تمثّل الضربات العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير 2026 واحدة من أكثر لحظات التصعيد خطورة في معادلات الأمن الإقليمي في الخليج خلال أكثر من عقد. فهذه العملية أعادت رسم ملامح المخاطر المحيطة بأسواق الطاقة العالمية، فاتحةً المجال أمام تداعيات فورية ومتوسطة وطويلة الأجل قد تطال استقرار الإمدادات النفطية والتوازنات في سوق الطاقة الدولي. وقد استهدفت الضربات قيادات عليا ومنشآت عسكرية ذات أهمية استراتيجية داخل إيران، الأمر الذي دفع طهران إلى الرد عبر نطاق جغرافي يمتد عبر منطقة الخليج. وفي هذا السياق، تصاعدت بصورة حادة المخاوف من احتمال تعرّض تدفقات الطاقة المنقولة بحراً لاضطرابات واسعة، ولا سيما في مضيق هرمز.
وعلى الرغم من أن الانقطاعات الفعلية في الإمدادات المادية ما تزال محدودة حتى لحظة إعداد هذا التحليل، فإن الأسواق سارعت إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية. فقد قفزت المؤشرات القياسية للنفط الخام مع استئناف التداول، وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين بصورة ملحوظة، بالتوازي مع تصاعد مستويات التقلب في أسواق السلع والعملات. غير أن السؤال الاقتصادي الجوهري لا يتمثل في ما إذا كانت الأسعار ستتفاعل مع هذه التطورات، إذ إن هذا التفاعل قد حدث بالفعل، بل في ما إذا كان الصراع سيتحوّل من صدمة ناتجة عن علاوة المخاطر إلى اضطراب فعلي ومستدام في الإمدادات.
يبقى مضيق هرمز القناة المحورية لانتقال تدفقات الطاقة العالمية. إذ يمر عبر هذا الممر البحري ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية وأكثر من ثلث شحنات الغاز الطبيعي المسال المنقولة بحرًا. وحتى أي تعطيل مؤقت في هذا الممر ينطوي على تداعيات اقتصادية كلية واسعة النطاق. ومن ثم فإن تقييم انعكاسات هذه الأزمة يقتضي تحليل ردود الفعل الفورية للأسواق، والسيناريوهات المحتملة لتعطل الإمدادات، واستجابات العرض على المدى المتوسط، فضلًا عن الآثار الهيكلية بعيدة المدى على أمن الطاقة العالمي والاستقرار الاقتصادي الكلي.
تغيرت الطبيعة الأساسية لحروب الجوفضائية الحديثة تغيراً جذرياً ونهائياً؛ فـقد تحولت الجيوش من استخدام الأسلحة المتقدمة والمكلفة، إلى الاعتماد على الاستنزاف الصناعي والأسلحة الرخيصة التي تُنتج بكميات ضخمة، وقد ظهر هذا الواقع العملياتي بوضوح في أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦، وذلك بالتزامن مع بدء القوات الأمريكية لعملية "الغضب الملحمي"، وتنفيذ الجيش الإسرائيلي لعملية "الأسد الهادر" الموازية لها.
بسبب انهيار المفاوضات النووية، أطلق التحالف العسكري حملة استباقية واسعة النطاق. ومن ثَمَّ، حشد التحالف قوة جوفضائية هائلة، فـقصف أكثر من ألف هدف استراتيجي داخل الأراضي الإيرانية خلال ال ٢٤ساعة الأولى. أمَّا القوات الأمريكية فـقد نفذت بمفردها أكثر من ٩٠٠ ضربة دقيقة في أول ١٢ ساعة، مستخدمةً قاذفات التخفي، والمقاتلات البحرية، وصواريخ كروز. ثُمَّ ارتفع عدد الضربات ليتجاوز ١٢٥٠ضربة موجهة خلال ٤٨ ساعة. وفي الوقت نفسه، نفذت القوات الجوية الإسرائيلية أكثر من ٧٠٠طلعة جوية في اليوم الأول، وألقت أكثر من ١٢٠٠ قذيفة، لكي تحقق نجاحات تكتيكية فورية وتفرض سيطرتها الجوية.
على الرغم من هذا الهجوم المكثف، إلا أنَّ الرد الفوري والمستمر من جانب الحرس الثوري الإيراني، عبر عملية "الوعد الصادق ٤"، فرض ضغطاً كبيراً ومستمراً على منظومة الدفاع الجوي والصاروخي للولايات المُتحدة وإسرائيل. فـخلال أول ٤٨ ساعة من النزاع، أطلقت إيران حوالي ٤٢٠ صاروخاً باليستيًا متوسط المدى لاستهداف إسرائيل بالإضافة لعدة دول أخرى في المنطقة. ولم يقتصر الهجوم على ذلك، بَل رافقه إطلاق أعداد هائلة من الطائرات المسيرة الهجومية، اسقطت إسرائيل الغالبية العظمى منها مُستنفذةً آلاف الصواريخ الاعتراضية من منظومات الدفاع الجوي.
كشف هذا الاستهلاك السريع للصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة -التي تكلف ملايين الدولارات- في مواجهة أسلحة معادية رخيصة الثمن وكثيرة العدد، عن ضعف واضح في خطوط الإمداد العسكرية المعاصرة، ونظرًا لـعدم قدرة قطاع الصناعات الدفاعية العالمي على تعويض هذه الأسلحة المتقدمة بنفس سرعة استهلاكها في المعارك، فـإن كلا الطرفين يواجهان خطر نفاد المخزون العسكري قريباً. بناءً على ذلك، إذا أراد أي طرف مواصلة الحرب وتحقيق نصر استراتيجي حاسم، فـمن الضروري استبدال هذه الأسلحة المتقدمة والمكلفة ببدائل أخرى رخيصة يمكن إنتاجها بأعداد ضخمة، أي يجب تغيير العقيدة العسكرية للتركيز على الكثافة العددية والقدرة على تحمل الاستنزاف المستمر.
مثّل الربع الأول من عام ٢٠٢٦ نقطة انعطاف استراتيجية في توظيف القوة الصلبة وإدارة التفاعلات الجيوسياسية. فبعد عقود اقتصر فيها دور التقنيات الحاسوبية على الإسناد العملياتي—كمعالجة البيانات الاستخباراتية أو توجيه الذخائر الدقيقة—شهد شهرا يناير وفبراير تحولاً بنيوياً تمثل في الانتقال من التخطيط المعتمد على العنصر البشري إلى إدارة سلاسل قتل (Kill Chains) خوارزمية مستقلة تماماً، وقد تبلورت هذه العقيدة رسمياً عبر "استراتيجية تسريع الذكاء الاصطناعي" التي أصدرتها وزارة الحرب الأمريكية (DoW)في ٩يناير ٢٠٢٦؛ بهدف تكريس هيمنة عسكرية أمريكية مطلقة، والانتقال بالجهاز الدفاعي من الأطر البيروقراطية الكلاسيكية إلى آلة حرب تتبنى مقاربة الذكاء الاصطناعي أولاً (AI-First).
وقد ارتكزت هذه العقيدة المستحدثة على محددات صارمة تُعلي من شأن القوة المميتة المطلقة، والسرعة العملياتية الفائقة، والأنظمة الموضوعية التي تضع المهمة فوق كل اعتبار، مع استبعاد تام للمقاربات الاجتماعية والسياسية من معادلة الضبط الخوارزمي، وذلك لضمان التفوق الحاسم في اتخاذ القرار الميداني، وتجلى هذا التحول العقائدي بوضوح عبر تدخلين عملياتيين غير مسبوقين وفائقي الخطورة: الاعتقال خارج الحدود الإقليمية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عبر "عملية العزم المطلق" في يناير ٢٠٢٦، وضربة استئصال القيادة شديدة الفتك ضد المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي خلال "عملية المدينة المقدسة الصامتة"، كجزء من عملية "الغضب الملحمي" الأوسع، في فبراير ٢٠٢٦.
حيث أسفر الدمج المعقد للنماذج اللغوية التوليدية (LLMs)، والبنى الديناميكية للبيانات، وخوارزميات التقييم التكتيكي، وأنساق الطيران المسير ذاتي التوجيه، عن إحداث ثورة في معايير السرعة، والدقة، وحسابات التكلفة الجيوسياسية لعمليات تحييد الأهداف عالية القيمة (HVTs) وتؤكد هذه المعطيات بشكل حاسم أن حقبة الذكاء الاصطناعي كأداة إسناد تحليلي خلفية قد طُويت؛ ليبرز اليوم بوصفه المهندس الاستراتيجي الأول للميدان، والمحرك الأساسي للمحاكاة التكتيكية، والموجه المباشر لمسارات "التنفيذ الحركي".
شكلت العمليات العسكرية التي دارت رحاها في يونيو ٢٠٢٥، والتي استمرت لمدة اثني عشر يوماً بين إيران وإسرائيل، نقطة انكسار حادة في مسار التوازن العسكري الإقليمي، حيث أسفرت المواجهة عن تآكل جوهري في البنية التحتية العسكرية لطهران وتكبدها خسائر مادية جسيمة، وقد تجلي عمق هذا الإخفاق العملياتي في الانهيار شبه التام لمنظومة الدفاع الجوي المتكاملة، حيث تشير التقديرات الاستخباراتية المؤكدة إلى نجاح إسرائيل في تحييد ما يربو على ٨٠ بطارية صواريخ "أرض-جو" وتدمير أكثر من ١٢٠ منصة إطلاق، الأمر الذي جرد المجال الجوي الإيراني من غطائه الحمائي وفرض حالة من السيادة الجوية الإسرائيلية المطلقة.
وفي خضم هذا التداعي، فقدت طهران فعلياً كامل ترسانتها من منظومة (S-300PMU2) "إس-300 بي إم يو-2" الروسية الصنع، التي كانت قد تسلمتها في عام ٢٠١٦ بعد مفاوضات مضنية وتكلفة مالية باهظة، إذ دُمرت هذه المنظومات بشكل ممنهج بين عامي ٢٠٢٤ و٢٠٢٥. كما أثبتت الصناعات الدفاعية المحلية، المتمثلة في منظومتي "باور-373" (Bavar-373) و"خرداد-15" (Khordad-15)، عجزاً عملياتياً واضحاً عند اختبارها في بيئة قتالية حقيقية. مما كشف عن فجوة تقنية واسعة بين القدرات الهجومية الإسرائيلية ووسائل الدفاع الإيرانية فلم يسجل الدفاع الجوي الإيراني إسقاط أي مقاتلة إسرائيلية مأهولة، وقف سلاح الجو الإيراني عاجزاً بترسانته المتقادمة التي تعتمد على إرث ما قبل الثورة من طائرات "إف-14 تومكات" (Grumman F-14 Tomcat) و"فانتوم" و"تايغر"، مدعومة بطائرات (MiG-29) "ميغ-29" من حقبة التسعينيات. هذا العجز التام عن المنافسة أو الردع لم يثبت فشل التكتيكات فحسب، بل وجه ضربة قاضية للمسلمات الاستراتيجية التي قام عليها مذهب الدفاع الإيراني لعقود، والمتمثل في الاعتماد على "الردع الصاروخي غير المتكافئ" وشبكات الدفاع الطبقية الهجينة.
وأمام هذا الواقع الذي شهد تحييد القدرات الصاروخية وتفكيك المظلة الجوية، اضطرت القيادة الإيرانية إلى تبني استراتيجية إعادة ضبط ما بعد الحرب، مدشنة حملة استحواذ عاجلة تهدف إلى سد الفجوة التكنولوجية عبر التوجه شرقاً نحو روسيا والصين لترميم الردع المفقود، ويبقى السؤال الجوهري الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط هل ينجح هذا "الردع الهجين" -المكون من صواريخ محلية وأسلحة مستوردة غير مدمجة كلياً- في الصمود أمام خصم أثبت بالفعل امتلاكه الجرأة والقدرة على توجيه ضربات مدمرة في العمق الإيراني.
يشهد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط مع مطلع عام ٢٠٢٦ إعادة تشكّل بنيوي تتداخل فيه مخرجات الصراع العسكري مع تحولات عميقة في مقاربة إدارة الأزمات. فالمسار الدبلوماسي الذي أعقب حرب الاثني عشر يوماً في يونيو ٢٠٢٥ أعاد إنتاج أنماط تفاوضية تعكس عقيدة استراتيجية راسخة في العقل الإيراني تُعرف بدبلوماسية البازار. هذه الاستراتيجية لا تنظر للتفاوض كآلية لإنهاء النزاع فحسب، بل كأداة لإعادة توزيع عناصر القوة في سياق الوقت والموقع والتكتيك، إذ يُعد الزمن فيها مورداً استراتيجياً يُستخدم لامتصاص الضغط وإعادة ترميم التوازن الداخلي.
وفي السياق الراهن، تكتسب هذه المقاربة بعداً وجودياً نتيجة التحديات التي تواجه النظام الإيراني بعد الضربات التي استهدفت بنيته الدفاعية والنووية والانكماش الاقتصادي الحاد. وعليه، لم تعد «دبلوماسية البازار» خياراً تفاوضياً، بل تحولت إلى إطار بقاء سياسي يوظّف الغموض المرن والتنازلات المحسوبة لبناء مكاسب استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز حدود الاتفاقات التقنية، ويبقى التساؤل المحوري: هل تنجح هذه الاستراتيجية في التوصل لاتفاق بين واشنطن وطهران؟
تُعدّ الصين الفاعل المهيمن في صناعة العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، بما يرسّخ موقعها في صلب واحدة من أكثر الصناعات حساسية في الاقتصاد العالمي المعاصر. فبحلول عام 2025، كانت تسيطر على "نحو 61% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة و92% من عمليات معالجتها"، وهو ما يعكس تركيزًا ملحوظًا في سلاسل الإمداد المرتبطة بهذه الموارد الاستراتيجية. وفي مواجهة هذا الواقع، سارعت دول وقوى اقتصادية عدة إلى تعزيز قدراتها الوطنية في هذا القطاع، سعيًا إلى تقليص اعتمادها على الصين، سواء في المواد الخام أو المنتجات المعالجة. وفي هذا السياق، كثّفت دول مجلس التعاون الخليجي، انسجامًا مع رؤاها الوطنية لعام 2030، استثماراتها في استخراج هذه العناصر ومعالجتها، في مسعى إلى تنويع قواعدها الاقتصادية وتعزيز حضورها في سوق ما تزال الصين تمسك بمفاصله الرئيسية. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تقييم فرص صعود الخليج كمورّد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة، من خلال تحليل دوافع هذا التوجه، ومدى قابليته للتحقق، فضلًا عن التحديات التي قد تواجه دول المجلس في مسار الانخراط في هذا السوق الاستراتيجي.
تجاوزت قضية الضفة الغربية كونها مجرد ملف من ملفات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لتغدو محكاً حقيقياً لتماسك القانون الدولي وأسس الردع التي استند إليها النظام العالمي عقب الحرب العالمية الثانية. ففي التاسع من فبراير ٢٠٢٦، صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغّر (الكابينت) على حزمة تدابير استثنائية ترمي لترسيخ الهيمنة الإسرائيلية على الضفة، وتضمنت هذه التدابير إنهاء الحظر التاريخي لبيع الأراضي لليهود، من خلال إلغاء العمل بالقانون الأردني الذي يمنع بيع أملاك الفلسطينيين لليهود، ورفع السرية عن السجلات العقارية ، ونقل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق بمدينة الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، إضافة إلى توسيع صلاحيات الرقابة والهدم لتشمل مناطق "أ" و"ب" الخاضعة للسلطة الفلسطينية وفق اتفاقية أوسلو.
ومن شأن هذه القرارات إحداث تحولات جوهرية في نظم تسجيل العقارات وتداولها، إذ تتيح الإفصاح العلني عن هويات الملاك، مما يفتح المجال للمشترين الإسرائيليين للتفاوض المباشر معهم، مسهلاً بذلك وتيرة الاستحواذ وتمدد الاستيطان في كافة أرجاء الضفة. وفي هذا السياق، عدّ مجلس المستوطنات "ييشع" هذه الخطوات "الأكثر مفصلية منذ ثمانية وخمسين عاماً"، معتبراً إياها إعلاناً حكومياً فعلياً عن استعادة أرض إسرائيل لشعبها. ولا تمثل هذه التحركات واقعة منفصلة، بل هي حلقة ضمن مسار متصاعد أعاد صياغة أسس الصراع جذرياً خلال العامين المنصرمين، مفرزاً واقعاً مغايراً يستدعي مقاربة تحليلية تتخطى القوالب التقليدية.
شكلت عملية العزم المطلق التي أفضت إلى إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو وقرينته سيليا فلوريس في ٣ يناير ٢٠٢٦، حدثًا مفصليًا في تاريخ الحروب الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. فبينما تُشير المعطيات الأولية إلى تغيير محدود للنظام داخل فنزويلا، إلا أن التداعيات الاستراتيجية لهذه العملية قد ألحقت ضررًا بالغًا بقدرات العمليات الأمامية لإيران. فعلى مدى عقدين تقريبًا، لم تكن فنزويلا مجرد شريك دبلوماسي لطهران، بل كانت بمثابة رأس جسر لوجستي لا غنى عنه، وملاذًا آمنًا في نصف الكرة الغربي، مكّن النظام الإيراني من الالتفاف على العقوبات الدولية، وفرض نفوذ غير متكافئ، وحافظ على شريان حياة مالي عبر التجارة غير المشروعة.
مثلت عملية العزم المطلق، التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية في الثالث من يناير 2026 وأفضت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وقرينته سيليا فلوريس، فصلاً ختامياً لسنوات من الجمود والصراع الدبلوماسي. بيد أن هذا الحدث، الذي جاء تتويجاً لمسار طويل من التصعيد، تجاوز في دلالاته مجرد إسقاط لنظام سياسي؛ إذ كان إيذاناً صريحاً ببعث "مبدأ مونرو" في أكثر صيغه صرامة. وقد تجلى ذلك في تصريح الرئيس الأمريكي فور نجاح العملية، حين قطع بأن "الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لم تعد موضع شك بعد اليوم". وعليه، فقد شكلت هذه العملية تحولاً جيوسياسياً مفصلياً، لم تقتصر ارتداداته على تاريخ أمريكا اللاتينية فحسب، بل امتدت لتعيد رسم عقيدة السياسة الخارجية الأمريكية برمتها.
أحدثت العملية صدمة استراتيجية في العواصم المعادية لواشنطن، حيث أعادت للأذهان حقبة التدخلات الأمريكية المباشرة إبان الحرب الباردة، ولكن بأدوات وتقنيات القرن الحادي والعشرين. فلم يعد التهديد الأمريكي مقتصرا على العقوبات الاقتصادية أو العزلة الدبلوماسية، بل تحول إلى توظيف للقوة الصلبة "الذكية" القادرة على اختراق السيادة الوطنية واستهداف رؤوس الأنظمة. وسيفرض هذا التحول الجذري على الدول المصنفة ضمن دائرة العداء الأمريكي -سواء في الكاريبي أو الشرق الأوسط- إعادة تقييم شاملة لحساباتها الأمنية والاستراتيجية، وسط مخاوف جدية من أن تكون كاراكاس مجرد فاتحة لسلسلة من عمليات "تغيير الأنظمة" التي تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الدولي وفق الرؤية الأمريكية الأحادية.
تشهدُ البنية الهيكلية للاقتصاد العالمي لألعاب الفيديو تحولاً جذرياً يتجاوز مراكز الهيمنة الثلاثية التقليدية في أمريكا الشمالية واليابان والصين، إذ ينتقلُ الثقل الاستراتيجي للصناعة نحو منطقة الخليج، مدفوعًا بتدفقات رأسمالية غير مسبوقة تقودها صناديق الثروة السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي، حتي بات يُجسد هذا الحراك يُجسد تغيرًا مفصليًا في العقيدة الاستثمارية لهذه الكيانات—وتحديداً صندوق الاستثمارات العامة السعودي((Public Investment Fund - PIF)، وشركة مبادلة و"ADQالقابضة" في الإمارات، وجهاز قطر للاستثمار(QIA)—التي انتقلت من إدارة المحافظ السلبية القائمة على مراكمة الأصول الآمنة كسندات الخزانة الأمريكية والعقارات، إلى ممارسة الملكية التشغيلية النشطة في قطاعات التكنولوجيا عالية النمو. برز قطاع الألعاب، الذي تتجاوز قيمته مائتي مليار دولار والمرشح للنمو ليتخطى ثلاثمائة مليار بحلول عام ٢٠٢٨، كمرتكز محوري لهذا التحول، نظراً لتقاطعه الفريد مع قطاعات الإعلام والذكاء الاصطناعي، مما يجعله أداة مثالية لتحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي في الرؤى الوطنية.
يتجاوز التدخل الخليجي في هذا المضمار الأبعاد المالية البحتة ليلامس الجغرافيا السياسية، حيث تسعى هذه الدول عبر حيازة الملكية الفكرية وشبكات التوزيع والبنية التحتية إلى تأسيس "نوع من السيادة الرقمية" كبديل لهيمنة الهيدروكربونات على اقتصاداتها، وذلك عبر استراتيجيات متباينة تتراوح بين التكامل الرأسي السعودي، وبناء المنظومة البيئية الإماراتي، والربط الاستراتيجي القطري.
بالتالي يستوجبُ استيعابُ هذا النطاق الاستثماري وضعَه ضمن سياق التحولات الاقتصادية الكلية؛ فقد كشفت الصدمات السعرية المتتالية في أسواق النفط، لاسيما في عام ٢٠١٤ وأثناء الجائحة في ٢٠٢٠ وما تلاها، عن قصور النموذج التقليدي القائم على عوائد البترودولار في ضمان استدامة الثروة، فيما يوفر قطاع الألعاب حلاً للتحديات الديموغرافية الملحة، إذ يُحقق مُضاعفاً اقتصادياً للوظائف يتجاوز نظيره في قطاعات أخرى، ويستوعب "الكتلة الشبابية" التي تُمثل الغالبية العظمى من السكان، مُحولاً إياها من قوة استهلاكية للمحتوى الأجنبي إلى قاعدة إنتاجية وطنية تُرسخ مفاهيم القومية الاقتصادية الجديدة.
تُرسِّخ استراتيجية الأمن القومي (NSS) الإطار الحاكم لرؤية القوة الأميركية، وتكشف عن الكيفية التي تفهم بها الولايات المتحدة طبيعة البيئة الدولية، وتُحدِّد من خلالها أولوياتها، وتختار الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي ستعتمد عليها في صون مصالحها الوطنية. ومن هذا المنطلق، تضطلع الاستراتيجية بدورٍ محوري في توجيه تخطيط الدفاع، وصياغة عقيدة السياسة الخارجية، وضبط آليات التنسيق بين الوكالات الحكومية، فضلًا عن إرسال رسائل واضحة إلى الحلفاء والخصوم على السواء بشأن اتجاهات الانخراط الأميركي في نظام دولي يشهد تحوّلات متسارعة.
تُشكّل استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، الصادرة عن إدارة ترامب في نوفمبر 2025، مقاربة واضحة لكيفية تموضع هذه الإدارة في عالم يتّسم بتصاعد التفكّك الجيوسياسي، واحتدام التنافس، وتزايد القيود الداخلية. ويتمثّل هدفها الجوهري في تحويل رؤية الإدارة للعالم إلى إطار متماسك يحدّد بدقّة ما ستمنحه الولايات المتحدة الأولوية، وما ستتراجع عنه، والظروف التي ستدفعها إلى توظيف رأسمالها السياسي، ونفوذها الاقتصادي، أو قوتها العسكرية.
بالنسبة إلى الشرق الأوسط، تكتسب قراءة استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 أهمية خاصة، إذ إنها تُجسِّد المبادئ التي تُشكِّل ملامح الموقف الأميركي المتحوّل تجاه المنطقة. ويعكس تركيز الاستراتيجية على تقاسم الأعباء، وتقليص الانخراط العسكري المباشر، والشراكات ذات الطابع التبادلي تحوّلًا في سقف التوقعات الموجّهة إلى الفاعلين الإقليميين، في حين يواصل تركيزها على أمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب، والتنافس الاستراتيجي مع القوى الخارجية رسم الإطار الناظم لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. وباعتبارها صياغة رسمية لكيفية إدراك الإدارة لمصادر التهديد وفرص الحركة، تُقدِّم استراتيجية الأمن القومي أوضح خارطة طريق متاحة لتوجّهات واشنطن، كما ترسم الإطار المرجعي الذي ستُصاغ في نطاقه قراراتها حيال الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.
في الرابع من ديسمبر 2025، اتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قرارًا بتعيين سكرتيره العسكري، اللواء رومان جوفمان، مديرًا لجهاز الموساد، خلفًا للرئيس الحالي للجهاز دافيد برنيع، الذي تنتهي ولايته الممتدة لخمس سنوات في يونيو 2026. ويشكّل هذا القرار تحولًا قياديًا لافتًا داخل أحد أخطر وأهم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، لا سيما في ظل افتقار جوفمان إلى خبرة استخباراتية متخصصة، إلى جانب ما يُعرف عنه من نزعة حادّة في اتخاذ القرار. وفي سياق أوسع، يندرج هذا التعيين ضمن مسار متصاعد لتسييس المناصب الأمنية العليا في عهد نتنياهو، حيث يبدو أن معايير الولاء الشخصي باتت تتقدّم على الخبرة المهنية والمؤسسية. وبناءً عليه، يثير هذا التوجّه تساؤلات جدّية حول مستقبل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي.