كتب بواسطة

يمر المشهد السياسي والاقتصادي العالمي بتحولات هيكلية إثر اندلاع العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦. ورداً على هذا التصعيد، اتخذت القيادة الإيرانية قراراً استراتيجياً بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية وناقلات النفط، معتمدة على قدراتها غير المتكافئة من الألغام البحرية، والصواريخ المتقدمة، والطائرات المسيرة لتحويل المضيق إلى منطقة عمليات عسكرية.

 

ويُعد مضيق هرمز ممراً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، إذ يعبر من خلاله نحو ٢٠ مليون برميل نفط يومياً، ما يمثل ٢٠٪ من الاستهلاك العالمي، إلى جانب شحنات الغاز الطبيعي المسال. إذ أسفر الإغلاق عن تداعيات اقتصادية فورية تمثلت في توقف حركة الملاحة، وامتناع شركات التأمين عن تقديم تغطيتها للسفن، فضلاً عن تسجيل ارتفاع حاد في أسعار النفط لتتجاوز ١٢٠ دولاراً للبرميل. وفي مسعى لاحتواء الأزمة، طرحت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، مبادرة دبلوماسية تقضي بإنشاء ممر بحري آمن في مضيق هرمز تحت إشراف الأمم المتحدة، لضمان تدفق إمدادات الطاقة بسلام.

 

وتستند مبادرة كالاس إلى محاكاة "مبادرة البحر الأسود" التي أتاحت تصدير الحبوب الأوكرانية بضمانات دولية، وتأتي التحركات الأوروبية مدفوعة بمخاوف من أن انقطاع إمدادات الغاز سيقوض الإنتاج العالمي للغذاء لارتباطه المباشر بصناعة الأسمدة الزراعية، وتهدف المبادرة إلى تحييد سفن الطاقة عن دائرة الاستهداف العسكري لتأمين الاستقرار الاقتصادي العالمي. وفي ضوء هذه المعطيات، وهو ما يطرح تساؤل حول مدي جدوى هذه المبادرة في حلحلة الأزمة الراهنة؟ وما هي الخيارات المتاحة في حال فشل تنفيذ مقترح البحر الأسود؟

أولًا: مبادرة البحر الأسود كنموذج في تحييد التجارة عن الصراع

تُعد مبادرة البحر الأسود، الموقعة في ٢٢ يوليو ٢٠٢٢ بمدينة إسطنبول، اتفاقاً دولياً يهدف إلى تأمين تصدير الحبوب الأوكرانية عبر موانئ أوديسا وتشورنومورسك ويوجني، والتي توقفت حركتها بسبب النزاع مع روسيا. استند نجاح هذا الاتفاق إلى دافع وقائي يتمثل في الحيلولة دون تفاقم نقص إمدادات الغذاء العالمية، مما دفع الأطراف المتنازعة إلى القبول بآلية تعاون مؤقتة لتأمين سلاسل الإمداد بمعزل عن مسار العمليات العسكرية الجارية في مناطق أخرى.

 

ولضمان استدامة هذه المبادرة، ارتكز الاتفاق على هيكل إداري ورقابي عبر تأسيس مركز التنسيق المشترك في إسطنبول، بمشاركة ممثلين من روسيا، وأوكرانيا، وتركيا، والأمم المتحدة. تولى المركز تنظيم الملاحة التجارية ومراقبة الالتزام بتحييد الممرات المائية المتفق عليها. وتضمنت الإجراءات تعهدات مكتوبة بعدم استهداف السفن التجارية، وتحديد مساحات عازلة حولها لتجنب الاحتكاكات العسكرية.

ولعبت الأمم المتحدة دور الضامن الدبلوماسي للاتفاق، ووفرت الغطاء الشرعي للعملية دون تقديم حماية عسكرية بحرية، مع تولي مسؤولية التدخل لمعالجة الخلافات الطارئة بين الأطراف. في الوقت ذاته، مارست تركيا دور الوسيط والدولة المضيفة لتوفير البيئة اللازمة لتنفيذ العمليات اللوجستية المطلوبة.

 

وعلى الصعيد الإجرائي، طُبق نظام تفتيش ألزم السفن المتجهة من وإلى الموانئ الأوكرانية بالتوقف في مياه إقليمية تركية للخضوع لفحص من قِبل فرق مشتركة، للتأكد من خلوها من المعدات العسكرية واقتصار حمولتها على السلع الغذائية والأسمدة. كما فُرض على السفن بإبقاء أجهزة التتبع والاتصال قيد التشغيل المستمر، لتمكين مركز التنسيق من مراقبة مساراتها عبر الرادار وتأكيد التزامها بالممرات الآمنة، مما ساهم في فصل مسارات التجارة عن العمليات العسكرية.

 

جرى تمديد الاتفاق عدة مرات خلال ٢٠٢٢- ٢٠٢٣، لكن مع كل تمديد كانت موسكو تلوّح بالانسحاب وتربط استمرارها بتخفيف القيود على صادراتها من الغذاء والأسمدة، والمدفوعات البنكية، والتأمين، والشحن. استمر العمل بالاتفاقية بشكل متقطع لمدة عام تقريبًا، حيث صدّرت أكثر من ٣٢ مليون طن متري من الحبوب قبل انسحاب روسيا منها في يوليو ٢٠٢٣. وكان مبرر موسكو المعلن هو عدم تنفيذ اتفاقية موازية تُسهّل صادرات روسيا من الأغذية والأسمدة، على الرغم من أن الانسحاب تزامن أيضًا مع غارة جوية أوكرانية بطائرة مسيّرة على جسر كيرتش، والتي اتخذتها موسكو ذريعة إضافية.

ثانيًا: العقبات الهيكلية أمام المبادرة الأوروبية لتأمين هرمز

ينطلق الموقف الأوروبي حيال أزمة مضيق هرمز من القناعة بأن انقطاع إمدادات الطاقة يمثل تهديداً مباشراً للاستقرار الاقتصادي والأمن الغذائي العالمي، نظراً لارتباط الغاز الطبيعي بصناعة الأسمدة الزراعية. وعليه، يستند المقترح الأوروبي إلى فرضية إمكانية إقناع الأطراف المتنازعة بفصل مسار تجارة الطاقة عن مسار العمليات العسكرية، بهدف تأسيس ممر بحري منزوع السلاح.

 

غير أن مقاربة هذا المقترح بتجربة مبادرة البحر الأسود تبرز فوارق هيكلية وجوهرية؛ فمبادرة الحبوب اعتمدت بالأساس على توافر إرادة لضبط النفس لدى الأطراف المشاركة، وهو التزام تراجعت عنه موسكو حين انتفت جدواه الاستراتيجية بالنسبة لها. كما اتسمت تلك المبادرة بظروف استثنائية شملت محدودية النطاق الجغرافي، ووجود آلية تفتيش في دولة ثالثة محايدة، فضلاً عن الطبيعة الإنسانية للسلعة التي يفرض المساس بها تبعات سياسية بالغة. في المقابل، يفتقر مضيق هرمز إلى هذه العوامل الميسرة، حيث تُصنف موارد الطاقة كمحركات اقتصادية داعمة للقدرات الاستراتيجية، مما يجعلها أهدافاً عسكرية في ظل النزاع المفتوح.

 

وعلى الصعيد الدبلوماسي، تتطلب المبادرة ضمانات أمنية ملزمة من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. ويصطدم هذا المطلب مع توظيف طهران لإغلاق المضيق كأداة للضغط الاقتصادي. ويتضح هذا التوجه من خلال التطبيق الانتقائي للمنع، حيث تسمح القيادة الإيرانية بمرور السفن التابعة لدول محايدة أو غير معادية، بينما تستهدف السفن المرتبطة بخصومها. وبالتالي، فإن الموافقة على فتح ممر آمن لجميع الشحنات التجارية سيفقد طهران إحدى أبرز أدواتها الاستراتيجية، مما يجعل هيكل الحوافز في هذه الأزمة مختلفاً تماماً عما كان عليه الوضع في البحر الأسود.

 

وفي الاتجاه الموازي، يشترط تأسيس الممر الآمن وقفاً للعمليات العسكرية في النطاق المحدد، وهو ما يتعارض مع أهداف العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية التي تستهدف البنية التحتية الإيرانية على طول الممرات البحرية. ومن الناحية القانونية، يُعد حق “المرور العابر” المكفول بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أمراً خلافياً في حالات النزاع المسلح، لا سيما مع تسويغ واشنطن وتل أبيب لعملياتهما ضمن إطار الدفاع عن النفس. وعليه، يتطلب تطبيق المبادرة إرساء إطار قانوني دولي مستحدث يمنح حصانة تجارية في منطقة عمليات عسكرية، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل غياب الثقة المتبادلة.

 

إلى جانب ذلك، تطرق المقترح الأوروبي إلى إمكانية توسيع النطاق الجغرافي لعملية “أسبيدس” البحرية، التي أُطلقت أساساً لحماية الملاحة في البحر الأحمر، لتشمل منطقة الخليج العربي. إلا أن هذا التوجه قوبل بتحفظات واسعة من قبل العواصم الأوروبية؛ حيث أشار مسؤولون ألمان إلى انتفاء الجدوى التكتيكية لنشر قوات أوروبية محدودة في منطقة تشهد كثافة عسكرية أمريكية، مؤكدين ضرورة توضيح الرؤية الاستراتيجية الأمريكية قبل الانخراط في مهام قد تؤدي إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه.

 

وتوافق هذا الموقف مع تصريحات الجانب الإيطالي التي أكدت افتقار البعثات الأوروبية للتفويض القانوني والقدرات العسكرية اللازمة للعمل في بيئة معقدة كمضيق هرمز. كما يشكل اشتراط الحصول على إجماع الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتعديل مهام العملية عائقاً سياسياً كبيراً. وتنسجم هذه المواقف مع الرؤية البريطانية الداعمة لحرية الملاحة شريطة تجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية واسعة، مما يؤكد في المحصلة أن المبادرة الأوروبية تصطدم بواقع جيوسياسي يحد من فرص نجاحها في إلزام الأطراف بتقديم التنازلات المطلوبة لاستقرار أسواق الطاقة.

ثالثًا: مسارات الالتفاف حول الأزمة

في ظل التحديات السياسية والعسكرية التي تحول دون التطبيق الحرفي لنموذج البحر الأسود في مضيق هرمز، تتجه الحاجة نحو صياغة بدائل تتكيف مع المعطيات الجيوسياسية للمنطقة، مع الاحتفاظ بجوهر فكرة الإدارة المشتركة والممرات الآمنة. يتمثل المسار الأول في إرساء آلية مرور انتقائي ومشروط، تقتصر على السفن التجارية التابعة لدول محايدة غير منخرطة في النزاع، والمتجهة نحو أسواق لا تصنفها طهران كأطراف معادية، ويتطلب نجاح هذا المسار تدخل دول وسيطة تمتلك قنوات تواصل متوازنة مع كل من إيران والدول الغربية لضمان التوافق على إطار دبلوماسي عملي.

 

في هذا السياق، تبرز سلطنة عمان والصين كوسطاء محتملين لإدارة هذه الآلية المعقدة. فبالنظر إلى موقعها الجغرافي على مدخل المضيق ورصيدها التاريخي في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، يمكن لسلطنة عمان استضافة غرفة تنسيق ومراقبة في مسقط تحت إشراف الأمم المتحدة لضمان الشفافية. تتولى هذه الوحدة تلقي طلبات العبور من السفن المحايدة والتنسيق مع السلطات الإيرانية والأمريكية لتأمين مرورها في نوافذ زمنية محددة، ويُعد إشراك الصين عاملاً حاسماً في هذه المعادلة، بحكم علاقاتها ومصالحها الاقتصادية، نظراً لاعتمادها الواسع على إمدادات الطاقة الخليجية، واعتماد الاقتصاد الإيراني على عائدات الصادرات النفطية لبكين، مما يمنحها ثقلاً استراتيجياً توفير دعائم إضافية لهذه الجهود وإقناع طهران بتسهيل مرور السفن غير المنخرطة في النزاع.

 

وبالتوازي مع الجهود الدبلوماسية، يتمثل المسار الثاني في تفعيل الممرات البرية البديلة من خلال تعظيم الاستفادة من شبكة خطوط الأنابيب القائمة في دول الخليج. ويشمل ذلك خط الأنابيب السعودي الذي ينقل النفط من شرق المملكة إلى موانئ البحر الأحمر، وخط الأنابيب الاستراتيجي الإماراتي الذي يربط الحقول الداخلية بميناء الفجيرة المطل على خليج عمان، بعيداً عن مضيق هرمز. ورغم أن الطاقة الاستيعابية القصوى لهذه الخطوط مجتمعة تتراوح بين ٤-٥ ملايين برميل يومياً بعد التوسعة — مقارنة بنحو ٢٠ مليون برميل كانت تعبر المضيق — إلا أنها تظل شرياناً حيوياً لضمان استمرار تدفق جزء من إمدادات الطاقة العالمية، ولكن يستلزم هذا المسار توفير منظومات حماية دفاعية متطورة لتأمين هذه البنية التحتية من أي استهدافات جوية أو صاروخية محتملة من الجانب الإيراني، باعتبارها ممرات اقتصادية استراتيجية.

 

أما المسار الثالث والضروري لاستقرار الأسواق، فيكمن في التدخل الاقتصادي السريع عبر ضخ كميات من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية. وقد برزت بوادر هذا التوجه بموافقة وكالة الطاقة الدولية على سحب ٤٠٠ مليون برميل، تزامناً مع سحب الإدارة الأمريكية ١٧٢ مليون برميل من مخزونها. وعلى الرغم من أن هذا الإجراء لا يقدم حلاً جذرياً نظراً لمحدودية الاحتياطيات والقدرات التشغيلية لضخها، فإنه يسهم في احتواء تقلبات الأسعار والحد من التداعيات الاقتصادية الفورية على الدول المستوردة. والأهم من ذلك، يوفر هذا الضخ مساحة زمنية للوسطاء الإقليميين والدوليين لبلورة آلية المرور المشروط بهدوء.

 

المسار الرابع: خيار المرافقة العسكرية حيث يمثل اللجوء إلى السفن الحربية لحماية ناقلات الطاقة سابقة تاريخية تجسدت في عملية “إرنست ويل” (Earnest Will) التي نفذتها البحرية الأمريكية بين عامي 1987 و1988 إبان “حرب الناقلات”. جاءت تلك العملية بعد استهداف العراق للمنشآت والناقلات النفطية الإيرانية عام 1984، وتُعد أكبر عملية مرافقة بحرية أمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. حينها، وافقت إدارة الرئيس ريغان على رفع العلم الأمريكي على 11 ناقلة كويتية لحمايتها، مدفوعة بمساعي الحد من النفوذ السوفيتي وتأمين حرية الملاحة. ورغم هذه الحماية، تعرضت الناقلة “إم في بريدجتون” لانفجار لغم إيراني في أولى رحلاتها، مما أظهر مبكراً اعتماد طهران على تكتيكات غير تقليدية شملت الألغام، والزوارق السريعة، وصواريخ “سيلكورم” لإعاقة مسارات القوافل.

 

ورغم التشابه الظاهري بين الفترتين، تختلف المعطيات الاستراتيجية والقانونية جذرياً في عام 2026. ففي عام 1987، لم تكن واشنطن طرفاً مباشراً في النزاع، بل عملت كقوة حامية استندت إلى غطاء قانوني دولي وفره قرار مجلس الأمن رقم 598. وفي المقابل، تجنبت إيران المواجهة المفتوحة مع البحرية الأمريكية لتفادي ردود فعل عسكرية واسعة، مقتصرةً على أساليب المضايقة للسفن غير المرافقة. استند نجاح هذا الردع حينها إلى القناعة الإيرانية بأن استهداف التشكيلات الأمريكية سيؤدي إلى ضربات انتقامية غير متكافئة، وهو ما أسهم في الحد من الهجمات وإن لم يوقفها تماماً.

 

أما في المشهد الراهن، فتتسم البيئة الأمنية لأي تحالف بحري بتعقيد تكنولوجي وجيوسياسي بالغ؛ إذ طور الحرس الثوري الإيراني عقيدته القتالية لتشمل منظومة متكاملة لمنع الوصول والحرمان من المنطقة (A2/AD) مصممة لفرض تكاليف باهظة على القوات البحرية التقليدية في المياه الضيقة. وتضم هذه الترسانة شبكات كثيفة من صواريخ كروز والصواريخ الباليستية الساحلية، وأسراباً من الزوارق الهجومية، والسفن المسيرة المحملة بالمتفجرات. يضاف إلى ذلك تحويل سفن تجارية إلى منصات لإطلاق الطائرات المسيرة والأنظمة الروبوتية تحت المائية. وقد تجلى هذا الاستعداد في المناورة البحرية الإيرانية “السيطرة الذكية على مضيق هرمز” في فبراير 2026، كتدريب مباشر على مواجهة التحركات البحرية المضادة.

 

ويشكل التهديد المضاعف للألغام البحرية التحدي العملياتي الأبرز في الوقت الراهن. فخلافاً لقدرات زرع الألغام المحدودة في الثمانينيات، تمتلك طهران اليوم منظومات متنوعة تشمل الغواصات التقليدية والزوارق الصغيرة لتكثيف نشر الألغام، وهو ما قابلته القوات الأمريكية بتدمير 16 سفينة إيرانية مخصصة لزرع الألغام بعد رصد نشرها في المضيق. إن تسيير قوافل تجارية عبر ممر ملغوم، تحت وطأة تهديد متزامن من الصواريخ والطائرات المسيرة متعددة الاتجاهات، يفرض واقعاً شديد الخطورة مقارنة بمضايقات عام 1987. وقد أشار مسؤولون أمريكيون إلى أن تبني خيار المرافقة المباشرة سيضع القطع البحرية الأمريكية أمام مخاطر تفوق بكثير تلك المرتبطة بتوجيه الضربات من مسافات آمنة، مما يجعل استنساخ التجربة التاريخية محفوفاً بتحديات قد تقوض فاعليتها.

 

وفي الختام، يتمثل التحدي الأساسي في تطبيق نموذج البحر الأسود على أزمة مضيق هرمز في التباين الجوهري بين طبيعة السلع المارة في كلا الممرين. فبينما خُصص مسار البحر الأسود لضمان تدفق السلع الإنسانية كالمنتجات الزراعية والأسمدة استجابةً لمتطلبات الأمن الغذائي العالمي، وهو ما شكل دافعاً لروسيا للقبول المؤقت بالاتفاق، تفتقر إمدادات النفط والغاز إلى هذا البُعد الإنساني المباشر. ونتيجة لذلك، لا يحظى عبور موارد الطاقة بنفس الزخم من قبل الرأي العام والمؤسسات الدولية، مما يحد من حجم الضغوط الدبلوماسية التي يمكن ممارستها على طهران للقبول بمبادرة مشابهة، ويقلص بالتالي التكلفة السياسية المترتبة على استمرار إغلاق المضيق.

 

تُظهر مسارات الأزمة الحالية ومحدودية المبادرات الدبلوماسية تراجع فاعلية أطر القانون البحري الدولي والمواثيق الأممية عند تقاطعها مع الصراعات الجيوسياسية المباشرة بين القوى الإقليمية والدولية. ويشير تعثر المقترح الأوروبي الخاص بالممرات الآمنة إلى صعوبة تحييد السلع الاستراتيجية، كطاقة، عن مسار العمليات العسكرية بقرارات أممية، خاصة مع توجه الأطراف المتنازعة نحو توظيف المعطيات الجغرافية والاقتصادية كأدوات ضغط فاعلة. ويطرح هذا التراجع المؤسسي تساؤلات موضوعية حول مدى قدرة المنظومات الأمنية الغربية المتواجدة في الشرق الأوسط على تأمين طرق التجارة الحيوية دون الانخراط في مواجهات عسكرية ممتدة.

 

في سياق متصل، من المرجح أن تسهم المسارات والبدائل المقترحة لتجاوز الأزمة في تشكيل واقع استراتيجي جديد يؤثر على موازين القوى العالمية. ففي حال تمكنت الصين من تفعيل آلية مرور انتقائي تضمن استمرار تدفق إمدادات النفط إلى أسواقها عبر وساطات خليجية، في ظل استمرار تعثر الإمدادات المتجهة للأسواق الغربية، فإن ذلك سيعزز من مكانة بكين كفاعل أمني رئيسي وضامن لحركة التجارة في منطقة الخليج، لتمثل بديلاً عملياً للتواجد الأمني الأمريكي. وإلى جانب ذلك، فإن التوجه الاضطراري نحو الاعتماد على خطوط الأنابيب البرية قد يُحدث تحولاً هيكلياً ومستمراً في شبكات تصدير الطاقة، بهدف تقليص الارتباط المستقبلي بالمضايق البحرية. وبناءً على ذلك، قد تُسفر العمليات العسكرية الرامية إلى تحجيم القدرات الإيرانية عن نتائج استراتيجية موازية، تتمثل في تقليص النفوذ الغربي التاريخي على مسارات أمن الطاقة في منطقة الشرق الأوسط.

المراجع

“EU to Discuss Bolstering Mideast Naval Mission amid Iran War Turmoil.” Hindustan Times, accessed 17 March 2026. Available on: https://www.hindustantimes.com/world-news/eu-to-discuss-bolstering-mideast-naval-mission-amid-iran-war-turmoil-101773615048544.html.

 

 “Germany Sceptical about Expanding EU Operation Aspides in Strait of Hormuz.” U.S. News & World Report, 15 March 2026. Available on:  https://www.usnews.com/news/world/articles/2026-03-15/germany-sceptical-about-expanding-euoperation-aspides-in-strait-of-hormuz.

 

Asharq Al-Awsat. “EU’s Kallas Floats Black Sea Model to Unblock Strait of Hormuz.” Asharq Al-Awsat English, 17 March 2026. Available on:  https://english.aawsat.com/world/5251801-eus-kallas-floats-black-sea-model-unblock-strait-hormuz

 

Deyermond, Ruth. “Ukraine–Russia Grain Deal: Success or Failure?” Wilson Center, accessed 17 March 2026. Available on: https://www.wilsoncenter.org/blog-post/ukraine-russia-grain-deal-success-or-failure.

 

Nardelli, Alberto. “EU Pushes to Shift Naval Mission to Protect Strait of Hormuz.” Bloomberg, 16 March 2026. Available on:  https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-03-16/eu-pushes-to-shift-naval-mission-to-protect-strait-of-hormuz.

 

Reuters. “EU’s Kallas Floats ‘Black Sea’ Model to Unblock Strait of Hormuz.” Reuters, 16 March 2026. Available on:  https://www.reuters.com/business/energy/eus-kallas-floats-black-sea-model-unblock-strait-hormuz-2026-03-16/.

 

Shmigel, Yevhen. “Grainless Russia: Pulling Out of the Black Sea Grain Deal to Underline Putin’s Decline.” Modern Diplomacy, 28 July 2023. Available on:  https://moderndiplomacy.eu/2023/07/28/grainless-russia-pulling-out-of-the-black-sea-grain-deal-to-underline-putins-decline/.

 

Trevithick, Joseph, and Howard Altman. “Iran Turns Up the Heat Around the Strait of Hormuz (Updated).” The War Zone (The Drive) accessed 17 March 2026. Available on:  https://www.twz.com/news-features/iran-turns-up-the-heat-around-the-strait-of-hormuz.

 

United Nations. “What Is the Black Sea Initiative? UN Explained.” United Nations, video, accessed 17 March 2026. Available on:  https://www.un.org/en/video/what-black-sea-initiative-un-explained.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *