تشير التطورات الراهنة إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تجاوزت حدود المواجهة المباشرة المحدودة، لتدخل طورًا تصاعديًا مفتوحًا تتزايد معه احتمالات الامتداد الإقليمي واتساع نطاق التداعيات الاستراتيجية المرتبطة بها. ومع استمرار هذا المسار، لم يعد الصراع يُقاس فقط بحدوده العسكرية المباشرة، بل بما يتيحه أيضًا من فرص لإعادة تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط، وإعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين الدوليين والإقليميين. وفي هذا السياق، برزت خلال العقد الماضي مساعٍ روسية حثيثة لاستقطاب حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عبر مقاربة ترتكز على أولوية استقرار الأنظمة بوصفه مدخلًا لإعادة التموضع الاستراتيجي. وفي المقابل، اعتمدت الصين مسارًا مختلفًا يقوم على التمدد الهادئ عبر أدوات القوة الناعمة، من خلال تعميق الشراكات الاقتصادية وتوسيع الحضور الدبلوماسي. ومن ثم، فإن إطالة أمد الحرب أو انزلاقها إلى نطاقات أوسع قد تفتح المجال أمام انخراط أكبر لهاتين القوتين، ليس فقط لملء الفراغات التي قد تنتج عن الاستنزاف الأمريكي، بل أيضًا لتقويض النفوذ الأمريكي عالميًا وإعادة اختبار موازين القوة في واحدة من أكثر الساحات الجيوسياسية حساسية. وانطلاقًا من ذلك، تطرح هذه الدراسة فرضية مفادها أن إيران قد تتحول إلى ساحة رئيسة لتنافس القوى الكبرى، وذلك من خلال تتبع مسارين متداخلين: أولهما مظاهر التمدد الاستراتيجي الأمريكي المفرط، وثانيهما الصدمات الاقتصادية المحتملة الناجمة عن اضطراب أسواق الطاقة واتساع تداعيات الأزمة.
أربك اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الجهود الممتدة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، في وقت كانت فيه مسارات التهدئة والتفاوض بين موسكو وكييف تواجه أصلًا تعقيدات عميقة وفرصًا محدودة للتقدّم. فقد أسهمت الضربات التي استهدفت إيران، وما تبعها من ارتدادات إقليمية واسعة في الشرق الأوسط، في زيادة الضغوط على بيئة دولية مثقلة بالأزمات، بما انعكس سلبًا على مسار التسوية في أوروبا الشرقية. وفي هذا الإطار، تثير هذه الحرب تساؤلات جوهرية بشأن حجم تأثيرها في التوازنات الجيوسياسية الأوسع، ولا سيما في ظل احتمال أن تؤدي إلى تحويل الاهتمام الدولي بعيدًا عن الحرب الروسية الأوكرانية، وإعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى، بما قد ينعكس بصورة مباشرة على مسار الصراع بين موسكو وكييف واتجاهاته المقبلة.
تخوض إيران مواجهتها العسكرية الراهنة فوق أرضية اقتصادية تُعد من بين الأكثر هشاشة واختلالًا في الشرق الأوسط. فمنذ أكثر من عقد، فرضت العقوبات الدولية الواسعة طوقًا خانقًا على قدرة البلاد على النفاذ إلى الأسواق المالية العالمية، وقيّدت صادراتها من الطاقة، وقلّصت تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى اقتصادها. ومع تراكم هذه الضغوط، لم ينهَر الاقتصاد الإيراني بالكامل، بل أعاد تشكيل نفسه تدريجيًا ضمن نمط بقاء قسري يمكن فهمه بوصفه "اقتصاد التكيّف مع العقوبات"؛ وهو نمط يقوم على امتصاص الصدمات لا تجاوزها، ويستند إلى شبكات تجارة غير رسمية، وصادرات طاقة موازية، وقنوات مالية بديلة، مكّنته من الاستمرار تحت ضغط خارجي مزمن، من دون أن ينجح في تحقيق تعافٍ اقتصادي فعلي.
لكنّ الحرب، بخلاف العقوبات التي تُراكم القيود الاقتصادية تدريجيًا، تُدخل الاقتصاد في طور مختلف جذريًا من الصدمة؛ طور لا يقتصر على الضغط المالي أو الاختناق التجاري، بل يمتد إلى تعطيل شبكات الإمداد واللوجستيات، وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية الوطنية، وفرض إعادة توجيه الموارد العامة نحو الإنفاق الدفاعي تحت وطأة التصعيد العسكري. وفي حالة اقتصاد هشّ أصلًا ويعمل عند الحواف القصوى للاستقرار الكلي، لا تُقاس آثار هذه الصدمات بحجمها المباشر فحسب، بل بما تولّده من اختلالات متراكمة وتداعيات تتجاوز أثرها الأولي بكثير. ومن هذه الزاوية، يطرح الصراع الراهن سؤالًا اقتصاديًا حاسمًا: هل يستطيع الاقتصاد الإيراني، الذي طوّر على مدى سنوات آليات بقاء تحت ضغط العقوبات، أن يصمد أيضًا أمام منطق الحرب؟ أم أن التصعيد العسكري سيكشف هشاشة أعمق ظلّت كامنة داخل اقتصاد أبقاه نظام العقوبات حيًا، ولكن في حالة إنهاك مزمن؟
يمر المشهد السياسي والاقتصادي العالمي بتحولات هيكلية إثر اندلاع العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران أواخر شهر فبراير من عام ٢٠٢٦. ورداً على هذا التصعيد، اتخذت القيادة الإيرانية قراراً استراتيجياً بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية وناقلات النفط، معتمدة على قدراتها غير المتكافئة من الألغام البحرية، والصواريخ المتقدمة، والطائرات المسيرة لتحويل المضيق إلى منطقة عمليات عسكرية.
ويُعد مضيق هرمز ممراً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، إذ يعبر من خلاله نحو ٢٠ مليون برميل نفط يومياً، ما يمثل ٢٠٪ من الاستهلاك العالمي، إلى جانب شحنات الغاز الطبيعي المسال. إذ أسفر الإغلاق عن تداعيات اقتصادية فورية تمثلت في توقف حركة الملاحة، وامتناع شركات التأمين عن تقديم تغطيتها للسفن، فضلاً عن تسجيل ارتفاع حاد في أسعار النفط لتتجاوز ١٢٠ دولاراً للبرميل. وفي مسعى لاحتواء الأزمة، طرحت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، مبادرة دبلوماسية تقضي بإنشاء ممر بحري آمن في مضيق هرمز تحت إشراف الأمم المتحدة، لضمان تدفق إمدادات الطاقة بسلام.
وتستند مبادرة كالاس إلى محاكاة "مبادرة البحر الأسود" التي أتاحت تصدير الحبوب الأوكرانية بضمانات دولية، وتأتي التحركات الأوروبية مدفوعة بمخاوف من أن انقطاع إمدادات الغاز سيقوض الإنتاج العالمي للغذاء لارتباطه المباشر بصناعة الأسمدة الزراعية، وتهدف المبادرة إلى تحييد سفن الطاقة عن دائرة الاستهداف العسكري لتأمين الاستقرار الاقتصادي العالمي. وفي ضوء هذه المعطيات، وهو ما يطرح تساؤل حول مدي جدوى هذه المبادرة في حلحلة الأزمة الراهنة؟ وما هي الخيارات المتاحة في حال فشل تنفيذ مقترح البحر الأسود؟
يحظى مضيق هرمز باهتمام عالمي واسع بوصفه أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة في العالم، إذ يعبره يوميًا ما يقارب عشرين مليون برميل من النفط الخام. غير أن هذا التركيز الدولي المكثف على أمن تدفقات النفط غالبًا ما يحجب تطورات أخرى لا تقل أهمية، بل قد تكون أكثر عمقًا وتأثيرًا داخل إيران نفسها. فبحلول مارس 2026، أفضت الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ما يمكن وصفه بتشكّل اختناق حاد في منظومة الإمدادات الغذائية الإيرانية، وهو تأثير يتجاوز في طبيعته المجال العسكري، ولا يمكن تعويضه أو موازنته عبر أي مستوى من القدرات القتالية التقليدية. وفي هذا السياق، تشير تقديرات الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى أن مكمن الضعف البنيوي الأبرز للدولة في القرن الحادي والعشرين لا يكمن في قدراتها العسكرية، بل في البنية اللوجستية التي تقوم عليها وارداتها الغذائية، وعلى رأسها مرافق تخزين الحبوب العميقة المرتبطة بشبكة الإمدادات البحرية. وتمثل هذه المرافق إحدى الركائز الأساسية التي يعتمد عليها الأمن الغذائي الإيراني، ما يجعلها نقطة حساسة في معادلة الاستقرار الداخلي في أوقات الأزمات والصراعات.
تنطوي منظومة الإمدادات الغذائية في إيران على هشاشة لوجستية بنيوية، إذ تقوم في جوهرها على افتراض أن موانئ الجنوب ستظل متاحة وتعمل بصورة طبيعية ودون انقطاع. غير أن انسحاب شركات التأمين من تغطية مخاطر الحرب وتوقف حركة الشحن عبر ميناء بندر عباس يقوّضان هذا الافتراض الذي تقوم عليه منظومة الإمداد بأكملها. وعليه، فإن توصيف الوضع الراهن بوصفه مجرد اضطراب في حركة التجارة لا يعكس طبيعته الفعلية؛ إذ إن ما يجري في جوهره يمثل بداية عدٍّ تنازلي بيولوجي يرتبط بقدرة المجتمع على الحفاظ على الحد الأدنى من الإمدادات الغذائية.
ومع تراجع المخزونات التشغيلية من الأعلاف إلى مستوى لا يتجاوز أربعة عشر يومًا، يتحول النقص الناتج في الإمدادات البروتينية إلى مصدر ضغط خطير على الاستقرار الداخلي. فمثل هذا النقص لا يقتصر أثره على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشكل عامل توتر اجتماعي وسياسي محتمل، وهو تأثير يُرجَّح أن يفوق في حدته التداعيات التي قد تُحدثها الضربات العسكرية التقليدية.
لا تقتصر تداعيات الحملة العسكرية المشتركة التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران على إضعاف طهران أو استهداف قدراتها الاستراتيجية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل البنية الجيوسياسية للشرق الأوسط بأسره. فقد أسفرت الضربات عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، واستهدفت البنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية، كما أطلقت موجة من الردود الإيرانية الانتقامية امتدت عبر الإقليم. غير أن الأثر الأعمق لهذه الحرب قد لا يكمن في ما ألحقته بإيران وحدها، بل في ما بدأت تفتحه من مسار جديد لإعادة ترتيب خرائط التنافس الإقليمي. فمع اهتزاز موقع إيران بوصفها القطب الإقليمي الأبرز في معارضة إسرائيل، بدأت ملامح خصومة جديدة تتبلور بين إسرائيل وتركيا، وهي خصومة تختلف في رهاناتها، ومخاطرها، ومنطق تطورها، عن المواجهة التي سعت هذه الحرب أصلًا إلى حسمها. ومن ثم، فإن فهم خط الصدع الناشئ هذا يقتضي التوقف عند كلٍّ من العوامل البنيوية التي تدفع الطرفين نحو مزيد من التباعد، والديناميات السياسية الداخلية التي قد تنقل هذا التنافس من مستوى التوتر الاستراتيجي إلى مواجهة أكثر حدة وأصعب احتواءً.
لا يُعد مفهوم "أمريكا أولًا" طارئًا على بنية التفكير في السياسة الخارجية الأمريكية، بل يمتد بجذوره إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، حين برز من خلال تأسيس لجنة "أمريكا أولًا" بقيادة روبرت دوجلاس ستيوارت الابن والجنرال روبرت إي. وود. وقد ارتكز هذا التوجه آنذاك على الدعوة إلى الحياد، وتعزيز القوة الوطنية عبر توظيف أدوات المجتمع والقدرات العسكرية والاقتصاد، بما يحدّ من الانخراط المباشر في الصراعات الخارجية. ضمن هذا الإطار، استعاد دونالد ترامب هذا المفهوم وأعاد صياغته في سياق معاصر، جاعلًا منه مرتكزًا لرؤيته في إدارة السياسة الخارجية، التي تقوم على تقليص الالتزامات الدولية وترجيح كفة المصالح الداخلية. غير أن تطبيق هذه المقاربة خلال فترتي رئاسته غير المتتاليتين لم يفضِ إلى نتائج متسقة، بل كشف عن تباينات واضحة تعكس حدود هذا النهج عندما يُختبر في بيئة دولية معقدة ومتشابكة، حيث تفرض التفاعلات الاستراتيجية قيودًا يصعب تجاوزها عبر منطق الانكفاء وحده.
اتسم تطبيق الرئيس دونالد ترامب لمبدأ "أمريكا أولًا" بقدر واضح من عدم الاتساق منذ عودته إلى البيت الأبيض في عام 2025، بما يكشف عن فجوة متنامية بين الشعار بوصفه إطارًا سياسيًا، وبين مخرجاته العملية على مستوى السلوك الخارجي. ففي هذا السياق، شهد العام الماضي سلسلة من الخطوات التي بدت بعيدة عن جوهر هذا التوجه، من بينها تقديم دعم مباشر لإسرائيل خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا مع إيران، واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، فضلًا عن التلويح بإمكانية الدفع نحو تغيير النظام في إيران في ظل تصاعد الاحتجاجات الداخلية. ولم يبقِ هذا المنحى في حدود التهديد السياسي أو الخطاب التصعيدي، بل انتقل إلى مستوى الفعل المباشر مع تنفيذ الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا جويًا على إيران، أسفر عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين. وفي ظل استمرار الصراع، وبروز تغيير النظام كأحد الأهداف المحتملة لهذا التصعيد، يكتسب التساؤل بشأن مدى التزام ترامب الفعلي بمبدأ "أمريكا أولًا" أهمية متزايدة، إذ يوحي مسار الأحداث بأن هذا النزاع لا يمثل مجرد استثناء ظرفي، بل قد يعكس تحولًا أعمق في فهمه وتطبيقه لهذا المبدأ. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تفكيك هذا التحول من خلال ثلاثة محاور رئيسية: أولًا، إعادة تعريف مفهوم "أمريكا أولًا" في السياق الترامبي الجديد؛ ثانيًا، دور العامل الإسرائيلي في إعادة تشكيل أولويات السياسة الخارجية الأمريكية؛ وثالثًا، حدود ومستوى الدعم الداخلي للانخراط في مواجهة مع إيران خلال عام انتخابي بالغ الحساسية.
دخلت الولايات المتحدة، في السابع من مارس 2026، أسبوعها الثاني من حملتها العسكرية المشتركة ضد إيران، بعد إطلاق عملية "الغضب الملحمي" بالتنسيق مع إسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير. وخلال أيام معدودة، انزلق الصراع إلى مواجهة إقليمية واسعة النطاق، تمثلت أبرز معالمها في مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وما تبع ذلك من ضربات إيرانية انتقامية طالت مناطق مختلفة من الخليج، إلى جانب اتساع دائرة الانخراط الإقليمي في مسار التصعيد، من البحرين إلى لبنان. وجاءت هذه الحرب بالنسبة إلى الحزب الجمهوري في توقيت بالغ الحساسية، وفي لحظة كانت تتسم أصلًا بدرجة مرتفعة من الهشاشة السياسية. فقبل اندلاع الصراع، كانت البيئة الانتخابية تميل بالفعل بوضوح ضد الحزب، تحت ضغط مجموعة من العوامل الهيكلية الملازمة عادةً لانتخابات التجديد النصفي، وفي مقدمتها التراجع التقليدي في شعبية الرئيس القائم، وانخفاض مستويات التأييد العام، وتصاعد التململ داخل الائتلاف الانتخابي الداعم له. وقد وضعت هذه المعطيات الجمهوريين في موقع دفاعي متزايد، حتى قبل أن تضيف الحرب أعباءها السياسية والأمنية والاقتصادية إلى المشهد. وفي هذا السياق، جاء اندلاع حرب كبرى تفتقر إلى قبول شعبي واسع ليضاعف من حدة هذه الهشاشة ويعمّق آثارها. وعلى هذا الأساس، لم يعد السؤال الذي يواجه الحزب الجمهوري مع اقتراب انتخابات نوفمبر يتمحور حول ما إذا كان سيفقد مقاعد في الكونجرس، بل حول حجم الخسائر التي قد يتكبدها في ظل بيئة انتخابية تتزايد فيها الضغوط السياسية وتتداخل فيها الاعتبارات الاستراتيجية بصورة أكثر تعقيدًا.
شنت الولايات المُتحدة وإسرائيل في أواخر فبراير من عام 2026 عملية الغضب الملحمي، والتي استهدفت تدمير البنية التحتية النووية والصاروخية لإيران والإطاحة بقيادتها السياسية. ورغم تحقيق العملية لأهدافها التكتيكية الأولية بدقة عالية، إلا أنها أسفرت عن رد فعل انتقامي غير متكافئ من قبل القوات الإيرانية المتبقية، تمثل في فرض حصار كامل على مضيق هرمز، الشريان البحري الأهم عالمياً لنقل الطاقة، بما أدى لصدمة اقتصادية عالمية عنيفة، قد تدفع العالم في اتجاه تقليل الاعتماد على الطاقة الأحفورية وتبني حلول محلية أخرى للطاقة تأتي على رأسها الطاقة النووية.
وتزامناً مع ذلك، يتصاعد الطلب العالمي بشكل مستمر وحاد على الكهرباء لتشغيل منشآت تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بما يضع هذا الانقطاع المفاجئ لإمدادات الوقود مسؤولي الحكومات في الدول الصناعية الكبرى أمام تحديات أمنية واقتصادية مباشرة، بَل ويكشف بوضوح عن الأضرار الفادحة الناتجة عن غلق المضيق، لذلك يدرس هذا التحليل الآثار الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز على سلاسل التوريد العالمية، ثم يعقد مقارنة تاريخية مع صدمات أسعار النفط في سبعينيات القرن العشرين، لـيبين كيف وجهت تلك الأزمات الدول نحو استخدام التكنولوجيا النووية، لينتهي إلى الإجراءات التنظيمية والمالية المستحدثة، فضلاً عن التحالفات الجيوسياسية الجديدة التي تقود التوجه المتسارع نحو بناء المفاعلات النووية خلال عام 2026.
في 28 فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية واسعة ضد إيران، استهدفت أكثر من 900 موقع خلال الساعات الاثنتي عشرة الأولى، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. ولا يزال الصراع مستمرًا، مع تواصل الضربات في مختلف أنحاء البلاد، وتزايد مؤشرات اختلال الاستقرار الإقليمي بوتيرة متسارعة. غير أن هذا التصعيد لا يقتصر على الأدوات القتالية التقليدية، بل يكشف، في موازاته، عن تحول نوعي في أنماط إدارة العمليات العسكرية، يتمثل في الدور المتنامي للخوارزميات والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في توجيه مسار الحرب وإعادة تشكيل معادلاتها العملياتية.
لقد تحوّل الذكاء الاصطناعي، وهو التكنولوجيا ذاتها التي يستخدمها ملايين الأفراد يوميًا في صياغة الرسائل الإلكترونية أو تلخيص الوثائق، إلى أداة محورية ضمن بنية القوة العسكرية الفتاكة. إذ جرى دمج نموذج "Claude" الذي تطوره شركة "Anthropic" في منظومة الاستهداف والتحليل الاستخباراتي التابعة للبنتاغون، حيث يعالج صور الأقمار الصناعية والاتصالات المعترضة والبيانات العملياتية، بما يدعم قرارات القادة العسكريين بشأن تحديد الأهداف ومواقعها وتوقيت تنفيذ الضربات.
ما كان يتطلب في السابق أيامًا من التحليل البشري بات يُنجز خلال ساعات أو حتى دقائق، بما يفرض وتيرة عملياتية لم يكن بوسع أي جيل سابق من المخططين العسكريين مجاراتها. ورغم حضور الذكاء الاصطناعي في ساحات القتال سابقًا، من خلال أنظمة توجيه الطائرات المسيّرة وتحليل صور الأقمار الصناعية، فإن الصراع مع إيران يمثل حتى الآن أوسع توظيف وأكثره تأثيرًا لهذه التكنولوجيا، في حين لا تزال التداعيات الكاملة لهذا المستوى من الانتشار قيد التشكّل.
في الثاني من مارس 2026، أبقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الباب مواربًا أمام احتمال الدفع بقوات برية إلى داخل إيران إذا ما فرضت تطورات الميدان ذلك. غير أنّ هذا الطرح يتجاهل ما ينطوي عليه هذا الخيار من كلفة استراتيجية باهظة، في ضوء الامتداد الجغرافي الشاسع لإيران وتعقيد بنيتها العسكرية وتشابك منظوماتها الدفاعية. وتشير الحسابات الاستراتيجية إلى أن أي تدخل بري أميركي لن يكون مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل مغامرة عالية المخاطر قد تفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة، بما قد يعرّض القوات الأميركية لخسائر جسيمة من دون ضمان تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية التي قد تُرسم لها في واشنطن.
في المقابل، اتسم موقف ترامب، في مجمله، بنزعة واضحة نحو تجنب الانخراط في حروب برية واسعة النطاق. فعلى الرغم من إجازته تنفيذ عمليات عسكرية خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك ضربات جوية استهدفت إيران ودولًا أخرى، ظل نهجه يميل إلى استخدام القوة بصورة محدودة ومحسوبة، مع الاعتماد أساسًا على التفوق الجوي والعمليات الخاصة بدلًا من الدفع بعشرات الآلاف من الجنود إلى ساحات قتال مفتوحة قد تفرض عليه كلفة سياسية وعسكرية يصعب احتواؤها. ويرتبط هذا التوجه برؤية أوسع لدى ترامب لطبيعة الصراعات المسلحة؛ إذ ينظر إلى النزاعات الممتدة والمشحونة بالفوضى بوصفها ساحات يكتنفها قدر كبير من عدم اليقين، وغالبًا ما تنتهي بنتائج يصعب التنبؤ بها أو التحكم في مساراتها. فالعمليات البرية الواسعة لا تفتح فقط الباب أمام اضطرابات طويلة الأمد، بل تجعل أيضًا تقدير تداعياتها الاستراتيجية أمرًا بالغ التعقيد. ولهذا لم يُظهر ترامب، خلال ولايته الأولى ولا في بدايات ولايته الثانية، ميلًا واضحًا إلى الزج بأعداد كبيرة من القوات البرية الأميركية في الخارج.
إضافةً إلى ذلك، يدرك كلٌّ من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن فرض تغيير جذري للنظام في طهران يمثل واحدة من أعقد المعضلات الاستراتيجية الممكن تصورها. فالبنية السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية تتسم بتماسك مؤسسي واضح، ولا تقوم على حكم شخصاني فحسب، بل ترتكز إلى منظومة عقائدية ودينية متجذرة حافظت على استمراريتها منذ قيام النظام عام 1979. وعلى هذا الأساس، تنطلق المقاربة الحالية من مزيج من الضغط العسكري المتدرج وأدوات أخرى تستهدف إنهاك النظام وإضعافه بمرور الوقت، من دون ضمان بأن يقود هذا المسار في نهاية المطاف إلى انهياره أو تقويض ركائزه الأساسية.
تمثّل الضربات العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير 2026 واحدة من أكثر لحظات التصعيد خطورة في معادلات الأمن الإقليمي في الخليج خلال أكثر من عقد. فهذه العملية أعادت رسم ملامح المخاطر المحيطة بأسواق الطاقة العالمية، فاتحةً المجال أمام تداعيات فورية ومتوسطة وطويلة الأجل قد تطال استقرار الإمدادات النفطية والتوازنات في سوق الطاقة الدولي. وقد استهدفت الضربات قيادات عليا ومنشآت عسكرية ذات أهمية استراتيجية داخل إيران، الأمر الذي دفع طهران إلى الرد عبر نطاق جغرافي يمتد عبر منطقة الخليج. وفي هذا السياق، تصاعدت بصورة حادة المخاوف من احتمال تعرّض تدفقات الطاقة المنقولة بحراً لاضطرابات واسعة، ولا سيما في مضيق هرمز.
وعلى الرغم من أن الانقطاعات الفعلية في الإمدادات المادية ما تزال محدودة حتى لحظة إعداد هذا التحليل، فإن الأسواق سارعت إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية. فقد قفزت المؤشرات القياسية للنفط الخام مع استئناف التداول، وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين بصورة ملحوظة، بالتوازي مع تصاعد مستويات التقلب في أسواق السلع والعملات. غير أن السؤال الاقتصادي الجوهري لا يتمثل في ما إذا كانت الأسعار ستتفاعل مع هذه التطورات، إذ إن هذا التفاعل قد حدث بالفعل، بل في ما إذا كان الصراع سيتحوّل من صدمة ناتجة عن علاوة المخاطر إلى اضطراب فعلي ومستدام في الإمدادات.
يبقى مضيق هرمز القناة المحورية لانتقال تدفقات الطاقة العالمية. إذ يمر عبر هذا الممر البحري ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية وأكثر من ثلث شحنات الغاز الطبيعي المسال المنقولة بحرًا. وحتى أي تعطيل مؤقت في هذا الممر ينطوي على تداعيات اقتصادية كلية واسعة النطاق. ومن ثم فإن تقييم انعكاسات هذه الأزمة يقتضي تحليل ردود الفعل الفورية للأسواق، والسيناريوهات المحتملة لتعطل الإمدادات، واستجابات العرض على المدى المتوسط، فضلًا عن الآثار الهيكلية بعيدة المدى على أمن الطاقة العالمي والاستقرار الاقتصادي الكلي.