شراكة تحت الإكراه وخيارات مفروضة: قراءة في خيارات أوروبا الدفاعية
البرامج البحثية

شراكة تحت الإكراه وخيارات مفروضة: قراءة في خيارات أوروبا الدفاعية

أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن ألمانيا "في أمسّ الحاجة إلى شراكات جديدة أكثر من أي وقت مضى"، وذلك مع استهلاله جولة شملت المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، أعلن خلالها أن برلين ستخفف القيود التي طالما فرضتها على صادرات الأسلحة إلى دول الخليج. وحتى سنوات قليلة مضت، كان من الصعب تصور صدور مثل هذا التصريح عن مستشار ألماني. غير أن هذا المشهد لا يمثل تحولًا معزولًا، بل يعكس مسارًا أوسع أخذ يتبلور في مختلف أنحاء القارة؛ فالدبابات الكورية الجنوبية تصل إلى الموانئ البولندية، والطائرات المسيّرة التركية تُستقدم لحماية أجواء دول البلطيق، وطائرات النقل البرازيلية تنضم إلى الأساطيل الأوروبية، فيما تتسابق العواصم الأوروبية، من لندن إلى برلين، لاستقطاب استثمارات صناديق الثروة السيادية الخليجية.   وبعد عقود من الاعتماد على مظلة أمنية واحدة، تبدو أوروبا اليوم في خضم إعادة تشكيل شبكة شراكاتها الدفاعية، في توجه يصفه المسؤولون بأنه استراتيجية لتنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على طرف واحد. ويكتسب هذا التحول دلالة رمزية خاصة هذا الأسبوع مع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، عاصمة الدولة الشريكة التي لم تحسم أوروبا، يومًا، طبيعة العلاقة التي تريد نسجها معها. غير أن كل استراتيجية تفترض وجود بدائل، والبدائل تفترض وجود من يملك قرار الاختيار. ومن هنا يبرز السؤال المحوري الذي تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عنه: هل تختار أوروبا بالفعل شركاءها الدفاعيين الجدد، أم أن فجواتها المتنامية في القدرات العسكرية هي التي باتت تفرض عليها خياراتها؟
ورقة الظل عدد 1: لماذا بات مضيق هرمز الورقة التفاوضية الأثقل وزنًا؟
الإصدارات
1 يوليو 2026

ورقة الظل عدد 1: لماذا بات مضيق هرمز الورقة التفاوضية الأثقل وزنًا؟

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري عليه خلاف، ولا مجرد نقطة صراع متكررة بين إيران والولايات المتحدة، بل تحول إلى ساحة أساسية لاختبار معنى السيادة في المنطقة. فبينما تصر واشنطن على اعتبار المضيق ممراً دولياً تحكمه قواعد حرية الملاحة، يتعامل الحرس الثوري الإيراني معه كمنطقة سيادية تخضع لإدارته المباشرة، وتخضع لقواعد عسكرية يفرضها هو على أرض الواقع. ومن هنا، فإن أساس الأزمة لم يعد يتركز على سؤال: "هل المضيق مفتوح أم مغلق؟"، بل أصبح السؤال الأهم: ما هو مستقبل المضيق في ظل المفاوضات الجارية؟   وتكشف التطورات الأخيرة، خاصة بعد تلويح الحرس الثوري الإيراني بإغلاق المضيق رداً على ما سماه انتهاك ببنود مذكرة التفاهم وخاصة فيما يتعلق بالحالة اللبنانية بعد أيام من توقيع مذكرة التفاهم، أن المشكلة لم تُحل، بل زاد تعقيدها. فقد تعاملت المذكرة مع المضيق كمسألة فنية يمكن إدارتها عبر ترتيبات للفتح والعبور لمنع الاحتكاك، بينما تعامل الحرس الثوري معه كرمز للسيادة والقوة وحق وضع القواعد. هذا الاختلاف جعل التفاهم نفسه عاجزاً عن إنهاء النزاع الحقيقي؛ لأن الخلاف بين الطرفين ليس على تفاصيل الإجراءات، بل على من يملك السلطة لاتخاذ هذه الإجراءات من الأساس.   وعلى الرغم من اتفاق الولايات المتحدة وإيران على إعادة فتح مضيق هرمز فوراً عقب توقيع الاتفاق المبدئي، فإن ذلك لا يعني بالضرورة عودة حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية قبل الحرب. فتنفيذ هذا البند يواجه تحديات معقدة تتعلق بآلية إعادة تشغيل الممر الملاحي، والترتيبات اللازمة لاستئناف حركة السفن، والقيود التي قد تستمر خلال فترة الستين يوماً المخصصة للتفاوض على الاتفاق النهائي، فضلاً عن الخلاف حول الجهة التي ستتولى تنظيم وإدارة حركة المرور البحري داخل المضيق. وتكشف هذه التحديات أن إعادة فتح المضيق قد تتحول إلى إحدى أكثر نقاط الاتفاق تعقيداً، في ظل استمرار التباين بين الرؤية الأمريكية والإيرانية بشأن مستقبل السيطرة على هذا الممر الاستراتيجي.   لذلك، لا تبدو أزمة هرمز مجرد أزمة حدود أو عبور سفن، بل هي أزمة سلطة: سلطة من يضع القواعد، ومن يفرض الاستثناءات، ومن يملك الكلمة الأخيرة ليقرر ما إذا كان هذا الممر مفتوحاً، أو مغلقاً، أو مشروطاً. ولهذا السبب، لا يجب النظر إلى قضية المضيق اليوم كملف جانبي في الصراع الأمريكي-الإيراني، بل يجب اعتبارها من أهم القضايا التي تشكل وتغير مفهوم السيادة، سواء داخل إيران نفسها، أو في شكل العلاقة بين القوى الإقليمية والدولية.
صعود أنقرة الدفاعي: مسار جديد داخل حلف الناتو؟
البرامج البحثية

صعود أنقرة الدفاعي: مسار جديد داخل حلف الناتو؟

تجاوز صعود تركيا، بوصفها قوة صناعية دفاعية، مجرد كونه تفصيلاً ثانوياً في سياسات حلف الناتو؛ ليغدو تحولاً هيكلياً عميقاً يلقي بظلاله على طرق تجهيز الحلف، وتوجهات القوى الإقليمية نحو تنويع مصادر تسليحها، فضلاً عن كيفية ممارسة النفوذ الاستراتيجي بين أوروبا، والولايات المتحدة، والشرق الأوسط. وفي حين يتركز النقاش العام حول الناتو على مسألتي تقاسم الأعباء والتهديدات الخارجية، يتكشف بهدوء تحول استراتيجي موازٍ؛ إذ تؤسس تركيا ممراً صناعياً يربط بين احتياجات الحلف، وأسواق التصدير الإقليمية، وطموحاتها التكنولوجية الوطنية.   وتكتسب هذه التحولات أهمية مضاعفة مع الاستعدادات الجارية لاستضافة أنقرة القمة السادسة والثلاثون في السابع والثامن من يوليو لعام ٢٠٢٦. ولا تقتصر أهمية هذه القمة المرتقبة على الجمع السياسي للقادة، بل تبرز الدور المتنامي لقطاع الدفاع التركي الذي شهد توسعاً ملحوظاً وتطوراً نوعياً في الآونة الأخيرة، فقد نجحت أنقرة في توظيف هذا التطور لتوسيع قاعدة عملائها الاستراتيجيين؛ لتشمل أسواقاً حيوية في أوروبا، والخليج العربي، وأفريقيا، وآسيا.   ولا يسفر هذا المسار المتسارع عن إيجاد بديل لحلف الناتو، كما لا يشكل تكتلاً مناهضاً للغرب من الداخل، بل يفرز واقعاً استراتيجياً أكثر تعقيداً وأهمية يتمثل في تقديم مصدر بديل وموثوق للقدرات العسكرية داخل منظومة الحلف ذاتها، تلجأ إليه الدول بشكل متزايد كلما واجهت تباطؤاً، أو قيوداً سياسية، أو عوائق إجرائية من قِبَل واشنطن أو بروكسل. وبذلك، لا تسعى أنقرة إلى بناء تحالف منافس، بل تشق مساراً صناعياً وتسليحياً مرناً ضمن التحالف القائم.
مونديال ٢٠٢٦: كيف حوّلت الولايات المتحدة الحدود وحرية التنقل إلى أدوات للنفوذ
البرامج البحثية

مونديال ٢٠٢٦: كيف حوّلت الولايات المتحدة الحدود وحرية التنقل إلى أدوات للنفوذ

لطالما شكّلت بطولة كأس العالم فضاءً عالميًا يتجاوز حدود الرياضة، إذ تجمع جماهير من مختلف أنحاء العالم حول مباريات مشوقة، وتخلق روابط إنسانية عابرة للثقافات والهويات. غير أن النسخة الحالية من البطولة، التي تستضيف الولايات المتحدة القسم الأكبر من مبارياتها، باتت محط موجة واسعة من الانتقادات، امتدت من إشكاليات فوارق التوقيت إلى قضايا أكثر حساسية وإثارة للجدل، من بينها ارتفاع أسعار التذاكر، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فضلًا عن تشديد سياسات الهجرة.   وقد تجسدت هذه السياسات في توظيف وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) لمراقبة الملاعب ورصد المهاجرين غير النظاميين، إلى جانب إلغاء التأشيرات وترحيل مهاجرين مقيمين بصورة قانونية قبل أيام قليلة من انطلاق البطولة. ولم تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على إثارة انتقادات واسعة بين الجماهير فحسب، بل دفعت أيضًا إلى تصاعد التساؤلات بشأن مدى أهلية الولايات المتحدة لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.   ومن ثم، تكشف هذه النسخة من كأس العالم بوضوح كيف يمكن للدول توظيف الحدود وحرية التنقل كأدوات لحماية مصالحها وإبراز قوتها. ففي هذه الحالة، لا تبدو الولايات المتحدة، بصفتها الدولة المضيفة، مجرد ساحة محايدة لـ"اللعبة العالمية" التي تروّج لها الفيفا، بل تظهر بوصفها فاعلًا سياسيًا نشطًا يستخدم التأشيرات، والإجراءات الأمنية، والضوابط الحدودية للتحكم في من يُسمح له بالتنقل، ومتى، وتحت أي شروط.
الضغط مقابل الحرب: إلى أين تتجه استراتيجية ترامب تجاه كوبا؟
البرامج البحثية

الضغط مقابل الحرب: إلى أين تتجه استراتيجية ترامب تجاه كوبا؟

أظهرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمًا واضحًا على إعادة ترسيخ النفوذ الأمريكي في منطقة البحر الكاريبي، باعتبارها إحدى الدوائر الرئيسة في استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، عادت كوبا إلى واجهة المشهد بوصفها إحدى أبرز بؤر التوتر في المنطقة. ومع التوسع المتواصل للنفوذ الاقتصادي والاستراتيجي لكل من بكين وموسكو في هافانا، تحولت كوبا إلى ساحة رئيسة للتنافس بين القوى الكبرى، تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا. وانطلاقًا من اعتبار هذا الحضور المتنامي تهديدًا مباشرًا، صعّدت واشنطن من حدة خطابها تجاه الجزيرة. والأهم أن الإدارة وصفت كوبا صراحة بأنها "دولة فاشلة"، وهو توصيف لا يسلط الضوء على عمق أزماتها الداخلية فحسب، بل يعكس أيضًا قناعة واشنطن بأن التدخل الاستباقي والحاسم بات ضرورة للحيلولة دون تفاقم حالة عدم الاستقرار في جوارها المباشر.   ويعكس هذا الانخراط الأمريكي المتزايد في نصف الكرة الغربي توجهًا راسخًا نحو إحكام السيطرة الإقليمية والحد من تمدد المنافسين الجيوسياسيين. ولا ينفصل هذا التوجه عن الإرث الاستراتيجي لعقيدة مونرو، التي قامت تاريخيًا على تكريس الهيمنة الأمريكية في القارة الأمريكية ورفض أي نفوذ خارجي داخلها. وفي خضم هذا التصعيد المتنامي، يبرز تساؤل استراتيجي محوري: هل باتت الولايات المتحدة أكثر ميلًا إلى التدخل العسكري المباشر لحسم الملف الكوبي، أم ستواصل انتهاج سياسة "الضغط الأقصى"، بالاعتماد على أدوات قسرية تشمل العقوبات الاقتصادية المشددة، والعزلة الدبلوماسية، والضغط السياسي، من أجل تحقيق أهدافها بعيدة المدى؟
خرافة البترودولار: لماذا يفشل الطموح وحده في كسر هيمنة الدولار؟
البرامج البحثية

خرافة البترودولار: لماذا يفشل الطموح وحده في كسر هيمنة الدولار؟

يُعد البترودولار أحد أكثر المفاهيم تداولًا وأقلها فهمًا في عالم التمويل الدولي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، شكّل هذا المفهوم عدسة رئيسية نظر من خلالها المحللون والصحفيون وصناع السياسات إلى مكانة الدولار بوصفه عملة الاحتياط العالمية، إذ جرى اختزال التفوق النقدي الأمريكي في ترتيباته المرتبطة بالطاقة. غير أن هذه المقاربة تُخفي من الحقائق أكثر مما تكشف. فهيمنة الدولار لم تكن يومًا نتاج صفقات النفط بقدر ما كانت حصيلة عمق الأسواق المالية الأمريكية، وصلابة بنيتها القانونية، ورصيد الثقة المتراكم في مؤسساتها عبر عقود. ومن ثم، فإن فهم مستقبل النظام المالي العالمي يقتضي تجاوز المشهد الجيوسياسي المرتبط بتسعير الطاقة، والتوجه نحو الأسس البنيوية الأكثر رسوخًا التي تُبقي الدولار الأمريكي في قلب المنظومة المالية العالمية.   ظهر مصطلح "البترودولار" في المعجم المالي العالمي خلال أوائل سبعينيات القرن الماضي، للدلالة على الدولارات الأمريكية التي تدفقت إلى الدول المصدرة للنفط عقب الحظر النفطي العربي عام 1973 وما أعقبه من ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام. غير أن جذور هذا المفهوم تعود في الواقع إلى تحول هيكلي أعمق في النظام النقدي العالمي. فعندما علّق الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قابلية تحويل الدولار إلى الذهب عام 1971، في خطوة أنهت فعليًا نظام بريتون وودز، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حاجة ملحة إلى مرتكز جديد يدعم استمرار الطلب العالمي على الدولار. وفي هذا السياق، تبلور لاحقًا ترتيب غير رسمي، تجسد بصورة أوضح في المفاوضات الأمريكية السعودية عام 1974، ضمن أن تُسعَّر صادرات النفط الخليجية حصريًا بالدولار، وأن يُعاد توظيف الفوائض المالية الناجمة عنها في سندات الخزانة الأمريكية والأسواق المالية في الولايات المتحدة.   وعلى مدى عقود، كرّس هذا الترتيب سرديةً شديدة الإقناع مفادها أن الهيمنة العالمية للدولار تستند في جوهرها إلى النفط. وكان المنطق الذي استندت إليه هذه السردية بسيطًا ومباشرًا: فطالما أن كل دولة مستوردة للنفط تحتاج إلى الدولار لشراء الطاقة، فإن الطلب العالمي على العملة الأمريكية يبقى مضمونًا بحكم بنية النظام نفسه. ووفقًا لهذا التصور، فإن أي تحدٍ لهذه المنظومة من شأنه أن ينعكس مباشرة على مكانة الدولار بوصفه عملة الاحتياط الرئيسية في العالم. وقد اكتسب هذا التصور زخمًا واسعًا، لا سيما في أوساط المحللين الجيوسياسيين والإعلام البديل، خصوصًا عقب قرار صدام حسين عام 2000 تسعير النفط العراقي باليورو، ثم مع تصاعد التكهنات لاحقًا بأن التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط كانت مدفوعة، ولو جزئيًا، بالرغبة في حماية منظومة البترودولار.   غير أن هذه السردية، رغم انتشارها الواسع، تقوم على سوء فهم جوهري للآليات الحقيقية التي تقوم عليها هيمنة الدولار. وقد فنّدت مجلة "ذا إيكونوميست" هذا الطرح بصورة مباشرة، مؤكدة أن البترودولار كثيرًا ما أُسيء فهمه، وأنه لم يعد يمثل الركيزة الأساسية لقوة الدولار. فرغم أهمية تجارة النفط العالمية، فإن حجمها لا يشكل سوى جزء محدود من إجمالي المعاملات المقومة بالدولار على مستوى العالم. ووفقًا لبيانات بنك التسويات الدولية (BIS)، يشارك الدولار في نحو 88% من إجمالي معاملات سوق الصرف الأجنبي عالميًا، وهي نسبة تعكس عمق الأسواق المالية ورصيد الثقة المتراكم في المؤسسات، أكثر مما تعكس أي اعتماد على الطاقة.   تاريخيًا، اكتسبت العلاقة بين النفط والدولار وزنًا أكبر في مرحلة كانت فيها الأسواق المالية العالمية أقل تكاملًا، وكانت سندات الخزانة الأمريكية تمثل الملاذ الآمن الافتراضي ضمن نطاق محدود من البدائل المتاحة. إلا أن هذا السياق البنيوي لم يبقَ على حاله، بل شهد تحولًا جذريًا. وتستند هيمنة الدولار اليوم إلى السيولة الاستثنائية لأسواق وول ستريت، وموثوقية إنفاذ العقود ضمن الإطار القانوني الأمريكي، فضلًا عن عقود من الثقة المتراكمة لدى المستثمرين العالميين، وهي أسس أكثر رسوخًا واستدامة بكثير من أي ترتيب ثنائي مرتبط بالطاقة. وباختصار، لم يكن البترودولار يومًا الركيزة الحاملة لهيمنة الدولار، بل كان، في أفضل الأحوال، مجرد عنصر داعم ضمن بنية أوسع وأكثر تعقيدًا بكثير.
مونديال ٢٠٢٦: حينما تكشف الرياضة أزمات السياسة
البرامج البحثية

مونديال ٢٠٢٦: حينما تكشف الرياضة أزمات السياسة

لاقى فوز الملف المشترك للولايات المتحدة وكندا والمكسيك باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم ٢٠٢٦ ترحيباً واسعاً في الأوساط الدبلوماسية الدولية، حيث اعتُبر إنجازاً استثنائياً للدبلوماسية الرياضية العابرة للحدود. وقد سعى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والدول المستضيفة، من خلال رفع شعار "نحن ٢٠٢٦"، إلى تقديم صورة مثالية للتعاون الإقليمي والتماسك المشترك، مروجين لفكرة انتصار القوة الناعمة للرياضة على الخلافات الجيوسياسية المعقدة.   ولكن مع حلول صيف عام ٢٠٢٦، اصطدمت هذه الوعود بواقع سياسي متناقض تماماً. فبدلاً من أن تعكس البطولة صورة للوحدة وسلاسة التنقل والحدود المفتوحة، كشفت التحضيرات لتنظيم هذا الحدث الضخم عن انقسامات عميقة وإجراءات أمنية صارمة تسيطر على قارة أمريكا الشمالية. وبذلك، تحولت بطولة كأس العالم من أداة للتكامل الإقليمي إلى عدسة مكبرة تفضح التناقضات السياسية الحادة التي تشكل السياسات الداخلية والخارجية للدول المستضيفة.
تمرد المزارع الأمريكي: حين يصبح «ترامب والتعريفات» خطرًا يفوق الطقس
البرامج البحثية

تمرد المزارع الأمريكي: حين يصبح «ترامب والتعريفات» خطرًا يفوق الطقس

يقف القطاع الزراعي في الولايات المتحدة، بحلول منتصف عام 2026، أمام منعطفٍ حرج تتشابك فيه صدمات الاقتصاد الكلي مع التداعيات الجيوسياسية والتحولات الحادة في السياسة التجارية الداخلية، بما انعكس بحدة على التحالفات السياسية التقليدية في الريف الأمريكي—والتي شكّلت تاريخياً حصناً انتخابياً منيعاً للحزب الجمهوري وللرئيس دونالد ترامب على وجه الخصوص— لتشهد تصدعات هيكلية عميقة، باتت تتسع مدفوعةً بالانعكاسات الاقتصادية المباشرة للسياسات التجارية الحمائية الصارمة، والتي تضطرب معها الأطر التنظيمية للوقود الحيوي، فضلاً عن النزاعات الإقليمية التي تضافرت معاً لتأكل هوامش الربحية وتقوّض ثقة المزارع بالمنظومة الحالية.   ولفهم جذور هذه الأزمة، يجب النظر إلى طبيعة العقد الاقتصادي الضمني بين الإدارة الجمهورية الحالية وقاعدتها الريفية؛ فقد ارتكزت الاستراتيجية الحكومية، من الناحية التاريخية، على مسارٍ ثنائي الأبعاد: هندسة تعريفات جمركية صناعية صارمة لتحصين قاعدة التصنيع المحلي، بالتوازي مع محاولة تحييد القطاع الزراعي عن الارتدادات العكسية لهذه السياسات عبر ضخ حزم دعمٍ فيدرالية استثنائية. إلا أن ديناميكيات عامي 2025 و2026 قد أسقطت الرهان على استدامة هذه المعادلة؛ حيث تُرجم الاحتقان الاقتصادي، الناتج عن هذا النهج المزدوج، إلى حراكٍ سياسي ملموس انعكست أصداؤه بوضوح في استطلاعات الرأي ومؤشرات الاقتراع التمهيدي، التي جاءت صادمة للمُعسكر الجمهوري.    تأسيساً على ما سبق، وفي ظل انتقال الأزمة من الحقل الاقتصادي إلى ساحة التجاذبات الانتخابية، يسعى هذا التحليل إلى تشريح المحركات الاقتصادية العميقة التي أفرزت حالة الإحباط الزراعي الراهنة، وتقييم فاعلية التدابير الحكومية المتخذة ضمن ملفي التجارة والطاقة، وقياس مدى التحول في الحسابات السياسية للناخب الريفي. وبالاستناد إلى القراءة المنهجية للمؤشرات الكمية واستقراء مخرجات الانتخابات التمهيدية في ولاية أيوا، يحاول هذا التحليل استشراف مسارات هذا التململ: فهل يمثل مجرد موجة غضبٍ ارتدادية عابرة، أم أنه يؤسس لمرحلة إعادة تموضعٍ سياسي شاملة من شأنها هندسة موازين قوى جديدة في واشنطن قبيل استحقاقات التجديد النصفي؟
هل تنهار الثقة في الدولة الرقمية؟
البرامج البحثية

هل تنهار الثقة في الدولة الرقمية؟

على مدى عقود، استندت الأنظمة التي طورتها الحكومات والبنوك والجامعات والمؤسسات العامة للتحقق من هويات الأفراد إلى افتراض جوهري مفاده أن المعلومات الشخصية والوثائق الرسمية والخصائص الجسدية يصعب تزويرها أو محاكاتها بصورة مقنعة. وفي ظل هذا الافتراض، كان رقم الضمان الاجتماعي مقترنًا بتاريخ الميلاد ورخصة القيادة كافيًا، في معظم الحالات العملية، لإثبات هوية الفرد والتحقق منها. غير أن هذا الافتراض لم يعد صالحًا اليوم، فقد سجلت الولايات المتحدة خلال عام 2025 أعلى عدد من اختراقات البيانات منذ بدء توثيق هذه الحوادث، كما ارتفعت بلاغات سرقة الهوية المقدمة إلى لجنة التجارة الفيدرالية بنحو 20% مقارنة بالعام السابق، فيما تجاوزت الخسائر العالمية الناجمة عن عمليات الاحتيال 534 مليار دولار سنويًا. وفي الوقت ذاته، أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي التقنية ذاتها التي تدعم طيفًا واسعًا من أدوات الإنتاجية والتطبيقات الإبداعية عبر مختلف القطاعات الاقتصادية، عاملًا مضاعفًا لقدرات الجهات التي تسعى إلى خداع الأنظمة الرقمية على نطاق غير مسبوق. وأدت السرعة المتزايدة لتطور هذه الأدوات، ومستوياتها المتقدمة من التعقيد، وسهولة إتاحتها، إلى انتقال المشكلة من نطاق الجرائم المالية وأنشطة الاحتيال التقليدية إلى صلب تساؤل أوسع يتعلق بمدى متانة وموثوقية البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها الدول الحديثة في أداء وظائفها الأساسية، وما إذا كانت هذه المنظومة تستحق بالفعل مستوى الثقة الذي مُنح لها على مدى عقود.
قمة واشنطن وبكين: بين احتواء التوتر ومنع الانزلاق نحو المواجهة
البرامج البحثية

قمة واشنطن وبكين: بين احتواء التوتر ومنع الانزلاق نحو المواجهة

في الساعات الأولى من يوم 13 مايو، توجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين لعقد محادثات شديدة الحساسية مع نظيره الصيني شي جين بينج، في لحظة تتسم بتصاعد غير مسبوق في الاضطرابات الدولية الناجمة عن أزمات متشابكة، في مقدمتها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية وما خلّفته من ارتدادات اقتصادية واسعة النطاق. وفي ظل هذا المناخ المضطرب، يسعى الطرفان إلى فتح مسار حوار يهدف إلى احتواء التوترات وضبط إيقاع العلاقة الأمريكية-الصينية، عبر نقاشات استراتيجية تتناول تداعيات حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي التي تفرض نفسها على النظام الدولي. وتكتسب هذه القمة أهمية استثنائية بالنظر إلى قدرتها المحتملة على إعادة تشكيل مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، إذ إن مخرجات هذه المحادثات قد تنعكس بصورة مباشرة على طبيعة التوازنات الاقتصادية والأمنية التي تحكم علاقة القوتين، ليس فقط على المستوى الثنائي، بل أيضًا في ما يتصل بشبكات الشراكة والتحالف المرتبطة بهما على المدى الطويل. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى قراءة أعمق لهذه القمة، عبر تفكيك دوافع انعقادها في هذا التوقيت تحديدًا، وفهم الذهنية السياسية والاستراتيجية التي يدخل بها الطرفان إلى طاولة المفاوضات، إلى جانب تحليل القضايا المطروحة على جدول الأعمال، واستشراف المسارات المحتملة التي قد تفضي إليها هذه المحادثات.
ما بعد الانسحاب الأمريكي: هل تستطيع أوروبا إدارة أمنها بمفردها؟
البرامج البحثية

ما بعد الانسحاب الأمريكي: هل تستطيع أوروبا إدارة أمنها بمفردها؟

ظلّ الجدل بشأن احتمال انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من حلف شمال الأطلسي "الناتو" أحد أكثر النقاشات الاستراتيجية حساسية منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، في وقت تتزايد فيه الشكوك حول مستقبل الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا وطبيعة الدور الذي ستواصل واشنطن الاضطلاع به داخل المنظومة الغربية. وخلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما عقب الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، اكتسب هذا الجدل زخمًا إضافيًا، مع اتساع فجوة التوتر داخل الحلف، وتوجيه الرئيس ترامب انتقادات علنية ومتكررة لعدد من الحلفاء الأوروبيين، فضلًا عن تشكيكه في جدوى استمرار بعضهم ضمن المنظومة الأطلسية من الأساس. وفي ظل هذا المناخ، لم يعد النقاش مقتصرًا على احتمال انسحاب واشنطن رسميًا من "الناتو"، بل بات يتجاوز ذلك إلى تساؤل أكثر عمقًا وحساسية يتعلق بقدرة أوروبا نفسها على إدارة أمنها بصورة مستقلة في غياب المظلة الأمريكية الواسعة. ومن هنا، يبرز عدد من الأسئلة الجوهرية: ما الكلفة الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية التي قد تترتب على مثل هذا التحول؟ وهل تمتلك الدول الأوروبية القدرة على إعادة بناء قدراتها الدفاعية وإعادة تنظيم بنيتها الأمنية بالسرعة والكفاءة الكافيتين للتعامل مع بيئة دولية تتسم بتصاعد التهديدات وتسارع التحولات الجيوسياسية؟   غير أن الأهم من مسألة الانسحاب الرسمي ذاتها هو أن القيود القانونية والسياسية والمؤسسية التي قد تعيق أي رئيس أمريكي عن مغادرة "الناتو" بالكامل، لا تمنع واشنطن من انتهاج مسارات بديلة تُفضي عمليًا إلى تقليص دورها داخل الحلف بصورة ملموسة. فقد تلجأ الولايات المتحدة إلى خفض مساهماتها المالية، أو تقليص انتشار قواتها في أوروبا، أو سحب منظومات تسليح وقدرات استراتيجية حيوية شكّلت لعقود أحد الأعمدة الرئيسية للبنية الدفاعية الأوروبية. وفي حال اتجهت واشنطن نحو هذا المسار التدريجي، فإن السؤال الأكثر حساسية لن يتعلق فقط بحجم التراجع الأمريكي، بل بمدى قدرة أوروبا على التعامل مع التداعيات الناتجة عنه. فإلى أي حد قد تنكشف القارة الأوروبية أمام المخاطر الأمنية؟ وهل تمتلك الدول الأوروبية ما يكفي من الجاهزية العسكرية والمرونة السياسية والقدرة الصناعية لتعويض الفجوات التي قد يخلّفها تراجع الدور الأمريكي؟
كيف تعيد حملات الإقصاء في زمن الحرب تشكيل العقيدة العسكرية الأمريكية؟
البرامج البحثية

كيف تعيد حملات الإقصاء في زمن الحرب تشكيل العقيدة العسكرية الأمريكية؟

لم تسلم دولة أو مجتمع أو مؤسسة من الاضطرابات التي أطلقتها الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، غير أن التحول الأكثر إثارة ربما لم يتجسد في ميادين القتال بقدر ما ظهر داخل بنية أقوى مؤسسة عسكرية في العالم. ففي خضم الحرب، أطلق وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث حملة إقصاء واسعة استهدفت أعلى مستويات القيادة العسكرية، عبر الإطاحة بعدد من كبار المسؤولين بأسلوب بدا أقرب إلى إعادة إحكام السيطرة على مراكز النفوذ داخل المؤسسة، منه إلى مجرد عملية إعادة تنظيم مرتبطة باعتبارات الأمن القومي أو ضرورات إدارة الحرب. وفي هذا السياق، لا تبدو هذه التحركات مجرد تغييرات إدارية عابرة، بل تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق بشأن طبيعة التحول الجاري داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية. فهل يسعى هيجسيث إلى إعادة تشكيل الجيش بما يخدم أجندة سياسية تتجاوز الحسابات الاستراتيجية التقليدية؟ وهل تمثل هذه الإقالات محاولة لتحصين موقعه داخل الإدارة في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بالحرب؟ وهل تكشف هذه التحولات عن وجود اعتراضات داخلية أوسع على مسار المواجهة العسكرية؟ والأهم من ذلك، إلى أي جهة ستؤول في النهاية مرجعية هذا الجيش بعد إعادة تشكيل بنيته القيادية والعقائدية؟