اتسمت الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل بقدرة استثنائية على استيعاب التباينات التكتيكية وإدارتها؛ إلا أن التطورات التي رافقت إطلاق عملية "الغضب الملحمي" الأمريكية بالتزامن مع عملية "الأسد الزائر" الإسرائيلية في أواخر فبراير 2026، وضعت هذا التحالف أمام اختبار غير مسبوق في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. فعلى الرغم من أن هذه الحملة المنسقة حققت في انطلاقتها نجاحات عملياتية حاسمة، والتي تمثلت في القضاء على المرشد الأعلى الإيراني وتفكيك الهيكل القيادي للحرس الثوري، إلا أن مشهد التوافق المطلق الذي يُصدره الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يخفي في طياته تناقضات جوهرية في الرؤى والأهداف. وبالقراءة الدقيقة لتاريخ هذه العلاقة ومحدداتها السياسية الحالية تؤكد أن إطالة أمد هذا الصراع ستُعري التباين الحاد في المصالح الاستراتيجية لكلا العاصمتين، مع حتمية تحول المعركة من ضربات خاطفة إلى حرب استنزاف إقليمية معقدة تتجاوز عاقبتها واشنطن وتل أبيب، ستتحول هذه التباينات إلى تصدعات هيكلية عميقة. تقدم هذه الورقة تحليلاً استراتيجياً لتفكيك هذه الديناميكية، مبينة كيف أن الاختلاف الجذري في القدرة على تحمل التبعات الاقتصادية، واستيعاب الخسائر البشرية، والارتهان لجداول انتخابية صارمة، سيحيل الخلافات التكتيكية المكتومة إلى شرخ استراتيجي معلن يصعب تجاوزه أو إنكاره.
تستند المبررات الأساسية للحرب على إيران واستمرارها إلى نماذج استراتيجية متناقضة جوهريًا بين واشنطن وتل أبيب. فبالنسبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تُعدّ الحرب ضرورة وجودية ودينية تحكمها عقيدة الضربة الاستباقية، وانطلاقًا من الضرورة السياسية المُلحة لمحو الإخفاقات الاستخباراتية والأمنية الكارثية التي حدثت في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، ينظر نتنياهو إلى الحملة المشتركة على أنها فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في الجيل لتحييد محور المقاومة بشكل نهائي. إذ إن دافعه من الحرب، هو تنفيذ خطة منهجية للقضاء على النظام الإيراني لضمان بقاء إسرائيل على المدى البعيد، مُصوّراً الحرب كضرورة وجودية لإنقاذ العالم.
في المقابل، فإن دخول الرئيس دونالد ترامب الحرب بدافع براغماتي محكومٌ بمبدأي “أمريكا أولاً” و”السلام من خلال القوة”، لذا يهدف إلى توجيه ضربة سريعة وحاسمة لفرض هيمنة أمريكية ساحقة، واستعادة الردع العالمي، وتحقيق استقرار سريع في المنطقة حيث يُنظر إلى هذا الاستقرار السريع كشرط أساسي لمبادرات اقتصادية مربحة تقودها الولايات المتحدة، وتحديداً توسيع اتفاقيات أبراهام ومجلس السلام العالمي الذي اقترحه، ولكن على النقيض يتضح ضعف الدافع الأمريكي أكثر من خلال تقييم أجرته أجهزة الاستخبارات الأمريكية في مارس ٢٠٢٥، والذي خلص إلى أن إيران لم تكن تعمل بنشاط على بناء سلاح نووي، وأن خامنئي لم يُجدد ترخيص البرنامج النووي المُعلق منذ عام ٢٠٠٣. وقد تم تسليط الضوء على هذا الواقع عن غير قصد عندما اعترف وزير الخارجية ماركو روبيو بأن انخراط الولايات المتحدة عسكريا جاء بناء على توقعات واشنطن بأنها الهجوم الإسرائيلي سيتبعه ردًا إيرانيًا على القوات الأمريكية، لذلك فضّلت واشنطن أن تضرب بالتنسيق مع إسرائيل “استباقيًا” بدل انتظار الضربة الإيرانية وهو ما يفسر انخراط الولايات المتحدة وراء إسرائيل في حرب لم تكن طرفها فيها.
تكمن نقطة الخلاف الأشد حدة بين الإدارتين في النتائج الاستراتيجية المتناقضة التي يشترطها كل طرف لإعلان النصر. تطالب إسرائيل بالتدمير المادي الكامل والنهائي لجميع مواقع تخصيب اليورانيوم الإيرانية، والانهيار التام والمنهجي للجمهورية الإسلامية، بما يضمن بيئة ما بعد الحرب خالية من أي قدرة على التخصيب، حيث حذر مسؤولون دفاعيون إسرائيليون صراحةً من أن قبول نتائج جزئية للحرب قد تُبقي الحرس الثوري الإيراني على حاله، ولم يكتف نتنياهو عند هذا الحد، بل تجاوز الغموض الدبلوماسي، مناشدًا الشعب الإيراني مباشرةً لخلق الظروف التي تمكّنه من السيطرة على مصيره عبر الإطاحة بالنظام من الداخل.
في المقابل، لا تسعى إدارة ترامب إلا إلى التدهور السريع والفعال للقدرات العسكرية الإيرانية لإجبار القيادة الإيرانية المؤقتة على الاستسلام غير المشروط ويظهر ذلك بوضوح في الخط الفاصل الذي رسمه وزير الدفاع بيت هيغسيث، حين صرح بوضوح أن هذه ليست حربًا لتغيير النظام. تكشف وثائق الاستخبارات أن ترامب يُفضّل بشدة “حل فنزويلا”، الذي يتضمن تنصيب خليفة مطيع من داخل هيكل السلطة القائم، مع الحفاظ عمداً على سلامة جهاز الدولة الإيرانية وظيفياً لمنع فراغ فوضوي في السلطة على مستوى المنطقة، ولتوضيح هذه الاستراتيجية، رفض ترامب بشدة اختيار مجلس الخبراء الإيراني لمجتبى خامنئي المتشدد، معتبراً إياه غير مقبول. يضمن هذا التباين حدوث شرخ هيكلي خطير على المدي القريب، لا سيما في ضوء تقرير حصري لوكالة رويترز، نقلاً عن تقييم استخباراتي أمريكي صريح بأن الحكومة الإيرانية مازالت متماسكة، وأن النظام “ليس في خطر الانهيار في أي وقت قريب “رغم القصف الأمريكي‑الإسرائيلي، مما يُبطل جوهر الفرضية العملياتية الإسرائيلية.
يُمارس استمرار الحرب ضغوطاً متناقضة تماماً على البقاء السياسي الداخلي لكلا من هما، إذ يُحصّن نتنياهو بشكل كبير، بينما يُشكّل في الوقت نفسه عبئاً انتخابياً كارثياً على ترامب. في إسرائيل، أدى الطابع الوجودي للصراع إلى موجة تأييد واسعة النطاق. تشير استطلاعات رأي أجراها معهد الديمقراطية الإسرائيلي (IDI) إلى أن ٧٤٪ من الإسرائيليين اليهود يثقون إلى حد كبير في قدرة نتنياهو على إدارة الحرب بشكل سليم، وأن نسبة ساحقة تتراوح بين ٩٣ و٩٤٪تؤيد استمرار العمليات العسكرية، مع تأييد ٥٧٪ صراحةً للحرب حتى سقوط النظام، وقد مكّن هذا المناخ حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو من تصدّر استطلاعات الرأي وجذب الشعب الإسرائيلي بمختلف توجهاته السياسية إلي ما يسمي بالالتفاف حول العلم، ووفر لائتلافه الزخم السياسي اللازم لتجاوز أزمة إعفاء الحريديم المتشددين من التجنيد، والتي كانت تُهدد بانهيار الحكومة، وذلك من خلال إقرار ميزانية دفاع طارئة بقيمة ٣٢ مليار شيكل (١٠,٤ مليار دولار)، ممولة عن طريق خفض ميزانيات جميع الوزارات الأخرى بنسبة ٣٪. علاوة على ذلك، تم تأجيل محاكماته الجارية بتهم الفساد بنجاح بفضل المشاورات الأمنية.
أما بالنسبة لترامب، فقد كانت ردة الفعل الداخلية كارثية. إذ تحوم نسبة تأييده في إدارة الأزمة عند مستوى متدنٍ يتراوح بين ٣٦ و٣٧٪ بينما يعارض ما بين ٥٣ و٦٠٪من الأمريكيين العمل العسكري في استطلاعات متعددة مثل (Quinnipiac، CNN/SSRS، Reuters/Ipsos، PBS/NPR) وغيرها، وهو أدنى مستوى تأييد لأي عملية عسكرية أمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. كما أدت التداعيات الاقتصادية الكلية إلى ارتفاع حاد في سعر خام برنت في الأيام الأولي للحرب ليتراوح بين ما بين ١٠٩ و١١٥ دولارًا للبرميل، مع جلسات متقلبة اقترب فيها من ١٢٠ دولارًا، مما رفع أسعار البنزين المحلية بنسبة ١٧٪ في غضون أيام قليلة لتصل إلى متوسط يقارب ٣,٦٠ دولارًا للجالون. هذا التضخم الذاتي يقوض خطاب الحزب الجمهوري الأساسي حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، ما دفع زعيم الأقلية في مجلس النواب، حكيم جيفريز، إلى استغلال الأزمة سياسيًا بالإشارة إلى أن الإدارة لديها مليارات الدولارات لقصف إيران، لكنها لا تملك دولارًا واحدًا لجعل الرعاية الصحية في متناول الجميع. هذه الأزمة الاقتصادية تُزعزع قاعدة ترامب الشعبوية، وتصريح النائب توم ماسي بأن الحرب ليست “أمريكا أولًا”، والتزام نائب الرئيس جيه دي فانس الصمت لمدة ٧٢ ساعة بعد الضربات، كما روّج المعلّق المحافظ تاكر كارلسون لسردية مؤامراتية تزعم أن نتنياهو ومجموعة من المليارديرات المقربين منه تلاعبوا بترامب ودفعوه إلى الحرب، وذهب حدّ القول إن نتنياهو يسيطر على الرئيس الأمريكي ويجرّه إلى صراع يخدم أجندته الخاصة.
ويتفاقم هذا التفاوت الهائل في الرصيد السياسي المحلي بسبب عدم التوافق بين الصمود العسكري وتحمل الخسائر، مما يضمن انهيار الجدول الزمني. بالاعتماد بشكل كبير على الهيمنة التقليدية في التصعيد، وعد ترامب في البداية حلفاءه الجمهوريين بحرب تدوم أربعة أو خمسة أسابيع، مصورًا إياها على أنها مهمة قصيرة الأجل. يكاد يكون تسامح إدارته مع الخسائر الأمريكية معدومًا. فقد أدى فقدان ما بين ستة إلى تسعة من أفراد الجيش الأمريكي، من بينهم ستة قُتلوا في وقت واحد في غارة بطائرة مسيرة على مركز عمليات تكتيكي في ميناء الشعبية بالكويت، وإصابة نحو ١٨ جنديًا، إلى حالة من الذعر الداخلي الشديد. كما خسرت الولايات المتحدة بسرعة أكثر من ١,٧ مليار دولار من المعدات باهظة الثمن، بما في ذلك نحو ١١ طائرة من طراز MQ-9 Reaper بتكلفة تقدَّر بأكثر من ٣٣٠ مليون دولار لهذه الطائرات وحدها مما دفع ترامب بحلول ٩ مارس، إلى وضع الأسس الخطابية للانسحاب، مدعيًا أن المهمة قد اكتملت تمامًا وأنها متقدمة على الجدول الزمني المحدد.
في المقابل، صرحت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية صراحةً أنها مستعدة للقتال دون أي حد زمني. لكنهم يواجهون خصماً إيرانياً مُصمماً بدقة لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد حيث تقوم عقيدة الدفاع الفسيفسائي اللامركزي الإيرانية، التي وضعها القائد السابق محمد علي جعفري، على لامركزية مراكز القيادة، ما يسمح لقوات الصواريخ ووحدات الباسيج بالعمل بشكل مستقل رغم الضربات الأمريكية المُستهدفة، وتستند استراتيجية طهران الشاملة إلى فرضية أن الصمود بحد ذاته سلاح استراتيجي، وهو ما أكده رئيس البرلمان الإيراني قاليباف، الذي صرّح قائلاً: “بالتأكيد لا نسعى لوقف إطلاق النار”. وكما أشارت صحيفة لوموند بانتقاد لاذع، فإن نتنياهو يعمل دون استراتيجية خروج، إذ يلجأ عادةً إلى الخيارات الأكثر تكلفة، متوقعاً من واشنطن تحمل المدة والتكلفة النهائية.
تُشكل جداول التصويت القادمة الصارمة وغير القابلة للتغيير ضغطاً زمنياً سيُجبر التحالف على الانقسام حول الموعد الدقيق لإنهاء الحرب، وتُمثل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، المُقرر إجراؤها في ٣ نوفمبر ٢٠٢٦، سقفاً استراتيجياً حاسماً لإدارة ترامب. إذ يخشى الاستراتيجيون الجمهوريون بشدة من موجة ديمقراطية محتملة تغذيها التضخم الركودي في زمن الحرب والإرهاق من التدخلات العسكرية، ما قد يكلف الحزب ما لا يقل عن ٢٠ مقعدًا في مجلس النواب. ونتيجة لذلك، يسعى ترامب جاهدًا لإعلان النصر من جانب واحد والانتقال إلى الدبلوماسية قبل موسم الحملات الانتخابية الصيفية. كما أنه بحاجة ماسة إلى منح ١٧٢ مليون برميل من النفط المُفرج عنها من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الوقت الكافي لاستقرار أسواق الطاقة العالمية وخفض أسعار الغاز المحلية قبل أن يدلي الناخبون بأصواتهم.
في المقابل، ينص القانون الإسرائيلي على إجراء انتخابات عامة بحلول أواخر أكتوبر ٢٠٢٦، ويشترط إقرار ميزانية الدولة بحلول نهاية مارس لتجنب حل الكنيست تلقائيًا. مستغلين شعبيته المتزايدة خلال الحرب، تسعى عناصر من ائتلاف نتنياهو اليميني جاهدة لتقديم موعد هذه الانتخابات المبكرة إلى يونيو أو يوليو ٢٠٢٦، مستغلين الحرب الإيرانية تحديدًا. ولأن عودة نتنياهو السياسية تعتمد كليًا على صورته كقائد حربي يُفكك تهديدًا وجوديًا، فإنه لا يستطيع قبول مطالبة ترامب بوقف إطلاق نار مبكر في الربيع. إن التوقف القسري للعمليات قبل انهيار النظام سيكون له عواقب سياسية وخيمة، إذ سيعيد توجيه التدقيق المحلي فوراً إلى إخفاقاته الأمنية الكارثية في الوقت الذي يتوجه فيه الناخبون الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع.
بدأ الخلاف التكتيكي حول نطاق القصف واختيار الأهداف يكشف عن الهوة الجوهرية بين المخاوف الاقتصادية الأمريكية والضرورات الاستراتيجية الإسرائيلية. فخلال الأسبوع الثاني من العمليات، شنت إسرائيل ضربات أحادية الجانب واسعة النطاق على نحو ٣٠ منشأة لتخزين الطاقة في إيران بما في ذلك جزيرة كرج ومستودع شَهران، حيث تسببت هذه الضربة غير المصرح بها في حرائق هائلة ودخان سام وأمطار حمضية شديدة فوق طهران، ونظرًا إلى ضربات البنية التحتية النفطية على أنها خيار كارثي بالغ الخطورة يهدد بارتفاع الأسعار العالمية وشلّ الاقتصاد الأمريكي، فقد ردت واشنطن بغضب شديد، لخصه مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى بأنه رسالة إحباط بالغ. حتى أن السيناتور الأمريكي المتشدد ليندسي غراهام اضطر إلى حث إسرائيل صراحة على توخي الحذر، وتفاقم التسامح الأمريكي تجاه القصف بسبب خطأ كارثي في تحديد الأهداف، حيث أصابت ضربة أمريكية مدرسة للبنات في ميناب نتيجة لبيانات استهداف قديمة
ومع ذلك، يتمحور الخلاف النهائي حول معضلة جبل بيك آكس. تُقدّر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران تُخزّن أجزاءً من مخزونها البالغ ٤٤٠ كيلوغرامًا من اليورانيوم عالي التخصيب في أعماق شبكات أنفاق تحت الأرض، مثل فوردو و مجمّع كوه‑إي كولانغ غز لا قرب نطنز حيث تفتقر إسرائيل إلى القاذفات الاستراتيجية الثقيلة، مثل بي-2 سبيريت أو بي-21 رايدر، وإلى قاذفات القنابل الخارقة للدروع اللازمة للوصول إلى هذه الأعماق، فإن تدميرها يستلزم وجود قوات العمليات الخاصة الأمريكية المُجهزة بأجهزة متنقلة لكشف اليورانيوم، ونظرًا لأن ٧٤٪ من الناخبين الأمريكيين يُعارضون بشدة إرسال قوات برية إلى إيران، فمن شبه المؤكد أن يرفض ترامب السماح بهذه المهمات عالية المخاطر لتجنب تورط كارثي، وهو رفض ستعتبره تل أبيب حتمًا خيانة جوهرية للهدف الأساسي للحرب.
بعيدًا عن ساحة المعركة المباشرة، تبرز عدة قضايا هيكلية أعمق ستُفاقم الخلاف بشدة مع استمرار الحرب. من أبرز هذه العوامل قيود الذخائر الأمريكية وقوة الضغط التي تمارسها. فعلى الرغم من خطاب إسرائيل عن إدارة اقتصاد حربي مكتفٍ ذاتيًا، إلا أن الحملة المشتركة تتسم بالإسراف الشديد، حيث أنفقت الولايات المتحدة ٥,٦ مليار دولار على الذخائر في اليومين الأولين فقط، وبينما يسعى ترامب إلى إيجاد مخرج ويواجه معارك تمويلية حادة في الكونغرس لطلب مساعدات وشيك بقيمة ٥٠ مليار دولار، يقودها مشرعون انعزاليون مثل راند بول، فإنه يمتلك قوة الضغط القصوى. فمن خلال فرض خنق للإمدادات وتجميد خط أنابيب صواريخ الاعتراض والذخائر الدقيقة، يستطيع ترامب إجبار إسرائيل على الاستسلام، في تكرار للإكراه الأمريكي التاريخي خلال أزمة العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦ وحرب لبنان عام ١٩٨٢.
علاوة على ذلك، فإن الصدمة الاقتصادية الكلية التي تتعرض لها دول المنطقة تهدد المصالح الإقليمية الأمريكية الأساسية. يعتمد التصعيد الأفقي الإيراني على زرع كميات هائلة من الألغام في مضيق هرمز، ما يحصر فعلياً ٢٠٪ من إمدادات النفط العالمية وخُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال. وتحذر نماذج غولدمان ساكس من أن سعر النفط قد يصل إلى ١٢٠-١٥٠ دولاراً للبرميل، بينما يتوقع دويتشه بنك أرتفاعًا كارثياً إلى ٢٠٠ دولار للبرميل.
أخيرًا، يحذر خبراء استراتيجيون في مجال الدفاع، مثل إلبريدج كولبي، من أن التحويل الهائل للأصول العسكرية الأمريكية إلى الشرق الأوسط يُضعف الموقف الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بشكلٍ خطير، مما يُفيد الصين بشكلٍ مباشر، التي تستغل الفوضى لشراء النفط الإيراني المُخفّض والمُعاقَب عليه لبناء احتياطاتها الاستراتيجية، علاوة على السماح للهند باستيراد النفط الروسي مما يشكل مكسب كبير لبوتين من استمرار الصراع.
لا يمكن أن ينهار التحالف بسبب اختلاف الشخصيات فحسب، بل لأن الحرب تضع ساعتين استراتيجيتين متناقضتين داخل التحالف نفسه. تسعى واشنطن إلى حملة قصيرة وقسرية يمكن إنهاؤها بمجرد إلحاق أضرار عسكرية ملموسة وبقاء التكاليف الداخلية تحت السيطرة؛ بينما تسعى تل أبيب إلى حملة مفتوحة لا يتحقق منطقها السياسي والاستراتيجي إلا عندما يصبح النظام الإيراني وبنيته النووية وشبكة وكلائه عاجزين عن التعافي. لذا، فإن ما يحدث يمكن اعتباره صدعًا بنيويًا لا عابرًا، وتُكرّر ضمن نمط قديم لإدارة الأزمات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تفسح القراءة المبدئية المجال لضبط النفس القسري بمجرد تعرّض المصالح الأمريكية الأوسع للخطر، مُردّدةً بذلك سوابق أزمة العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦، و”إعادة التقييم” في عهد فورد، وضغوط ريغان عام ١٩٨٢، وإصرار بوش على ضبط النفس الإسرائيلي عام ١٩٩١. لذا يُعدّ هذا الإطار التاريخي مهمًا لأن الآلية نفسها تظهر هنا مجددًا: فبمجرد أن تتوقف الحرب عن الظهور كضربة عقابية سريعة، وتتحوّل بدلًا من ذلك إلى صراع تحمّل، مُخلّف للخسائر البشرية، ومُزعزع للاستقرار العالمي، تبدأ الولايات المتحدة في إعطاء الأولوية للإنهاء على التحوّل، بينما تُعطي إسرائيل الأولوية للتحوّل على الإنهاء.
أول وأهمّ مُحفّز هو النقطة التي تتوقف فيها صدمة الطاقة عن الظهور كحدث مؤقت، وتُصبح بمثابة حق نقض سياسي داخلي من الجانب الأمريكي. لا يقتصر العتبة الرئيسية على ارتفاع أسعار النفط فحسب، بل على استمرار هذا الارتفاع: استقرار سعر خام برنت فوق ١٢٠ إلى ١٣٠ دولارًا للبرميل تقريبًا، وبقاء مضيق هرمز مغلقًا فعليًا لأكثر من ٤٥ يومًا، وارتفاع سعر البنزين العادي في الولايات المتحدة إلى ما بين ٤,٥ و٥,٠ دولارات للغالون، وهو المستوى الذي تتوقف عنده عمليات سحب احتياطي البترول الاستراتيجي وعمليات السحب المنسقة من وكالة الطاقة الدولية عن كونها دليلًا على السيطرة، لتصبح بدلًا من ذلك دليلًا على أن الإدارة تخوض حربًا يدفع المستهلكون الأمريكيون تكاليفها الآن بشكل مباشر. بعبارة أخرى، يصبح التحالف غير مستقر ليس عندما تصاب الأسواق بالذعر لمدة ٤٨ ساعة، بل عندما يبدأ الأمريكيون في تجربة الحرب كضريبة تضخمية دائمة. يشير تقرير رويترز بأن سعر خام برنت قد تجاوز بالفعل ١١٩ دولارًا لفترة وجيزة، بينما يتوقع المحللون علنًا وصوله إلى ١٥٠ دولارًا في حال استمرار اضطراب خليج المكسيك، إلى ضيق المساحة المتبقية قبل تجاوز عتبة التوقعات. بالنسبة لترامب، تُهدد هذه العتبة رسالة الحزب الجمهوري بأكملها بشأن القدرة على تحمل التكاليف في انتخابات التجديد النصفي. على النقيض من ذلك، يرى نتنياهو أن نفس الألم الناتج عن الطاقة لا يزال يخدم غرضًا قسريًا، لأنه يزيد الضغط الخارجي على طهران ويُرسّخ منطق حرب الاستنزاف.
أما العامل الثاني فهو الخسائر البشرية، حيث لا تُشكّل الخسائر الأمريكية القليلة خطرًا سياسيًا إلا إذا بدت الحرب قصيرة ومُحكمة وناجحة. وبمجرد أن ترتفع الخسائر إلى ما بين ١٥ أو ١٦ قتيل، أو عندما تُسفر غارة جوية واحدة عن مقتل عشرات الأمريكيين في إحدى قواعد المنطقة، أو أي قاعدة عسكرية أخرى، يتغير المعنى السياسي للحرب فورًا. إذ تتوقف عن كونها استعراضًا للقوة، وتُصبح، من وجهة نظر أمريكية داخلية، بداية “حرب أبدية” أخرى. تشير المؤشرات الحالية إلى هذا الاتجاه: فقد أسفرت الحرب عن مقتل سبعة عسكريين أمريكيين، وإصابة آخرون، كما توسع الرد الإيراني عبر استهداف دول المنطقة، بما في ذلك منشأة تابعة للأسطول الخامس الأمريكي، والأمر الاستراتيجي المهم هو أن تسامح إسرائيل مع طول أمد الحرب لا يقابله تسامح أمريكا مع الخسائر. فالخطاب السياسي الإسرائيلي يفسر الصمود كدليل على الجدية، بينما يفسر ائتلاف ترامب تزايد الخسائر الأمريكية كدليل على أن الرئيس يُجرّ من حرب عقابية إلى تورط مفتوح، وبمجرد أن يتداخل حدث الخسائر الجماعية مع الصدمة الاقتصادية، يصبح استمرار دعم أهداف نتنياهو الحربية القصوى أمرًا بالغ الخطورة سياسيًا في واشنطن.
العامل الثالث هو الانتقال من الأهداف التي يسهل الوصول إليها إلى “معضلة جبل بيكاكس “. حيث يستمر التماسك التكتيكي المبكر بينما يقوم التحالف بتدمير مواقع الصواريخ الظاهرة، والأصول البحرية، ومراكز القيادة. لكنه يبدأ بالتلاشي عندما تصبح الأهداف الحاسمة المتبقية هي المواقع النووية المدفونة في أعماق الأرض ومستودعات اليورانيوم التي لا تستطيع إسرائيل تحييدها بمفردها. في تلك المرحلة، يتطلب تعريف تل أبيب للنصر قدرات الولايات المتحدة في اختراق التحصينات، أو قاذفات ثقيلة، أو عمليات خاصة محفوفة بالمخاطر للاستيلاء على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب أو تدميره، بينما تستطيع واشنطن بالفعل ادعاء النصر القائم على إلحاق الضرر والسعي للانسحاب. لهذا السبب، يُعدّ نزاع جبل الفأس بالغ الأهمية من الناحية التحليلية: فهو يُلخص الخلاف الكامل حول الوضع النهائي في خيار عملياتي واحد. إذا رفض البنتاغون الموافقة على حزمة الضربات العميقة النهائية، فسيفسر نتنياهو هذا الرفض ليس على أنه حكمة، بل على أنه تخلي عن الهدف الأساسي للحرب. يزداد الضغط حدةً عند مقارنته بانهيار فرضية التغيير السريع للنظام.
أما العامل الرابع فهو انهيار الشرعية السياسية، وهو ما يُحوّل الإحباط الاستراتيجي الخاص إلى أزمة دبلوماسية لا يُمكن إنكارها، وهنا تبرز أهمية الخلافات المتعلقة بالضحايا المدنيين بشكلٍ غير متناسب. فالاحتجاجات في عدة مدن غربية بشأن استهداف مدرسة ميناب للبنات ليس مهمًا فقط لأنه مُتفجر أخلاقيًا وقانونيًا، بل لأنه يُوفر للكونغرس والشركاء الأوروبيين وجناح “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” المُناهض للتدخل نقطة ارتكازٍ ملموسة للطعن في سيطرة البيت الأبيض على الحرب، وللتساؤل عما إذا كان ضبط النفس العملياتي لا يزال قائمًا. وسيرتبط هذا الحدث بتمردات التمويل في الكونغرس، وجلسات الاستماع المتعلقة بصلاحيات الحرب، ومعارك إعادة التموين المشروطة، والتباعد العلني من جانب شخصيات بارزة من حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”. في هذا السياق، لا يُعد تمرد تاكر كارلسون أو قلق جيه دي فانس الظاهر ذا أهمية تُذكر كمسرحية إعلامية بقدر ما هو بمثابة إذن من النخبة لترامب لإعادة صياغة الحرب على أنها تجاوزٌ مدفوع من نتنياهو بدلًا من كونها نجاحًا لسياسة “أمريكا أولًا”. بمجرد أن تتلاقى عتبة الطاقة، وعتبة الخسائر، وصدمة شرعية مثل حادث ميناب، حيث لم يعد البيت الأبيض يكتفي بالجدال مع تل أبيب حول التكتيكات؛ بل أصبح يدير أزمة ائتلافية داخلية يهدد فيها استمرار التحالف مع نتنياهو السيطرة على الكونغرس، ووحدة الحزب، وصورة الرئيس نفسه المناهضة للحرب. عند هذه النقطة، يصبح الخلاف غير قابل للإنكار.
تنطلق السيناريوهات من فرضية مفادها أن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو دخلا الصراع بأهداف تكتيكية متوافقة مؤقتًا، لكن بأهداف استراتيجية نهائية متضاربة: فترامب يحتاج إلى نصر سريع، يُحقق استقرارًا في السوق، وقابل للدفاع عنه انتخابيًا، قائم على إلحاق الضرر، بينما يحتاج نتنياهو إلى حملة انتخابية مفتوحة النهاية، يُمكن تسويقها بشكل مقنع على أنها القضاء الحاسم على التهديد الإيراني، ويتفاقم هذا التوتر بفعل عوامل خارجية متشابهة مثل ضعف الولايات المتحدة في انتخابات التجديد النصفي، والمناورات الانتخابية الإسرائيلية، وصدمة الطاقة الناجمة عن مضيق هرمز، والحساسية تجاه الخسائر البشرية، وفشل افتراضات الانهيار السريع للنظام.
السيناريو الأول: الوفاق الزائف
في سيناريو الخلاف المُقنّع والمُدار، لا يكون التحالف بين الطرفين مستقرًا حقًا؛ بل هو مُجزّأ. يستمر ترامب ونتنياهو في إظهار الوحدة علنًا بينما يتجادلان سرًا حول مدة الحرب، واختيار الأهداف، وعتبات التصعيد، وتعريف النصر. سياسيًا، و لا يزال كلاهما بحاجة إلى هذا المظهر. يحتاجه ترامب لأن أي خرق علني سيكشف على الفور أن حربه القصيرة الموعودة تتحول إلى صراع مفتوح النهاية، ويحتاجه نتنياهو لأن أي تردد أمريكي واضح سيقوض ادعاءه المحلي الأساسي بأنه وحده القادر على الحفاظ على الدعم الأمريكي غير المشروط مع تحقيق هزيمة تاريخية لإيران. على الصعيد العملياتي، يُشوّه هذا التمويه المجهود الحربي بالفعل. مما يدفع الولايات المتحدة من إلى تحول هادئ من المشاركة الهجومية المستمرة إلى دور دفاعي أكثر، بينما يتحمل الجيش الإسرائيلي العبء الأكبر للعمليات الهجومية؛ إلا أن هذا لا يمكن أن يستمر لطالما يعتقد ترامب أنه قادر على تحقيق استقرار سريع في أسعار النفط، ويؤمن نتنياهو بأن الدعم العملياتي الأمريكي سيظل متاحًا للمرحلة التالية من الضربات. عمليًا، ينتج عن هذا حملة أبطأ وأقل حسمًا، مما يمنح نظام “الدفاع الفسيفسائي” الإيراني اللامركزي وقتًا لإعادة بناء مراكزه، وإصلاح بنيته التحتية، وتحويل مجرد البقاء إلى نفوذ استراتيجي.
إن ما يدفع هذا الخلاف المكتوم إلى العلن ليس طبيعة الخلاف بحد ذاتها، بل وقوع حدثٍ يجعل من الغموض الموقف السياسي أمراً مستحيلاً. ويتبلور هذا التحول من خلال ثلاث محفزات رئيسية:
أولها: المساعي الأمريكية لإرساء وقفٍ لإطلاق النار أو الشروع في مفاوضات، في الوقت الذي تصر فيه إسرائيل على مواصلة ضرباتها الرامية إلى تقويض استقرار النظام.
وثانيها: إقدام إسرائيل على توسيع نطاق استهدافها ليشمل مواقع من شأنها مفاقمة الأزمات الداخلية في الولايات المتحدة بشكل مباشر، سواء عبر تعميق صدمة أسواق النفط، أو من خلال ضرب البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة.
وثالثها: نشوب أزمة شرعية، ناجمة عن فضيحة سقوط ضحايا مدنيين (على غرار حادثة ميناب)، مما قد يُشعل تمرداً داخل الكونغرس أو يستدعي إدانات واسعة من الحلفاء.
وفي هذا السياق، تبرز الضربة الإسرائيلية -غير المنسقة- على أهداف الطاقة باعتبارها الحدث الأوضح الذي سيكشف زيف التوافق المزعوم. وعليه، فإن استهداف منشأة نفطية كمستودع “شهران”، لن تقتصر خطورته على مجرد توسيع رقعة الصراع، بل ستكمن في تحويله خلافاً استراتيجياً خفياً إلى تحدٍ سافر يمس قدرة ترامب على استقرار الأسواق وحماية أسعار الوقود. وحينئذٍ، سيجد نفسه مضطراً لاتخاذ خيار علني حاسم: إما تأييد تصعيدٍ كارثي على المستوى الاقتصادي، أو إدانة إسرائيل حفاظاً على مكانته السياسية؛ وعند تلك اللحظة، سينهار منطق التكتم برمته.”
السيناريو الثاني: الشقاق المُعلن
في خضم هذا المشهد، سينقلب التحالف الشخصي إلى جفاءٍ علني، في حين تستمر الشراكة العسكرية في مسارٍ انحداري. وتمثل هذه الحالة مرحلة انتقالية تناقضية؛ إذ تظل الحاجة التكتيكية المتبادلة قائمة، متزامنةً مع سعي كل طرف لإعادة التموضع الاستراتيجي داخلياً في مواجهة الطرف الآخر. فمن جهة، سيوظف ترامب سلاح الانتقاد العلني لطمأنة تيار “أمريكا أولاً”، مؤكداً عدم ارتهان السياسة الأمريكية للنزوات الإسرائيلية المتطرفة. ومن جهة أخرى، سيتخذ نتنياهو من التحدي وسيلةً لتصدير نفسه كزعيم إسرائيلي أوحد قادر على التصدي للضغوط الأمريكية حين يكون الوجود الوطني على المحك.
بيد أن المكاسب السياسية المرجوة من هذا الخلاف ستنعكس بشكل مباشر على الكفاءة العسكرية، وتتبدى التداعيات العملياتية بوضوح متمثلة في عدة مظاهر:
تُفرز هذه المفارقة تداعيات داخلية تتخذ مسارين متباينين:
ووفقًا لمعطيات هذا السيناريو، قد تتواصل العمليات العسكرية، لكن قدرة التحالف على استيعاب صدمات إضافية — كارتفاع أسعار النفط، أو اتساع رقعة المواجهة أحد أطراف محور المقاومة مع حزب الله، أو تكبد القوات الأمريكية خسائر إضافية — ستتآكل بوتيرة أسرع مما هي عليه في السيناريو الأول.
السيناريو الثالث: الطلاق الاستراتيجي
يُشكل هذا السيناريو المرحلة التي يفقد فيها التحالف الثنائي فاعليته السياسية الفعلية. فمن جهة، تعجز إدارة ترامب عن استيعاب التداعيات متوسطة المدى لحرب طاقة ممتدة تترافق مع خسائر في الأرواح، ومن جهة أخرى، يواجه نتنياهو تهديداً متزايداً لمستقبله السياسي الداخلي في حال توقف العمليات العسكرية قبل الإسقاط الكامل للنظام الإيراني. وعليه، لا يعتمد تفكك التحالف على عامل منفرد، بل ينتج عن تراكم ضغوط داخلية متزامنة تفرض إنهاء الشراكة.
وتتحدد هذه الضغوط من خلال عدة مؤشرات، أبرزها استقرار أسعار خام برنت عند مستويات تتجاوز ١٢٠ دولاراً للبرميل، وبلوغ سعر البنزين في الولايات المتحدة ما بين ٤,٥ و٥ دولارات للغالون. ويتزامن ذلك مع احتمالية وقوع أحداث تسفر عن خسائر بشرية أمريكية مؤثرة، بالإضافة إلى بروز معارضة تشريعية في الكونغرس لتمويل العمليات، أو اتخاذ إسرائيل قرارات تصعيدية منفردة تجعل استمرار الشراكة مهدداً للاستقرار السياسي الداخلي في واشنطن.
ويتزايد هذا العبء السياسي نتيجة إخفاق استراتيجية التغيير السريع للنظام، إذ إن تولي مجتبى خامنئي القيادة وتماسك البنية الدفاعية الإيرانية يحولان دون الانهيار المؤسسي المستهدف، مما يُفقد الإدارة الأمريكية القدرة على تسويق مسار الحرب كعملية عسكرية قصيرة وناجحة.
من الناحية التكتيكية، تبرز معضلة أهداف “جبل بيكاكس” كمحفز ميداني لفك الارتباط. فعندما تطالب إسرائيل بتدخل القدرات العسكرية الأمريكية لتنفيذ ضربات عميقة أو عمليات خاصة، وتقابل برفض من واشنطن، يتوفر للرئيس الأمريكي المبرر السياسي والعملياتي لإعلان الاكتفاء بما تحقق من أهداف والانسحاب. وبذلك، يتطابق مسار هذا الانقطاع مع الديناميكيات السياسية التي حكمت المرحلة الأخيرة من حرب لبنان عام ١٩٨٢.
لذا سيؤدي الانسحاب الأمريكي إلى تحول جذري في طبيعة الصراع، لينتقل من عملية ردع ائتلافية إلى حرب استنزاف إسرائيلية أحادية تتسم بتراجع مطرد في النطاق والاستدامة نتيجة فقدان الغطاء الدبلوماسي والدعم اللوجستي والاستخباراتي. وفي مواجهة هذا الانكشاف، تُجبر القيادة الإسرائيلية على تبني مقاربة تقشفية صارمة تعتمد على ترشيد استخدام الذخائر الدقيقة والمقومات الدفاعية، وحصر نطاق الاستهداف، مع محاولة استثمار حالة العزلة لتعبئة الداخل سياسياً وإدامة التحالف الحكومي. غير أن هذا التكيف التكتيكي يفشل في معالجة المعضلة الجوهرية المتمثلة في العجز عن تحقيق الانهيار الشامل للنظام الإيراني، نظراً للافتقار إلى القدرات العسكرية الأمريكية المتخصصة كالقنابل الخارقة للتحصينات والقاذفات الثقيلة، مما يُحجّم العمليات الإسرائيلية لتصبح مجرد ضربات عقابية محدودة تتزامن مع تزايد العزلة والضغوط الدولية. إقليمياً، يُسفر هذا التصدع عن ترسيخ فاعلية استراتيجية الصمود الإيرانية التي تعول على إطالة أمد المواجهة والضغط الاقتصادي، بالتوازي مع تصاعد شكوك الحلفاء حيال موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية، في حين تُوظف واشنطن قرار الانسحاب داخلياً كنجاح سياسي ينسجم مع عقيدة “أمريكا أولاً”، مبررة إياه بتحقيق أهداف الردع الأساسية وتجنب التورط في صراع مفتوح ومكلف.
السيناريو الرابع: الكبح القسري
يُجسد هذا السيناريو القطيعة الاستراتيجية الشاملة، حيث تتجاوز واشنطن مجرد الانسحاب العسكري لتمارس إكراهاً مباشراً يُجبر تل أبيب على إنهاء العمليات العسكرية وفق شروط أمريكية صارمة، وذلك استناداً إلى تقييم سياسي يعتبر أن كبح جماح إسرائيل بات أقل كلفة من الحفاظ على التحالف. وتتبلور هذه الحتمية إثر تراكم أزمات منهجية ضاغطة، تشمل التعطيل شبه الكامل للملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وقفزات غير مسبوقة في أسعار النفط تلامس حاجز ٢٠٠ دولار مهددة بركود اقتصادي، فضلاً عن احتمالية تعرض القوات الأمريكية لضربات نوعية، أو بروز كوارث إنسانية كبرى، أو تصاعد طوارئ جيوسياسية في مسارح أخرى كتايوان وأوكرانيا تستنزف المقدرات الأمريكية. وتحت وطأة هذه التهديدات، ستعمد الإدارة الأمريكية إلى تفعيل أدوات الإكراه الشاملة، بدءاً من تجميد جسور الإمداد العسكري وتقييد التدفق الاستخباراتي، وصولاً إلى التهديد بحظر التسليح، ورفع الغطاء الدبلوماسي في الأمم المتحدة، وتسليط ضغوط مالية خانقة، في مسار يعيد إنتاج السوابق التاريخية لتوظيف النفوذ الأمريكي بغرض إخضاع الأولويات الإسرائيلية لمنطق الولايات المتحدة، على غرار العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦، ومحطات الكبح الاستراتيجي في أعوام ١٩٧٥ و١٩٨٢ و١٩٩١.
بالنسبة لنتنياهو، سيُترجم هذا الفرض الأمريكي للقيود ليس كتباين سياسي مرحلي، بل كاختراق استراتيجي جوهري لأسس التحالف، مما سيُحفز مساراً تصعيدياً مضاداً يرتكز على التشكيك في موثوقية الرئيس ترامب، وتعبئة الكونغرس وجماعات الضغط، مع إعادة تأطير وقف إطلاق النار داخلياً بوصفه إملاءً قسرياً وليس إخفاقاً عسكرياً. غير أن التقاطع الحتمي بين هذا الإكراه السياسي والانكشاف العملياتي الفوري الناجم عن الارتهان للإمدادات الأمريكية من ذخائر دقيقة ومظلة استخباراتية ودبلوماسية، سيُجبر تل أبيب على تجميد عملياتها الاستراتيجية في غضون أسابيع معدودة، إن لم يكن فوراً. وستُفضي هذه الانعكاسات الميدانية إلى ارتدادات سياسية داخلية حادة، تُنذر بانهيار الائتلاف الحكومي بضغط من الجناح اليميني المتشدد والتوجه نحو انتخابات مبكرة، ليُحاصر نتنياهو بتهمة تقويض الشراكة التأسيسية مع واشنطن دون إنجاز هدف التحييد الشامل للتهديد الإيراني. وفي المحصلة، سيؤدي هذا السيناريو إلى تفكك كلي للروابط الشخصية بين القيادتين، مُؤسِساً لصدع استراتيجي غير مسبوق يتجاوز في عمقه ارتدادات أزمة العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦، كونه ينسف بشكل مباشر مبدأ التحالف الاستراتيجي الراسخ بين البلدين.
ختاماً، يُظهر تفكيك المشهد الاستراتيجي لمعطيات هذه المواجهة أن التصدع الكامن في بنية التحالف لا ينبع من اختلافات سياسية مرحلية، بل يتجذر في التناقض الهيكلي الحتمي للغايات الاستراتيجية بين الجانبين؛ ففي حين تُقارب واشنطن الصراع بوصفه حملة قسرية محدودة الأمد تهدف لترميم الردع بهوامش تكلفة مقبولة داخلياً، ترتكز تل أبيب على عقيدة بقاء صفرية تستلزم مواجهة مفتوحة لتقويض بنية النظام الإيراني وتفكيك قدراته النووية بالكامل. وتعيد هذه الديناميكية إنتاج النمط التاريخي الكلاسيكي لإدارة الأزمات بين العاصمتين، على غرار أزمة العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦ وحرب لبنان عام ١٩٨٢، حيث يتلاشى التضامن المبدئي لصالح سياسات الكبح والتقييد بمجرد مساس التداعيات بالخطوط الحمراء للمصالح الأمريكية الشاملة. وبغض النظر عما ستؤول إليه هذه التباينات، سواء بانسحاب أمريكي أحادي يترك إسرائيل تواجه الاستنزاف منفردة، أو بتوظيف الإكراه الشامل لفرض وقف إطلاق النار، فإن الارتدادات ستتجاوز النطاق العملياتي الراهن لتنسف نموذج الاندماج الاستراتيجي التلقائي بين البلدين، مما سيُحتم على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تبني عقيدة أمنية مستقبلية أكثر انكفاءً واكتفاءً ذاتياً، ويؤسس لمسار جديد تُحكم فيه العلاقات الثنائية بقواعد نفعية وبراغماتية صارمة.
Al Jazeera. “Israel Strikes Iran’s Oil Facilities for First Time as War Enters Ninth Day.” Al Jazeera, March 8, 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/3/8/israel-strikes-irans-oil-facilities-for-first-time-as-war-enters-ninth-day.
Associated Press. “US Says Soldiers Slain in Iran-Linked Drone Strike in Kuwait.” AP News, March 2026. https://apnews.com/article/slain-soldiers-iran-drone-strike-kuwait-7b65d5b6c3c3097e2a43972f91ae4cbf.
Banco, Erin, and Jonathan Landay. “Exclusive: US Intelligence Says Iran Government Is Not at Risk of Collapse, Say Sources.” Reuters, March 12, 2026. https://www.reuters.com/business/media-telecom/us-intelligence-says-iran-government-is-not-risk-collapse-say-sources-2026-03-11/.
Bloomberg News. “Israel Boosts Defense Budget by $13 Billion to Fund Iran War.” Bloomberg, March 10, 2026. https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-03-10/netanyahu-s-cabinet-to-expand-budget-by-13-billion-to-fund-war.
Everett, Burgess. “Thomas Massie Blasts Trump over Venezuela Attack: ‘America First’ Betrayed.” Politico, January 5, 2026. https://www.politico.com/news/2026/01/05/thomas-massie-trump-venezuela-attack-america-first-00710350.
Frenkel, Sheera. “Israel’s Strikes on Iran’s Oil Infrastructure Raise Stakes in Regional War.” New York Times, March 7, 2026. https://www.nytimes.com/2026/03/07/world/middleeast/israel-iran-oil-strikes.html.
Gulf News. “Brent Crude Oil Price Spikes to $107.1 amid Iran-U.S.-Israel War.” Gulf News, March 8, 2026. https://gulfnews.com/business/energy/brent-crude-oil-price-spikes-to-1071-amid-iran-us-israel-war-1.500467933.
Haski, Pierre. “By Attacking Iran, Netanyahu Stakes His Political Survival.” Le Monde, June 17, 2025. https://www.lemonde.fr/en/international/article/2025/06/17/by-attacking-iran-netanyahu-stakes-his-political-survival_6742428_4.html.
Helmore, Edward. “Thomas Massie among Few Republicans to Criticize Trump over War Powers: ‘This Is Not America First.’” Fortune, February 28, 2026. https://fortune.com/2026/02/28/thomas-massie-among-few-republicans-to-criticize-trump-over-war-powers-this-is-not-america-first/.
Hickey, Samuel. “What Do We Actually Know About Iran’s Nuclear Program? Not Much.” Responsible Statecraft, March 11, 2026. https://responsiblestatecraft.org/iran-nuclear-program/.
Iran International. “Iran Says It Will Target Israeli Oil Infrastructure in Response to Strikes.” Iran International, March 11, 2026. https://www.iranintl.com/en/202603117700.
Jeffries, Hakeem. “Leader Jeffries on ‘Meet the Press’: We’re Spending Billions of Dollars to Drop Bombs and Doing Nothing to Drop the High Cost of Living.” Office of Representative Hakeem Jeffries, March 8, 2026. https://jeffries.house.gov/2026/03/08/leader-jeffries-on-meet-the-press-were-spending-billions-of-dollars-to-drop-bombs-and-doing-nothing-to-drop-the-high-cost-of-living/.
Jerusalem Post Staff. “Iran Vows Retaliation after Latest Israeli Strikes.” Jerusalem Post, March 2026. https://www.jpost.com/middle-east/iran-news/article-889108.
Kershner, Isabel. “Israeli Strikes on Fuel Depots near Tehran Deepen Iran’s Economic Pain.” New York Times, March 8, 2026. https://www.nytimes.com/2026/03/08/world/middleeast/israeli-strikes-fuel-depots-tehran.html.
Le Monde with AFP. “Rubio Says Israel’s Strike Plan Triggered US Attack on Iran.” Le Monde, March 2, 2026. https://www.lemonde.fr/en/international/article/2026/03/02/rubio-says-israel-s-strike-plan-triggered-us-attack-on-iran_6751024_4.html.
Levaton, Stav. “Poll: 93% of Jewish Israelis Back Iran Operation, Vs 26% of Arabs; Majority Support Toppling Regime.” Times of Israel, March 4, 2026. https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/poll-93-of-jewish-israelis-back-iran-operation-vs-26-of-arabs-majority-support-toppling-regime/.
Magid, Jacob. “Hegseth: ‘This Is Not a So-called Regime Change War, but the Regime Sure Did Change’; Says Campaign ‘Not Endless,’ Hails US-Israeli Cooperation.” Times of Israel, February 2, 2026. https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/hegseth-says-military-campaign-against-iran-not-endless-hails-us-israeli-cooperation/.
Marcetic, Branko. “Tulsi Said Iran Not Building Nukes. One Senator After Another Ignored Her.” Responsible Statecraft, July 18, 2025. https://responsiblestatecraft.org/tulsi-iran-bomb/.
Mitchell, Ellen. “Rubio Grilled Over Why US Started Iran Attacks.” The Hill, March 3, 2026. https://thehill.com/newsletters/defense-national-security/5766040-rubio-grilled-over-why-us-started-iran-attacks/.
NDTV. “JD Vance Mostly Silent on Iran War; Trump Says He’s ‘Philosophically Different.’” NDTV, March 2026. https://www.ndtv.com/world-news/iran-israel-us-war-jd-vance-mostly-silent-on-iran-war-trump-says-hes-philosophically-different-11199889/amp/1.
Neev, Keshet. “Gov’t Approves New Defense Budget During War, NIS 5b. Allocation to Haredim, Settlements.” The Jerusalem Post | JPost.Com, March 11, 2026. https://www.jpost.com/israel-news/politics-and-diplomacy/article-889627.
Newsmax. “Gas Prices Approach $3.60 amid Iran Conflict.” Newsmax, March 12, 2026. https://www.newsmax.com/streettalk/gas-3-60-iran/2026/03/12/id/1249236/.
NPR Staff. “Iran, U.S. Military Action, and Trump’s Approval.” NPR, March 6, 2026. https://www.npr.org/2026/03/06/nx-s1-5737627/iran-us-military-poll-trump-approval.
Reuters. “U.S. Oil Prices Jump on Supply Fears amid Expanding U.S.-Israeli War with Iran.” Reuters, March 8, 2026. https://www.reuters.com/business/energy/us-oil-prices-jump-supply-fears-amid-expanding-us-israeli-war-with-iran-2026-03-08/.
Roth, Andrew. “Pete Hegseth Sets the Tone for Trump’s Politically Incorrect War on Iran.” The Guardian, March 2, 2026. https://www.theguardian.com/us-news/2026/mar/02/pete-hegseth-trump-iran-military.
Soko, Sam. “Haredi Parties Understood Draft Law Wouldn’t Pass, Prioritized Budgetary Demands – Likud Source.” Times of Israel, March 12, 2026. https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/haredi-parties-understood-draft-law-wouldnt-pass-prioritized-budgetary-demands-likud-source/.
Tankersley, Jim. “Gasoline Prices Jump as War with Iran Roils Energy Markets.” New York Times, March 9, 2026. https://www.nytimes.com/2026/03/09/business/gasoline-prices-iran.html.
The National. “Oil Prices Surge Past $110 and Asian Markets Slump as Iran War Escalates.” The National, March 9, 2026. https://www.thenationalnews.com/business/energy/2026/03/09/oil-prices-surge-past-110-and-asian-markets-slump-as-iran-war-escalates/.
Times of India. “Watch: Israel Strikes Several Oil Depots in Iran, Towering Smoke and Massive Blaze Light Up Skyline.” Times of India, March 8, 2026. https://timesofindia.indiatimes.com/world/middle-east/watch-israel-strikes-several-oil-depots-in-iran-towering-smoke-massive-blaze-light-up-skyline/articleshow/129246835.cms.
TRT World. “Iran Vows Response after Israeli and US Strikes Escalate War.” TRT World, March 2026. https://www.trtworld.com/article/279248368f6e.
Walsh, Joe, Kathryn Watson, and Tucker Reals. “Why Is the U.S. Attacking Iran? Here’s What the Trump Administration Has Said Motivated the Strikes.” CBS News, March 6, 2026. https://www.cbsnews.com/news/why-us-attack-iran-trump-administration/.
WUSF Public Media. “Poll: A Majority of Americans Opposes U.S. Military Action in Iran.” WUSF Public Media, March 6, 2026. https://www.wusf.org/2026-03-06/poll-a-majority-of-americans-opposes-u-s-military-action-in-iran.
WUSF Public Media. “Poll: A Majority of Americans Opposes U.S. Military Action in Iran.” WUSF Public Media, March 6, 2026. https://www.wusf.org/2026-03-06/poll-a-majority-of-americans-opposes-u-s-military-action-in-iran.
تعليقات