبحوا يستغرقون في تصحيحها وقتًا يفوق ما كانوا سيحتاجونه لصياغة مشروعات القوانين نفسها من الصفر. وبالتوازي مع ذلك، بدأ يتكشف مدى تغلغل هذه الأنظمة في العمل اليومي للكونجرس؛ إذ يعتمد أعضاؤه وموظفوه بصورة متزايدة على أنظمة مثل ChatGPT وClaude وCopilot وGemini في إجراء بحوث السياسات العامة، وصياغة مشروعات القوانين والخطابات، وإعداد الردود على مراسلات الناخبين.

 

وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا التحول مجرد امتداد لما تشهده بيئات العمل المختلفة من توظيف متسارع للذكاء الاصطناعي بهدف رفع الكفاءة وتسريع الإنجاز. غير أن الكونجرس ليس بيئة عمل عادية؛ فالمعلومات التي يتلقاها المشرعون، والكيفية التي تُعرض بها القضايا وتُصاغ بها المشكلات، وصولًا إلى الألفاظ الدقيقة التي تجد طريقها في نهاية المطاف إلى نصوص القوانين، يمكن أن تؤثر جميعها في حياة ملايين الأشخاص. ومن هنا، لا يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كانت روبوتات الدردشة تجعل مكاتب الكونجرس أسرع أو أكثر كفاءة، بل في ما يحدث عندما تتجاوز الأنظمة التي يستعين بها صانعو السياسات في البحث وتأطير القضايا وصياغة التشريعات دور الأداة المساعدة، لتصبح طرفًا فاعلًا في العملية السياسية نفسها.

من أداة لرفع الإنتاجية إلى وسيط سياسي

تبدو جاذبية الذكاء الاصطناعي في أروقة الكونجرس مفهومة بالنظر إلى طبيعة العمل التشريعي نفسه. فهذه العملية بطيئة ومعقدة من الناحية الفنية، وتتطلب إلمامًا عميقًا بالقوانين القائمة، في وقت يُنتظر فيه من الموظفين بحث القضايا، وصياغة مشروعات القوانين والتعديلات، وإعداد أسئلة جلسات الاستماع، والرد على مراسلات الناخبين. ويزداد الأمر تعقيدًا في ظل نظام قانوني قد يكون لاختلاف طفيف في الصياغة أثر في الكيفية التي يُفسَّر بها القانون. وفي بيئة تجمع بين هذا التعقيد وضغط الوقت ومحدودية الموارد البشرية، يصعب تجاهل جاذبية أدوات قادرة على اختصار ساعات من البحث والصياغة إلى ثوانٍ. فقد سمح مجلسا الكونجرس للأعضاء والموظفين باستخدام بعض روبوتات الدردشة في الأعمال الرسمية، فيما اشترى مجلس النواب وحده 6,000 ترخيص لخدمة Microsoft Copilot، يُستخدم حاليًا نحو نصفها. وتستطيع هذه الأدوات تلخيص الوثائق الطويلة، وتنظيم البحوث، وإعداد المسودات في غضون ثوانٍ، ما يفسر الإقبال عليها في مكاتب تعاني بالفعل ضيق الوقت ومحدودية أعداد الموظفين.

 

غير أن ما يبدو في البداية حلًا لمشكلة الكفاءة يفتح الباب أمام إشكالية أعمق حين يتجاوز استخدام الذكاء الاصطناعي نطاق المهام الإدارية الروتينية. فأن يُطلب من روبوت دردشة تلخيص وثيقة هو أمر، وأن يُطلب منه تفسير مشكلة تتعلق بالسياسات العامة، أو الموازنة بين الخيارات التنظيمية، أو صياغة نص تشريعي، فأمر مختلف. عند هذه النقطة، لا يعود دور النظام مقتصرًا على استرجاع المعلومات، بل يبدأ في التوسط في تشكيلها: ينتقي ما يُدرج منها وما يُستبعد، ويرتب الحجج والبدائل، ويحدد الإطار الذي تُعرض من خلاله القضية برمتها، قبل أن يبدأ العنصر البشري في تقييمها.

 

وهذا الانتقال من استرجاع المعلومات إلى التوسط في تشكيلها هو جوهر المسألة. فمحرك البحث يضع أمام المستخدم مجموعة من المصادر ليفحصها ويقارن بينها ويقيّمها بنفسه، بينما يقدم روبوت الدردشة إجابة واحدة جاهزة ومتماسكة، متوليًا بذلك جانبًا من عملية التفكير التي كان سيضطلع بها موظف الكونجرس. ويظل بإمكان الموظف مراجعة هذه الإجابة أو تعديلها أو رفضها، لكن الإطار الذي يبدأ منه النظر إلى القضية قد تكون الآلة قد رسمت ملامحه بالفعل. صحيح أن المشرعين لم يعملوا يومًا في فراغ؛ فقد أحاطت بهم دائمًا أطراف تسعى إلى التأثير في رؤيتهم للقضايا، من جماعات الضغط وجماعات المناصرة إلى مراكز الفكر وشهود الخبرة. لكن روبوت الدردشة يختلف عن هذه الأطراف في عنصر بالغ الأهمية، هو وضوح مصدر التأثير. فجماعة الضغط تمثل عميلًا معلومًا، ويمكن تحديد المصالح التي تتحرك في إطارها. أما روبوت الدردشة فلا يمثل طرفًا بعينه على هذا النحو، ومع ذلك يمكن أن يسهم في تحديد ما يتعامل معه موظف الكونجرس بوصفه مخاطر بديهية، أو خيارات واقعية، أو نماذج من دول أخرى جديرة بالاقتداء، وكل ذلك في مرحلة تسبق بدء النقاش السياسي نفسه.

 

ولا يعني ذلك أن شركات الذكاء الاصطناعي توجّه الكونجرس نحو نتائج تخدم مصالحها، كما لا توجد أدلة على تعمّد أي جهة التلاعب بمخرجات هذه الأنظمة لتحقيق هذا الغرض. فالإشكالية لا تتطلب افتراض وجود مؤامرة أو تدخل متعمد؛ إذ قد ينشأ التأثير من عملية التأطير ذاتها. فالطريقة التي تُعرض بها المشكلة قد تسهم في تحديد أي الحلول يبدو منطقيًا أو أكثر إلحاحًا، لا سيما مع تزايد اعتماد صانعي السياسات على الذكاء الاصطناعي في معالجة مواد قد لا يتوافر لهم الوقت أو المعرفة المتخصصة اللازمة لفحصها والتحقق منها بأنفسهم. ومن هنا يكتسب وصف روبوت الدردشة بأنه “جماعة ضغط خفية” دلالته. فهو لا يروّج لأجندة معلنة، ولا يملي على الكونجرس ما ينبغي فعله، لكنه قد يسهم، من داخل عملية صنع السياسات نفسها، في تشكيل نقطة البداية التي ينطلق منها التفكير السياسي. ومن ثم، لا يكمن الخطر الحقيقي في أن يتولى الذكاء الاصطناعي توجيه القرار السياسي مباشرة، بل في أن يعتاد المشرعون بدء مهام البحث والصياغة من الإطار الذي يقدمه لهم ابتداءً. ومع ترسخ هذا النمط، قد يتجاوز روبوت الدردشة تدريجيًا دوره بوصفه أداة تساعد على التفكير السياسي، ليصبح القناة التي يمر عبرها هذا التفكير نفسه.

فجوة التحقق من الذكاء الاصطناعي ومخاطر تآكل المهارات المؤسسية

وإذا كان انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة لاسترجاع المعلومات إلى وسيط يسهم في تشكيلها يثير تساؤلات بشأن تأثيره في التفكير السياسي، فإن الضغوط المتزايدة على مكتب المستشار التشريعي تكشف عن وجه آخر، أكثر مباشرة، للتبني السريع لهذه التكنولوجيا: قدرتها على توليد العمل بوتيرة تفوق قدرة المؤسسات على مراجعته والتحقق منه. ويكتسب هذا التفاوت أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي يؤديه المكتب بوصفه إحدى آليات ضبط الجودة الأساسية داخل الكونجرس، إذ يتولى التأكد من أن صياغة مشروعات القوانين تعكس بالفعل ما يقصده المشرعون، وأنها تتسق مع القوانين القائمة. ولم تبدأ هذه الضغوط مع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ فقد كان المكتب يواجه بالفعل أعباء عمل ثقيلة. ففي دورة الكونجرس السابقة، تولى 61 محاميًا و19 موظف دعم إعداد أكثر من 30 ألف مشروع قانون، وهو عدد يقارب ثلاثة أمثال مشروعات القوانين التي طُرحت رسميًا في نهاية المطاف. وخلال الأيام الستين الأولى فقط من دورة الكونجرس الحالية، تلقى المكتب 5,623 طلبًا تشريعيًا، بزيادة بلغت 72% مقارنة بالفترة نفسها قبل عامين.

 

 

لكن الذكاء الاصطناعي يضيف إلى هذه الضغوط اختلالًا جديدًا في معادلة العمل التشريعي، إذ يختزل الوقت اللازم لإعداد مسودة مشروع قانون إلى حد يكاد يكون معدومًا. فقد أصبح في وسع مكتب في الكونجرس، أو جماعة مناصرة، أو منظمة خارجية إعداد عدة صيغ لمقترح تشريعي في غضون دقائق، حتى من دون امتلاك الخبرة القانونية المتخصصة التي طالما تطلبتها الصياغة التشريعية. غير أن هذا التسارع الهائل في توليد النصوص لا يقابله تسارع مماثل في القدرة على التحقق منها؛ فالذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج مسودة في لحظات، بينما يظل التأكد من دقتها واتساقها الداخلي وسلامتها القانونية عملية بشرية تستغرق وقتًا. ومن هنا تنشأ ما يمكن تسميته “فجوة التحقق من الذكاء الاصطناعي”: ففي حين تتسع القدرة على توليد المقترحات وتتسارع بوتيرة كبيرة، تكاد القدرة المؤسسية على مراجعتها والتحقق منها تظل على حالها، فتزداد الفجوة بين سرعة الإنتاج والقدرة على التحقق اتساعًا.

 

ولم تعد هذه الفجوة مجرد احتمال نظري، بل باتت ملموسة في المسودات التي تصل إلى مكاتب المحامين. فمشروعات القوانين المصاغة بالذكاء الاصطناعي تصل محمّلة بإحالات تشريعية خاطئة، ومصطلحات غير متسقة، وأحكام غامضة، إلى حد أن تصحيحها قد يستغرق وقتًا أطول مما كانت ستستغرقه صياغة مشروع القانون نفسه من البداية. وقد عبّر النائب جو موريل بوضوح عن خطورة ذلك، محذرًا من أن “الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل الكفاءات المهنية الماهرة والمتفانية في مكتب المستشار التشريعي”. وذهبت النائبة نورما توريس في الاتجاه نفسه، محذرة من أن “الاعتماد المفرط على نصوص مشروعات القوانين المولَّدة بالذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى وقوع أخطاء”. ولا تعد هذه الأخطاء مسائل فنية هامشية؛ فالصياغة التشريعية تقوم في جوهرها على فروق دقيقة قد يتغير معها أثر القانون نفسه. فاختيار تقديم المساعدة في صورة ائتمان ضريبي أو خصم ضريبي أو منحة يحدد مَن يستفيد منها فعليًا وكيفية استفادته. كما أن تعريفًا غير منضبط لمصطلح “الولاية” قد يؤدي، من دون قصد، إلى استبعاد مقاطعة كولومبيا أو الأمم القبلية من برنامج فيدرالي. أما الإحالة الخاطئة إلى مدونة قوانين الولايات المتحدة، فقد تترك الوكالات والمحاكم أمام مهمة استجلاء ما كان الكونجرس يقصده بالفعل.

 

غير أن المشكلة لا تنتهي عند احتمال إنتاج تشريعات معيبة، بل تمتد إلى أثر أكثر عمقًا وأبطأ ظهورًا: الكيفية التي تتكون بها الخبرة المؤسسية داخل الكونجرس نفسه. فالصياغة التشريعية ليست مجرد تحويل فكرة سياسية إلى لغة قانونية، وإنما عملية تفرض على القائم بها التفكير في التعريفات والاستثناءات والأساس القانوني والعواقب غير المقصودة، والمفاضلة بين الخيارات التي تطرحها هذه العناصر. ومن خلال خوض هذه العملية نفسها تتراكم الخبرة وتتكون المعرفة المؤسسية. فالموظف الذي يصوغ مقترحًا من الصفر يضطر إلى التفكير في هذه العناصر جميعًا، وفهم الروابط بينها، وحسم ما تطرحه من خيارات. أما الموظف الذي يُدخل هدفًا إلى روبوت دردشة، فيتلقى هيكلًا سبق أن صاغه شخص، أو شيء، آخر، بعد أن تكون بعض الخيارات الصعبة المتعلقة بتأطير القضية وتحديد الأولويات قد حُسمت بالفعل. ولا يعني ذلك أن الموظف يفقد قدرته على مراجعة هذه المخرجات أو تعديلها أو رفضها. لكن الاعتماد المتكرر على المسودات الأولية المولَّدة بالذكاء الاصطناعي قد يقلب تدريجيًا تسلسل العمل نفسه: فبدلًا من بناء إطار للسياسة العامة أولًا، ثم تحويله إلى نص قانوني، تصبح نقطة البداية هي الإطار الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي، لتبدأ عملية المراجعة والتحرير من داخله. وهنا لا يتعلق التحول بأداة الصياغة وحدها، بل بالطريقة التي تُكتسب بها الخبرة أثناء عملية الصياغة.

 

ومن هذه النقطة تحديدًا يتجسد خطر “تآكل المهارات المؤسسية”. فإذا أخذ الذكاء الاصطناعي يتولى تدريجيًا جانبًا أكبر من أعمال البحث وتجميع المعلومات وتركيبها وإعداد المسودات، وهي المهام التي كانت تسهم في بناء خبرات الموظفين، فقد يجد الكونجرس نفسه أمام حلقة اعتماد تتفاقم ذاتيًا: كلما ازداد اعتماد الموظفين على الأداة، قل انخراطهم المباشر في الأعمال التي تبني خبراتهم؛ وكلما تراجعت تلك الخبرة، ضعفت قدرتهم على اكتشاف أخطاء الأداة، بما قد يدفع بدوره إلى مزيد من الاعتماد عليها. وعندئذ، يصبح التحدي أكبر من مجرد منع هلوسات الذكاء الاصطناعي من أن تجد طريقها إلى قاعة الكونجرس. فالمسألة الأعمق هي ضمان ألا تؤدي التكنولوجيا، في أثناء تسريعها للعمل التشريعي، إلى إضعاف الخبرة البشرية التي يعتمد عليها الكونجرس أصلًا للتحقق من هذا العمل. فالمؤسسة لا تحتاج فقط إلى أدوات أكثر قدرة على إنتاج النصوص، بل تحتاج أيضًا إلى الاحتفاظ بالقدرة البشرية المستقلة على معرفة متى تكون تلك النصوص خاطئة، ولماذا، وكيف ينبغي تصحيحها.

البنية التحتية المعرفية الخاصة وحدود الاستقلال المؤسسي

ولا يقف الأمر عند حدود ما قد يترتب على استخدام الذكاء الاصطناعي من أخطاء أو تآكل تدريجي للخبرة المؤسسية؛ إذ تبرز إشكالية أخرى تتعلق بمن يملك، في الأساس، الأنظمة التي يتزايد اعتماد الكونجرس عليها. فالكونجرس لا يستخدم في عمله التشريعي أداة عامة صُممت خصيصًا لهذا الغرض، بل يعتمد على منتجات تطورها شركات مثل Microsoft وOpenAI وGoogle وAnthropic، وهي الشركات نفسها التي قد يجد الكونجرس نفسه، في نهاية المطاف، مسؤولًا عن وضع القواعد المنظمة لأنشطتها. ولا يعني ذلك أن هذه الشركات تسيطر على العملية التشريعية أو توجّه مخرجات أنظمتها بما يخدم مصالحها؛ فموطن القلق هنا بنيوي، ولا يفترض وجود تلاعب متعمد أو أجندة خفية.

 

وتتضح أبعاد هذه الإشكالية عند النظر إلى طبيعة الوظائف التي باتت هذه الأنظمة تؤديها. فبخلاف برمجيات العمل المكتبي التقليدية، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تسهيل تنفيذ المهام، بل يمتد بصورة متزايدة إلى أداء وظائف كانت تتطلب في السابق جهدًا ذهنيًا بشريًا، من البحث ومقارنة الحجج إلى رصد الأنماط واقتراح الحلول. وبهذا المعنى، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شكل من أشكال “البنية التحتية المعرفية” المملوكة للقطاع الخاص؛ إذ تبدأ المؤسسات في الاعتماد على أنظمة طورتها شركات خاصة ليس فقط لإنجاز العمل، وإنما لأداء جانب من الوظائف الأساسية المتعلقة بمعالجة المعلومات وتنظيمها وتكوين الأفكار انطلاقًا منها.

 

وهنا يكتسب الاعتماد بُعدًا يتجاوز مجرد استخدام منتج تقني. فقد يظل الكونجرس مستقلًا عن هذه الشركات من الناحية الرسمية، بينما يتزايد اعتماده عمليًا على منتجاتها في أداء أعماله اليومية. ومع ترسخ نظام بعينه في عادات الموظفين ومسارات عملهم، لا يعود التخلي عنه مجرد مسألة استبدال أداة بأخرى؛ إذ تصبح طريقة إنجاز العمل نفسها مرتبطة به، بما يجعل الانتقال عنه أكثر صعوبة بمرور الوقت. وهكذا، قد يتشكل نوع من الاعتماد المؤسسي من دون وجود علاقة رسمية تقيد استقلال الكونجرس، وإنما من خلال اندماج الأداة تدريجيًا في البنية اليومية للعمل.

 

وتصبح هذه المفارقة أكثر وضوحًا بالنظر إلى موقع الكونجرس نفسه في هذه المعادلة. فهو لا يستخدم هذه الأنظمة فحسب، بل يتحمل أيضًا مسؤولية صياغة القواعد التي ستنظم الصناعة التي تطورها. وهكذا، قد يجد موظف يبحث في سبل تنظيم الذكاء الاصطناعي نفسه يستعين بروبوت دردشة طورته شركة خاصة لفهم المخاطر والخيارات المرتبطة بالصناعة التي أنتجت الأداة التي يستخدمها. ولا يمثل ذلك، في حد ذاته، دليلًا على وجود تحيز في المخرجات، لكنه يكشف عن توتر بنيوي يصعب تجاهله: فالمؤسسة التي يُفترض أن تضع القواعد المنظمة لصناعة ما قد تصبح، في الوقت نفسه، أكثر اعتمادًا على منتجات تلك الصناعة في جمع المعلومات ومعالجتها وفهم القضايا التي تسعى إلى تنظيمها.

 

وعند هذه النقطة، تتجاوز المسألة حدود الاستقلال التنظيمي لتصل إلى ما يمكن وصفه بالاستقلال المعرفي. فالسؤال لم يعد فقط ما إذا كان الكونجرس قادرًا على تنظيم شركات الذكاء الاصطناعي من دون الخضوع لمصالحها، بل ما إذا كان قادرًا على الحفاظ على استقلاله في الوصول إلى المعرفة وتقييمها وتكوين الأحكام بشأنها، حين تصبح أنظمة مملوكة لشركات خاصة جزءًا متأصلًا من البنية التي يعتمد عليها في أداء هذه الوظائف. وكلما ازداد اندماج هذه الأنظمة في العمل المؤسسي اليومي، ازدادت أهمية التمييز بين الاستقلال الرسمي عن الشركات والاستقلال الفعلي عن الأدوات المعرفية التي تنتجها.

 

وتزداد حساسية هذه المسألة عند مقارنة الذكاء الاصطناعي بقنوات التأثير السياسي التقليدية، التي تخضع، على الأقل، لقدر من الشفافية يمكن من خلاله تتبع مصدر التأثير والمصلحة الكامنة وراءه. فجماعات الضغط تسجّل نفسها، ويخضع إنفاق الشركات للتتبع، ويمكن مساءلة الخبراء عن أي تضارب محتمل في المصالح. أما الذكاء الاصطناعي فلا يوفر، بطبيعته، مستوى مماثلًا من الوضوح. فقد يتلقى موظف في الكونجرس إجابة تبدو واثقة ومحكمة الصياغة، من دون أن يكون لديه وضوح بشأن أسباب إبراز مصادر أو حجج بعينها، أو استبعاد أخرى، أو الكيفية التي رُتبت بها الأولويات داخل الإجابة نفسها. ولا يجعل ذلك الإجابة خاطئة بالضرورة، لكنه يخلق مشكلة مختلفة في المساءلة: فمصدر التأثير يصبح أقل وضوحًا، وتتبع الكيفية التي تشكل بها أصعب بكثير من تتبع المصالح التي تقف وراء جماعة ضغط تقليدية. ولا يقتصر هذا التحول على الكونجرس. فما يحدث داخله يمثل جزءًا من تغير أوسع في علاقة الأفراد والمؤسسات بالمعلومات؛ إذ يتحول الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة إلى نقطة الاتصال الأولى مع المعرفة في مجالات تمتد من التعليم والصحافة إلى الحياة اليومية. وبدلًا من أن يبحث المستخدمون بأنفسهم بين مصادر متعددة، ويقارنوا بينها، ويقيّموا ما تقدمه من معلومات وحجج، باتوا يعتمدون بصورة متزايدة على روبوتات الدردشة لتتولى جانبًا من هذه العملية نيابة عنهم.

 

ولا شك في أن هذا التحول يوفر قدرًا كبيرًا من السهولة والسرعة، لكنه ينقل في الوقت نفسه قدرًا متزايدًا من القوة إلى الأنظمة التي تتولى تنظيم المعلومات واختيار ما تبرزه منها وتقديمه للمستخدم في صورة إجابة متماسكة. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يتحول عدد محدود من منصات الذكاء الاصطناعي، بحكم الواقع، إلى حراس لبوابة المعرفة السياسية والاجتماعية؛ لا لأنها تفرض أيديولوجيا واحدة على الجميع، بل لأن ملايين الأشخاص، ومعهم المؤسسات المسؤولة عن إدارة شؤونهم، قد يبدأون بصورة متزايدة من إجابات تنتجها مجموعة محدودة من الأنظمة التي طورتها شركات خاصة. وليست هذه المرة الأولى التي تعيد فيها التكنولوجيا تشكيل العلاقة بين السياسة والمعلومات. فقد أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل الطريقة التي يتواصل بها السياسيون مع الناخبين، مثلما أعادت خوارزميات التوصية تشكيل طبيعة المعلومات التي تصل إلى الأفراد. غير أن الذكاء الاصطناعي يمضي خطوة أبعد؛ فهو لا يكتفي بترشيح المعلومات أو تحديد ما يصل منها إلى المستخدم، بل يشارك أيضًا في البحث فيها، وانتقائها، وتجميعها، وصياغتها في صورة إجابة متماسكة. وبذلك، لا يقتصر تأثيره المحتمل على المعلومات التي يراها صانع القرار، بل قد يمتد إلى الكيفية التي تُرتب بها تلك المعلومات وتُفهم من خلالها المشكلة نفسها.

 

ولهذا، سيكون من القصور اختزال النقاش في سؤال يتعلق بما إذا كان روبوت الدردشة يستطيع صياغة مشروع قانون بسرعة تفوق قدرة موظف بشري. فالقضية الأعمق تبدأ في مرحلة أسبق بكثير من الصياغة النهائية: حين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من البنية الأولية لصنع القرار السياسي، فيسهم في تحديد ما يستحق الاهتمام، وكيف تُعرَّف المشكلة، وما الخيارات التي تبدو متاحة لمعالجتها، قبل أن يبدأ أصلًا النقاش السياسي حول الحلول. وقد أصبحت بعض التداعيات المباشرة لهذا التحول ملموسة بالفعل: مشروعات قوانين تعج بالأخطاء، ومكتب قانوني يرزح تحت أعباء متزايدة، وحجم عمل يواصل الارتفاع. غير أن التداعيات الأطول أمدًا قد تكون أعمق بكثير. فالذكاء الاصطناعي ينتقل تدريجيًا من كونه مجرد تقنية يتولى الكونجرس تنظيمها إلى أداة تدخل في صميم الكيفية التي يجري بها بحوثه، ويتواصل، ويصوغ تشريعاته. وهنا تتحول المسألة من سؤال عن كفاءة الأداة إلى سؤال عن حدود الاعتماد عليها.

 

ومن ثم، لا يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحل محل المشرعين أو سيبدأ في كتابة القوانين من تلقاء نفسه؛ فالمسؤولية الرسمية عما يصبح قانونًا تظل في يد المسؤولين المنتخبين والمستشارين التشريعيين. وإنما يتعلق السؤال الأهم بمدى قدرة الكونجرس على الاحتفاظ بقدر كافٍ من الخبرة والاستقلال المعرفي بما يضمن بقاء الذكاء الاصطناعي أداة يستخدمها في صنع القرار، بدلًا من أن يتحول تدريجيًا إلى بنية معرفية خفية تمر عبرها عملية صنع القرار نفسها. وبهذا المعنى تحديدًا، يستمد روبوت الدردشة وصف “جماعة الضغط الخفية”. فهو لا يستحق هذا الوصف لأنه يروّج لأجندة لصالح عميل يدفع له، ولا لأن هناك دليلًا على أنه يتعمد توجيه المشرعين نحو نتائج بعينها، بل لأن تأثيره المحتمل يقع في مستوى أسبق وأقل ظهورًا: تشكيل البيئة المعرفية التي تتخذ في إطارها الخيارات السياسية، من دون أن يخضع لقواعد الإفصاح والشفافية التي تحكم أشكالًا أخرى من التأثير السياسي. وقد لا يتجلى أثره الأكبر يوم التصويت، حين تكون المواقف قد تبلورت والخيارات قد تحددت، بل قبل ذلك بكثير: في اللحظة التي يسأل فيها أحد الموظفين عما يستحق الاهتمام، وما المخاطر التي ينبغي أخذها في الحسبان، وما الخيارات المتاحة، وكيف ينبغي فهم المشكلة من الأساس.

 

وتزداد دلالة هذه المفارقة مع استمرار الكونجرس في إدماج أنظمة ذكاء اصطناعي طورتها شركات خاصة في صميم عمله، بينما يتولى، في الوقت نفسه، صياغة القواعد التي ستنظم الصناعة التي أنتجت تلك الأنظمة. وفي ظل هذا التداخل، لم يعد الحفاظ على استقلال الحكم البشري مجرد مسألة حذر فردي في استخدام أداة جديدة، بل أصبح تحديًا مؤسسيًا قائمًا بذاته. فالخطر الحقيقي لم يكن يومًا أن يسلّم المشرعون سلطتهم فجأة إلى آلة. الخطر أكثر بطئًا وأقل وضوحًا: أن تصبح الإجابات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، بمرور الوقت، نقطة الانطلاق الافتراضية للبحث والصياغة؛ وأن يتحول الرجوع إليها من خيار مساعد إلى نمط عمل راسخ؛ ثم يصبح الإطار الذي تقدمه هو الإطار الذي يبدأ منه التفكير قبل أن تبدأ المراجعة البشرية أصلًا. وعندئذ، قد لا يكون التحدي في معرفة ما إذا كان الإنسان أو الآلة هو صاحب القرار النهائي، بل في معرفة أين ينتهي الحكم المستقل وأين يبدأ الحكم الذي أسهمت الخوارزميات، منذ مراحله الأولى، في تشكيله.

المراجع

Brown, Hayes. 2026. ‘Congress Is Getting Bogged Down by AI Slop’. MS NOW, August 19. https://www.ms.now/opinion/congress-house-senate-staff-ai-use.

 

Congress.Gov. 2026. ‘AI Chatbots as Companions: Overview, Uses, and Considerations for Congress’. Congress.Gov. https://www.congress.gov/crs-product/R49189.

 

Dahlkamp, Owen. 2026. ‘AI Slop Is Swamping a House Office That Drafts US Laws’. Politico, Politico, August 17. https://www.politico.com/news/2026/08/17/ai-slop-lawmakers-congress-01008376.

 

Liss-Roy, Anna. 2026. ‘Chatbots Are Doing the Work of Congress With Little Oversight’. The Washington Post, August 13. https://www.washingtonpost.com/politics/2026/08/13/chatbots-are-doing-work-congress-with-little-oversight/.

 

Rashid, Hafiz. 2026. ‘The Wild—and Unregulated—Ways Lawmakers Are Using AI Chatbots’. The New Republic, August 13. https://newrepublic.com/post/214291/congress-ai-chatbots-write-bills-tommy-tuberville.

 

The New York Times. 2006. ‘Opinion | Congress’s $2 Billion Typo’. Nytimes, The New York Times, February 23. https://www.nytimes.com/2006/02/23/opinion/congresss-2-billion-typo.html.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *