تعاقبت الأزمات على أوروبا خلال السنوات القليلة الماضية بوتيرة لم تكد تتيح للقارة فرصة لاحتواء تداعيات أزمة حتى وجدت نفسها أمام أخرى. فمن الحرب الروسية الأوكرانية وما خلفته من تداعيات جيوسياسية واقتصادية واسعة، إلى عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية وما صاحبها من تحديات جديدة، تراكمت الضغوط وتداخلت آثارها. واليوم، يلوح في الأفق تحدٍ من نوع مختلف، لا يقل تعقيدًا عما سبقه، لكنه أكثر اتصالًا بالحياة اليومية لمواطني القارة: تأمين الغذاء. ولم يعد خطر نقص الإمدادات احتمالًا بعيدًا، إذ بدأت العوامل التي قد تقود إليه تتجمع في وقت واحد. فموجات الحر الشديدة والجفاف تضغط على المحاصيل والإنتاج الزراعي داخل أوروبا، بينما تعطل الحروب طرق التجارة وتهدد تدفقات الغذاء من الخارج. والأخطر أن هذين المسارين يتقاطعان ويعزز أحدهما أثر الآخر؛ فتراجع الإنتاج المحلي يزيد حاجة أوروبا إلى الاستيراد، في الوقت الذي تصبح فيه بعض المصادر التي تعتمد عليها لتلبية هذه الحاجة أكثر عرضة للاضطراب.

 

وعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة مجرد موسم زراعي سيئ أو نقص مؤقت في بعض المحاصيل. فإذا استمرت الضغوط المناخية بالتزامن مع اضطراب الإمدادات الخارجية، فقد تجد أوروبا نفسها أمام أزمة غذاء تجمع بين تراجع المعروض وارتفاع الأسعار وتزايد الاعتماد على الأسواق الخارجية. ولن تظل التداعيات بالضرورة حبيسة حدود القارة؛ إذ قد تمتد إلى أسواق الغذاء العالمية، ولا سيما في الدول الأكثر اعتمادًا على الاستيراد والأقل قدرة على تحمل ارتفاع الأسعار. وهكذا، لا يتعلق السؤال بقدرة أوروبا على تأمين احتياجاتها الغذائية فحسب، بل بمدى قدرة منظومتها الغذائية على الصمود حين يتزامن تراجع الإنتاج في الداخل مع اضطراب الإمدادات من الخارج.

هل تبدأ المشكلة من الحرارة؟

تواجه منظومة الغذاء الأوروبية اختبارًا متزايد الصعوبة مع اشتداد وطأة الظواهر الجوية المتطرفة على الإنتاج الزراعي في أنحاء القارة. وقد كشف صيف 2026 حجم هذا التحدي بوضوح، بعدما جاء من بين أقسى فصول الصيف المسجلة، وتجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية في مناطق من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا. ولم تكن الحرارة وحدها مصدر الضرر. فقد تزامنت موجاتها المتعاقبة مع جفاف متفاقم امتد عبر مساحات واسعة من القارة، ما أجهد المحاصيل والثروة الحيوانية وأسهم في تأجيج بعض أكثر حرائق الغابات تدميرًا منذ سنوات، مخلفةً خسائر بشرية. أما بالنسبة إلى القطاع الزراعي، فقد يكون الأثر الأبعد مدى هو الضرر الذي لحق بمحصول هذا العام، وما يترتب عليه من تزايد عدم اليقين بشأن إمدادات الغذاء خلال الفترة المقبلة.

 

وجاءت هذه الظروف نتيجة تضافر مجموعة من العوامل المناخية القاسية. فالاحترار العالمي الناجم عن الأنشطة البشرية اقترن بظاهرة “نينيو” استثنائية القوة، وشح الأمطار لفترات ممتدة، والرياح الحارة، لتتعرض مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في أوروبا لحرارة وجفاف شديدين. وتجاوزت درجات الحرارة 30 درجة مئوية بصورة متكررة، ووصلت في كثير من الأحيان إلى أكثر من 35 درجة، ما عرقل نمو النباتات في مراحل حاسمة من دورة المحاصيل.

 

وكان قطاع الخضروات من أكثر القطاعات تأثرًا بهذه الظروف. ففي فرنسا، أفاد المزارعون بتراجع “كبير جدًا” في الإنتاج مقارنة بالسنوات السابقة، مع تقديرات بانخفاض محصول الكوسة بنحو 25%، والخس 35%، والبازلاء 40%، والبروكلي 60%، فيما تراوحت الخسائر في محصول الخرشوف بين 50% و100%. وبلغت الخسائر حدًا دفع المزارعين إلى وصف الوضع الراهن بأنه أزمة “غير مسبوقة”، بينما حذر منتجو الخضروات والحبوب من حصاد قد يكون “كارثيًا”.

 

ولم تسلم الحبوب بدورها من تداعيات الموسم القاسي. ففي فرنسا، تتوقع وزارة الزراعة انخفاض محصول الذرة بنحو 35% عن مستويات عام 2025، ليصل إلى نحو 9 ملايين طن، وهو مستوى لم تسجله البلاد منذ عام 1980. ولا يُعزى هذا التراجع كله إلى موجات الحر؛ إذ يرجع جانب منه إلى تحول بعض المزارعين من زراعة الذرة إلى محاصيل أخرى، من بينها عباد الشمس. لكن الحرارة كانت عاملًا مؤثرًا أيضًا، بعدما تزامنت موجاتها الشديدة مع مراحل حاسمة من نمو الذرة، ما جعل المحصول أكثر عرضة للضرر.

 

ولا تقتصر آثار الحرارة والجفاف على المحاصيل، بل تمتد إلى الثروة الحيوانية أيضًا. فالأبقار الحلوب تبدأ عادةً في التعرض للإجهاد الحراري عندما تتجاوز درجات الحرارة 25 درجة مئوية، وقد سجل المنتجون في فرنسا بالفعل انخفاضًا في إنتاج الحليب تراوح بين 10% و15%. ولا تقف المشكلة عند الإنتاج الحالي؛ فتضرر الذرة وغيرها من المحاصيل يثير مخاوف متزايدة بشأن قدرة المزارعين على تأمين ما يكفي من الأعلاف للماشية خلال فصل الشتاء.

 

ويبدو الأثر أكثر حدة في قطاع الدواجن، فقد أدت موجة الحر التي ضربت فرنسا في يونيو إلى معدلات نفوق وُصفت بأنها “كارثية” في بعض منشآت تربية الدواجن، ما أدى إلى انخفاض إنتاج البيض في البلاد بنحو مليون بيضة يوميًا عن مستواه المعتاد، وفقًا للهيئة الوطنية الفرنسية المعنية بالترويج للبيض.

 

ولا تمثل فرنسا حالة منفردة. ففي إيطاليا، يطال الجفاف نحو 60% من الأراضي الزراعية، بدرجات تتراوح بين الخفيفة والحادة، وفقًا لـ”كولديريتي” (Coldiretti)، أكبر منظمة للمزارعين في البلاد. وقد انعكست هذه الظروف على طيف واسع من المنتجات الزراعية؛ فتضرر بشدة إنتاج الذرة والأرز وفول الصويا، إلى جانب الفواكه والخضروات، فيما انخفض إنتاج الحليب بنسبة 20%. وتتجاوز الخسائر انخفاض الإنتاج وحده؛ فمع احتساب الأضرار الناجمة عن حرائق الغابات والعواصف الشديدة، تُقدَّر الكلفة الاقتصادية الإجمالية التي تكبدها القطاع الزراعي بأكثر من 3 مليارات يورو.

 

وتؤكد إسبانيا أن هذه الخسائر تتخذ طابعًا أوسع على امتداد القارة. فقد تراجعت محاصيل الحبوب مقارنة بالعام السابق بنحو 35% في قشتالة وليون، و49% في منطقة مدريد، و24% في الأندلس. وامتد التراجع إلى الإنتاج الحيواني أيضًا، إذ انخفض إنتاج حليب الأغنام بنسبة 6.5% وحليب الماعز بنسبة 10.8%. ومع تكرار هذا النمط في عدد من الدول، لم تعد الخسائر مجرد حالات وطنية متفرقة، بل بدأت تنعكس على الصورة الزراعية للاتحاد الأوروبي ككل. فقد خفّضت المفوضية الأوروبية توقعاتها لإنتاج معظم المحاصيل الرئيسية من الحبوب والبذور الزيتية في الموسم التسويقي 2026/2027، وكان محصول الذرة الأكثر تعرضًا لخفض التوقعات.

 

وتظهر أرقام الذرة بوضوح مدى تدهور التوقعات. فبعدما أشارت تقديرات يونيو إلى إنتاج يبلغ 59.9 مليون طن، خُفّض الرقم إلى 51.9 مليون طن، أي أقل بنحو 14% من محصول العام السابق. والأهم أن أثر هذا التراجع لم يبقَ محصورًا في الإنتاج المحلي؛ إذ انعكس مباشرة على احتياجات الاتحاد الأوروبي من الأسواق الخارجية، لترتفع توقعات واردات الذرة إلى 24 مليون طن، مقارنة بـ19.1 مليون طن فقط في تقديرات الشهر السابق.

 

وامتدت المراجعات إلى محاصيل رئيسية أخرى. فقد خفّضت المفوضية توقعاتها لإنتاج القمح اللين من 126.3 مليون طن إلى 124.4 مليون طن. ورغم أن المستوى الجديد يظل أعلى بنحو 8% من إنتاج موسم 2025/2026، تراجعت بالتوازي توقعات صادرات الاتحاد الأوروبي من القمح اللين من 30 مليون طن إلى 29 مليون طن، كما انخفضت تقديرات مخزونات نهاية الموسم من 13.8 مليون طن إلى 12.9 مليون طن. وشملت التخفيضات كذلك الشعير وبذور عباد الشمس. فمن المتوقع أن يبلغ إنتاج الشعير 51.05 مليون طن، مقابل تقديرات سابقة عند 51.7 مليون طن، ومحصول بلغ 55.6 مليون طن في موسم 2025/2026. كما خُفّضت توقعات إنتاج بذور عباد الشمس من 10.1 ملايين طن إلى 9.5 ملايين طن، وإن ظل المستوى المتوقع أعلى من محصول الموسم السابق البالغ 8.7 ملايين طن.

 

ولا تشير هذه الأرقام، في مجملها، إلى انهيار شامل في إنتاج الغذاء الأوروبي؛ فالصورة أكثر تفاوتًا وتعقيدًا. لكنها ترسم ملامح موسم زراعي صعب تتضافر فيه الظروف المناخية غير المواتية مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتتراجع خلاله وفرة عدد من المحاصيل الرئيسية. والنتيجة هي مزيد من الضغوط على الأسواق، وحاجة أكبر إلى الواردات، وهامش أضيق أمام الاتحاد الأوروبي لامتصاص أي صدمات خارجية جديدة. وتقدم الذرة المثال الأوضح على هذه المعادلة. فتراجع الإنتاج المحلي بدأ يتحول بالفعل إلى طلب أكبر على الواردات، وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية: أوروبا لا تنتج كميات أقل من بعض المحاصيل فحسب، بل تصبح في الوقت نفسه أكثر اعتمادًا على الأسواق الخارجية لتعويض النقص. وتزداد خطورة هذا التحول لأن الحاجة إلى الاستيراد ترتفع في اللحظة نفسها التي تهدد فيها التوترات الجيوسياسية بعضًا من أهم مصادر تلك الإمدادات.

ثم تأتي الحرب

ولا تكمن المشكلة في تراجع الإنتاج الزراعي الأوروبي وحده، بل في تزامنه مع اضطراب يهدد الإمدادات من واحدة من أهم مناطق تصدير الحبوب في العالم. فالحرب الروسية الأوكرانية تهدد تدفقات الإمدادات من منطقة البحر الأسود في اللحظة التي تدفع فيها خسائر المحاصيل أوروبا إلى زيادة اعتمادها على الواردات. وهنا تتضاعف المشكلة: فالقارة تحتاج إلى الخارج لتعويض تراجع إنتاجها المحلي، بينما تصبح بعض الإمدادات التي يُفترض أن تسد هذه الفجوة أقل استقرارًا وأكثر عرضة للتعطل.

 

وبدأت أسواق القمح بالفعل في تسعير هذه المخاطر. ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، تجاوزت العقود الآجلة للقمح تسليم ديسمبر في بورصة “يورونكست” (Euronext) مستوى 255 يورو، لتصل إلى مستويات لم تشهدها منذ سنوات. وهذه المرة، لا يأتي الضغط أساسًا من الحرارة والجفاف اللذين أضعفا المحاصيل الأوروبية، بل من تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد عدم اليقين بشأن صادرات الحبوب عبر البحر الأسود.

 

وتفسر مكانة روسيا وأوكرانيا في تجارة القمح العالمية حساسية الأسواق لأي اضطراب في هذه المنطقة؛ إذ تمثل الدولتان معًا نحو ثلث صادرات القمح في العالم، ويعبر جانب كبير من هذه التجارة عبر موانئ البحر الأسود وبحر آزوف. وقد كشفت أحداث عام 2022 مدى هشاشة هذه المسارات، حين أدى الغزو الروسي لأوكرانيا والهجمات على بنيتها التحتية إلى قفزات حادة في أسعار القمح وغيره من الحبوب عالميًا. ولم تنحسر الضغوط على الأسعار إلا لاحقًا، بعد التوصل إلى اتفاق بوساطة تركية وإنشاء ممر ملاحي محمي للسفن الأوكرانية.

 

أما اليوم، فيتعرض ذلك الاستقرار النسبي لاختبار جديد. فالعمليات القتالية تعرقل حركة الصادرات بصورة متزايدة، مع تكرار استهداف روسيا للبنية التحتية في أوديسا وغيرها من الموانئ الأوكرانية. ومنذ يوليو، امتدت الهجمات إلى سفن تجارية متجهة إلى هذه الموانئ، ما رفع المخاطر التي تواجه أطقمها ودفع شركات الشحن إلى مزيد من الحذر في استخدام هذه المسارات.

 

ولا يقتصر التصعيد على استهداف البنية التحتية الأوكرانية؛ إذ جاء جانب منه ردًا على هجمات أوكرانية طالت بدورها أهدافًا روسية مرتبطة بالشحن والتصدير. فقد أدت هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية فعليًا إلى إغلاق بحر آزوف أمام حركة الشحن الروسية، فيما ألحق هجوم أوكراني حديث أضرارًا جسيمة بمنشآت الحبوب في ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود. وتنبع أهمية هذه الضربة من الثقل الذي يمثله الميناء في تجارة القمح؛ فنوفوروسيسك هو أكبر ميناء لتصدير القمح في العالم، وتمر عبره أكثر من 30% من صادرات روسيا من القمح.

 

وتكشف أرقام التجارة حجم المخاطر التي ينطوي عليها اضطراب هذه المسارات. ففي أحد أشهر العام الماضي، صدّرت روسيا وأوكرانيا معًا 6.3 ملايين طن من القمح، من إجمالي نحو 16 مليون طن جرى تداولها عبر الحدود الدولية خلال الشهر نفسه. أي إن البلدين استحوذا وحدهما على حصة كبيرة من تجارة القمح العالمية خلال شهر واحد. لكن الصورة تتغير بحدة هذا العام. ففي أغسطس، قد لا تتجاوز صادرات روسيا وأوكرانيا مجتمعتين نحو 2.5 مليون طن، مع احتمال انخفاضها إلى مستويات أدنى إذا استمرت الأعمال القتالية. وبدأت الأسواق تستجيب لهذا التراجع وللمخاوف المحيطة باستمرار الإمدادات؛ إذ واصلت أسعار القمح ارتفاعها على مدى أسابيع، لتبلغ أعلى مستوياتها في عامين، وتصبح أعلى بنحو 25% من مستواها في بداية العام.

 

وبالنسبة إلى أوروبا، يأتي هذا الاضطراب في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزايد حاجتها إلى الإمدادات الخارجية لتعويض ضعف الإنتاج المحلي. فمن المتوقع أن يستورد الاتحاد الأوروبي نحو 25 مليون طن متري من الذرة خلال الفترة من يوليو 2026 إلى يونيو 2027، مقارنة بـ19.3 مليون طن خلال الاثني عشر شهرًا السابقة. ويعكس ارتفاع الواردات تراجعًا في الإنتاج المحلي بنحو 10 ملايين طن، وفقًا للمتحدثة باسم المفوضية الأوروبية لشؤون الزراعة لويز بوغي. غير أن المشكلة تكمن في أن أحد أهم المصادر التي تعتمد عليها أوروبا لتعويض هذا النقص يتعرض هو الآخر لضغوط الحرب. فأوكرانيا توفر في الظروف المعتادة نحو نصف واردات الاتحاد الأوروبي من الذرة، بينما حد الصراع بشدة من قدرتها على التصدير.

 

ولا تقف المخاطر عند حدود الإمدادات المتاحة اليوم. فاستمرار الحرب في عرقلة النشاط الزراعي الأوكراني قد يدفع المزارعين إلى ترك ما يصل إلى 7 ملايين هكتار من الأراضي من دون زراعة في الموسم المقبل. وهذا يعني أن أثر الحرب قد يمتد من تعطيل حركة الحبوب الحالية إلى تقليص حجم المحاصيل المتاحة أصلًا للأسواق الدولية في المواسم المقبلة. وأمام هذا الاحتمال، يتجه المشترون الأوروبيون بصورة متزايدة إلى أسواق أمريكا الشمالية والجنوبية بحثًا عن إمدادات بديلة. وقد يساعد هذا التحول على تجنب أزمة فورية في الإمدادات، لكنه لا يلغي مواطن الضعف، بل ينقل جانبًا منها إلى مكان آخر؛ إذ تصبح أوروبا أكثر اعتمادًا على أسواق أبعد جغرافيًا في الوقت الذي تحاول فيه مواجهة مشكلتين متزامنتين: تراجع إنتاجها المحلي واضطراب الإمدادات من مورديها الإقليميين التقليديين.

ما الذي ينتظر أوروبا؟

ستظهر التداعيات الاقتصادية لهذه الضغوط بصورة أوضح في مسار أسعار الغذاء خلال المرحلة المقبلة. وتتوقع مؤسسة “Oxford Economics” ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا بنسبة 11.8% في عام 2026، تليها زيادة إضافية قدرها 4.8% في عام 2027. وفي منطقة اليورو، يشير السيناريو الأساسي للمؤسسة إلى تسارع تضخم أسعار الغذاء من نحو 1.5% في يونيو 2026 إلى قرابة 3% في عام 2027، بينما تضع تقديرات أخرى المعدل في العام المقبل عند مستوى أقرب إلى 4%. وإذا تحققت هذه المستويات، فقد يضيف تضخم أسعار الغذاء نحو 0.3 نقطة مئوية إلى معدل التضخم العام في منطقة اليورو، ويحمّل الأسر تكاليف إضافية تتراوح بين 120 و150 مليار يورو، بافتراض بقاء أنماط الاستهلاك دون تغيير. ولن يقع هذا العبء بالتساوي على جميع الأسر؛ إذ ستكون الأسر منخفضة الدخل الأكثر تأثرًا، نظرًا إلى ما يمثله الغذاء من حصة أكبر من إنفاقها.

 

غير أن أثر هذه الضغوط لن يصل إلى جميع السلع الغذائية بالسرعة نفسها. فمن المرجح أن يظهر في أسعار المنتجات الطازجة خلال شهرين إلى ثلاثة أشهر، بينما يحتاج انتقاله إلى الأغذية المصنّعة، مثل الخبز والمعكرونة ومنتجات الحبوب، إلى وقت أطول، على أن يبلغ ذروته بعد ستة إلى تسعة أشهر، أي تقريبًا بين فبراير ومايو 2027. ولا ينتهي أثر ارتفاع أسعار الحبوب عند المنتجات الغذائية المرتبطة بها مباشرة، بل ينتقل لاحقًا إلى قطاع الثروة الحيوانية. فالحبوب تمثل أحد المكونات الرئيسية لتكلفة إنتاج لحوم الخنزير والدواجن والبيض والحليب ولحوم الأبقار، ما يعني أن ارتفاع أسعارها اليوم سينعكس في زيادة تكاليف الأعلاف خلال الشتاء المقبل. وحتى إذا استقرت أسعار الحبوب لاحقًا، فقد يستمر أثر الارتفاع في الانتقال إلى أسعار اللحوم ومنتجات الألبان بفارق زمني ملحوظ. ومع توالي هذه التداعيات عبر سلسلة الغذاء، يصبح هامش أوروبا لامتصاص أي صدمات إضافية أضيق.

 

غير أن دائرة التأثير تتجاوز أوروبا إلى أسواق الغذاء العالمية، حيث قد تكون التداعيات أشد وطأة في مناطق أخرى. وتكفي حصة روسيا وأوكرانيا من تجارة السلع الغذائية الأساسية لإظهار حجم الانكشاف؛ ففي موسم 2025/2026، استحوذت الدولتان معًا على 27.4% من صادرات القمح العالمية، و15.8% من صادرات الشعير، و12.5% من صادرات الذرة، و61.5% من شحنات زيت عباد الشمس. وبهذا الثقل في أسواق الحبوب، فإن أي اضطراب في هذا الممر يضع نحو 86 مليون طن من الطاقة التصديرية السنوية للحبوب تحت الخطر، بما يعادل قرابة 17% من إجمالي صادرات الحبوب العالمية. ولم تعد التداعيات مجرد احتمال مستقبلي؛ فقد بدأت تظهر بالفعل في الأسواق، إذ بلغ مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء (FAO) في يوليو أعلى مستوياته منذ ثلاث سنوات ونصف.

 

غير أن الكلفة لا تتوزع بالتساوي بين الاقتصادات. ففي أوروبا، تتجلى التداعيات أساسًا في ارتفاع تضخم أسعار الغذاء، بينما تصبح أكثر حدة في الدول منخفضة الدخل المعتمدة على الاستيراد، ولا سيما حين تنفق الأسر نصف دخلها أو أكثر على الغذاء. ففي هذه الاقتصادات، لا يعني ارتفاع الأسعار زيادة فاتورة الغذاء فحسب، بل قد يترجم مباشرة إلى تقليص عدد الوجبات وتراجع القدرة على الحصول على المواد الغذائية الأساسية. وتوضح كينيا كيف يمكن أن تتفاقم الصدمة العالمية حين تقترن بضغوط محلية على الإنتاج. إذ تشير التوقعات إلى خسارة نحو خُمس محصول الذرة في ترانس نزويا، إحدى المناطق الرئيسية لإنتاج الحبوب في البلاد. وهكذا، قد تكون الصدمة واحدة، لكن آثارها تختلف بشدة من دولة إلى أخرى، تبعًا لقدرتها على تحمل ارتفاع الأسعار وتأمين بدائل للواردات التي تتعرض للاضطراب.

 

وفي المقابل، لا تقتصر إعادة تشكيل أسواق الحبوب على توزيع الخسائر، بل تفتح فرصًا أمام الدول القادرة على زيادة صادراتها. فمع بحث المشترين عن بدائل للإمدادات الروسية والأوكرانية، تستطيع الدول التي تمتلك فائضًا تصديريًا توسيع حصتها في الأسواق العالمية وتحقيق إيرادات إضافية.

 

وتبرز الأرجنتين في مقدمة الدول المؤهلة للاستفادة من إعادة توجيه تجارة الحبوب، مستندة إلى محاصيل قياسية من القمح والذرة وتحرك واضح لاقتناص جانب من الطلب الذي خلفه اضطراب الإمدادات الروسية والأوكرانية. فقد توقعت وزارة الزراعة الأمريكية (USDA)، في تقديراتها الصادرة في مارس 2026، زيادة صادرات الأرجنتين من القمح بمقدار 8.6 ملايين طن مقارنة بالعام السابق، وهي أكبر زيادة متوقعة بين كبار المصدرين. ولم تكتفِ الحكومة بوفرة المحصول، بل تحركت لتعزيز القدرة التنافسية لصادراتها، فخفضت، اعتبارًا من يونيو 2026، ضرائب تصدير القمح والشعير من 7.5% إلى 5.5%، في مسعى معلن لزيادة حصة البلاد من التجارة العالمية.

 

وتتسع دائرة المصدرين القادرين على سد جانب من الفجوة لتشمل البرازيل أيضًا. فعلى الرغم من اعتمادها على الواردات لتلبية جانب من احتياجاتها من القمح، تواصل البلاد تعزيز موقعها كمصدر رئيسي للذرة وفول الصويا. ومن المتوقع أن تبلغ صادراتها من الأرز غير المقشور 1.5 مليون طن في موسم 2026/2027، بزيادة 7% عن العام السابق. وفي الوقت نفسه، تسهم المحاصيل القياسية من فول الصويا في أمريكا الجنوبية في تعزيز المخزونات العالمية وزيادة الكميات المتاحة للتصدير.

 

وتملك الولايات المتحدة بدورها مساحة لزيادة حضورها في هذه السوق المتغيرة. فهي لا تزال أكبر مصدر للذرة في العالم، ومن المتوقع أن تصل صادراتها إلى مستوى قياسي يقارب 80 مليون طن سنويًا بحلول أواخر عام 2026، رغم تراجع إنتاجها من القمح.  لكن وجود موردين بدلاء لا يعني زوال المشكلة. فالأرجنتين والبرازيل والولايات المتحدة وأستراليا تستطيع تعويض جانب معتبر من الكميات التي لم تعد روسيا وأوكرانيا قادرتين على توفيرها بالقدر نفسه من الانتظام والموثوقية، غير أن تحويل جزء من الإمدادات بعيدًا عن منطقة البحر الأسود يأتي بكلفة أعلى.

 

ويعود جانب من هذه الكلفة إلى المسافات الأطول التي تقطعها الإمدادات البديلة. فالحبوب القادمة من الأمريكتين أو أستراليا إلى أسواق أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا تحتاج عادة إلى رحلات أطول بكثير، في وقت رفعت فيه الحرب أيضًا كلفة نقل الشحنات عبر البحر الأسود. وتظهر آثار هذه الضغوط في أسعار القمح الأمريكي المخصص للتصدير، التي بلغت نحو 321 دولارًا للطن، مقارنة بـ235 دولارًا قبل عام. ويعكس هذا الارتفاع عاملين متزامنين: تقلص الإمدادات الأمريكية، والعلاوة السعرية التي يدفعها المشترون لتأمين إمدادات من خارج منطقة البحر الأسود.

 

ولا تنخفض الكلفة بالضرورة بالنسبة إلى الشحنات التي لا تزال تتحرك عبر البحر الأسود. فقد ارتفعت أسعار شحن الحبوب من أوكرانيا من 42 إلى 54 دولارًا للطن في غضون أسابيع، فيما صعدت تكلفة التأمين ضد مخاطر الحرب على شحنات المنطقة إلى نحو 2% من قيمة السفينة. أما الشحنات الروسية، فأصبح تأمين السفن الناقلة لها واستئجارها يكلف ما يصل إلى 10 آلاف دولار إضافية يوميًا مقارنة بسفن مماثلة تنطلق من موانئ بلغارية أو رومانية قريبة.

 

وتفضي هذه التحولات مجتمعة إلى سوق عالمية للحبوب أعلى تكلفة وأكثر تجزؤًا. فالمصدرون البديلون يستطيعون تعويض جانب من الكميات التي تتراجع إمداداتها من منطقة البحر الأسود، والاستفادة في الوقت نفسه من ارتفاع الطلب والإيرادات، لكنهم لا يستطيعون توفير بديل مماثل من حيث التكلفة. فإعادة توجيه الإمدادات عبر مسافات أطول تضيف إلى سعر الحبوب تكاليف الشحن والتأمين ومخاطر التسليم، لتصل في النهاية إلى الأسواق المستوردة بكلفة أعلى. وهكذا، قد يخفف تنويع مصادر الإمداد من مخاطر الاعتماد على منطقة معرضة للاضطراب، لكنه يفعل ذلك بثمن اقتصادي واضح: مزيد من الضغوط التضخمية التي يتحملها المستوردون وتنتقل تدريجيًا عبر سلسلة الغذاء إلى المستهلكين.

 

وتصبح هذه المعادلة أكثر خطورة بالنسبة إلى الدول المعتمدة على الاستيراد، ولا سيما تلك التي تواجه بالفعل ضعفًا في المحاصيل وارتفاعًا في تكاليف الطاقة. فظهور موردين جدد قد يحول دون تفاقم نقص الإمدادات، لكنه لا يلغي صدمة الأسعار المصاحبة للتحول إلى مصادر بديلة أعلى تكلفة. وهنا تكمن المعضلة الأعمق التي تكشفها أزمة الغذاء الناشئة: لم يعد السؤال مقتصرًا على ما إذا كانت هناك حبوب كافية في الأسواق، بل أصبح يتعلق على نحو متزايد بمن يستطيع تحمل كلفة الحصول عليها.

المراجع

Economist. “The Renewed Threat to Global Grain Supplies.” August 24, 2026. https://www.economist.com/europe/2026/08/24/the-renewed-threat-to-global-grain-supplies.

 

Euronews. “War and Heatwaves Threaten to Push Bread and Pasta Prices Higher.” August 19, 2026. https://www.euronews.com/business/2026/08/19/war-and-heatwaves-threaten-to-push-bread-and-pasta-prices-higher.

 

Food Ingredients First. “RaboResearch Predicts Food Price Surge in Europe through 2027 amid Middle East Conflict.” 2026. https://www.foodingredientsfirst.com/news/energy-food-inflation-europe-rabobank.html.

 

Forbes. “Why Climateflation Will Drive Food Prices More Than War.” August 1, 2026. https://www.forbes.com/sites/we-dont-have-time/2026/08/01/why-climateflation-will-drive-food-prices-more-than-war/.

 

Guardian. “European Farmers in ‘Unprecedented’ Crisis as Successive Heatwaves Hit.” August 17, 2026. https://www.theguardian.com/environment/2026/aug/17/european-farmers-unprecedented-crisis-successive-heatwaves.

 

Milling Middle East & Africa. “Argentina Cuts Wheat, Barley Export Taxes as Global Corn Trade Faces Pressure.” 2026. https://millingmea.com/argentina-cuts-wheat-barley-export-taxes-as-global-corn-trade-faces-pressure/.

 

National Herald India. “Global Food Prices Face Fresh Risks from Ukraine War, European Drought.” 2026. https://www.nationalheraldindia.com/international/global-food-prices-face-fresh-risks-from-ukraine-war-european-drought.

 

Türkiye Today. “Europe Faces Higher Food Prices as Drought Persists.” 2026. https://www.turkiyetoday.com/region/europe-faces-higher-food-prices-as-drought-persists-3226530.

 

UkrAgroConsult. “European Commission Cuts EU Grain and Oilseed Production Forecasts.” 2026. https://ukragroconsult.com/en/news/european-commission-cuts-eu-grain-and-oilseed-production-forecasts/.

تعليقات

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *