ظلّ الجدل بشأن احتمال انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من حلف شمال الأطلسي "الناتو" أحد أكثر النقاشات الاستراتيجية حساسية منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، في وقت تتزايد فيه الشكوك حول مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا وطبيعة الدور الذي ستواصل واشنطن الاضطلاع به داخل المنظومة الغربية. وخلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما عقب الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، اكتسب هذا الجدل زخمًا إضافيًا، مع اتساع فجوة التوتر داخل الحلف، وتوجيه الرئيس ترامب انتقادات علنية ومتكررة لعدد من الحلفاء الأوروبيين، فضلًا عن تشكيكه في جدوى استمرار بعضهم ضمن المنظومة الأطلسية من الأساس. وفي ظل هذا المناخ، لم يعد النقاش مقتصرًا على احتمال انسحاب واشنطن رسميًا من "الناتو"، بل بات يتجاوز ذلك إلى تساؤل أكثر عمقًا وحساسية يتعلق بقدرة أوروبا نفسها على إدارة أمنها بصورة مستقلة في غياب المظلة الأمريكية الواسعة. ومن هنا، يبرز عدد من الأسئلة الجوهرية: ما الكلفة الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية التي قد تترتب على مثل هذا التحول؟ وهل تمتلك الدول الأوروبية القدرة على إعادة بناء قدراتها الدفاعية وإعادة تنظيم بنيتها الأمنية بالسرعة والكفاءة الكافيتين للتعامل مع بيئة دولية تتسم بتصاعد التهديدات وتسارع التحولات الجيوسياسية؟
غير أن الأهم من مسألة الانسحاب الرسمي ذاتها هو أن القيود القانونية والسياسية والمؤسسية التي قد تعيق أي رئيس أمريكي عن مغادرة "الناتو" بالكامل، لا تمنع واشنطن من انتهاج مسارات بديلة تُفضي عمليًا إلى تقليص دورها داخل الحلف بصورة ملموسة. فقد تلجأ الولايات المتحدة إلى خفض مساهماتها المالية، أو تقليص انتشار قواتها في أوروبا، أو سحب منظومات تسليح وقدرات استراتيجية حيوية شكّلت لعقود أحد الأعمدة الرئيسية للبنية الدفاعية الأوروبية. وفي حال اتجهت واشنطن نحو هذا المسار التدريجي، فإن السؤال الأكثر حساسية لن يتعلق فقط بحجم التراجع الأمريكي، بل بمدى قدرة أوروبا على التعامل مع التداعيات الناتجة عنه. فإلى أي حد قد تنكشف القارة الأوروبية أمام المخاطر الأمنية؟ وهل تمتلك الدول الأوروبية ما يكفي من الجاهزية العسكرية والمرونة السياسية والقدرة الصناعية لتعويض الفجوات التي قد يخلّفها تراجع الدور الأمريكي؟
تظل أولوية أوروبا الأساسية متمثلة في مواصلة دعم أوكرانيا، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة التمدد الروسي داخل المجال الأمني الأوروبي. ومن منظور الاقتصاد الكلي، تبدو أوروبا قادرة، من الناحية النظرية، على تعويض المساهمة الأمريكية في هذا الدعم. فمنذ فبراير 2022، بلغت قيمة المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة إلى أوكرانيا نحو 64 مليار يورو، في حين قدمت أوروبا، بما في ذلك المملكة المتحدة، ما يقارب 62 مليار يورو. وخلال عام 2024 وحده، وصلت المساعدات العسكرية الأمريكية إلى 20 مليار يورو من إجمالي 42 مليار يورو. ويعني ذلك أن تعويض المساهمة الأمريكية سيتطلب من الاتحاد الأوروبي زيادة إنفاقه بما يعادل 0.12% إضافية من ناتجه المحلي الإجمالي، وهي نسبة تبدو، من الناحية الحسابية، قابلة للاستيعاب نسبيًا. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في القدرة المالية على مواصلة الدعم، بل في قدرة أوروبا على الحفاظ على مستوى الإسناد العسكري ذاته في غياب القاعدة الصناعية العسكرية الأمريكية، بما تمتلكه من طاقات إنتاجية ضخمة، وقدرات تكنولوجية متقدمة، وسلاسل إمداد استراتيجية يصعب تعويضها أو إعادة بنائها في مدى زمني قصير. ومن هنا، لا تبدو المسألة مرتبطة بحجم الإنفاق وحده، بقدر ما ترتبط بقدرة أوروبا على تعويض البنية العسكرية والصناعية التي شكّلت لعقود العمود الفقري للتفوق الغربي داخل “الناتو“.
وفي هذا السياق، تناولت دراسة صادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) الكلفة التي قد تتحملها أوروبا في حال انسحاب الولايات المتحدة واتجاه الدول الأوروبية إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية على أساس “الإحلال الكامل بالمثل”. ووفقًا للدراسة، فإن تعويض القدرات التقليدية الأمريكية الحالية وحدها سيتطلب إنفاقًا يتراوح بين 226 مليار دولار و344 مليار دولار على منظومات تسليح ومنصات عسكرية جديدة. أما إذا امتد الأمر إلى معالجة أوجه الاعتماد الأخرى، بما في ذلك القدرات الفضائية والسيبرانية والنووية، فإن الكلفة الإجمالية مرشحة للارتفاع بصورة أكبر وأكثر تعقيدًا، بما يعكس حجم الاعتماد الأوروبي المتراكم على القدرات الأمريكية في مختلف المجالات العسكرية والاستراتيجية..
ورغم تفاوت كلفة المعدات العسكرية الفردية، فإن العنصر الأكثر استنزافًا للموارد يتمثل في اقتناء 400 طائرة قتالية تكتيكية إضافية، في حال قررت الدول الأوروبية المضي نحو توسيع قدراتها العسكرية بصورة واسعة. ومن شأن هذا البند وحده أن يستحوذ على ما يقل قليلًا عن 20% من إجمالي الكلفة التقديرية. كما أن استبدال 20 مدمرة أمريكية سيبتلع ما يقارب 15% من إجمالي النفقات المتوقعة، في حين تمثل منظومات الصواريخ أرض-جو بعيدة المدى ثالث أكبر بنود الكلفة، بإنفاق سنوي يُقدَّر بنحو 12.3 مليار دولار.
وعند احتساب تكاليف الشراء والتشغيل ودورة الحياة الكاملة لهذه المنظومات على مدى 25 عامًا، ترتفع الكلفة الإجمالية إلى نحو تريليون دولار تقريبًا، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد الأوروبي المتراكم على القدرات العسكرية الأمريكية. وفي هذا السياق، تظل الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكبر داخل “الناتو”، إذ تتحمل ما يقارب 62% من إجمالي الإنفاق الدفاعي للحلف، ما يعني أن أي تراجع أمريكي لن يُضعف الحلف فحسب، بل قد يُحدث اختلالًا عميقًا في توازناته العسكرية والاستراتيجية. وتدرك الدول الأوروبية أن بنية “الناتو” في غياب الولايات المتحدة ستواجه تحديات معقدة تتجاوز الجانب المالي وحده. فإلى جانب غياب القيادة العسكرية الأمريكية والتنسيق الاستراتيجي الذي شكّل لعقود العمود الفقري للحلف، تواجه أوروبا انتقادات مزمنة تتعلق بضعف مستويات الإنفاق الدفاعي وتشتت القدرات العسكرية بين الدول الأعضاء.
وفي محاولة لمعالجة هذا الخلل، اتفقت دول “الناتو” خلال عام 2025 على رفع الإنفاق الدفاعي إلى ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. ومع ذلك، وحتى مع زيادة الإنفاق، لا تزال القدرات العسكرية الأوروبية مجتمعة متأخرة عن نظيرتها الأمريكية من حيث الحجم والكفاءة والجاهزية العملياتية. وتزداد هذه الفجوة وضوحًا عند تقييم القدرات العسكرية الأوروبية على أساس كل دولة على حدة، ومقارنتها بقوى مركزية كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، التي تستند إلى هياكل قيادة موحدة ومنظومات تسليح أكثر تكاملًا وقدرة على التعبئة السريعة والمنسقة.
ويتمثل أحد أبرز التحديات التي قد تواجه أوروبا في حال تراجع الدور الأمريكي أو انسحاب الولايات المتحدة من “الناتو” في غياب هيكل قيادة عسكرية موحد وفعّال قادر على إدارة عمليات دفاعية واسعة بصورة مستقلة. فالقارة الأوروبية، بما في ذلك المملكة المتحدة، تمتلك حاليًا نحو 1.47 مليون عسكري في الخدمة الفعلية، إلا أن فاعلية هذه القوات تظل مقيدة بمحدودية مستويات التكامل والتنسيق العسكري بين الدول الأوروبية. كما أن البنية القيادية للحلف تأسست، منذ عقود، على افتراض أن القائد الأعلى لقوات “الناتو” في أوروبا يكون جنرالًا أمريكيًا، وهو نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على القيادة الأمريكية وما توفره واشنطن من قدرات دعم استراتيجية ولوجستية واستخباراتية يصعب تعويضها بسهولة أو خلال فترة زمنية قصيرة.
وفي ضوء ذلك، تجد أوروبا نفسها أمام خيارين بالغَي الصعوبة: إما التوسع الكبير في أعداد القوات العسكرية لتعويض الطبيعة المجزأة للجيوش الوطنية الأوروبية، أو الإسراع في تعزيز مستويات التنسيق والتكامل العسكري بين الدول الأوروبية بصورة غير مسبوقة. ففي غياب آليات فعّالة للتنسيق المشترك، سترتفع كلفة الدفاع بصورة كبيرة، في حين يُرجَّح أن تظل الجهود الوطنية المنفردة عاجزة عن توفير مستوى ردع كافٍ في مواجهة روسيا. وفي الوقت ذاته، ستظل أي ترتيبات دفاع جماعي أوروبية مطالبة بمعالجة إشكاليات معقدة تتعلق بتقاسم الأعباء الدفاعية، ومخاطر الاتكالية الأمنية، فضلًا عن تحديات التنسيق السياسي وصنع القرار المشترك بين الدول الأعضاء.
وتزداد هذه التحديات تعقيدًا في ظل ما تعانيه القوات المسلحة الأوروبية من مستويات مرتفعة من التشتت والتجزؤ العسكري. فالدول الأوروبية تُشغّل مجتمعةً 178 منظومة تسليح مختلفة، مقارنة بـ30 منظومة فقط لدى الولايات المتحدة. وتظهر الفجوة بصورة أكثر وضوحًا في القدرات الجوية، إذ تعتمد أوروبا على 20 طرازًا مختلفًا من الطائرات المقاتلة، في حين تكتفي الولايات المتحدة بستة طرازات فقط. ويتكرر النمط ذاته في الدبابات القتالية الرئيسية، حيث تستخدم الجيوش الأوروبية 14 نموذجًا مختلفًا، مقابل نموذج واحد فقط تعتمده واشنطن، وهو ما يعكس حجم التباين في البنية التسليحية الأوروبية، وما يفرضه ذلك من أعباء إضافية على مستويات التشغيل والصيانة والتنسيق العملياتي.
ومع ذلك، لا تقتصر تداعيات هذا السيناريو على أوروبا وحدها، بل تمتد أيضًا إلى الولايات المتحدة نفسها. فمن ناحية، قد تتمكن واشنطن من خفض جزء من أعبائها المالية عبر تقليص مساهمتها في “الناتو” وتقليص وجودها العسكري في أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط. لكن في المقابل، ستفقد إمكانية الوصول إلى شبكة واسعة من القواعد العسكرية الخارجية التي شكّلت لعقود إحدى الركائز الأساسية لقدرتها على إسقاط القوة والنفوذ عالميًا. وفي ظل هذا الواقع، قد تجد البحرية الأمريكية نفسها مضطرة للعمل على مسافات أقرب إلى السواحل الأمريكية، في حين ستصبح عمليات القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى أكثر تقييدًا نتيجة تراجع قدرات الانتشار الأمامي والتمركز المتقدم عبر القواعد الحليفة. وعلى نطاق أوسع، قد يُسهم هذا التحول في تسريع التراجع التدريجي للولايات المتحدة عن دورها التقليدي بوصفها القوة القائدة للنظام الدولي، بما يعزز احتمالات تبنّي سياسة خارجية أكثر انكفاءً نحو الداخل، وأقل التزامًا بالأطر الأمنية والتحالفات الدولية التي شكّلت لعقود أحد أبرز أعمدة النفوذ الأمريكي العالمي.
في ضوء التعقيدات القانونية واللوجستية والسياسية والمالية، يظل الانسحاب الأمريكي الكامل من حلف “الناتو” احتمالًا مستبعدًا في المدى المنظور. فـ”قانون إعادة تفويض الدفاع الوطني”، الذي وقّعه الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عام 2023، يفرض قيودًا واضحة تمنع أي رئيس أمريكي من الانسحاب من الحلف من دون الحصول على موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ أو موافقة الكونجرس، وهو ما يجعل أي خطوة من هذا النوع محفوفة بعقبات مؤسسية وسياسية كبيرة.
ومع ذلك، فإن صعوبة الانسحاب الرسمي لا تعني استحالة تقليص الدور الأمريكي داخل الحلف بوسائل أخرى. فقد تلجأ واشنطن إلى مسارات بديلة تُفضي عمليًا إلى تقليص التزامها العسكري والاستراتيجي تجاه أوروبا، من خلال خفض المساهمات المالية، أو سحب بعض منظومات التسليح، أو تقليص انتشار القوات الأمريكية في أنحاء القارة. ويعكس الجدل الدائر حول احتمالات خفض القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا جانبًا من هذا التوجه المحتمل. ورغم أن هذه النقاشات لا تنطلق دائمًا من رؤية استراتيجية متماسكة، إذ ترتبط أحيانًا باعتبارات السياسة الداخلية الأمريكية، فإنها قد تُرسّخ تدريجيًا توجهًا يسمح للإدارات الأمريكية المستقبلية بالمضي نحو تقليص الحضور العسكري الأمريكي في أوروبا بصورة متراكمة ومنهجية، حتى من دون اتخاذ قرار رسمي بالانسحاب من “الناتو”.
كما توجد قيود قانونية تتعلق بسحب القوات الأمريكية من أوروبا، وإن كانت لا تخلو من ثغرات ومسارات إجرائية تتيح قدرًا من المرونة للإدارات الأمريكية. فبموجب المادة 1249 من “قانون تفويض الدفاع الوطني” لعام 2026، تواجه الإدارات الأمريكية قيودًا على استخدام مخصصات وزارة الدفاع “البنتاجون” لإجراء تخفيضات كبيرة في أعداد القوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا. وينص القانون على منع خفض عدد القوات إلى أقل من 76 ألف جندي لأكثر من 45 يومًا، ما لم تُستوفَ مجموعة من الشروط، من بينها تقديم شهادة رسمية تؤكد أن هذه التخفيضات تخدم مصالح الأمن القومي الأمريكي، والتشاور المسبق مع حلفاء “الناتو”، فضلًا عن رفع تقرير تفصيلي إلى الكونجرس يوضح مبررات الخطوة وتداعياتها المحتملة.
ورغم أن هذه الإجراءات تجعل أي انسحاب واسع النطاق أكثر صعوبة وتعقيدًا، فإنها لا تجعله مستحيلًا. فحتى في ظل ما قد يثيره هذا المسار من جدل سياسي، وما يفرضه من أعباء مالية وتعقيدات لوجستية، يظل تقليص الدور الأمريكي في أوروبا بصورة تدريجية سيناريو قائمًا وقابلًا للتحقق، خاصة إذا اتجهت واشنطن نحو إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية على المستوى العالمي. وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن هذا التوجه لا يقتصر على دونالد ترامب أو حتى على الحزب الجمهوري وحده. فقد سبق لعدد من الرؤساء الأمريكيين، من بينهم دوايت أيزنهاور، ورونالد ريجان، وباراك أوباما، أن وجّهوا انتقادات متكررة لما اعتبروه خللًا في تقاسم الأعباء الدفاعية داخل “الناتو”. غير أن ترامب كان، على الأرجح، أول رئيس أمريكي يتعامل مع هذه القضية باعتبارها نقطة قد تدفع العلاقات عبر الأطلسي إلى حافة الانكسار.
وقد اتسم نهجه بقدر كبير من البراجماتية والنزعة التبادلية، إذ انطلق من معادلة واضحة مفادها أن استمرار الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا يجب أن يقابله تحمّل أوروبي أكبر للأعباء الدفاعية. ومن ثم، فإذا لم ترفع الدول الأوروبية مساهماتها العسكرية والمالية، فإن الولايات المتحدة قد تتجه تدريجيًا إلى تقليص مستوى التزامها تجاه أمن القارة الأوروبية.
وخلال فترة رئاسته، دعا باراك أوباما مرارًا حلفاء “الناتو” إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي وتقليص اعتمادهم على الضمانات الأمنية الأمريكية. وبعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، دفعت إدارته دول الحلف إلى الالتزام بتخصيص ما يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي. ويعكس ذلك أن المخاوف المرتبطة بعدم توازن تقاسم الأعباء داخل “الناتو” لا تقتصر على ترامب وحده، بل تعبّر عن توجه أمريكي أوسع يزداد ترسخًا على المستويين الحزبي والمؤسساتي. وعلى هذا الأساس، يُرجَّح أن تستمر هذه النقاشات في ظل الإدارات الأمريكية المقبلة، بغض النظر عن انتمائها الحزبي، لا سيما مع استمرار واشنطن في تحمّل حصة غير متكافئة من الأعباء المالية والعسكرية للحلف. وفي هذا السياق، لا تقتصر تداعيات تراجع الدور الأمريكي في أوروبا على أعداد القوات أو حجم المساهمات المالية فحسب، بل تمتد إلى ما هو أكثر حساسية وتأثيرًا، ويتمثل في احتمال فقدان الوصول إلى القدرات العسكرية الأمريكية الحيوية ومنظومات التسليح المتقدمة التي تعتمد عليها البنية الدفاعية الأوروبية بدرجة كبيرة. وتزداد خطورة هذه المسألة في وقت تُحذر فيه بعض التقديرات الأمنية الأوروبية من احتمال إقدام روسيا على مهاجمة دولة أوروبية أخرى قبل عام 2028، ما يضع القارة أمام اختبار أمني متصاعد في ظل بيئة استراتيجية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.
ويُجسد الجدل الدائر حول تقليص القوات الأمريكية في ألمانيا هذه التوترات بصورة واضحة. فقد اعتُبر هذا التوجه ذا دلالة خاصة في ظل الجهود المتزايدة التي تبذلها برلين للتماهي مع متطلبات “الناتو” وتوقعاته الدفاعية. إذ رفعت ألمانيا إنفاقها العسكري بصورة ملحوظة، ومن المتوقع أن تصل إلى هدف الحلف المتمثل في تخصيص 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي بحلول عام 2029. كما تُعد ألمانيا من بين أكبر الدول المقدمة للمساعدات إلى أوكرانيا، فضلًا عن أنها نشرت، للمرة الأولى منذ عام 1945، استراتيجية عسكرية وطنية شاملة، في مؤشر يعكس تحولًا تدريجيًا في مقاربتها الأمنية والدفاعية بعد عقود من الحذر العسكري الذي أعقب الحرب العالمية الثانية.
وقد حظيت هذه الاستراتيجية بإشادة من مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى في قطاع الدفاع، من بينهم إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون السياسات. كما أظهرت ألمانيا دعمًا لأولويات الأمن الغربي الأوسع، من خلال استعدادها لإرسال كاسحة ألغام إلى مضيق هرمز عقب ترتيبات محتملة لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. ومع ذلك، استمرت التوترات بين واشنطن وبرلين في الظهور بين الحين والآخر، إذ أشارت بعض التقارير إلى أن انتقادات المستشار الألماني فريدريش ميرتس للحرب على إيران، والتي استهدفت بدرجة كبيرة مخاطبة الرأي العام الداخلي، ربما أسهمت في زيادة الاحتكاك مع إدارة ترامب. ويعكس ذلك كيف يمكن أن تصبح الالتزامات العسكرية الأمريكية تجاه أوروبا، مستقبلًا، مرتبطة ليس فقط بمستويات الإنفاق الدفاعي، بل أيضًا بدرجة التوافق السياسي مع الأولويات الاستراتيجية لواشنطن وتوجهاتها الدولية الأوسع، وهو ما قد يضيف بُعدًا سياسيًا جديدًا إلى معادلة الأمن الأوروبي وعلاقة القارة بالولايات المتحدة.
ونتيجة لذلك، تُعد إحدى الوحدات الأمريكية المُرجّح سحبها، وفق بعض التقارير، قوة متخصصة مكلّفة بنشر صواريخ “توماهوك” المجنحة في أوروبا. وفي حال فقدان هذه القدرات، قد تواجه ألمانيا وحلفاؤها الأوروبيون فجوة كبيرة في قدرات الضربات بعيدة المدى، من دون توفر بديل فوري قادر على سد هذا النقص. وقد تسعى برلين إلى معالجة هذه الفجوة عبر تطوير نسخة مطوّرة من منظومة صواريخ “تاوروس” تحت اسم “نيو-تاوروس”. ومع ذلك، ستظل هناك فجوة نوعية واضحة بين قدرات “تاوروس”، وكذلك الأنظمة الأوروبية المماثلة مثل منظومة “سكالب/ستورم شادو” الفرنسية-البريطانية، وبين صاروخ “توماهوك” الأمريكي من حيث المدى والمرونة والقدرات العملياتية. ورغم أن النسخة الجديدة “نيو-تاوروس” يُتوقع أن يصل مداها التشغيلي إلى نحو ألف كيلومتر، فإنها على الأرجح لن تدخل الخدمة قبل عام 2030.
وتزداد حساسية هذه الفجوات في حال تعرّض إحدى الدول الأعضاء في “الناتو” لهجوم روسي داخل أوروبا. فالتخطيط العسكري الحالي للحلف يفترض أن نحو 100 ألف جندي أمريكي متمركزين بالفعل في أوروبا سيحصلون سريعًا على تعزيزات تصل إلى 200 ألف جندي أمريكي إضافي، ولا سيما من الوحدات المدرعة والميكانيكية الملائمة لسيناريوهات القتال في أوروبا الشرقية. ويعني تعويض هذه القدرات أن أوروبا ستكون مطالبة بإجراء توسع واسع في بنيتها العسكرية بما يعادل قوة قوامها نحو 300 ألف جندي أمريكي. ومن الناحية العملية، يُرجَّح أن يتطلب ذلك إنشاء ما يقرب من 50 لواءً أوروبيًا جديدًا، مع تركيز كبير على قدرات الحرب المدرعة والميكانيكية، بما يسمح ببناء قوة ردع قادرة على التعامل مع التهديدات التقليدية واسعة النطاق.
وعلى هذا الأساس، فإن المخاطر الاستراتيجية المترتبة على تراجع الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا لا تتعلق فقط بانخفاض أعداد القوات، بل تمتد بصورة أعمق إلى احتمال فقدان قدرات عسكرية متقدمة لا تزال الولايات المتحدة تحتكر جزءًا كبيرًا منها. ففي العديد من المجالات، يفتقر الحلفاء الأوروبيون حاليًا إلى القاعدة الصناعية الدفاعية، ومستويات التكامل العملياتي، والمرونة المالية اللازمة لتعويض هذه المنظومات بسرعة وكفاءة. وقد يؤدي ذلك إلى ظهور ثغرات خطيرة في قدرات الردع، والدفاع الصاروخي، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتنفيذ الضربات بعيدة المدى، بما قد يضعف قدرة أوروبا على التعامل بصورة مستقلة وفعّالة مع التهديدات العسكرية المتصاعدة.
وفي هذا السياق، قد تشمل فجوات القدرات المحتملة تقليص أو فقدان منظومات مثل صواريخ “توماهوك” المجنحة وغيرها من منصات الضربات بعيدة المدى، وبطاريات الدفاع الصاروخي “باتريوت” و”ثاد”، فضلًا عن أصول الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة المتقدمة، بما في ذلك طائرات “أواكس” وطائرات “جلوبال هوك” المسيّرة. كما قد تمتد هذه الفجوات إلى قدرات الحرب الإلكترونية والقدرات السيبرانية، إضافة إلى البنية التحتية للنقل الجوي الاستراتيجي والتزوّد بالوقود جوًا، وهي عناصر تُعد أساسية لضمان سرعة انتشار قوات “الناتو” واستدامة عملياته العسكرية خلال الأزمات والصراعات واسعة النطاق.
Atlantic Council. “Obama Warns NATO Allies to Share Defense Burden: ‘We Can’t Do It Alone.’” NATOSource, June 3, 2014.
Béraud-Sudreau, Lucie, Ben Barry, Douglas Barrie, Henry Boyd, Nick Childs, and Bastian Giegerich. Defending Europe Without the United States: Costs and Consequences. London: International Institute for Strategic Studies, 2025. https://www.iiss.org/research-paper/2025/05/defending-europe-without–the-united-states-costs-and-consequences/
Bruegel. “Defending Europe without the US: First Estimates of What Is Needed.” Accessed May 5, 2026. https://www.bruegel.org/analysis/defending-europe-without-us-first-estimates-what-needed
European Commission. European Defence Fund Factsheet. Brussels: European Commission, 2021.
Geopolitical Monitor. “Can Europe’s Military Go It Alone Against Russia?” Accessed May 6, 2026. https://www.geopoliticalmonitor.com/can-europes-military-go-it-alone-against-russia/
POLITICO Europe. “Berlin Faces Missile Gap After Donald Trump’s Troop Cuts.” Accessed May 6, 2026. https://www.politico.eu/article/berlin-faces-missile-gap-after-donald-trump-us-troop-cuts/
Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI). “Global Military Spending Rise Continues, European and Asian Expenditures Surge.” Press release, 2026. https://www.sipri.org/media/press-release/2026/global-military-spending-rise-continues-european-and-asian-expenditures-surge
تعليقات