كتب بواسطة

في الرابع من ديسمبر 2025، اتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قرارًا بتعيين سكرتيره العسكري، اللواء رومان جوفمان، مديرًا لجهاز الموساد، خلفًا للرئيس الحالي للجهاز دافيد برنيع، الذي تنتهي ولايته الممتدة لخمس سنوات في يونيو 2026. ويشكّل هذا القرار تحولًا قياديًا لافتًا داخل أحد أخطر وأهم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، لا سيما في ظل افتقار جوفمان إلى خبرة استخباراتية متخصصة، إلى جانب ما يُعرف عنه من نزعة حادّة في اتخاذ القرار. وفي سياق أوسع، يندرج هذا التعيين ضمن مسار متصاعد لتسييس المناصب الأمنية العليا في عهد نتنياهو، حيث يبدو أن معايير الولاء الشخصي باتت تتقدّم على الخبرة المهنية والمؤسسية. وبناءً عليه، يثير هذا التوجّه تساؤلات جدّية حول مستقبل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي.

عسكرة القرار السياسي وتسييس الهرم الأمني

تاريخيًا، جرى العرف على أن يستوفي مديرو جهاز الموساد معايير واضحة عند تعيينهم، في مقدّمتها الخدمة المسبقة داخل الجهاز والتدرّج الوظيفي المنتظم وصولًا إلى مناصب قيادية عليا، فضلًا عن امتلاك خبرة معمّقة في العمل الاستخباراتي، ولا سيما ضمن شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان”. كما شملت هذه المعايير الانخراط في عمليات ميدانية أو خاصة خارج إسرائيل، أو العمل ضمن جهاز الشاباك. إلى جانب ذلك، تولّى عدد من مديري الموساد السابقين مناصب عسكرية رفيعة قبل تعيينهم، إذ شكّل الانتقال من الخدمة العسكرية إلى رئاسة الجهاز مسارًا مألوفًا في بعض الحالات. ويبرز في هذا السياق داني ياتوم ومئير داغان، اللذان شغلا مواقع بارزة في جيش الدفاع الإسرائيلي قبل تعيينهما رئيسين للموساد عقب انتهاء خدمتهما العسكرية مباشرةً في عامي 1999 و2002 على التوالي.

 

بصورة عامة، يُفترض أن يتمتّع مدير جهاز الموساد بسجل مهني راسخ يؤهّله لاتخاذ قرارات أمنية وسياسية شديدة الحساسية والأثر. غير أنّ تعيين رومان جوفمان أثار موجة واسعة من الانتقادات بشأن مدى أهليته لتولّي هذا المنصب، إذ إن خلفيته المهنية لا تتوافق مع المعايير المؤسسية المتعارف عليها لرئاسة الجهاز. فدوره الحالي بصفته رئيس ديوان بنيامين نتنياهو يندرج أساسًا ضمن إطار إداري وتنظيمي، من دون خبرة سابقة في العمل الاستخباراتي أو العمليات الخاصة. ويعزّز ذلك الانطباع بأن التعيين جاء مدفوعًا بالولاء الشخصي لنتنياهو وبالانسجام مع رؤيته الأمنية المتشدّدة، أكثر من كونه نتاجًا لتراكم مهني أو كفاءة تخصصية. وقد شكّل هذا الولاء عاملًا حاسمًا في صعود غوفمان إلى موقعه الحالي خلال حرب غزة.

 

بالنسبة إلى بنيامين نتنياهو، بات اختيار شخصيات مقرّبة لتولّي المناصب العليا في الأجهزة الأمنية الرئيسية وسيلة متزايدة لترسيخ سيطرته على عملية صنع القرار. وقد تجلّى هذا النهج في أكتوبر 2025، حين عيّن ديفيد زيني رئيسًا لجهاز الشاباك، في خطوة أثارت انتقادات واسعة داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، نظرًا للارتباط الوثيق بين زيني ونتنياهو. ووفقًا لمنتقدي القرار، أسهم هذا التعيين في تحويل الشاباك من جهاز يعمل بهامش من الاستقلالية المهنية إلى مؤسسة خاضعة لنفوذ سياسي مباشر.

 

على غرار رومان جوفمان، يتماهى ديفيد زيني بوضوح مع توجّهات حكومة بنيامين نتنياهو وطموحاتها الأمنية. ويتجلّى ذلك في أنه، عقب تعيينه في مايو 2025 رئيسًا مرتقبًا لجهاز الشاباك، انخرط الجهاز في تنفيذ عمليات استهدفت قيادات من حركة حماس داخل قطر. وجاء هذا الدور بعد أن عارض جهاز الموساد، تحت قيادة دافيد برنيع، تنفيذ تلك العمليات، في تباين واضح بين التقدير المهني للجهاز والموقف السياسي للحكومة. ويُرجَّح أن هذا الخلاف المؤسسي كان أحد الدوافع الرئيسة وراء رفض نتنياهو مرشّحي برنيع، واتجاهه بدلًا من ذلك إلى تعيين شخصية حليفة تتوافق مع خياراته الأمنية.

 

أثار تعيين رومان جوفمان موجة من الانتقادات داخل جهاز الموساد لأسباب عدة. أولها أن سكرتير نتنياهو العسكري يفتقر إلى خبرة استخباراتية متخصصة كافية، وهي متطلب أساسي لتولّي مناصب قيادية داخل الجهاز، في وقت ترددت فيه معلومات عن استبعاد مرشّحين أكثر تأهيلًا. وثانيها أن هذا القرار يعزّز المخاوف المتزايدة بشأن النهج الذي يتّبعه نتنياهو في تسييس التعيينات في قمة الهرم الاستخباراتي، وهو توجّه قد ينعكس سلبًا على الاحترافية المؤسسية ويقوّض استقلالية التقدير المهني.

 

وأخيرًا، طُرحت تساؤلات جدّية حول أخلاقيات العمل لدى رومان جوفمان، ما عزّز المخاوف بشأن كيفية تعامله مع المعلومات الحسّاسة داخل جهاز الموساد. ففي يناير 2024، ظهرت ادعاءات ربطت اسمه بقضية أثارت جدلًا واسعًا، تتعلّق بتزويد مراهق إسرائيلي يُدعى أوري إلماكايِس بمعلومات مصنّفة بهدف نشرها عبر الإنترنت، وهو ما انتهى باعتقال المراهق لمدة 18 شهرًا. وعلى الرغم من نفي غوفمان القاطع لأي تورّط ورفضه هذه الاتهامات، فإن هذه القضية أسهمت في تعميق القلق داخل الأوساط الأمنية بشأن مستقبل جهاز الموساد في حال تولّيه قيادته.

 

تُشير التداعيات المحتملة لتعيين رومان جوفمان إلى احتمال توظيف جهاز الموساد لخدمة الأجندة السياسية والشخصية لبنيامين نتنياهو، بدلًا من تركيزه الحصري على متطلبات الأمن الإسرائيلي. ومن شأن هذا المسار أن يقوّض استقلالية الجهاز ويعرّضه لخطر التحوّل إلى أداة سياسية، على غرار ما آل إليه وضع الشاباك. وبناءً عليه، لا تنحصر الانتقادات في شخص التعيين بحدّ ذاته، بل تعبّر عن قلق بنيوي أعمق إزاء تصاعد نهج تسييس القيادات الاستخباراتية العليا، مقرونًا بمخاوف من أن يفقد الموساد، كما الشاباك، طابعه المهني والمؤسسي المستقل، وأن يُعاد توجيه دوره لخدمة مصالح نتنياهو بدلًا من أداء وظيفته كجهاز استخباراتي وطني مستقل.

انعكاسات التعيين على الموساد

من المرجّح أن يؤدّي تولّي رومان جوفمان رئاسة جهاز الموساد إلى إحداث تحوّلات ملموسة في الديناميات الأمنية داخل الجهاز، قد تتجلّى في تصاعد الاحتكاكات الداخلية وفي تبنّي نهج أكثر اندفاعًا في تنفيذ العمليات ضمن ساحات الشرق الأوسط. وبالتوازي، يُتوقّع أن تتعزّز مكانة بنيامين نتنياهو من خلال توسيع نطاق تدخّله المباشر في مسارات صنع القرار داخل الموساد.

 

من المرجّح أن يُفضي هذا القرار إلى تصاعد التوتّر داخل جهاز الموساد، ولا سيما أنّه قوبل باعتراضات تستند إلى افتقار رومان غوفمان لخلفية استخباراتية متخصّصة. ويُعرف المجتمع الاستخباراتي الإسرائيلي تقليديًا باعتماده نهجًا تكنوقراطيًا وتحليليًا صارمًا في إدارة العمليات، ما يجعل هذا التعيين مرشّحًا لإطلاق موجة اعتراضات داخلية قد تتجسّد في استقالات بين القيادات العليا، تعبيرًا عن مخاوف من تآكل المعايير المهنية واحتمال تحوّل الجهاز إلى أداة سياسية. ومن شأن هذه التطوّرات أن تُكثّف التدقيق العام في أداء الموساد وخيارات الحكومة على حدّ سواء، في سياق يتّسم أصلًا بتنامي خيبة الأمل الشعبية إزاء تداعيات أحداث السابع من أكتوبر.

 

إضافةً إلى ذلك، فإن تموضع رومان جوفمان في قلب عملية صنع القرار داخل جهاز الموساد يمنح بنيامين نتنياهو هامش نفوذ أوسع للتحكّم في عدد كبير من قرارات الجهاز، بما يشمل توجيه عملياته في ساحات استراتيجية بالغة الأهمية لإسرائيل. ومع إحكام قبضته على كلٍّ من الموساد والشاباك، يُتوقّع أن تتعزّز مكانة نتنياهو السياسية، ولا سيما في ظل اتهامات الفساد الملاحقة له ومذكّرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. ويؤدي هذا التداخل بين السلطة السياسية والأجهزة الاستخباراتية إلى اختلال في توازنات الحكم، بما قد يجعل إزاحة حكومة نتنياهو أكثر تعقيدًا، وفي الوقت نفسه يوفّر له أدوات غير مباشرة لتقييد خصومه السياسيين وخدمة أهدافه الاستراتيجية الإقليمية.

 

من المرجّح أن ينعكس هذا القرار على أنماط عمل جهاز الموساد في الشرق الأوسط، مع بقاء الساحة السورية في صدارة الأولويات الاستخباراتية. وفي ظل الدعم الذي تقدّمه تركيا للنظام السوري، قد يتّجه الموساد، بتوجيه من نتنياهو، إلى تبنّي مقاربات تهدف إلى إضعاف هذا المسار. ومن منظور نتنياهو، تُعدّ السيطرة العسكرية الإسرائيلية على هضبة الجولان عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن القومي، سواء لضمان الردع أو لمنع أي تهديدات محتملة من المناطق المحاذية للحدود.

 

وبالمثل، يُتوقّع أن يبقى احتواء إيران في صدارة الأولويات الاستراتيجية لجهاز الموساد. فاستعداد جوفمان لتبنّي خيارات تصعيدية يجعله أكثر ميلًا لدعم مقاربات تُكثّف الضغوط على طهران، سواء عبر توسيع نطاق الضربات ضد مواقع يُشتبه بارتباطها ببرنامج التسليح النووي الإيراني، أو من خلال استثمار التباينات الإقليمية القائمة بين إيران وعدد من دول الشرق الأوسط، مثل مصر والسعودية وتركيا، بهدف تعميق عزلتها على المستوى الإقليمي. وفي هذا الإطار، يُرجَّح أن يشهد الموساد تصعيدًا في عملياته التقليدية ضمن استراتيجية احتواء إيران، بما يشمل تكثيف أنشطة التجسس، وعمليات الاغتيال، والضربات غير المعلنة، ولا سيما في الساحات التي تتمتّع فيها طهران بنفوذ مباشر، مثل لبنان وسوريا.

 

وأخيرًا، وفي إطار سعي بنيامين نتنياهو إلى تحقيق أهدافه في قطاع غزة، يُرجَّح أن يوجّه الموساد جهوده نحو مسار رئيسي يتمحور حول إدارة التداعيات الإقليمية والدولية للملف الغزّي. ومن المتوقّع أن يكثّف الجهاز أنشطته المرتبطة باستراتيجيات التطبيع، ولا سيما في ظل تصاعد الضغوط الرامية إلى تحسين صورة إسرائيل عقب حرب غزة. وبالتوازي، ومع مضيّ حكومة نتنياهو في خططها المتعلقة بإقامة مستوطنات داخل القطاع، سيعمل الموساد على احتواء وتخفيف حدّة ردود الفعل الإقليمية والدولية المتوقعة، عبر قنوات خلفية وأدوات تأثير غير معلنة. ويستحضر هذا النهج الدور الذي اضطلع به الجهاز في عهد مديره السابق يوسي كوهين، حين سعى إلى تليين مواقف عدد من الدول العربية إزاء خطوات الضمّ الإسرائيلية في الضفة الغربية.

 

خلاصة القول إنّ بنيامين نتنياهو يواصل، على ما يبدو، نهج تسييس المناصب العليا داخل أجهزة الاستخبارات، ولا سيما جهازي الشاباك والموساد، في مسعى واضح لإحكام السيطرة عليهما وإدماج أجندته السياسية في صلب عملهما. ومن المرجّح أن يؤدّي تعيين رومان غوفمان إلى إحداث تغييرات تشغيلية جوهرية تُسيِّس عملية صنع القرار داخل الموساد، ولا سيما في الملفات الحسّاسة المتعلّقة بقطاع غزة وسوريا ولبنان وإيران.

 

 

المراجع

شحادة، أمال. ” لماذا غاب الـ “موساد” عن الهجوم على قادة “حماس” في قطر؟.” اندبندنت عربية. سبتمبر 11، 2025. https://www.independentarabia.com/node/631767/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%BA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%80-%D9%85%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%AF-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%82%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D8%B7%D8%B1%D8%9F
 
وتد، محمد. “محللون: تعيين غوفمان رئيسا للموساد يعمق مسار الولاء قبل الكفاءة.” الجزيرة. ديسمبر 5، 2025. https://www.aljazeera.net/politics/2025/12/5/%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%84%D9%88%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%BA%D9%88%D9%81%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D8%A7-%D9%84%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D8%A7%D8%AF
 
Berman, Lazar and Emanuel Fabian. “Netanyahu taps his military secretary, Roman Gofman, as next Mossad director.” The Times of Israel. December 4, 2025, Accessed December 9, 2025. https://www.timesofisrael.com/netanyahu-taps-his-military-secretary-roman-gofman-as-next-mossad-director/
 
Blau, Uri, and Shomrim. “Netanyahu’s Mossad pick floated giving nuclear arms to Egypt, Saudi Arabia and Turkey.” Ynet news. December 9, 2025, Accessed December 11, 2025. https://www.ynetnews.com/article/sjwvxvsfwe
 
Fleischmann, Leonie. “Israel’s plans for a full occupation of Gaza would pave the way for Israeli resettlement.” The Conversation. August 8, 2025, Accessed December 21, 2025. https://theconversation.com/israels-plans-for-a-full-occupation-of-gaza-would-pave-the-way-for-israeli-resettlement-262723
 
“Netanyahu opposes Türkiye’s presence in Syria: Israeli media.” Hürriyet Daily News. March 3, 2025, Accessed December 9, 2025. https://www.hurriyetdailynews.com/netanyahu-opposes-turkiyes-presence-in-syria-israeli-media-206445
 
Shields, Ivy. “Roman Gofman: New Mossad Director Lacks Intel Background.” Grey Dynamics. December 13, 2025, Accessed December 15, 2025. https://greydynamics.com/roman-gofman-new-mossad-director-lacks-intel-background/

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *