في الوقت الذي تشهد فيه التجارة العالمية توسعًا متسارعًا في الخدمات الرقمية، تواجه أقل البلدان نموًا مفارقة لافتة: فصادراتها من هذه الخدمات تواصل الارتفاع، بينما تتراجع حصتها من السوق العالمية. وتكتسب هذه المفارقة أهمية خاصة في ظل تنامي دور الخدمات القابلة للتقديم رقميًا، التي باتت تمثل أكثر من نصف صادرات الخدمات العالمية، في حين لا تزال أقل البلدان نموًا تستحوذ على حصة ضئيلة للغاية من هذا السوق المتنامي. وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في الأرقام؛ فبين عامي 2015 و2023، ارتفعت القيمة الدولارية لصادرات هذه البلدان من الخدمات الرقمية بنسبة 43%، لكن حصتها من السوق العالمية انخفضت خلال الفترة نفسها. وتطرح هذه المفارقة سؤالًا محوريًا يتجاوز الأسباب المعروفة للفجوة الرقمية إلى البحث في العوامل التي تفسر استمرار اتساعها رغم نمو الصادرات. فهل يعكس هذا التفاوت تأخرًا في تطوير البنية التحتية الرقمية، يمكن تداركه تدريجيًا مع تحسن قدرات هذه البلدان؟ أم أن طبيعة سوق الخدمات الرقمية نفسها تسهم في ترسيخه، بما تتسم به من عوائد متزايدة مع اتساع النشاط، وتركز لرؤوس الأموال، وتزايد تشتت القواعد المنظمة للتجارة الدولية؟ فقد تمنح هذه العوامل البلدان والشركات التي سبقت إلى دخول السوق مزايا هيكلية تتعزز بمرور الوقت، مما يجعل الفجوة مرشحة لمزيد من الاتساع بفعل آليات السوق ذاتها، بدلًا من أن تتقلص تلقائيًا مع نمو صادرات البلدان المتأخرة.

التجارة الرقمية: سوق تتسع وحصة تتضاءل

تشهد التجارة العالمية تحولًا هيكليًا متسارعًا، يتجلى في تنامي دور الخدمات مقارنة بالسلع، وتزايد الاعتماد على الخدمات القابلة للتقديم رقميًا بدلًا من تلك التي تستلزم حضورًا ماديًا. ووفقًا لتقرير “مستجدات التجارة العالمية” الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في سبتمبر 2026، أصبحت الخدمات تشكل 71% من المدخلات الوسيطة على مستوى العالم، وتستحوذ على 27% من إجمالي الصادرات العالمية. وقد سجلت تجارة الخدمات متوسط نمو سنوي بلغ نحو 6.7% خلال العقد الماضي، ارتفع إلى 8.3% في عام 2025، متجاوزًا معدل نمو تجارة السلع. وفي خضم هذا التحول، سجلت الخدمات القابلة للتقديم رقميًا نموًا أسرع، بمعدل سنوي بلغ 7.1%، حتى أصبحت تمثل 56% من إجمالي صادرات الخدمات العالمية. وتشمل هذه الفئة خدمات الاتصالات والحوسبة والخدمات المالية، وغيرها من الأنشطة التي يمكن تقديمها عبر الشبكات الرقمية دون الحاجة إلى وسائل النقل المادية التقليدية.

 

ومن الناحية النظرية، يُفترض أن يتيح هذا التوسع فرصًا تنموية جديدة للاقتصادات البعيدة جغرافيًا عن الأسواق العالمية، بما فيها تلك التي تعاني ضعفًا في بنيتها التحتية. فمع اقتراب التكلفة الحدية لنقل الخدمات الرقمية من الصفر، يصبح بإمكان هذه الاقتصادات، من حيث المبدأ، المنافسة على أساس المهارات والتكلفة، بدلًا من أن تظل قدرتها التنافسية مرهونة بقربها الجغرافي من الأسواق المستهدفة. بيد أن الواقع يكشف فجوة واضحة بين هذه الفرص النظرية والنتائج الفعلية. فأقل البلدان نموًا، التي تضم 44 بلدًا تصنفها الأمم المتحدة ضمن الاقتصادات الأشد انخفاضًا في الدخل والأكثر تعرضًا لمواطن الضعف الهيكلية، لم تتجاوز حصتها 0.6% من إجمالي صادرات الخدمات العالمية في عام 2025. وتبدو الفجوة أشد اتساعًا في سوق الخدمات القابلة للتقديم رقميًا، إذ لم تستحوذ هذه البلدان سوى على 0.16% من صادراتها العالمية، مسجلة بذلك أدنى حصة لها منذ بدء رصد البيانات.

 

 

ولا تتجاوز حصة الخدمات الرقمية 16% من إجمالي صادرات الخدمات في أقل البلدان نموًا، مقارنة بنحو 61% في الاقتصادات المتقدمة. والأهم أن الفجوة بين المجموعتين لا تتجه نحو الانحسار، بل تواصل الاتساع، حتى بلغت أعلى مستوياتها منذ بدء رصد البيانات

 

 

وتعيد هذه الأرقام طرح السؤال الجوهري: لماذا تتسع الفجوة في التجارة الرقمية رغم نمو السوق العالمية وارتفاع قيمة صادرات أقل البلدان نموًا؟ فخلال الفترة من 2015 إلى 2023، زادت القيمة الدولارية لصادرات هذه البلدان من الخدمات القابلة للتقديم رقميًا بنسبة 43%، لكنها خسرت جزءًا من حصتها في السوق العالمية. ولا تعكس هذه المفارقة ركودًا في الصادرات، بل تفاوتًا في معدلات النمو؛ إذ تتوسع صادرات أقل البلدان نموًا بوتيرة أبطأ من نمو السوق العالمية، فتزداد قيمتها المطلقة دون أن يواكب ذلك تحسن في حصتها السوقية، التي تستمر في التراجع.

 

وقد يكمن أحد التفسيرات المحتملة لهذا التفاوت في اختلاف هيكل الصادرات ومستويات القيمة المضافة بين أقل البلدان نموًا والاقتصادات المتقدمة. فالأخيرة تتمتع بحضور أكبر في قطاعات الخدمات مرتفعة القيمة المضافة، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الملكية الفكرية، مثل البرمجيات المملوكة للشركات، وتحليل البيانات، وتصميم البنية التحتية للحوسبة السحابية، والخدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتمنح هذه الأنشطة الشركات العاملة فيها قدرة أكبر على التأثير في الأسعار، بينما تتركز صادرات أقل البلدان نموًا في أنشطة أقل تعقيدًا وأكثر اعتمادًا على العمالة، مثل الخدمات الأساسية لتعهيد العمليات التجارية والدعم التقني الروتيني.

 

ومع ذلك، يظل هذا التفسير فرضية تحتاج إلى اختبار، وليس نتيجة تؤكدها الأدلة المتاحة. فالبيانات تثبت أن صادرات أقل البلدان نموًا من الخدمات الرقمية ارتفعت في الوقت الذي تراجعت فيه حصتها من السوق العالمية، لكنها لا تثبت أن اختلاف هيكل الصادرات ومستويات القيمة المضافة هو السبب وراء هذا التباين. وللتحقق من هذه الفرضية، لا بد من بيانات تفصيلية بحسب البلد ونوع الخدمة، تتيح تتبع تطور أحجام الصادرات وأسعارها والقيمة المضافة المتحققة منها عبر الزمن، وهي بيانات لم تُجمع بعد بهذا المستوى من التفصيل.

 

ومن هنا، تبرز أهمية التمييز بين ما تؤكده البيانات وما يظل في نطاق التفسير المحتمل، لما له من أثر مباشر في توجيه التحليل وتحديد أولويات السياسات. فلم يعد التحدي مقتصرًا على إتاحة الاتصال بالإنترنت لأقل البلدان نموًا، وهي مسألة أصبحت أبعادها الأساسية مفهومة إلى حد بعيد، بل بات يشمل تمكين هذه البلدان من زيادة صادراتها بوتيرة تواكب نمو السوق العالمية. وبذلك، يتجاوز التحدي إزالة العوائق الأولية أمام المشاركة في الاقتصاد الرقمي، ليشمل بناء القدرة على المنافسة في سوق تتوسع باستمرار.

أربعة عوائق رئيسية تحد من صادرات الخدمات الرقمية في أقل البلدان نموًا

لا يمكن تفسير اتساع الفجوة في التجارة الرقمية بعائق واحد، إذ تقف وراءها تحديات متعددة، يختلف كل منها في طبيعة تأثيره الاقتصادي والسياسات اللازمة لمعالجته. وتشير الأدلة المتاحة إلى أربعة عوائق رئيسية، تتمثل في ضعف الاتصال الرقمي، والقيود المرتبطة بالبنية التحتية للمدفوعات والنقد الأجنبي، والتحديات التنظيمية المرتبطة بحوكمة البيانات، والفجوات في المهارات والقدرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ورغم اختلاف هذه العوائق، فإن آثارها مترابطة ومتداخلة، ولا تكفي معالجة أي منها بمعزل عن الأخرى. فتوافر الاتصال بالإنترنت، على سبيل المثال، يُعد على الأرجح شرطًا ضروريًا لتصدير الخدمات الرقمية، لكنه لا يضمن وحده القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

 

ويتمثل العائق الأول في الاتصال الرقمي، الذي لا تقتصر تحدياته في أقل البلدان نموًا على مدى انتشار شبكات الإنترنت، بل تمتد إلى قدرة السكان على استخدامها والاستفادة من خدماتها. وتكشف تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات، الواردة في تقرير “حقائق وأرقام 2025″، عن حجم هذه الفجوة؛ إذ لا تتجاوز نسبة مستخدمي الإنترنت في أقل البلدان نموًا 34% من إجمالي السكان، مقابل نحو 74% على مستوى العالم.

 

 

وتساعد تحليلات سابقة للاتحاد الدولي للاتصالات في توضيح طبيعة هذه الفجوة وأسبابها. ففي عام 2022، كان 17% من سكان أقل البلدان نموًا خارج نطاق تغطية شبكات النطاق العريض، بينما واجهت نسبة أكبر بكثير، بلغت 47%، عوائق حالت دون استخدام الإنترنت رغم توافر التغطية في مناطق إقامتهم. ويكشف هذا التفاوت أن توسيع نطاق الشبكات لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة مماثلة في الاستخدام الفعلي، الذي يتأثر بعوامل عدة، أبرزها ارتفاع تكلفة الاتصال، وضعف المهارات الرقمية، ومحدودية القدرة على اقتناء الأجهزة اللازمة، ومدى إدراك الأفراد لأهمية الخدمات المتاحة عبر الإنترنت والفوائد التي يمكن أن تحققها لهم.

 

وتبرز تكلفة الاتصال بالإنترنت بوصفها أحد أهم هذه العوائق؛ إذ تستهلك خدمات النطاق العريض عبر الهاتف المحمول حصة من الدخل في أقل البلدان نموًا تفوق بكثير المتوسط العالمي، ولا سيما لدى الأسر منخفضة الدخل. ولا تقتصر المشكلة على التكلفة، بل تمتد إلى تفاوت جودة الاتصال؛ إذ لا تغطي شبكات الجيل الخامس (5G) سوى نحو 4% من سكان البلدان منخفضة الدخل، مقابل 84% في البلدان مرتفعة الدخل. وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة في الخدمات الرقمية التي تتطلب سرعة استجابة عالية وزمن انتقال منخفضًا للبيانات، مثل خدمات دعم العملاء عبر الفيديو والعمل الحر الذي يعتمد على التطبيقات السحابية. ففي هذه الأنشطة، قد تتحول الفروق في جودة الاتصال إلى عائق أمام المنافسة، حتى بالنسبة إلى الأفراد والشركات الذين تتوافر لهم إمكانية الاتصال بالإنترنت بالفعل.

 

ثانيًا، حتى مع توافر الاتصال بالإنترنت، تظل البنية التحتية للمدفوعات عائقًا رئيسيًا أمام تصدير الخدمات الرقمية، ولا سيما فيما يتعلق بقدرة الشركات على سداد تكاليف الخدمات السحابية بالعملات الأجنبية. ووفقًا لتقرير “المؤشر العالمي للشمول المالي 2025” (Global Findex) الصادر عن البنك الدولي، يمتلك 75% من البالغين في الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل حسابات مالية، بزيادة نسبتها 80% مقارنة بعام 2011، مدفوعة إلى حد كبير بالتوسع في خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول.

 

غير أن امتلاك الحسابات المالية لا يعني بالضرورة استخدامها في المعاملات الرقمية. ففي عام 2024، لم تتجاوز نسبة البالغين الذين أجروا مدفوعات رقمية للتجار 42% في الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل، وانخفضت إلى 15% في جنوب آسيا و20% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتكشف هذه الأرقام عن فجوة بين امتلاك الحسابات واستخدامها، لكنها لا تعكس عائقًا آخر أكثر تعقيدًا تواجهه الشركات المصدّرة للخدمات الرقمية. فتوسيع نشاط هذه الشركات يتطلب القدرة على سداد مدفوعات بالعملات الأجنبية إلى جهات خارجية، لتغطية تكاليف استضافة الخدمات السحابية، وتراخيص البرمجيات، واستخدام واجهات برمجة التطبيقات (APIs) المخصصة للمطورين. غير أن القيود المفروضة على معاملات النقد الأجنبي ونقص السيولة المتاحة منه في عدد من أقل البلدان نموًا قد يجعلان الوفاء بهذه الالتزامات بالغ الصعوبة، حتى عندما تتوافر للشركات البنية التحتية الرقمية اللازمة لممارسة نشاطها.

 

وتقدم تجارب بعض شركات التكنولوجيا في الأسواق الأفريقية أمثلة عملية على هذه العقبات؛ فقد أتاح بعض مزودي الخدمات السحابية قنوات للدفع عبر الهاتف المحمول للتغلب على ارتفاع تكلفة التحويلات الدولية التقليدية أو تعثرها بسبب نقص النقد الأجنبي. ومع ذلك، تظل هذه الأمثلة حالات محددة لا تكفي لتعميم نتائجها على جميع الشركات المصدّرة للخدمات الرقمية في أقل البلدان نموًا. وفي ضوء هذه التحديات، يبرز تعزيز التكامل الإقليمي بين أنظمة المدفوعات، على غرار النظام الأفريقي للدفع والتسوية (PAPSS)، بوصفه خيارًا يمكن تنفيذه على المدى القريب بدرجة أكبر من مشروعات تطوير البنية التحتية المادية، التي تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة وآجالًا زمنية قد تمتد لعقود.

 

ثالثًا، تتجاوز العوائق التي تواجه صادرات الخدمات الرقمية حدود البنية التحتية المادية والمالية، لتشمل متطلبات الامتثال التنظيمي وحوكمة البيانات العابرة للحدود، التي تشكل عائقًا غير جمركي لا يحظى بالاهتمام الكافي. فمع تشديد الاقتصادات المتقدمة قواعد حماية خصوصية البيانات وإنفاذها، وفي مقدمتها اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي (GDPR)، إلى جانب القواعد المنظمة لنقل البيانات عبر الحدود والمعايير الناشئة لسلامة الذكاء الاصطناعي، بات لزامًا على الشركات الراغبة في تصدير خدماتها إلى هذه الأسواق إثبات امتثالها لهذه المتطلبات.

 

ولا يلزم أن تنطوي هذه القواعد على تمييز صريح حتى تتفاوت آثارها بين الشركات. فالمتطلبات التنظيمية الموحدة قد تفرض أعباءً متفاوتة تبعًا لحجم الشركة ومواردها المالية؛ إذ تستحوذ تكاليف الامتثال الثابتة على نسبة أكبر بكثير من إيرادات الشركات الصغيرة في أقل البلدان نموًا، مقارنة بالشركات متعددة الجنسيات الراسخة في الأسواق الدولية. وبهذا، تتحول القواعد التي تُطبق على الجميع دون تمييز إلى عائق أشد وطأة أمام الشركات الصغيرة، لأنها ترفع تكلفة دخول الأسواق العالمية بما لا يتناسب مع حجم هذه الشركات وإمكاناتها. وتتمثل المفارقة في أن متطلبات الامتثال الموحدة قد تعرقل توسع الشركات المصدّرة التي تعوّل عليها أقل البلدان نموًا لتعزيز قدرتها التنافسية وزيادة حصتها من التجارة الرقمية.

 

رابعًا وأخيرًا، يشكل ضعف المهارات والجاهزية للذكاء الاصطناعي، إلى جانب الضغوط التي تدفع أسعار الخدمات الرقمية نحو الانخفاض، تحديًا إضافيًا قد يسهم في ترسيخ هذا التفاوت وتعميقه. ويُظهر مؤشر الجاهزية للتكنولوجيات الرائدة الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، الذي يقيس الجاهزية وفق خمسة عناصر هي انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والمهارات، والبحث والتطوير، والقدرات الصناعية، وإمكانية الحصول على التمويل، أن فجوات المهارات لا تقتصر على الاقتصادات منخفضة الدخل. فالهند، على سبيل المثال، تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في البحث والتطوير والعاشرة في القدرات الصناعية، لكنها تتراجع إلى المرتبة التاسعة والتسعين في انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والمرتبة الثالثة عشرة بعد المئة في المهارات.

 

أما بنجلاديش، وهي من بين البلدان القليلة المصنفة ضمن أقل البلدان نموًا التي أحرزت تقدمًا ملموسًا في تصدير الخدمات الرقمية، فتحتل المرتبة 112 من أصل 170 بلدًا على المؤشر نفسه، بعدما تقدمت من المرتبة 121 في عام 2022. ويضيف الذكاء الاصطناعي بُعدًا آخر إلى هذه التحديات؛ إذ لم تعد المشكلة تقتصر على فجوة المهارات، بل باتت تشمل أيضًا تركز القدرات الابتكارية لدى عدد محدود من الشركات. ففي عام 2022، استحوذت 100 شركة فقط على نحو 40% من إجمالي الإنفاق العالمي على البحث والتطوير الممول من قطاع الأعمال. ويشير هذا الرقم إلى درجة مرتفعة من تركز النشاط الابتكاري في قطاع الشركات عمومًا، لكنه لا يثبت، في حد ذاته، أن تركز القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي تحديدًا هو ما يفسر ضعف صادرات أقل البلدان نموًا من الخدمات الرقمية.

 

وتتميز الخدمات الرقمية الحديثة ومنصات الذكاء الاصطناعي كذلك بعوائد متزايدة مع اتساع نطاق النشاط؛ فهي تتطلب استثمارات أولية ضخمة في البحث والقدرات الحاسوبية والبيانات، بينما تقترب التكلفة الحدية لتوزيع خدماتها من الصفر. وتتيح هذه الخصائص للشركات ذات الموارد المالية الكبيرة توزيع تكاليف استثماراتها على قاعدة واسعة من المستخدمين حول العالم، مما يخفض متوسط تكلفة تقديم خدماتها كلما اتسع نشاطها. ومع تعزز هذه المزايا بفعل تأثيرات الشبكة وتركز المواهب ورؤوس الأموال في مراكز محددة، قد يزداد تمركز إنتاج الخدمات الرقمية في الأسواق التي تتمتع فيها الشركات القائمة بمواقع راسخة، وتتفاقم العوائق الهيكلية أمام دخول شركات أقل البلدان نموًا إليها، حتى دون وجود قيود تجارية رسمية.

 

ويبرز هنا خطر آخر يتمثل في احتمال أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى خفض مستوى المهارات اللازمة لدخول بعض مجالات الخدمات الرقمية، مثل البرمجة الأساسية والدعم الروتيني للعملاء، في الوقت الذي تتراجع فيه الأسعار السوقية لهذه الخدمات المعيارية نفسها. وقد تجد أقل البلدان نموًا نفسها، نتيجة لذلك، أمام وضع تتزايد فيه أحجام صادراتها من هذه الخدمات، بينما تنخفض الإيرادات المتحققة من كل وحدة منها بوتيرة أسرع من نمو حجم الصادرات. ومع ذلك، يظل هذا الاحتمال سيناريو مستقبليًا واردًا، ولا يمكن اعتباره تفسيرًا مثبتًا للتراجع الحالي في حصة هذه البلدان من السوق العالمية.

تشتت قواعد التجارة الرقمية: تحديات جديدة أمام أقل البلدان نموًا

لم يعد خطر تشتت القواعد المنظمة للتجارة الدولية مجرد احتمال مستقبلي، بل أصبح واقعًا تتكشف تداعياته تدريجيًا. ففي أواخر مارس 2026، أخفق أعضاء منظمة التجارة العالمية، خلال مؤتمرها الوزاري الرابع عشر الذي استضافته العاصمة الكاميرونية ياوندي، في الاتفاق على تمديد قرار تعليق فرض الرسوم الجمركية على عمليات النقل الإلكتروني، المعمول به منذ عام 1998. ونتيجة لذلك، انتهى سريان القرار في 30 مارس 2026، لتدخل التجارة الرقمية مرحلة جديدة تتسم بتباين الالتزامات الجمركية بين أعضاء المنظمة.

 

وكانت مجموعة من أعضاء المنظمة قد تحركت قبل انتهاء سريان القرار بيومين، وتحديدًا في 28 مارس، لاعتماد ترتيبات مؤقتة بشأن اتفاق التجارة الإلكترونية، بمبادرة مشتركة من أستراليا واليابان وسنغافورة. وضمت المجموعة 66 أو 67 عضوًا، وفقًا لاختلاف التقارير، التزموا بموجب هذه الترتيبات بعدم فرض رسوم جمركية على المعاملات الإلكترونية فيما بينهم، إلى حين إدراج الاتفاق بالكامل ضمن الإطار القانوني لمنظمة التجارة العالمية. ولم تكن الولايات المتحدة من بين المشاركين في هذه الترتيبات.

 

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن المشهد لا يقتصر على انقسام بسيط بين البلدان المنضمة إلى الاتفاق وتلك التي بقيت خارجه. ففي 8 مايو، تعهدت مجموعة أخرى تضم 19 عضوًا، من بينهم الولايات المتحدة واليابان وسنغافورة، بمواصلة الإعفاء من الرسوم الجمركية فيما بينها، بعدما تعثر الاتفاق الأوسع نطاقًا بسبب معارضة البرازيل وتركيا. ورغم أن معظم أقل البلدان نموًا لا تزال خارج اتفاق التجارة الإلكترونية الرئيسي، فإن مشاركتها ليست غائبة تمامًا؛ إذ انضمت إليه أربعة بلدان من هذه الفئة، هي بنين وبوركينا فاسو وجامبيا وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية.

 

وتثير هذه الترتيبات المتباينة تساؤلات بشأن تداعياتها على أقل البلدان نموًا، وإن كان من المبكر الجزم بأن آثارها ستكون سلبية بالضرورة. فمصدر القلق الأساسي لا يتمثل في انتهاء الإعفاء الجمركي وحده، بل في احتمال تجزؤ التجارة الرقمية إلى مجموعات من البلدان تخضع لالتزامات جمركية وأطر قانونية مختلفة. وقد يؤدي هذا التباين إلى زيادة تعقيد متطلبات الامتثال ورفع تكاليفها على الشركات المصدّرة، ولا سيما الشركات الصغيرة التي تفتقر إلى الموارد والخبرات اللازمة للتعامل مع تعدد القواعد التنظيمية.

 

ومع ذلك، لا تنظر جميع الاقتصادات النامية إلى الإعفاء من الرسوم الجمركية باعتباره خيارًا يخدم مصالحها بالقدر نفسه. فقد عارضت بعض الاقتصادات النامية ومتوسطة الدخل، ومنها إندونيسيا والبرازيل، الاتفاق الأصلي، انطلاقًا من مخاوف تتعلق بفقدان إيرادات جمركية محتملة وتقييد قدرة الحكومات على تبني سياسات تدعم تطوير الصناعات الرقمية المحلية. وتكتسب هذه الاعتبارات أهمية خاصة لدى البلدان التي تستورد من الخدمات الرقمية أكثر مما تصدّر، وتسعى في الوقت نفسه إلى بناء صناعات رقمية قادرة على المنافسة.

 

غير أن هذه المصالح لا تتطابق بالضرورة مع أوضاع أقل البلدان نموًا. فمع أن معظم هذه البلدان مستوردة صافية للخدمات الرقمية، فإن قدراتها المحدودة على توسيع صادراتها في المدى القريب تجعل المكاسب المحتملة من استعادة صلاحية فرض الرسوم الجمركية محدودة نسبيًا. وفي المقابل، قد يؤدي فرض رسوم على المدخلات الرقمية المستوردة إلى زيادة التكاليف التي تتحملها القطاعات الرقمية الناشئة، بما يضيف أعباءً جديدة إلى التحديات التي تواجهها بالفعل.

 

وعلى هذا الأساس، تشير المعطيات المتاحة إلى احتمال أن تتحمل أقل البلدان نموًا تكاليف تكيف مع القواعد التجارية الجديدة تفوق نسبيًا ما تتحمله الاقتصادات النامية الأكثر تقدمًا من الناحية التكنولوجية، وإن كانت الأدلة الحالية لا تكفي للجزم بذلك. ويكشف هذا الاحتمال عن أهمية التمييز بين مصالح البلدان النامية نفسها، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مجموعة متجانسة في مواجهة الاقتصادات المتقدمة؛ فالتفاوت في القدرات التكنولوجية والهياكل الإنتاجية ينعكس بدوره على طبيعة المكاسب والتكاليف المحتملة لكل بلد.

 

وفي موازاة هذه التحولات، تتيح الاتفاقات التجارية التفضيلية مسارات بديلة قد تسهم في الحد من بعض آثار تشتت القواعد التجارية. فقد تضمنت 55% من الاتفاقات الموقعة بين عامي 2000 و2025 أحكامًا تتعلق بالتجارة الإلكترونية أو التجارة الرقمية. غير أن وجود هذه الأحكام لا يعني بالضرورة استفادة أقل البلدان نموًا منها؛ إذ لا يزال مدى مشاركتها في تلك الاتفاقات، وطبيعة الشروط التي تحكم هذه المشاركة، ومدى توافقها مع مصالحها الاقتصادية، مسائل تحتاج إلى مزيد من البحث والتحقق استنادًا إلى بيانات تفصيلية.

 

وبذلك، يمثل انتهاء العمل بالقرار متعدد الأطراف لتعليق الرسوم الجمركية فرصة لدراسة آثار تباين القواعد التجارية في الواقع العملي، بدلًا من الاكتفاء بتقديرها نظريًا. فمن خلال تتبع تطور تكاليف المدخلات الرقمية وحجم مشاركة البلدان في صادرات الخدمات الرقمية، ومقارنة النتائج في ظل الترتيبات المختلفة التي نشأت بعد مارس 2026، يمكن تكوين صورة أدق عن مدى تأثير استقرار القواعد التجارية ووضوحها في القدرة التنافسية للبلدان، ولا سيما أقل البلدان نموًا، في سوق الخدمات الرقمية العالمية.

تجربة بنجلاديش في تصدير الخدمات الرقمية

يكشف تقرير “أقل البلدان نموًا لعام 2025” الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) أن صادرات هذه البلدان من الخدمات القابلة للتقديم رقميًا تتركز في عدد محدود من الدول، أبرزها بنجلاديش وإثيوبيا والسنغال ونيبال وكمبوديا وأوغندا. كما تنحصر معظم هذه الصادرات في مجموعة ضيقة من الأنشطة، تشمل خدمات الاتصالات والحوسبة والاستشارات المهنية.

 

وتبرز بنجلاديش بوصفها نموذجًا يستحق الدراسة؛ فرغم أن ترتيبها على مؤشر الجاهزية للتكنولوجيات الرائدة لا يزال متواضعًا نسبيًا، فإنه شهد تحسنًا ملحوظًا. وقد أسهم هذا التقدم، إلى جانب توافر قاعدة من العمالة المدربة على تقديم الخدمات المعتمدة على تكنولوجيا المعلومات، في تحقيق أداء تصديري يفوق ما قد توحي به مستويات الدخل والاتصال الرقمي في البلاد. ومع ذلك، لا تكفي هذه المؤشرات للجزم بأن بنجلاديش هي الأكثر نجاحًا بين أقل البلدان نموًا في تحقيق نتائج تفوق التوقعات؛ إذ يتطلب مثل هذا الحكم تحديد معايير واضحة للمقارنة. ومن ثم، فإن الأجدر التعامل مع تجربتها بوصفها نموذجًا توضيحيًا لإمكانات التقدم في ظل قيود قائمة، لا باعتبارها الحالة الأبرز على الإطلاق.

 

وتوحي هذه التجربة بأن توافر حد مقبول من البنية التحتية الرقمية، مقترنًا ببرامج موجهة لإعداد الكوادر وتنمية مهاراتها، قد يسهم في التعويض جزئيًا عن أوجه القصور الأوسع في البنية التحتية. غير أن هذا الاستنتاج يظل فرضية تحتاج إلى اختبار. وللتحقق منها، ينبغي مقارنة بنجلاديش ببلدان أخرى من فئة أقل البلدان نموًا شهدت تحسنًا مماثلًا في الاتصال الرقمي، لكنها لم تحقق المستوى نفسه من التقدم في تصدير الخدمات الرقمية. وقد تساعد هذه المقارنة على تمييز أثر تنمية المهارات عن تأثير عوامل أخرى، مثل الروابط مع الجاليات المقيمة في الخارج، واللغة، وتكاليف العمالة.

 

ولا تتوقف قدرة هذه البلدان على الاستفادة من الفرص المتاحة عند حدود إمكاناتها الداخلية، بل تتأثر أيضًا بالقيود التي تفرضها الأسواق المستوردة للخدمات. فإجراءات التأشيرات المشددة وعدم الاعتراف بالمؤهلات المهنية يحدّان من قدرة مقدمي الخدمات على الانتقال مؤقتًا عبر الحدود لتقديم خدماتهم، وفق ما يُعرف بالنمط الرابع لتجارة الخدمات. ورغم أن الخدمات الرقمية تُقدم عن بُعد بطبيعتها، فإن بعض الخدمات مرتفعة القيمة يتطلب في مراحله الأولى بناء علاقات مباشرة مع العملاء من خلال اللقاءات الشخصية. ومن ثم، قد تؤدي القيود المفروضة على انتقال الأفراد إلى إضعاف فرص إقامة هذه العلاقات، بما ينعكس لاحقًا على إمكانية تصدير الخدمات عبر القنوات الرقمية.

 

وتتداخل هذه القيود الخارجية مع تحديات داخلية، أبرزها ضعف الأطر التنظيمية وصعوبة حصول الشركات على التمويل اللازم للتوسع. وتبدو معالجة بعض هذه العوائق، إلى جانب تيسير إجراءات التأشيرات وإبرام اتفاقات للاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية، أكثر قابلية للتحقيق على المدى القصير من سد الفجوات الواسعة في البنية التحتية. فتيسير انتقال مقدمي الخدمات والاعتراف بمؤهلاتهم يتطلبان بالأساس مفاوضات وترتيبات مؤسسية بين البلدان، بدلًا من الاستثمارات الرأسمالية الضخمة اللازمة لتطوير البنية التحتية المادية.

 

وتقود هذه المعطيات إلى نتيجة أساسية مفادها أن تعزيز صادرات أقل البلدان نموًا من الخدمات الرقمية لا يتحقق بإجراء منفرد، بل يتطلب حزمة مترابطة من التدخلات، تُرتب أولوياتها وفق طبيعة العوائق وإمكانات معالجتها والمدة الزمنية اللازمة لذلك. فعلى المدى القصير، تبرز أولوية تذليل العقبات المرتبطة بالنقد الأجنبي والمدفوعات الدولية، ومساعدة الشركات على استيفاء متطلبات الامتثال التنظيمي، والتوصل إلى اتفاقات تيسر انتقال مقدمي الخدمات عبر الحدود. أما على المدى المتوسط، فتتركز الجهود على تطوير برامج موجهة لإعداد الكوادر وتنمية مهاراتها، وتيسير حصول الشركات على التمويل، ووضع استراتيجيات لتصدير الخدمات تراعي خصائص كل قطاع ومتطلباته. وعلى المدى الطويل، تظل الاستثمارات المستدامة في تحسين جودة الاتصال بالإنترنت عريض النطاق وتطوير منظومات الابتكار المحلية ضرورية لتعزيز القدرة التنافسية لهذه البلدان.

 

ويستند هذا التدرج إلى التمييز بين الشروط الضرورية للمشاركة في التجارة الرقمية والشروط الكافية لتحقيق نتائج تصديرية تنافسية. فالاتصال بالإنترنت، رغم ضرورته، لا يضمن وحده نشوء شركات قادرة على دخول الأسواق العالمية والتوسع فيها. وبالمثل، قد تظل عوائد الاستثمار في تنمية المهارات محدودة إذا عجزت الشركات عن تلقي المدفوعات من الخارج أو الوفاء بالمتطلبات التنظيمية للأسواق المستهدفة. ولذلك، فإن فاعلية كل تدخل ترتبط بمدى توافر الشروط الأخرى التي تتيح الاستفادة منه.

 

وفي المحصلة، لا يتمثل التحدي الذي تواجهه أقل البلدان نموًا في توسيع نطاق التحول الرقمي فحسب، بل في تحويل هذا التوسع إلى قدرة فعلية ومستدامة على تصدير الخدمات الرقمية والمنافسة في أسواقها العالمية. ويتطلب تحقيق ذلك بناء منظومة متكاملة تعالج العوائق المالية والتنظيمية والبشرية والتكنولوجية بصورة مترابطة، وفق أولويات تراعي الجدوى الاقتصادية وإمكانات التنفيذ. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية البدء بالإصلاحات المؤسسية والمالية الأكثر قابلية للتنفيذ، بالتوازي مع مواصلة الاستثمارات طويلة الأجل في تحسين الاتصال الرقمي وتنمية المهارات وتعزيز القدرات الابتكارية. فالعبرة ليست بمجرد زيادة الصادرات، بل بتمكين أقل البلدان نموًا من تحقيق نمو يواكب توسع السوق العالمية، حتى لا تظل صادراتها ترتفع بينما تتراجع حصتها من التجارة الرقمية

المراجع

International Telecommunication Union. “Global Internet Usage Remains Uneven, ITU Reports.” Press release, November 17, 2025. https://www.www.itu.int/en/mediacentre/Pages/PR-2025-11-17-Facts-and-Figures.aspx

 

International Telecommunication Union, “Statistics Update,” December 2025, https://www.itu.int/en/ITU-D/Statistics/Pages/StatisticsUpdate/December2025.aspx

 

UNCTAD. Global Trade Update: Services Are Reshaping Global Trade. Geneva: United Nations Conference on Trade and Development, September 2026. https://unctad.org/publication/global-trade-update-september-2026-services-are-reshaping-global-trade

 

UNCTAD. The Least Developed Countries Report 2025. Geneva: United Nations Conference on Trade and Development, 2025. https://unctad.org/publication/least-developed-countries-report-2025

 

World Bank. Global Findex 2025 Overview. Policy Research Talk Presentation, September 2025. https://thedocs.worldbank.org/en/doc/a4aaae5a017a5bea7922686af0ed3636-0050022025/original/PolicyResearchTalk-GlobalFindex-September2025.pdf

 

World Trade Organization. “Joint Statement Initiative on E-Commerce.” Accessed September 21, 2026. https://www.wto.org/english/tratop_e/ecom_e/joint_statement_e.htm

 

World Trade Organization. “MC14 Briefing Notes: Work Programme on Electronic Commerce.” World Trade Organization. Accessed September 20, 2026. https://www.wto.org/english/thewto_e/minist_e/mc14_e/briefing_notes_e/ecommerce_e.htm

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Secret Link