دخلت الولايات المتحدة، في السابع من مارس 2026، أسبوعها الثاني من حملتها العسكرية المشتركة ضد إيران، بعد إطلاق عملية "الغضب الملحمي" بالتنسيق مع إسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير. وخلال أيام معدودة، انزلق الصراع إلى مواجهة إقليمية واسعة النطاق، تمثلت أبرز معالمها في مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وما تبع ذلك من ضربات إيرانية انتقامية طالت مناطق مختلفة من الخليج، إلى جانب اتساع دائرة الانخراط الإقليمي في مسار التصعيد، من البحرين إلى لبنان. وجاءت هذه الحرب بالنسبة إلى الحزب الجمهوري في توقيت بالغ الحساسية، وفي لحظة كانت تتسم أصلًا بدرجة مرتفعة من الهشاشة السياسية. فقبل اندلاع الصراع، كانت البيئة الانتخابية تميل بالفعل بوضوح ضد الحزب، تحت ضغط مجموعة من العوامل الهيكلية الملازمة عادةً لانتخابات التجديد النصفي، وفي مقدمتها التراجع التقليدي في شعبية الرئيس القائم، وانخفاض مستويات التأييد العام، وتصاعد التململ داخل الائتلاف الانتخابي الداعم له. وقد وضعت هذه المعطيات الجمهوريين في موقع دفاعي متزايد، حتى قبل أن تضيف الحرب أعباءها السياسية والأمنية والاقتصادية إلى المشهد. وفي هذا السياق، جاء اندلاع حرب كبرى تفتقر إلى قبول شعبي واسع ليضاعف من حدة هذه الهشاشة ويعمّق آثارها. وعلى هذا الأساس، لم يعد السؤال الذي يواجه الحزب الجمهوري مع اقتراب انتخابات نوفمبر يتمحور حول ما إذا كان سيفقد مقاعد في الكونجرس، بل حول حجم الخسائر التي قد يتكبدها في ظل بيئة انتخابية تتزايد فيها الضغوط السياسية وتتداخل فيها الاعتبارات الاستراتيجية بصورة أكثر تعقيدًا.
حتى قبل أن تتساقط القنابل على طهران، كانت المؤشرات الهيكلية المحيطة بانتخابات عام 2026 تميل بوضوح ضد الحزب الجمهوري. ويُظهر ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ”القاعدة الراسخة” لانتخابات التجديد النصفي أن حزب الرئيس الحاكم يخسر، في الغالب، مقاعد في مجلس النواب، وهي قاعدة تكرّست في عشرين دورة انتخابية من أصل اثنتين وعشرين منذ عام 1938. أما الاستثناءان الوحيدان، في عامي 1998 و2002، فقد ارتبطا بظروف سياسية استثنائية يصعب استنساخها في السياق الراهن. ففي الأولى، جاء الأداء الانتخابي في ظل ارتداد سياسي عكسي على محاولة عزل الرئيس بيل كلينتون، بينما ارتبطت الثانية بموجة الالتفاف الوطني حول الرئيس جورج دبليو بوش في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وفي الحالة الراهنة، لا يبدو أن الحزب الجمهوري يمتلك ما يعادل أيًّا من هذين الظرفين الاستثنائيين.
كما أشار نموذج للتنبؤ الانتخابي طوّره عالما السياسة تشارلز تيين ومايكل إس لويس-بيك، بالاستناد إلى نسب تأييد الرئيس ونمو الدخل الشخصي المتاح، إلى أن الجمهوريين كانوا، منذ أواخر عام 2025، مرشحين لخسارة نحو 28 مقعدًا في مجلس النواب، بما قد يفضي إلى فقدانهم السيطرة على المجلس. وقد التقت مع هذا التقدير تحليلات كلٍّ من منصة “كريستال بول” التابعة للاري ساباتو ومعهد بروكينجز، حيث اعتبر الأخير أن 29 مقعدًا يشغلها الجمهوريون تقع ضمن دائرة الخطر بدرجات متفاوتة.
وفي ضوء هذه الحسابات، كانت هوامش المناورة لدى الحزب محدودة للغاية حتى قبل اندلاع الحرب. فالجمهوريون لا يستطيعون تحمّل خسارة أكثر من مقعدين إذا أرادوا الحفاظ على أغلبيتهم في مجلس الشيوخ، ولا أكثر من خمسة مقاعد إذا سعوا إلى الإبقاء على سيطرتهم على مجلس النواب. وهو ما يعني أن أي صدمة سياسية أو أمنية كبرى من شأنها أن تتحول سريعًا من عامل ضغط إضافي إلى تهديد مباشر لتوازنهم التشريعي في الكونجرس.
إضافة إلى ذلك، ظل معدل تأييد دونالد ترامب منذ أواخر عام 2025 في نطاق سلبي بصورة مستمرة، بما يعكس تراجعًا هيكليًا في قدرته على الحفاظ على قاعدة دعم انتخابية واسعة. فقد أظهر استطلاع أجرته الإذاعة الوطنية العامة وهيئة البث العام بالتعاون مع معهد ماريست في أوائل مارس 2026 أن نسبة تأييده لم تتجاوز 39%، لتبقى دون عتبة 40% لعدة أشهر متتالية. وكان هذا التراجع أكثر حدة بين الناخبين المستقلين، حيث انخفضت نسبة التأييد إلى 30%، كما امتد إلى ركائز ديموغرافية أساسية في ائتلافه الانتخابي لعام 2024، ولا سيما بين اللاتينيين عند 38%، والناخبين دون سن الثلاثين عند 30%، وهو ما يعكس تآكلًا متسارعًا في شرائح حاسمة لترجيح الكفة الانتخابية.
وتزداد دلالة هذه المؤشرات عند وضعها في سياقها التاريخي. إذ تُظهر البيانات الانتخابية الأمريكية أن كل رئيس، منذ عهد هاري ترومان، دخل الشهر السابق لانتخابات التجديد النصفي بنسبة تأييد تقل عن 50% خسر مقاعد في مجلس النواب. أما عندما ينخفض هذا المعدل إلى ما دون 40%، فإن متوسط الخسائر يرتفع إلى نحو 34 مقعدًا. وعلى هذا الأساس، لم تكن معضلة الجمهوريين قبل اندلاع الحرب ظرفية أو عابرة، بل كانت تعكس خللًا أعمق في المناخ السياسي المحيط بالرئيس نفسه، وهو ما دفع الحزب إلى دخول الاستحقاق الانتخابي وهو يفتقر إلى أحد أهم مقومات الصمود: رئيس قادر على توسيع قاعدة التأييد خارج نواته الانتخابية الأكثر ولاءً.
ولم تقتصر الإشكالية على مستوى الأرقام الإجمالية لنسب التأييد، بل امتدت إلى طبيعة هذا التراجع وحدّته، بما جعله أكثر كلفة سياسيًا على الحزب الجمهوري. فقد سجّلت سياسات ترامب في مجالات الرسوم الجمركية، وتشديد إنفاذ قوانين الهجرة، وإدارة السياسة الخارجية صافي تقييمات سلبية، ما عكس اتساع فجوة الرفض عبر ملفات تمس صلب أولويات الناخبين الاقتصادية والأمنية على حد سواء.
وفي الاتجاه ذاته، أظهر ما يُعرف بـ”المؤشر العام لانتخابات الكونجرس”، الذي يقيس توجهات الناخبين بين الحزبين في انتخابات مجلس النواب، تقدّمًا مستمرًا للحزب الديمقراطي منذ مارس 2025. ولم يكن هذا التقدم مجرد تفوق عابر، بل جاء ضمن مسار انتخابي غير مواتٍ للجمهوريين، يعيد إنتاج ديناميكيات دورة عام 2018، حين نجح الديمقراطيون في نهاية المطاف في تحقيق مكاسب بلغت 40 مقعدًا في مجلس النواب. وأخيرًا، لعلّ أوضح مؤشرات هشاشة الموقف الانتخابي للجمهوريين قبل الحرب ظهرت في نتائج الانتخابات الخاصة والانتخابات التمهيدية في تكساس. فقد أظهرت دورة 2026 أن المرشحين الديمقراطيين في الانتخابات الخاصة حققوا أداءً تجاوز هوامش كامالا هاريس في انتخابات 2024 بمتوسط 13 نقطة مئوية، وهو تحول انتخابي يفوق من حيث الزخم ذلك الذي سبق المكاسب الديمقراطية البالغة 40 مقعدًا في مجلس النواب عام 2018.
وفي فبراير 2026، فازت المرشحة الديمقراطية تشاسيتي مارتينيز بمقعد في مجلس نواب ولاية لويزيانا داخل دائرة كان ترامب قد حسمها سابقًا بفارق 13 نقطة. وقبل ذلك بأسبوع واحد فقط، نجح الديمقراطيون في انتزاع مقعد في مجلس شيوخ ولاية تكساس ضمن دائرة تُعد تقليديًا من المناطق المواتية لترامب.
ثم جاءت الانتخابات التمهيدية في تكساس في 4 مارس 2026، بعد أيام من اندلاع الحرب مع إيران، لتضيف مؤشرًا أكثر دلالة. ففي واحدة من أكثر الولايات رسوخًا في المعسكر الجمهوري، تجاوز عدد المشاركين في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عدد المشاركين في نظيرتها الجمهورية. واستنادًا إلى هذه النتائج، حذّرت عضوة الكونجرس السابقة مارجوري تايلور جرين من أن استمرار هذا الفارق في الزخم الانتخابي حتى نوفمبر قد يفتح الباب أمام تحول مقعد تكساس في مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين، وهو سيناريو كان يُعد، حتى قبل عام واحد فقط، بعيدًا للغاية عن الحسابات التقليدية. وفي موازاة ذلك، بدأت القاعدة التمثيلية للحزب الجمهوري في مجلس النواب تتآكل بصورة ملحوظة. فبحلول أوائل مارس 2026، أعلن 33 نائبًا جمهوريًا عدم ترشحهم لإعادة الانتخاب، مقابل 21 نائبًا ديمقراطيًا. ويعكس هذا المعدل المرتفع تاريخيًا من انسحابات الجمهوريين مؤشرًا واضحًا على تصاعد التشاؤم داخل الحزب حيال فرصه الانتخابية.
لم يأتِ إطلاق عملية “الغضب الملحمي” في 28 فبراير 2026 في فراغ سياسي، بل وقع في سياق يتعارض مع أحد المرتكزات الأساسية التي بنى عليها دونالد ترامب هويته السياسية طوال ما يقرب من عقد. فمنذ حملته الانتخابية عام 2016، حرص ترامب على ترسيخ صورته بوصفه رئيسًا متشككًا في جدوى الانخراط العسكري الخارجي، وذهب آنذاك إلى وصف حرب العراق بأنها “خطأ كبير وفادح”. كما أعادت حملته في انتخابات 2024 توظيف هذا الخطاب عبر تصوير منافسته الديمقراطية كامالا هاريس على أنها محاطة بـ”صقور حرب” يدفعون باتجاه توسيع التدخلات العسكرية الأمريكية في الخارج. وفي هذا الإطار، لم يكن شعار “أمريكا أولًا”، الذي شكّل المبدأ الناظم لحركة “ماجا”، مجرد عنوان انتخابي فضفاض، بل مثّل لدى ملايين من أنصار ترامب تعبيرًا مباشرًا عن رفض الحروب الخارجية المكلفة، ولا سيما في الشرق الأوسط
وعندما شنّت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية ضرباتها على إيران في 28 فبراير، وأسفرت الساعات الأولى من الحملة عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، بدا أن ذلك القرار نسف عمليًا هذا التصور الذي ترسّخ داخل قاعدته السياسية. ولم يلبث أن تعرّض الخطاب التبريري الذي قدّمته إدارة ترامب لتشكيك سريع، سواء من حيث مبرراته الأمنية أو من حيث اتساقه مع الرواية السابقة للرئيس نفسه. فقد أوضحت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بصفتها الجهة الرقابية الأممية المعنية بالملف النووي، في تصريحات لشبكة “سي إن إن”، أن إيران لم تكن على بُعد أيام أو أسابيع من امتلاك سلاح نووي. ويكتسب هذا التقييم حساسية إضافية بالنظر إلى أن ترامب نفسه كان قد صرّح قبل أشهر قليلة فقط بأن الضربات السابقة التي أمر بها “دمّرت بالكامل” القدرات النووية الإيرانية.
وجاء الارتداد السياسي من داخل حركة “ماجا” سريعًا وواضحًا. فقد وصفت مارجوري تايلور جرين، التي كانت تُعد من أبرز حلفاء ترامب في الكونجرس قبل استقالتها في يناير 2026، الضربات بأنها “خيانة صادمة”، واتهمت الإدارة بتبني نهج “أمريكا أخيرًا”. كما برز تاكر كارلسون، الذي أفادت تقارير بأنه التقى ترامب عدة مرات خلال الأسابيع التي سبقت العملية في محاولة لثنيه عنها، كأحد أبرز الأصوات المعارضة للحرب داخل التيار الشعبوي المحافظ. كذلك أدان عدد من المعلقين البارزين، من بينهم كانديس أوينز، وميجين كيلي، ومات والش، والشقيقان هودج، الذين يصل تأثيرهم مجتمعين إلى عشرات الملايين من المتابعين، الحرب بوصفها انتهاكًا لمبادئ “أمريكا أولًا”.
ووصف السيناتور راند بول الخطوة بأنها “حرب استباقية أخرى”، فيما تعهّد النائب توماس ماسي بالدفع نحو تصويت في الكونجرس بشأن صلاحيات الحرب. وذهبت بعض دوائر الفضاء الرقمي المرتبط بحركة “ماجا” إلى مدى أبعد، إذ دعا بعض الفاعلين داخلها، مثل القومي الأبيض نيك فوينتس، أنصارهم إلى التفكير في التصويت للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي بوصفه فعلًا احتجاجيًا. كما أفاد تقرير لصحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” بأن منتجين ومؤثرين في منصات إعلامية بارزة مرتبطة بالحركة تلقّوا رسائل من ناخبين جمهوريين كانوا حتى وقت قريب ضمن القاعدة الموالية، أعربوا فيها عن نيتهم الامتناع عن التصويت نهائيًا.
وتحمل هذه الانقسامات في حد ذاتها دلالة سياسية بالغة الأهمية. فبحسب استطلاع أجرته مؤسسة “أنجوس ريد”، سجّل الجمهوريون الذين لا يعرّفون أنفسهم باعتبارهم جزءًا من حركة “ماجا” مستويات دعم أدنى بكثير للضربات العسكرية، حيث بلغت نسبة التأييد بينهم 56%، مقابل 85% بين أولئك الذين يعرّفون أنفسهم ضمن الحركة.
ويضيف البعد المالي للصراع طبقة جديدة من الهشاشة السياسية. فقد قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الساعات المئة الأولى من عملية “الغضب الملحمي” كلّفت نحو 3.7 مليارات دولار، أي ما يعادل قرابة 891 مليون دولار يوميًا. وتمثل هذه الأرقام عبئًا سياسيًا بالغ الحساسية بالنسبة إلى الحزب الجمهوري، الذي عاد إلى السلطة مستندًا إلى وعود بخفض الضغوط المعيشية الناجمة عن التضخم وإعطاء الأولوية للقضايا الداخلية. وفي هذا السياق، تبدو صورة تدفّق مليارات الدولارات يوميًا لتمويل حملة عسكرية في الشرق الأوسط شديدة الكلفة سياسيًا، لا سيما أمام الناخبين من الطبقة العاملة الذين شكّلوا النواة الأساسية لائتلاف ترامب الانتخابي في عام 2024.
تعكس استطلاعات الرأي التي أُجريت خلال الأسبوع الأول من الحرب صورة متسقة ومقلقة بالنسبة إلى الاستراتيجيين الجمهوريين. فقد أظهر استطلاع أجرته الإذاعة الوطنية العامة وهيئة البث العام بالتعاون مع معهد ماريست خلال الفترة من 2 إلى 4 مارس، وشمل أكثر من 1500 بالغ، أن 56% من الأمريكيين يعارضون العمل العسكري الأمريكي ضد إيران، مقابل 44% يؤيدونه. كما لم تتجاوز نسبة الموافقة على طريقة تعامل ترامب مع الأزمة 36%، وهي نسبة أدنى من مستوى تأييده البالغ 42% خلال أزمة اغتيال قاسم سليماني عام 2020، التي شهدت بدورها مستوى ملحوظًا من المعارضة الشعبية. وهو ما يشير إلى أن الحرب الحالية لم تُحدث التفافًا وطنيًا حول القيادة، بل جاءت في سياق يتسم بقدر أكبر من التشكيك والانقسام.
كما أظهر استطلاع أجرته شبكة “سي إن إن” بالتعاون مع مؤسسة “إس إس آر إس” أن 59% من الأمريكيين يعارضون قرار توجيه ضربات عسكرية إلى إيران. وفي الاتجاه ذاته، كشف استطلاع سريع أجرته صحيفة “واشنطن بوست”، وشمل أكثر من ألف أمريكي، أن عدد من يرغبون في وقف الضربات يقترب من ضعف عدد من يفضلون استمرارها. وتزداد دلالة هذه المؤشرات عند النظر إلى المزاج العام الذي سبق اندلاع الحرب أصلًا. فقد أظهر استطلاع “القضايا الحرجة” الصادر عن جامعة ماريلاند، والذي أُجري قبل بدء العمليات العسكرية، أن 21% فقط من الأمريكيين كانوا يؤيدون أن تبادر الولايات المتحدة إلى شن هجوم على إيران في ظل الظروف القائمة آنذاك، مقابل 49% عارضوا هذه الخطوة، فيما عبّر 30% عن عدم اليقين.
تكمن الإشكالية الأساسية في البنية الحزبية لهذه المعارضة. إذ تُظهر استطلاعات الرأي أن أكثر من 85% من الديمقراطيين يعارضون الحرب، بينما تتراوح نسب الرفض بين الناخبين المستقلين بين 59% و68% بحسب الاستطلاع. كما تعارض النساء الحرب بفارق يتجاوز 26 نقطة مئوية، في حين يرتفع هذا الفارق إلى أكثر من 30 نقطة بين الناخبين دون سن الأربعين. وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنظر إلى أن هذه الفئات تتداخل بدرجة كبيرة مع قواعد انتخابية حاسمة، تشمل ناخبي الضواحي، وحملة الشهادات الجامعية، والشباب، وهي الشرائح التي يعتمد عليها الديمقراطيون في تعبئتهم الانتخابية، ولا يملك الجمهوريون هامش خسارتها.
في المقابل، يبدو دعم الجمهوريين للحرب قويًا في المجمل، إذ يتراوح عادة بين 77% و84%. غير أن هذا الدعم لا يخلو من مؤشرات تصدّع داخل القاعدة الحزبية. فقد منح المسيحيون الإنجيليون البيض، الذين يُعدّون من أكثر القواعد الانتخابية ولاءً للحزب الجمهوري، ترامب نسبة تأييد بلغت 68% فقط في استطلاع معهد ماريست بشأن تعامله مع الملف الإيراني، وهي نسبة أدنى من مستويات دعمهم المعتادة. كما لم تتجاوز نسبة التأييد للضربات بين الجمهوريين غير المنتمين إلى حركة “ماجا” 56%، وفق استطلاع مؤسسة “أنجوس ريد”. وفي السياق ذاته، أظهر استطلاع سريع أجرته صحيفة “واشنطن بوست” أن 54% فقط من الجمهوريين يرون ضرورة استمرار الضربات، وهي نسبة تقل بوضوح عن نسبة 81% التي دعمت قرار ترامب الأولي بشن الهجوم.
سيكون مسار الحرب بين الآن ويوم الانتخابات في نوفمبر العامل الرئيسي في تحديد آفاق الحزب الجمهوري الانتخابية.
توقّع ترامب أن تستمر الحملة العسكرية ما بين أربعة وخمسة أسابيع. وإذا نجحت عملية “الغضب الملحمي” في تحقيق أهدافها المعلنة ضمن هذا الإطار الزمني، وانتهى الصراع من دون خسائر أمريكية كبيرة أو انخراط بري طويل الأمد، فقد يتمكن الجمهوريون من توظيف سردية الانتصار سياسيًا. وتمثل انتخابات التجديد النصفي لعام 2002 السابقة الحديثة الوحيدة التي نجح فيها حزب الرئيس في تحقيق مكاسب في مجلس النواب خلال انتخابات منتصف الولاية، وهو ما ارتبط آنذاك بارتفاع معدلات تأييد الرئيس عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلى أكثر من 60%. أما معدل تأييد ترامب، الذي يبلغ حاليًا 39%، فسيتعين عليه أن يرتفع بصورة حادة لتحقيق أثر مماثل.
حتى في هذا السيناريو الأكثر تفاؤلًا بالنسبة للجمهوريين، تظل العوامل الهيكلية غير المواتية ثقيلة. فقد يخفف انتصار سريع من حماسة الديمقراطيين ويوفر قدرًا من الحد من الخسائر، لكنه لن يكون كافيًا لتجاوز الرياح المعاكسة التاريخية لانتخابات التجديد النصفي، أو فجوة المؤشر العام لانتخابات الكونجرس، أو الأثر الذي أحدثته عدم شعبية الحرب بين الناخبين المستقلين على ائتلاف ترامب الانتخابي. وفي هذا الإطار، يبقى الحد الأقصى لهذا السيناريو محصورًا في تقليص محدود للخسائر.
يتوقع معظم المحللين وجزء كبير من الرأي العام أن يستمر الصراع لفترة أطول. فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية المشاركين تتوقع أن تمتد الحرب لأشهر أو حتى لسنوات، بدلًا من الأسابيع التي توقعها ترامب. كما أعلنت إيران صراحة أن استراتيجيتها تقوم على استنزاف الإرادة الأمريكية على المدى الطويل. وإذا امتد الصراع إلى الصيف والخريف، مع استمرار الخسائر البشرية وتراكم إنفاق غير مدرج في الموازنة يصل إلى مئات المليارات، ومن دون وضوح لنهاية الصراع، فإن البيئة السياسية ستتدهور بصورة حادة بالنسبة للجمهوريين.
وعندئذ، قد تبدأ دورة انتخابات عام 2026 في التشابه تدريجيًا مع انتخابات عام 2006، عندما خسر الجمهوريون 31 مقعدًا في مجلس النواب وستة مقاعد في مجلس الشيوخ، في ظل إرهاق عام من حرب العراق خلال فترة رئاسة تراجعت فيها معدلات التأييد إلى ما دون 40%. وفي هذا السياق، من المرجح أن يتعمق الانقسام داخل ائتلاف “ماجا”، وقد يؤدي استياء المحافظين المناهضين للحرب إلى خفض نسبة مشاركة الجمهوريين في دوائر انتخابية حاسمة، فيما سيجد الديمقراطيون في الحرب قضية محورية لتعزيز التعبئة الانتخابية. وفي هذا السيناريو، تصبح مكاسب ديمقراطية تبلغ 30 مقعدًا أو أكثر في مجلس النواب احتمالًا واردًا، مع إمكانية انتقال الأغلبية في مجلس الشيوخ أيضًا، رغم أن ذلك يظل مشروطًا بتحقيق انتصارات في ولايات شديدة الميل للجمهوريين، بما يجعله احتمالًا أقل ترجيحًا حتى في ظل هذه الظروف.
هددت إيران باعتبار الدول الأوروبية “أهدافًا مشروعة”، وقد استهدفت بالفعل بنى تحتية عسكرية بريطانية في قبرص. كما تفيد تقارير بأن روسيا تزود القوات الإيرانية بمعلومات استخباراتية حول مواقع عسكرية أمريكية. وفي حال اتسع نطاق الصراع، فإن ذلك سيولد ضغوطًا اقتصادية وسياسية متراكمة، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤثر مباشرة في المخاوف الاقتصادية للطبقة العاملة، وهي المخاوف التي تتصدر بالفعل أولويات القلق لدى الناخبين. وفي هذا السيناريو، قد تقترب انتخابات التجديد النصفي من نمط “الانتخابات الكاسحة” ذات الأثر التاريخي، على نحو قد يقارن بدورتي 2010 أو 2018.
يتمثل سيناريو رابع، أكثر حساسية من الناحية السياسية والدستورية، في علاقة الإدارة بالعملية الانتخابية نفسها. ورغم أن هذا الاحتمال لا يزال في إطار الفرضيات، فإنه لم يعد مستبعدًا بالكامل. فقد طرح ترامب، في تصريحات أمام الجمهوريين في مجلس النواب في يناير، فكرة إلغاء انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، قبل أن يسارع البيت الأبيض لاحقًا إلى القول إنه كان يمزح. وفي الوقت نفسه، صعّد دعواته إلى “مركزة” إدارة الانتخابات على المستوى الوطني.
وإذا أقدمت الإدارة على تفعيل صلاحيات الطوارئ المرتبطة بالحرب، وهو مسار يثير إشكالات دستورية جدية لكنه يظل ممكنًا من الناحية النظرية، فإن التداعيات السياسية والمؤسسية ستكون عميقة. وقد أشار مسؤولو إدارة الانتخابات إلى عزمهم المضي في تنظيم الاستحقاق الانتخابي بغض النظر عن هذه الطروحات. ومع ذلك، فإن مجرد التلويح بتأجيل الانتخابات، في سياق تحكمه أجواء الحرب، قد يؤدي إلى خفض نسب المشاركة، وإثارة نزاعات قانونية، وتقويض شرعية النتائج، بما قد يضر بالحزبين، وإن كان العبء الأكبر سيقع على الطرف الذي يُنظر إليه على أنه سعى إلى التأثير في العملية الانتخابية.
يدخل الحزب الجمهوري انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 وهو مثقل بتراكمات واضحة على امتداد معظم مؤشرات الهشاشة السياسية: رئيس يواجه معدلات تأييد متدنية تاريخيًا، وبيئة انتخابية عامة تميل بوضوح لصالح الديمقراطيين، ونتائج انتخابات خاصة توحي بائتلاف ديمقراطي أكثر حيوية وتعبئة، فضلًا عن وتيرة مرتفعة من انسحاب شاغلي المقاعد الجمهوريين من الترشح مجددًا، بما يعكس حالة متنامية من التشاؤم داخل الحزب. ولم تخلق الحرب مع إيران هذه المشكلات، لكنها عمّقت آثارها ورفعت كلفتها السياسية بصورة ملموسة.
وقد أحدثت عملية “الغضب الملحمي” أثرًا سياسيًا بالغ الحساسية، إذ منحت شريحة من القاعدة الانتخابية لترامب سببًا مباشرًا للتشكيك في الوعد المركزي الذي قام عليه خطابه. فشعار “أمريكا أولًا” لم يكن، في تصور هذه القاعدة، يعني الانخراط في حرب جديدة أو توجيه ضربات جوية إلى طهران. ويعكس الانقسام الذي برز داخل ائتلاف “ماجا” بشأن الحرب خطرًا حقيقيًا يتمثل في إعادة اصطفاف سياسي قد تتجاوز آثاره اللحظة الراهنة. وإذا اختار حتى جزء من هؤلاء الناخبين الامتناع عن التصويت في نوفمبر، أو إذا تحولت عدم شعبية الحرب بين الناخبين المستقلين إلى سلوك انتخابي فعلي يوم الاقتراع، فقد تتجاوز الخسائر الحدود التاريخية المعتادة.
وتشير المعطيات التاريخية، ونتائج استطلاعات الرأي، والمؤشرات المبكرة لسلوك الناخبين، جميعها إلى أن الجمهوريين مقبلون على نوفمبر بالغ الصعوبة. فقد أصبحت الحرب المتغير الأكثر حسماً في المعادلة السياسية، وعلى خلاف قضايا مثل الرسوم الجمركية أو سياسات الهجرة، لا يمكن التحكم في مآلاتها بسهولة أو إعادة تأطيرها سياسيًا. فهي أزمة تتكشف في الزمن الحقيقي، أمام الرأي العام، يومًا بعد يوم، حتى موعد الانتخابات. وبالنسبة إلى حزب يقف أصلًا على حافة منعطف سياسي حرج، فقد تمثل هذه الحرب العامل الذي يدفعه من الهشاشة الانتخابية إلى الخسارة الواسعة.
ABC News. “Most Americans Do Not Support Latest Iran Strikes, 3 Polls Find.” March 3, 2026. https://abcnews.go.com/Politics/americans-support-latest-iran-strikes-3-polls-find/story?id=130689743
Angus Reid Institute. “Red Line on Iran? Majority of Americans Say ‘No’ to Boots on Ground; Few Expect the War to End Within a Month.” March 5, 2026. https://angusreid.org/iran-us-polling-war-invasion-israel-trump/
Angus Reid Institute. “One Year of Donald Trump: A Divided America Grades the President’s Performance.” January 22, 2026. https://angusreid.org/one-year-of-donald-trump/
Axios. “Americans Aren’t Sold on Trump’s Iran Strikes, Recent Polls Show.” March 4, 2026. https://www.axios.com/2026/03/04/iran-attacks-polls-americans-disapprove
Ballotpedia. “United States Congress Elections, 2026.” Accessed March 8, 2026. https://ballotpedia.org/United_States_Congress_elections,_2026
Ballotpedia. “United States House of Representatives Elections, 2026.” Accessed March 8, 2026. https://ballotpedia.org/United_States_House_of_Representatives_elections,_2026
Ballotpedia. “United States Senate Election in Texas, 2026.” Accessed March 8, 2026. https://ballotpedia.org/United_States_Senate_election_in_Texas,_2026
Ballotpedia. “Louisiana State Legislative Special Elections, 2026.” Accessed March 8, 2026. https://ballotpedia.org/Louisiana_state_legislative_special_elections,_2026
Brookings Institution. “What History Tells Us About the 2026 Midterm Elections.” August 28, 2025. https://www.brookings.edu/articles/what-history-tells-us-about-the-2026-midterm-elections/
Brookings Institution. “As President Trump Loses Support, Republican Prospects in the 2026 Midterms Grow Darker.” December 4, 2025. https://www.brookings.edu/articles/as-president-trump-loses-support-republican-prospects-in-the-2026-midterms-grow-darker/
Brookings Institution. “Texas Redistricting Plan Unlikely to Add 5 New Republican Seats.” March 2026. https://www.brookings.edu/articles/texas-redistricting-plan-unlikely-to-add-5-new-republican-seats/
Cancian, Mark F., and Chris H. Park. “$3.7 Billion: Estimated Cost of Epic Fury’s First 100 Hours.” Center for Strategic and International Studies, March 6, 2026. https://www.csis.org/analysis/37-billion-estimated-cost-epic-furys-first-100-hours
CNBC. “2026 Elections: Iran War Oil Price Rise Makes Affordability Bigger Issue.” March 7, 2026. https://www.cnbc.com/2026/03/07/iran-war-affordability-midterm.html
CNN Politics. “CNN Poll: 59% of Americans Disapprove of Iran Strikes and Most Think a Long-Term Conflict Is Likely.” March 2, 2026. https://www.cnn.com/2026/03/02/politics/cnn-poll-59-of-americans-disapprove-of-iran-strikes-and-most-think-a-long-term-conflict-is-likely
CNN Politics. “Analysis: How Much Is Trump’s Base on Board with War with Iran? It’s Complicated.” March 3, 2026. https://www.cnn.com/2026/03/03/politics/republicans-approval-trump-iran-war
CNN Politics. “Here’s How Much the War with Iran Is Expected to Cost Every Day.” March 6, 2026. https://www.cnn.com/2026/03/06/politics/us-war-iran-cost
The Conversation. “Do Special Election Results Spell Doom for Republicans in 2026?” February 2026. https://theconversation.com/do-special-election-results-spell-doom-for-republicans-in-2026-274912
KTVZ / NPR. “Poll: A Majority of Americans Opposes U.S. Military Action in Iran.” March 6, 2026. https://www.ktvz.com/news/2026/03/04/poll-majority-of-voters-disapproves-of-how-trump-has-handled-iran/
London School of Economics USAPP / American Politics and Policy. “Forecasting Suggests the Republicans Will Lose 28 Seats and the House in the 2026 Midterm Elections.” October 13, 2025. https://blogs.lse.ac.uk/usappblog/2025/10/13/forecasting-suggests-the-republicans-will-lose-28-seats-and-the-house-in-the-2026-midterm-elections/
Marist Poll / NPR / PBS News. “War with Iran — March 2026.” Conducted March 2–4, 2026. https://maristpoll.marist.edu/polls/war-with-iran-march-2026/
Montanaro, Domenico. “Poll: A Majority of Americans Opposes U.S. Military Action in Iran.” NPR, March 6, 2026. https://www.npr.org/2026/03/06/nx-s1-5737627/iran-us-military-poll-trump-approval
Newsweek. “Donald Trump’s Iran War Splits Republicans: New Poll.” March 2, 2026. https://www.newsweek.com/donald-trumps-iran-war-splits-republicans-new-poll-11606730
NPR. “Week in Politics: Trump’s Messaging on Iran War; MAGA Base Reaction; New DHS Leadership.” March 7, 2026. https://www.npr.org/2026/03/07/nx-s1-5736102/week-in-politics-trumps-messaging-on-iran-war-maga-base-reaction-new-dhs-leadership
PBS NewsHour. “Majority of Americans Oppose Military Action in Iran, New Poll Finds.” March 6, 2026. https://www.pbs.org/newshour/politics/majority-of-americans-oppose-military-action-in-iran-new-poll-finds
SSRS. “Americans’ Views of 2026 Iran Strike.” March 2, 2026. https://ssrs.com/news/americans-views-of-2026-iran-strike/
SSRS. “The Washington Post Texted 1,000 Americans About U.S. Strikes in Iran.” March 2, 2026. https://ssrs.com/news/the-washington-post-texted-1000-americans-about-u-s-strikes-in-iran/
The Hill. “Trump’s Iran Operation Opposed by Majority of Americans, Poll Finds.” March 7, 2026. https://thehill.com/homenews/administration/5773178-americans-oppose-iran-military-action/
Tien, Charles, and Michael S. Lewis-Beck. “Forecasting Suggests the Republicans Will Lose 28 Seats and the House in the 2026 Midterm Elections.” LSE USAPP Blog, October 13, 2025. https://blogs.lse.ac.uk/usappblog/2025/10/13/forecasting-suggests-the-republicans-will-lose-28-seats-and-the-house-in-the-2026-midterm-elections/
TIME. “Most Americans Disapprove of War With Iran, Polls Show.” March 4, 2026. https://time.com/7382231/iran-us-israel-war-support-polling-trump-republicans-democrats/
University of Maryland Critical Issues Poll. “Do Americans Favor Attacking Iran Under the Current Circumstances?” Conducted February 5–9, 2026. https://criticalissues.umd.edu/feature/do-americans-favor-attacking-iran-under-current-circumstances-latest-critical-issues-poll-0
Washington Post. “Trump’s Airstrikes on Iran Are Unpopular, Post Poll Finds.” March 2, 2026. https://www.washingtonpost.com/politics/interactive/2026/trump-iran-strikes-poll-americans/
Washington Times. “Iran War Exposes Fractures in Trump’s MAGA Base.” March 7, 2026. https://www.washingtontimes.com/news/2026/mar/7/iran-war-exposes-fractures-trumps-maga-base/
Washington Times. “First 100 Hours of the U.S.-Israeli Attack on Iran Cost About $3.7 Billion, Experts Say.” March 6, 2026. https://www.washingtontimes.com/news/2026/mar/6/first-100-hours-us-israeli-attack-iran-cost-37-billion-experts-say/
تعليقات